[تقييم المسيرة الجهادية في «الجزائر»، وذكر تجربة الشيخ فيها، والكلام عن أسباب الفشل هناك، والمخرج من حالة الجمود الراهنة في تلك البلاد، ونصائح للمجاهدين فيها]
شـيخنا الكريم.. وأنت من أبناء المغرب العربي، وعشت إرهاصات الصحوة الإسلامية فيه التي تحولت فيما بعد إلى صحوة جهادية جذوتها مشتعلة إلى اليوم -رغم ما تخللها من كبوات ونكبات-؛ فهل لنا أن نسمع من شـيخنا تقييما مجملا للمسـيرة الجهادية في الجزائر، خصوصا كونها أكبر تجربة جهادية في المغرب العربي؟ وما هي أسباب تلك الفتن والنكبات؟ وما المخرج من حالة الجمود الدعوي التي تعيشها المنطقة؟، وما النصائح التي تقدمها للأجيال الحالية التي تطمح للعودة بالأمة إلى المنهج الصافي في هذه الظروف الصعبة والمعقدة..
وأرجو من شـيخنا الكريم وألح عليه أن يحذو حذو شـيخنا أبي مصعب السوري فك الله أسـره، الذي قدم نظرة نقدية لمسار الجهاد السوري وبعض النظرات في مسار الجهاد الجزائري، وشـيخنا الفاضل على احتكاك واسع ومباشـر مع أهل التأثير في المنطقة خصوصا الشـيخ أبأ مصعب السوري والشـيخ أبا قتادة والشـيخ أبا المنذر -فك الله أسـرهم-؛ فلتقدم لنا يا شـيخنا عصارة تجربتكم، وما استخلصتموه من عبر لتكون هذه الدراسات مرشدة للأجيال القادمة.. وجزاكم الله عنا كل خير.
[السائل: سـيف العدل المدني]
الجواب:
جزاك الله خيرا أخي الكريم سـيف العدل المدني، ووفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.
بالنسبة للكتابة والمساهمة في النقد والترشـيد فأنا أمارس ما أقدر عليه من ذلك في مناسباته، وبطرق مختلفة، ونرجو من الله التوفيق، والناس يختلفون، فأنا من النوع المقل في الكتابة وأرى نفسـي أميل إلى الاختصار وإلى العمل، والله قسم المواهب بيـن خلقه، وفي كل خير والحمد لله.. ومع ذلك فلعلي أكتب وأجمع إن شاء الله تعالى، وبارك الله فيكم.
وأرجع إلى سؤالك: ففيما يتعلق بتقييم الحركة الجهادية في الجزائر، فهي خلال التسعيـنيات من القرن الإفرنجي الماضـي، كانت أغنى وأرجى محاولة جهادية في البلاد العربية وعموم بلاد المسلميـن، وذلك لأنها توافر لها من عوامل النجاح والظروف المناسبة ما لم يوجد في غيرها، وذلك مثل: التأييد الشعبي الواسع، المبررات والمسوّغات المنطقية والأدبية للثورة والجهاد التي استوعبت معظم فئات الشعب الثقافية بسبب الحركة والدعوة والاجتماعية وعلى الأخص حصـيلة جهود الجبهة الإسلامية للإنقاذ والتي كان ذروتها إلغاء الانتخابات، ضعف النظام الحاكم وتخلخله وتفككه وانهياره، وضعف قواته العسكرية والأمنية أيضا، والطبيعة الجغرافية للجزائر (السلاسل الجبلية والغابات والأرياف وغيرها) مما لا يكاد يوجد له نظير، والوقت كان مناسبًا وذلك بعد الجهاد الأفغاني وفي مقتبل صحوة جهادية وإحياء جهادي تشهده الأمة حيث كانت الآمال مقبلة ورياح النصـر هابّة..! قدّر الله أن تفشل هذه التجربة في تلك الحقبة لأسباب أيضا سأشـير إليها. وانكسـرت الآمال وخاب الرجاء ووقع الإحباط..
لكن أمر المؤمن كله له خير.. ما زال الله تعالى يـنير قلوب فئات من رجال هذه الأمة ومن هذا الشعب، ويهديهم ويصلح بالهم، ويعيـنهم على الطريق الطويل، فهم سائرون على الدرب برغم الصعاب، تحمّلوا مشاق التجربة وصبروا على ما أصابهم بسبب أفعال غيرهم من المفسديـن، يرجون رحمة الله ويـنتظرون فرجه، ألا إن نصـر الله قريب. وكما قلنا ها هي الآمال تتجدد بحمد الله.. والعاقبة للتقوى.
