[هل كل من لم يبايع «دولة العراق الإسلامية» خارجٌ عن الجماعة؟!]
مركز اليقين: ما هو التفصـيل والشـرح الذي أشـرتَ إليه في مسألة اعتبار مَن لم يبايع الدولة خارجا عن الجماعة؟
الشـيخ عطية الله: أنا قصدتُ أنه قد قيل: إن الدولة تجبر الناس على البيعة، وأنها ترى أن الذي لا يبايع ولا يلتحق بالدولة أنه مفارق لجماعة المسلمين، ويطبقون عليه حديث: (مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)٣٨٨صحيح مسلم (1851). ونحوه من الأحاديث، وهذا القول روّجه الخصوم كثيرا، وبخاصة «الحزب الإسلامي» ومَن نحا نحوه وقاربه، وبثّوه عبر شبكة معقدة من المشـيخة والعلاقات يتمتع بها «الإخوان» كما هو معروف.!
وأعداء «الدولة» و«القاعدة» كثر، ولا ينقصهم الهمة في عداوتها، للأسف الشديد، نسأل الله العافية والسلامة!. ولكن المتثبّت المتأني، والذي يطلع على الأمور بشكل أكمل وأدق وأكثر اعتمادًا، يعرف أن هذا ليس صحيحا، أو على الأقل ليس دقيقا، وقيادات «الدولة» نفت هذا، وبيّنت أنها تدعو الناس إلى الالتحاق بـ«الدولة» ومبايعتها، ولكنها لا تجبرهم بالقوة على ذلك، ولا تمنعهم حقهم إن لم يبايعوا، ولا تعتدي عليهم، ولا تقطع ولاءها لهم، بل تراهم إخوة يجب نصـرتهم وموالاتهم، حتى مع الاعتقاد بأنهم مقصـرون في أمر الوحدة والاجتماع والبيعة لـ«الدولة» لأنها صارت الآن هي الجهة التي لا يدانيها جهة أخرى يمكن أن يجتمع عليها المسلمون وأهل الجهاد في العراق، وليس هناك جهة أحق منها لأسباب كثيرة، أقول: حتى مع الاعتقاد بأنهم مقصـرون في ذلك، بل وأنهم واقعون في معصـية لعدم قيامهم بهذا الواجب، فإنهم يبقون إخوة يجب لهم حق الولاء والنصـرة والأخوة التامة.. إلخ. قيادات الدولة بيّنوا هذا ووضحوه جدا.
وقالوا: لا نقول إن مَن لم يبايع الدولة فإنه ينطبق عليه الحديث: (مَن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) بإطلاق وعلى كل أحدٍ لم يبايع، ولكن قد يكون هناك فصـيلٌ ينبغي عدمُ إهماله، ونعلم أن البيعة لهذه الإمارة (الدولة) ليس بمنزلة البيعة للإمام الأعظم للمسلمين الذي اجتمعت عليه الكلمة، من كل وجهٍ وإن شاركتها في الكثير من الأحكام، ونعرف قول الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن قول النبي ﷺ: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) قال: «أتدري من الإمام؟ هو مَن اجتمعت عليه كلمة الناس وكلهم يقول هذا إمام» ٣٨٩السنة للخلال (10) من طريق محمد بن أبي هارون، أن إسحاق حدثهم، وإسناده صحيح..
لكن قد يستخدم الإخوة هذا الحديث وما كان نحوه في الوعظ والحث والحضّ على المبايعة وعلى الالتحاق بالدولة، ففرقٌ بين استعمال الحديث في تقرير حكم غير المبايع، وبين إيراده في الدعوة والتحريض والوعظ، على أساس أنه دالٌ في الجملة على وجوب كون المسلمين جماعة واحدة لهم إمامٌ (أمير) ما أمكن، وعلى أساس القول: نخشـى أن مَن لم يبايع قد يقع تحت طائلة الوعيد الوارد في هذا الحديث.. فهم قد يُوردونه مورد الزاجر المنفّر عن الانفراد والافتراق.
