• فائدة في معنى الرفق، وحث الشـريعة عليه، وذم ضده وهو العنف:
الرفق هو: اللطفُ واللينُ واليسـر والسهولة في معالجة الأمر، والعنف ضده وهو الشدة في معالجة الأمر وتعاطيه، وقد جاء في الشـرع المطهر مدح الرفق كثيرا، وذم العنف، ونذكر هنا طرفا مما ورد في ذلك من الأحاديث النبوية، ثم نتكلم في فروع للمسألة:
- قال النبي ﷺ: (إن الله رفيق يحب الرفق) رواه البخاري ومسلم، وأحمد وأبو داود وابن ماجه، ولفظ البخاري وابن ماجه: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)، ولفظ مسلم وأكثر الباقين: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)٥٤٩صحيح البخاري (6927)، صحيح مسلم (2593)، مسند أحمد (16802)، سنن أبي داود (4807)، سنن ابن ماجه (3688)..
- وقال ﷺ: (من يُحْرَمِ الرفقَ يُحرم الخيرَ) رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم، ولفظ أبي داود: (.. يُحرَم الخيرَ كله)٥٥٠صحيح مسلم (2592)، مسند أحمد (19208)، سنن أبي داود (4809)، سنن ابن ماجه (3687)..
- وقال ﷺ: (من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير) رواه الترمذي، وعند أحمد نحوه٥٥١سنن الترمذي (2013) وصححه الألباني، مسند أحمد (25259، 27553)..
- وقال ﷺ: (إن الرفق لا يكون في شـيء إلا زانه، ولا ينزع من شـيء إلا شانه) رواه مسلمٌ وأبو داود وأحمد وغيرهم٥٥٢صحيح مسلم (2594)، سنن أبي داود (2478، 4808)، مسند أحمد (24938)..
فهذه أصول الأحاديث في هذا الباب، ولها ألفاظ متقاربة، ولها موارد (قصص وردت فيها) تتّضح بها معانيها ويتبيّن بها فقهها وحدودها، كما سنشـير إلى بعضها إن شاء الله تعالى.
ومن مجموع ما ورد في الكتاب والسنة في شأن الرفق واللين والرحمة والتلطف والتيسـير، وأضدادها من العنف والشدة وما قاربها من معاني، نستطيع أن نخرج بالتوجيهات الآتية:
ألف: أن العدل والحكمة يقتضيان وضع كلٍ من الوصفين في محله اللائق به؛ فالرفق في موضعه والعنف في موضعه.
باء: ولذلك فإن خير الأخلاق أعدلها، و«العدل في الأخلاق» أصل من أصول التزكية، وراجع ما كتبه ابن القيم رحمه الله في كتابه «الفوائد» في فصلٍ في ذلك٥٥٣الفوائد (ص 143، 144).؛ قال الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح: 29]، وقال تعالى: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54]، وقال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢﴾ [النور].
جيم: وأن المقصود بالرفق والرحمة والسماحة واللطف والتيسـير المحمود والممدوح في الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ هو ما كان في محله اللائق به ولأهله.
دال: وكذلك العنف المذموم والشدة، المقصود بها ما كان في غير محله ولغير مستحقه وأهله، وإلا فإن العنفَ والشدة في محلها محمودةٌ مطلوبة بلا ريبٍ، كما تدل عليه الآيات المتقدمة مثلا، وغيرُها.
هاء: أنه ينبغي أن يكون الرفق هو الأصلَ وهو الغالب على الإنسان، ويكون العنف هو الاستثناء وهو الأقل وهو الذي يقدّر بقدره.
واو: وأن يكون الرفق هو الأسبق وبه تكون المبادرة، إلا أن يستوجب الحالُ عكسَه؛ جاء في الحديث في الصحيحين: (إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق، إن رحمتي سبقت غضبي؛ فهو مكتوب عنده فوق العرش) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلمٍ: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي)٥٥٤صحيح البخاري (3194)، صحيح مسلم (2751)..
ولا يقال: هذا مبنيّ على التشبه بأفعال الله تعالى وصفاته، أو ما يسميه بعض أهل العلم الاقتداء بفعل الله، فإن هذا محل فيه تفصيل ويحتاج إلى مزيد تحرير، وليس الاعتماد هنا على مجرد ذلك، وإنما العمدة هنا أننا عرفنا أن الله ﷻ يحب من عبده ذلك، كما تدل عليه الدلائلُ الكثيرة.