في ما يتعلق بأسباب تلك الفتن والنكبات، وأسباب تلك الانتكاسة والفشل، فسأحاول أن أوضح ذلك باختصار بحسب ما أدى إليه التأمل والفهم لهذه التجربة التي واكبناها وعايشنا الجزء الأهم منها، والله المستعان وبه الثقة.
فأهم أسباب الفشل ما يلي:
1- ضعف وخلخلة المنظومة الفكرية والمنهجية الجهادية في تلك الفترة في الجزائر، وهذا الضعف يظهر في عدة صور، مثل: الفوضـى الفكرية والعلمية، ونقص في «المرجعية» أو القيادة العلمية، وقلة الكادر العلمي الجهادي المؤهّـل، وتبايـن واختلاف شديد في تصورات وأفهام النافريـن للجهاد؛ فقد جمع الصف الجهادي أنواعًا من المتشدديـن والمتنطّعيـن وبعض الغلاة أيضا في التكفير وغيره، مع المتساهليـن إلى درجات مذمومة أحيانًا، في حيـن كانت الغالبية طبعا هم من عوامّ الناس.
هذا الجمع في حد ذاته وبمجرّده ليس عيبًا ولا خطرًا؛ فإننا لا نشترط النقاء الكامل في جيوش الإسلام وصفوف المجاهديـن، ولا يمكن هذا عمليا أيضا، وغالب جيوش الإسلام بعد عهد الصحابة والتابعيـن كانت هكذا كما ذكره العلماء! إنما الخطر جاء من جهة عدم وجود قيادة علمية محورية قوية يجتمع عليها الناس ولذلك كان هناك تناقضات كبيرة في الصف فكريا ومنهجيًا من البداية كانت تنذر بشـر، ومع قلة القيادة العلمية كما قلنا تحقق الضـرر.!
وكانت السمة العامة الغالبة على القوى المؤثرة في الحركة الجهادية (القيادات العليا والوسطى وما قاربهم) هي: السلفية التي تربّت في جوّ دعويّ يـنحو مناحي غير متّزنة في مفاهيمه وأفكاره؛ فكانت هناك مفاهيم مغلوطة كثيرة، عن الفقه والشـريعة والسنة والبدعة والكفر والإيمان ومسائلهما، وعن العلماء والجماعات، وغير ذلك.
بالجملة.. كان هناك مسحة من التشدد، بل والتنطع والغلو في الديـن في كثير من الكتائب والمناطق. هذا عشناه وعانيـناه كثيرا، والأمثلة لا تعوزني، والمقام لا يسع للتطويل هنا.
فعلى سبيل المثال: تكاد تكون أحكام الشـرع بل الديـن انحصـر في فهم كثير من المشار إليهم (القوى الفاعلة في وسط المجاهديـن من القيادات الكبرى والوسطى وحتى كثير من القيادات الدنيا ومَن دار في فلكهم) في لفظيـن أو ثلاثة ألفاظ: سنة، وبدعة، ومنهيّ عنه.!
فأنت لا تكاد تجد في أفهامهم إلا: الشـيء الفلاني سنة، الشـيء الفلاني بدعة، الشـيء الفلاني منهيّ عنه.. وفي كثير من تفاصـيل ذلك أخطاء وأغلاط لا تحصـى، جهل وضعف..!
حتى إن الإنسان كان لو قال: الشـيء الفلاني مكروه، أو مستحب مثلا؛ كان يلاقي الكثير من الاستنكار..! وكثير من الأشـياء اعتبرت عندهم سنة (بمعنى السنة في مفهومهم بدون تفصـيل على مقتضـى الفقه) وهي في حكم الشـرع لها درجتها التي قد تكون الإباحة والجواز فقط.! ولسنا ننكر إطلاق لفظ السنة على مثل هذا باعتبار وروده عن النبي ﷺ، وإنما المقصود أنهم يجعلونه هو الديـن وهو ضد البدعة، وتاركها مبتدع أو لا يحب السنة وما قارب ذلك، حتى جعلوا أشـياء كثيرة من السنن (بمعناها عند الفقهاء وهي المستحبات) جعلوها في منزلة الواجبات والفرائض وَوَالُوا وعادوا عليها وصنّفوا الناس على أساسها هي أكثر من غيرها، مع أن قصاراها أن تكون جزءًا صغيرًا من العمل الصالح الذي يـنبغي أن يقوّم الإنسان بمجموعه، فربما تجد الرجل فيهم مقصـرا في الفرائض فلا يلتفتون إلى ذلك ما دام يطبق السنة ويحب السنة -زعموا- بحرصه على تلك السنن (باعتبار أنها سنة في الأصل حقا، مع جهلهم هم بالتفاصـيل) التي أشـرنا إلى أمثلتها.