أما الاعتقاد بأن مَن لم يبايع «دولة العراق الإسلامية» أنه مفارق لجماعة المسلمين يُشـرع قتاله وقتله، وأنه إن مات فميتتُه جاهلية، بمعنى أنه مرتكبٌ كبيرة من الكبائر فهذا لا يعتقده الإخوة في كل مَن لم يبايع كما وضّحوه، وكما هو مفهوم لمن عرف رأيهم وتابع إصداراتهم ومنشوراتهم، وذلك مراعاة للاختلافات الاجتهادية ولصعوبة الظروف في أحوال الحرب والاختلاط، ولعدم وضوح الصورة بجلاء جدا عن الكثيرين، ولذلك فإن التركيز الآن هو على تقوية الدولة الناشئة وتثبيتها وتسديدها، فإذا فتح الله عليها ونصـرها وأعلى رايتها، فاء الناسُ إليها وحصل لها المقصود إن شاء الله، وأغناها الله عن كثير من تلك المباحث أصلا.! مع أنه أيضا للحقيقة؛ عند نشوء الدولة وإعلانها، كان ذلك الرأي هو رأي بعض الإخوة فعلا، من طلبة العلم وبعض الإخوة المسؤولين من المجاهدين، أعني أنه يجب على الجميع في مناطق أهل السنة في العراق بيعتها والدخول في سلطانها، وأن مَن لم يدخل هو في حكم الخارج على جماعة المسلمين الشاق لعصاهم، أقول: كان هذا رأي بعض الإخوة ولم يكن هو الرأي الرسمي للدولة، لكن مع المراجعة والتدارس ومراسلات العلماء ومباحثاتهم استقرّ الأمرُ على عدم القول بذلك، وأنه لا زال مبكرًا، ولا يمكن أن نقول ذلك حتى يحصل للدولة تمكينٌ أظهر، واجتماعٌ للكلمة أوضح وأعلى، قاطعٌ لعذر المخالف.!
وأنا شخصـيا عبّرت عن تفصـيل ما زلتُ أعتقده صحيحا في مقال لي بعنوان «كلمات في نصـرة دولة العراق الإسلامية» وقلت: «وأما الفتوى فهي هنا تتبع الحال والواقع كما أشـرنا: فإن كان قد تحقق اجتماع أكثر أهل التأثير والقوة لهذه الدولة حتى يُـعدّ الخارج عنها المنفرد المفارق لها مفسدًا شاقا للعصا مضعفا للمسلمين فاتّـًا في عضدهم مضيّعًا لهم.. أمكن أن نقول بوجوب البيعة لها والدخول تحت سلطانها وتحريم الانفراد عنها» اهـ، والله أعلم.
أخي الكريم: نحن قد نوجب مبايعة تنظيم معيّن على أهل منطقة أو ناحية معيّنة، حتى لو لم يسمّ نفسه دولة ولا سلطانًا ولا حكومةً ولا إمارة ولا شـيئا مما يقارب هذه الألقاب، بل يسمي نفسه تنظيما وجماعة، إذا توفّرت أسباب الإيجاب، وهذا قد قال به العلماء، وأفتوا بأنه عند شغور الزمان عن سلطان للمسلمين لو اجتمع أهل كل ناحية على مَن يقوم بأمرهم ويقودهم ويكون أميرا عليهم، فإنه لو جاء آخر ينازعه فإنه يدخل في قول النبي ﷺ: (من أتاكم وأمركم جميع على رجلٍ واحدٍ يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه)٣٩٠صحيح مسلم (1852) وساقه الشيخ مختصرًا. ونحوه، وهذا ذكره الشـيخ «ميارة» رحمه الله من المالكية، وذكره غيره، وأشار إمام الحرمين في «الغياثي»٣٩١غياث الأمم (ص 177). إلى قريبٍ من هذا الرأي.
وبالتالي فنحن لا نمنع اعتبار الخارج عن الدولة خارجًا عن جماعة المسلمين ومفارقا للجماعة مستحقا لعقوبة المفارق للجماعة، حيث وجدت الظروف من القوة واستتباب الأمر للدولة ولا سـيما مع وقوع الفساد من هذا المنفرد الخارج المفارق.. إلخ كما أشـرنا إليه، وهذا متروك لرجال الدولة وقياداتها وأهل الحل والعقد فيها، هم يقدّرونه، والفتوى تنبني عليه.. وهذا حق وشـرعٌ نعتقده، فلم الخوف من مثل هذه الأحكام وإبرازها، حتى صار البعض يهرب منها، ويحاول إنكارها أو التنصّل منها بأنواع التأويلات، ويظن أنه يريد أن ينزه الشـريعة عن مثلها، سبحان الله..!
•••