قال الغزالي رحمه الله في «الإحياء»: «اعلم أن الرفقَ محمود، ويضاده العنفُ والحدة، والعنفُ نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة، وقد يكون سبب الحدة الغضب، وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاؤه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت؛ فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسنُ الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال، ولأجل هذا أثنى رسول الله ﷺ على الرفق وبالغ فيه..-ثم ذكر طرفًا من الأحاديث والآثار، وقال:- وقال سفيان لأصحابه: «تدرون ما الرفق؟ قالوا: قل يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمورَ في مواضعها؛ الشدة في مواضعها، واللين في موضعه، والسـيف في موضعه، والسوط في موضعه».
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّـيْفِ بِالْعُلَا | مُضِـرٌّ كَوَضْعِ السَّـيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى٥٥٥قاله: أبو الطيب المتنبي، كما في: التمثيل والمحاضرة (ص 111). |
فالمحمودُ وسط بين العنف واللين، كما في سائر الأخلاق، ولكن لما كانت الطباعُ إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر، فلذلك كثر ثناء الشـرع على جانب الرفق دون العنف، وإن كان العنف في محله حسنًا كما أن الرفق في محله حسن، فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحقُ الهوى وهو ألذ من الزبد بالشهد وهكذا.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «روي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإن الفهم في الخير زيادة رشدٍ، وإن الرشـيد من رشد عن العجلة، وإن الخائبَ من خاب عن الأناة، وإن المتثبّت مصيبٌ أو كاد أن يكون مصيبًا، وإن العجِل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئًا، وإن من لا ينفعه الرفقُ يضـره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي». وعن أبي عون الأنصاري قال: «ما تكلم الناس بكلمة صعبةٍ إلا وإلى جانبها كلمة ألينُ منها تجري مجراها». وقال أبو حمزة الكوفي: «لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه، فإن مع كل إنسان شـيطانًا، واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شـيئًا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه». وقال الحسن: «المؤمنُ وقاف متأنٍ وليس كحاطب ليل».. فهذا ثناء أهل العلم على الرفق، وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور، والحاجة إلى العنفِ قد تقع ولكن على الندور، وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواقع العنف فيعطي كل أمر حقه فإن كان قاصـر البصيرة أو أشكل عليه حكم واقعةٍ من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق فإن النجح معه في الأكثر»٥٥٦إحياء علوم الدين (3 / 184 - 186).، انتهى كلامه رحمه الله.
زاي: أن العنف المذموم والفحش قرينان، ولهذا جاء في أحد ألفاظ البخاري في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: (.. يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش)، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟، قال: (أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ)، وفي لفظٍ لمسلمٍ: (يا عائشة لا تكوني فاحشة)، فقالت: أما سمعت ما قالوا؟، فقال: (أو ليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم)، وفي لفظ آخر له: ففطنت بهم عائشة رضي الله عنها، فسبتهم، فقال رسول الله ﷺ: (مهْ يا عائشة، فإن الله لا يحب الفُحْشَ ولا التفحش)٥٥٧صحيح البخاري (6030، 6401)، صحيح مسلم (2165).، وفي لفظ ابن حبان في الحديث المتقدم: (.. ولا كان الفحشُ في شـيء إلا شانه).
وهذا محمول على أنه لفظُ النبي ﷺ، هذا هو الأصل، ويُحتَمل أنه ﷺ تكلم بهذه الألفاظ مجتمعة فذكر في كلامه لفظ (الفحش) ولفظ (العنف) فروى بعض الرواة هذا وبعضهم هذا، كما يحتَمل أنه تكلم بإحداها، فحفظ بعضهم نفس اللفظ، وروى بعضهم بالمعنى، وأكرم بهم من علماءَ بالمعاني رضي الله عنهم، والله أعلم.
والفحش عنفٌ لأنه شدة في القول في غير محلّها! فلو كان الكلام الفاحش -بحسب ما تعطيه اللغة- في موضعه المناسب -وهو قليلٌ جدًا- فإنه حينئذٍ لا يكون عنفًا ولا فحشًا شـرعًا، كما جاء في الحديث: (من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهنّ أبيه ولا تكنوا)٥٥٨مسند أحمد (21234) وحسنه الأرنؤوط، وقال الألباني في: الصحيحة (269): هذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات.، وكما في قول أبي بكر h لعروة بن مسعود الثقفي في الحديبية: «امْصُصْ بظرَ اللاتِ»٥٥٩صحيح البخاري (2731) بلفظ: «ببُظرِ اللات»، مسند أحمد (21234). وكان ذلك بحضـرة النبيّ ﷺ؛ فهذا مما وافقَ محلَّه المناسبَ واللائق به، فكان حكمة ورشادًا وصلاحًا، وخرج عن كونه فحشًا أو عنفًا مذمومًا شـرعًا، لكن لا بد أن يُعرَف أن هذا قليل جدًا، ويقدّر بقدره، ويُحتاط فيه ويُتثبَّتُ، والله أعلم.