من أجل ذلك اختفى عندهم تقويم الناس بالألفاظ الشـرعية الواردة في لسان الشـرع كالتقوى والصلاح والإيمان والإحسان ونحو ذلك، واستبدل أكثرهم بها ألفاظا أخرى كبعض ما ذكرناه مثل: يحب السنة، وعكسه لا يحب السنة، وسلفي وغير سلفي وما شابه ذلك.. لكن عمومهم لا يعرف الأحكام الشـرعية الفقهية إنما يعرف أن الشـيء الفلاني «سنة»، وانطبع في مفهومهم أن هذه السنة ضدّها (أي عدمُها والخلو منها) هو بدعة.!
ولهذا كان أولئك القيادات يتسابقون في «تطبيق السنة»، «الالتزام بالسنة» ويتفاخرون بذلك!! ويمدحون الإنسان إذا مدحوه بأنه «خونا سلفي»، «ملتزم بالسنة»، «يطبق السنة»، ويذمّون آخريـن من الأشخاص أو من الكتائب بأنهم «لا يحبون السنة»، «ماشـي سلفية» -أي ليسوا سلفية- ونحو ذلك..!! لاحظ عبارة: «لا يحب السنة».!
الشخص الذي لا يعرف الواقع عندما يسمع هذا الكلام من بعيد، قد يظنه عاديًا لا بأس به، أو حتى جيدًا، ومَن الذي لا يمدح الالتزام بالسنة والعمل بها؟! سبحان الله.!!
لكن عند التحقيق وبالنسبة للعائش في ذلك الوسط.. فإن الواقع شـيء آخر مختلف..!!
كثيرًا ما تجد هذا الذي مدحوه بالسلفية وبأنه ملتزم بالسنة ويطبق السنة.. الخ، هو رجل سـيئ الأدب والأخلاق قليل الديـن قليل التقوى فاتر في العبادة، جاهل قليل الفهم للديـن والشـريعة.. الخ، وأشـياء غريبة من المساوئ والأمراض مجتمعة فيه.! طيب.. لماذا مدحوه؟
لأنه يحرص على العمامة لدرجة أنه يجعل لُبْسها كالواجب المفروض..! ويـنكر على مَن لا يلبسها، ولأنه يرفع إزاره أكثر من غيره (مع أن الجميع يرفعون الرفعَ الواجب شـرعًا) ولأنه يكثر من الاكتحال وأشـياء من هذا القبيل، ولأنه يكثر من سب «المبتدعة» و«الإخوان» و«الجزأرة» وفلان وفلان..! هذا الشـيء كان طاغيا في سنة خمسة وتسعيـن على سبيل المثال، وهي سنة الذروة بالنسبة للعمل الجهادي العسكري، هذا الشـيء يمكن أن يوجد جنسه وآحاده في أي ساحة دعوية أو جهادية وفي أي زمان، لكن هنا في الجزائر كان طافحًا جدًا لدرجة الظاهرة والسمة الغالبة.. تطوَّرت هذه المفاهيم المغلوطة والخاطئة حتى وصلت إلى مستويات قبيحة وفظيعة جدًا على يدي الكتيبة الخضـراء «كتيبة زيتوني» ثم على يد الجيا في زمن عنتر فيما بعد.!
الخلاصة: التشدد والغلوّ في الديـن والتنطع، وقد قال نبيـنا ﷺ: (هلك المتنطّعون)١٢٦صحيح مسلم (2670) وزاد: «قالها ثلاثًا»..
حضـرتُ «جمال زيتوني» في أوائل سنة ستة وتسعيـن بعد قتلهم للشـيخ «محمد السعيد» وصاحبه «عبد الرزاق رجّام» رحمه الله، وفي الفترة التي كانت الجماعة تدّعي فيها أنهما سقطا في كميـن، ولمّــا تعلن وتتبنّى بعدُ قتلهما، حضـرته وقد جاء يزور المنطقة الثانية.. فمرّ عليـنا في أحد المراكز الكبيرة، وحضـر معه كتيبته الخضـراء على رأسها «عنتر»، وكان «حطاب» وجماعة من أعيان منطقته حاضـريـن، بعد صلاة العصـر اجتمع عليه الشباب وقوفًا متحلّقيـن حوله وتحدّث معهم قليلا.
لم يسأل عن صلاتهم.. ولا طهارتهم ووضوئهم وغسلهم. ولا عن سائر عبادتهم، ولا تفقد أخلاقهم، ولا استكشفَ فهمهم لمسائل الديـن والدنيا..! إنما سأل فقط عن «السنة»!! وأشار إلى أمير المركز سائلًا إياه: أيـن عمامتُـك؟
فطفق أمير المركز يحلفُ أنه كان له عمامة لكن ضاعت، وأنه وصـى الإخوة يحضـرون له قماشًا ولحد الآن لم يحضـروا وأنهم وأنهم، واحمرّ وجه المسكيـن، والله لكأنه كان متلبّسًا بجريمة كبيرة.! هذا حصل أمامي.
المفارقة أنهم كانوا (أغلب المجاهديـن في تلك الكتيبة، وكثيرٌ من غيرها) في تلك الفترة وفي ذلك المركز وغيره يتيمَّمون مع وجود الماء ومع موفور الصحة والعافية، الماء أمامهم يسـيل نهرًا، فلا يغتسلون من جنابة ولا يتوضؤون لصلاة، من أجلِ فتوى انتشـرت بيـنهم تقول بجواز التيمم لواجد الماء القادر على استعماله ما دام مسافرًا، أي وهم مسافرون يقصـرون الصلاة فلا يحتاجون إلى سبب آخر غير السفر لإباحة التيمم.
وقد بذل بعض طلبة العلم جزاهم الله خيرا جهدًا في بيان هذا الخطأ والتحذير منه، حتى زال شـيئا فشـيئًا، وإنما تمسّك به معظم من آل به الخيار إلى البقاء مع الجيا، وانتهى معهم، والحمد لله.
وهذا كما انتشـرت بيـنهم فتوى بعدم صوم رمضان لا أداءً ولا قضاء حتى تقوم الخلافة..!
وفتاوى أخرى من هذا الطراز..!
وكان يتبنّى ذلك رجالات الجماعة الأقوياء المتنفذون المتنطعون بما فيهم مَن يسمُّون بالضباط الشـرعييـن.! قد يظن البعض أن هذه أشـياء فردية؛ فأقول له، ظن ما شئتَ، أما أنا فقد عشتُ ورأيتُ.! ومَن أراد الاستفادة فإننا نحكي له ونتعِبُ أنفسنا من أجله، والحاصل أن هذا الخلل والفقر الفكري والمنهجي والعلمي كان من أسباب الفساد والفشل، وهو سبب ذاتيّ.
ورافقه سبب خارجيّ، وهو خذلان العلماء لهم في الداخل والخارج، ومصـيبة عدم نفير العلماء للجهاد وتقاعسهم وقعودهم حتى سبقهم مَن ليس مؤهّلا للقيادة.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
2- ما سبق أيضا يتداخل ويترافق مع شـيء آخر وهو: أزمة الأخلاق.. فكانت تلك الطبقة المشار إليها، وهي الطبقة المؤثرة وصاحبة النفوذ سـيئة الأخلاق ولا تمثل الإسلام تمثيلا مشـرفا؛ العنف والشدة والغلظة في التعامل مع الناس، افتقار في جوانب الرحمة والشفقة على الخلق والعفو عن الزلات، وقلة احترام لذوي الفضل، مع مجموعة من الأمراض القلبية والأخلاقية الأخرى كالعجب والغرور والتعالي..! نسأل الله العافية والسلامة.
واشتهر عندهم في ذلك عبارات مثل «ما كاش العاطفة في الجهاد»، و«تغلط اتخلّص» وعبارات كثيرة، هي وإن كانت لها معنى صحيح بوجهٍ من الوجوه وفي حال من الأحوال.. إلا أنها لم تكن كذلك في الواقع إلا نادرا، بل كانت تعبّر عن مفاهيم وأخلاقيات ترسّخت في هؤلاء وصارت منهجا لهم.! حتى لقد كان من بعض أبلغ ما يذمّون به مَن يسمّونهم بالجزأرة والمبتدعة أنهم «عندهم العاطفة» ويقصدون بذلك ذمّهم بالعطف على الناس ورحمتهم والشفقة عليهم وتأليفهم وغير ذلك، وكان هؤلاء (الطبقة المشار إليها من الجماعة ومن دار في فلكهم) لا يبالون بالناس (الشعب) ويعيبون من يتكلم في تأليف الناس وعدم تنفيرهم ونحو ذلك.!