حاء: الرفق في كل شـيء ومع كل شـيء حتى مع الدوابّ؛ عن شداد بن أوس h عن النبي ﷺ: (إن الله كتب الإحسانَ على كل شـيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرحْ ذبيحته) رواه السبعة إلا البخاريّ٥٦٠صحيح مسلم (1955)، سنن أبي داود (2815)، سنن الترمذي (1407)، سنن النسائي (4405)، سنن ابن ماجه (3170)، مسند أحمد (17113).، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا سافرتم في الخِصْب فأعطوا الإبلَ حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السَّنَة فبادروا بها نِقيها، وإذا عرّستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدوابِّ ومأوى الهوام بالليل)٥٦١صحيح مسلم (1972).، وفي موطأ الإمام مالك مرسلًا: (إن الله سبحانه وتعالى رفيق يحب الرفق ويرضـى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف فإذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ فأنزلوها منازلها فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها بنقيها وعليكم بسـير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار وإياكم والتعريس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات)٥٦٢موطأ مالك (2062)، وخرجه الطبراني متصلا في: المعجم الكبير (852)، وصححه الألباني في: صحيح الجامع (1770).، اهـ، وقصة البغي من بني إسـرائيل التي سقتِ الكلبَ معروفة مشهورة٥٦٣صحيح البخاري (3467)، صحيح مسلم (2245).، وهديه ﷺ وإرشادُهُ في حسن معاملة الحيوان معروفٌ.
واليومَ يتفاخر أهل العصـر بمبدأ الرفق بالحيوان، وظنّ كثيرٌ من الغربيين أنهم أصحابه ومخترعوه وأنهم جذيله المحكك!! وما دروا أن ما نالوه من ذلك من الخير والصوابِ إنما هو وبيصٌ من أنوار النبوة وأثرٌ من أشعة الإسلام! فالحمد لله رب العالمين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
طاء: الرفق بالرعية: ومن الرفق رفق الأمراء والأولياء برعاياهم ومَن تحت ولايتهم بالتيسـير عليهم وخدمتهم ورحمتهم والعطف عليهم والسعي في راحتهم ومصلحتهم؛ جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دعا: (اللهم مَن ولي من أمر أمتي شـيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومَن ولي من أمر أمتي شـيئًا فرفق بهم فارفق به)٥٦٤صحيح مسلم (1828)..
ياء: التيسـير من معنى الرفق، وهذا مبدأ يحتاجه المجاهد أكثر من غيره، يدلُّ عليه كثرة وصاياه ﷺ لمبعوثيه وأمراء سـراياه ودعاته الذين يبعثهم إلى الناس بنحو قوله: (يسـروا ولا تعسـروا، وبشـروا ولا تنفّروا)٥٦٥صحيح البخاري (69، 6125)، صحيح مسلم (1734) لكن بلفظ: (.. وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا).، ولأن المجاهد خصيصةُ عملِهِ ولبُّه: الدعوةُ إلى الله تعالى وهدايةُ الناس والإتيان بهم إلى دين الله وتألفهم واكتسابهم؛ فهو محتاج إلى ذلك جدًا، وبقدر حظه من ذلك يكون حظه من الخير والنجاح.! وقد جاء في الحديث: (بعثتُ بالحنيفية السمحة) رواه أحمد والطبراني٥٦٦مسند أحمد (22291)، المعجم الكبير (7868)، وصححه الألباني في: الصحيحة (2924)..
قال العلماء رحمهم الله: حنيفية في التوحيد، سمحةٌ في الشـرائع، والسماحة معناها قريبٌ من التيسـير واللطف والتوسعة، وهي ضدّ التكلّفِ والعنف والتعسـير والتضييق. وفي الحديث: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) رواه البخاري٥٦٧صحيح البخاري (2076)..
وأهلُ الزيغ اليومَ يُكثرون من ترديد لفظ السماحة ويصفون الإسلامَ بأنه دينُ التسامح، وهم يريدون بذلك معنى فاسدًا مخالفًا لدين الإسلام؛ لأنهم يريدون به ما يلغي الولاءَ والبراء وبغضَ الكافرين ومعاداتهم والكفر بهم ومجاهدتهم، قاتلهم الله، وأما نحن أهل الإسلام والسنة والجهاد فنعرف السماحة والتسامح الحق الذي جاء به محمدٌ ﷺ، ونعرف حدوده وفقهه، والحمد لله رب العالمين، اللهم إنا نسألك من فضلك وعافيتك، ونسألك دوامَ التوفيق.
وسنضـرب إن شاء الله في الحلقة القادمة أمثلةً على سماحة شـريعة الإسلام في الجهاد وما يلحق به من أبواب معاملة الكفار.
[الحلقة السادسة – مجلة طلائع خراسان، العدد السادس عشـر، محرم 1431]