وهذا كله كان في سنة خمسة وتسعيـن، أيام «زيتوني» وقبل مقتل الشـيخ «محمد السعيد»، وبدء انهيار الجماعة وانشطارها عمليا وانتهائها، أما بعد ذلك أي بعد ما عُـرف بــ «مرحلة الخروج» وهي مرحلة خروج الكتائب المتعددة على الجماعة بعد مقتل الشـيخ «محمد السعيد»؛ فإن الجماعة (الجيا) صارت أكثر غلوًّا وتنطعا وفسادا بما لا يقاس بما ذكرتُه هنا، حتى آل الأمر إلى أن كفروا الناس كلهم واستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم وصاروا خوارج بلا شك.!
3- وجماع ذلك كله: أزمة القيادة.. فرغم كل ما ذكرناه وما لم نذكره، فإن قواعد الحركة الجهادية (الجماعة الإسلامية المسلحة) وعموم أفرادها العاديين كانوا أهل خير، رغم كل النقص ورغم الأمية الضاربة أطنابها فيهم، ورغم ضعف الثقافة والعلم وغير ذلك، إلا أنهم كانوا خيرًا من القيادة، فقد كانت القيادة هي الشـر وهي الفاسدة المفسدة، بدل أن تربّي الناس على الخير علّمتهم الشـر وجعلتهم جهالا ونشـرت بيـنهم الضلالات.
وأعني بالقيادة هنا: القيادة في عهد «جمال زيتوني أبي عبد الرحمن أميـن»؛ هذه القيادة الجاهلة المتنطعة الضالة قرّبت كل مَن هو من جنسها من أهل الغرور والجهل والتنطّع والكبر والقسوة والتكالب على الدنيا، وأبعدت الصالحيـن وطعنت فيهم ووضعت عليهم علامات الاستفهام وهمّشتهم، حتى وصل الحال في مرحلة متقدمة بعد ذلك إلى قتل الكثيريـن من أهل الخير بتهم متعددة وسخيفة كثير منها.
وصار قليلو الديـن وعديمو التقوى والمراقبة لله تعالى يتقرّبون ويتزلّفون إلى هذه القيادة يطلبون عندها الحظوة.! وهكذا سنة الله في خلقة كما قال سـيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «الأمير سوقٌ ما نَـفَـق فيه جُـلِـبَ إليه» ١٢٧شعب الإيمان (7040) بلفظ: «إن السلطان سوق.. فما راج عنده أُتِي به».، ورأيـنا عجائب من تقرّب المتقرّبيـن لهذه القيادة..!
وأخذ ذلك شكلا متصاعدًا..! حتى وصل في مرحلة «تطهير الصف» -زعموا- إلى فظاعات مخزية جدًا، فكثرت بيـنهم ما يسمّيها الجزائريون بـ «الشـريات» وهي التي تسمّى «المقالب» عند بعض الشعوب، وهي المكر والكيد السـيئ من بعضهم لبعض؛ فكان الرجل منهم يتقرّب بصاحبه وجاره وابن محلته إلى الأمراء فيقول لهم هذا الشخص في اليوم الفلاني (ربما قبل عدة سنيـن) كان لا يرفع إزاره مثلا، وفي اليوم الفلاني (ربما قبل عدة سنيـن) قال الكلمة الفلانية، هذا مبتدع ضال مدسوس متستّر، هذا لا يحب السنة، أنا أعرفه وكذا وكذا.
فإن كان له لدى الأمير حظوة أو كان ممن يحسن التلوّك بكلماتهم وعباراتهم والتشدق بأفكارهم القبيحة؛ فإن الأمير قد يستجيب له فيضـر ذلك الآخر، وقد قتلوا في مرحلة متقدمة كثيريـن بذلك.! وهذا شـيء قد يصعب التعبير عنه..!! ويصعب على مَن لم يرَ مثل هذه الأشـياء أن يصدقها أحيانا..! وقد يحصل الخطأ في التعبير عنها من جهة أنها أشـياء لم تقع دفعة واحدة، بل جاءت متدرجة وعبر مراحل وبشكل تطوّري تصاعدي.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والحاصل أن هذه القيادة كانت هي لبَّ ومكمن الشـر في الجماعة.. فإذا عرفت أن القيادة بهذا السوء والفساد، فلا تسأل لماذا حصلت الانتكاسة والنكبة والانكسار.. فهذا أهم سبب.. والأسباب الأخرى هي مساعدة ومكملة. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
والخلاصـــة: أن الذي أعتقده أن الفشل والنكبة والانكسار الذي حصل في الحركة الجهادية والمحاولة الجهادية في الجزائر كان ذاتيّــًا، أي من نفسها، ومن داخلها.! وسببه عدة عوامل متظافرة مجتمعة من الخلل المنهجي الفكري الثقافي العلمي، إلى الخلل الأخلاقي، إلى الضعف في عدة مناحٍ، والخلافات والرواسب التي وَجَدت لها مجالا لتكون محور صـراعات، إلى غير ذلك.
ويجتمع ذلك كله في: أزمة القيادة؛ فإن الفساد والانحراف كان من القيادة بالأساس.
تولى قيادة الجهاد بالتدريج وبواسطة عوامل وفرص معيـنة وفي غفلة من أهل الخير والصلاح.. تولى القيادة مجموعة من الأشخاص الجهلة المتنطعيـن المنحرفيـن المجرميـن، أهل الدنيا والانحطاط والتكالب على الفانية، وهم «جمال زيتوني» و«عنتر» والمجموعة التي معهم.! أما عامة المجاهديـن من الرجال والشباب فكانوا أهل خيرٍ في الجملة، وهم متفاوتون كما في كل أمثالهم من العوامّ؛ فيهم الصالحون وفيهم أهل الآخرة الربانيون وفيهم دون ذلك.
وفيهم الضعفاء و«اللي جابتهم الحملة»، و«اللي عمبالو ست اشهور وتفرا» -أي الذي كان يظن أن القضـية ستة شهور وتنتهي، لا تزيد، أي نأخذ الدولة بعدها- وفيهم كل الأصناف، ولم يكن ذلك ليضـر لو كانت القيادة صحيحة صالحة.
كان أمام القيادة فرصة أن تربّي وتعلّم وتفقّه طبقات المجاهديـن وترفع مستواهم وتنهض بهم.؟ كان بإمكانها أن تفعل الكثير جدًا تعليما وتربية وتوعية وتعبية وصناعة رجال وأجيال.
لكن فاقد الشـيء لا يعطيه.. لقد كانت تلك القيادة -التي تولّت القيادة بانقلاب أبيض- خبيثة فاسدة بكل المقاييس.!!
لا ديـن المسلميـن..! ولا أخلاق العرب..! ولا حتى فهم الكفار للدنيا..!! وقد عُرِض عليها أفكار ومشاريع طيبة كثيرة، ممكنة التنفيذ وتتوفر لها الظروف المواتية والإمكانيات، مِن أعمال تدريب وتسليح وتعليم وتربية وإعلام وغير ذلك، فكانت تتعالى وترفض بجهلٍ وغرور، وربما أيضا بإيعاز وتأثير من العدو (الاختراقات)..!! والكلام يطول جدًا.. ولو استقصـيـنا لما كدنا ننتهي.. وإنما هي إشارات موجزة لمن يعتبر.
وقد يُوجَد في هذا الإيجاز الإخلالُ الذي نخشاه، فهذا نموذج أمامكم، لتعرفوا العذر.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أمّـا من يحاول أن يقول: السبب هو المخابرات والاختراقات وما شابه.. فهذا نوعٌ من التبسـيط والتسطيح، والهروب من الحقيقة.! نعم الاختراقات كان لها دورٌ وهي سبب من ضمن الأسباب.. لكن الحصـر فيها، أو حتى جعلها أهم وأكبر الأسباب، فهذا خطأ.. وهو في نظري كمن يبكي ويقول: العدو غلبني لأنه خدعني..!! وهل شغلُ العدوّ إلا أن يخدع عدوّه؟! المخابرات هذا شغلها لعنها الله.! فحتى لو سلّمنا أن المخابرات اخترقتك واستطاعت أن تسبب لك الانحراف والضلال والفساد والدمار، فأنت الملوم أيها المفرّط الفاسد..!
المخابرات لن تستطيع أن تخترقك اختراقا ضارًا إذا كنت أنت في نفسك سليما قويًا كاملًا مستقيمًا.!! وحسبنا الله ونعم الوكيل.
•••