جوابٌ على رسالة «السلفيين الباكستانيين»

[أسئلة تضمنت اعتراضات على السكوت عن «حركة طالبان» وما عندها من أخطاء، وذكرٍ لمعتقد «جماعة قاعدة الجهاد» إجمالًا، ومسائل مهمة أخرى، وهي رسالةٌ نفيسةٌ جدا لم تُنشـر من قبل، موجهة من علماء باكستانيين، أجاب عنها الشيخ رحمه الله، وصلتنا من الشيخ «أبي الحسن الوائلي» حفظه الله، وقد كُتبت الرسالة في: جمادى الأولى 1431]

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦﴾ [العنكبوت].

وقال رسول الله ﷺ: (إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه) رواه أحمدُ وغيرُه٨٠٨مسند أحمد (15785، 27174) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، صحيح ابن حبان (4707، 5786)..

إلى الإخوة الكرام الأفاضل طلاب العلم والخير وخدام الدين والعلماء والمجاهدين، المتصفين بالشجاعة المنتسبين إلى المولى الكريم ﷻ، نسبةً معنوية بلا مثنوية، أما النسبةُ اللفظية فنراها عُجمةً غيرَ مرضيّة فيها نوعُ مجانبةٍ للطريقة الشرعية والعذرُ فيها أنها قضت بها العوائد المحلية والأعراف الزمانية؛ فصار فيها شبهٌ بما يحكى حكايةً، واعتبارُ الأحوال ما منه شكاية.

ص 1076

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد؛؛

فقد وصلنا كتابُكم الكريم ونصحكم القويم المفعَم بغاية الشفقة واللطف، وفهمتُ ما فيه وعرفتُ فكرتكم ورغبتكم ووجهَ مشورتكم، جزاكم الله خيرَ الجزاء، ونسأل الله تعالى أن يتقبل سعيكم وأن يبارك فيكم، كما وصل معه الكتابان المرفَقان: «المهنَّد على المفنَّد» و«الطريق إلى الجماعة الأم».

وجوابًا على كتابكم الكريم أقولُ، وبالله أستعين، وعليه توكّلي واعتمادي:

في البدءِ فإنني أؤكد على أننا قابلون لمناقشة ومدارسَةِ كل المسائل مع إخواننا وأحبابنا الناصحين أهل الخيرِ والصلاح، ونحن بلا شك ناقصون غيرُ كاملين، ضعفاء محتاجون، لا نستغني عن نصح أهل العلم والمعرفة والخبرة، توّاقون دائما إلى الكمال وإلى أن نكون أفضل، وأن نفعل أحسنَ ما يمكن مما يرضي ربنا ﷻ، وإننا لقريبون إلى الانتقال عن هذه الدنيا إلى دار الحق، وليس عندنا بفضل الله مانعٌ أبدًا يمنعنا من القولِ بحقٍّ أو إنكارٍ منكرٍ أو الوقوف في الموقف الذي يطلبه منا ربنا ﷻ؛ فإن الله تعالى قد أنعم علينا بنعمة الحرية وكمال الاختيار، والخروج من ربقة الجبابرة الطغاة أو ضغوط أهل الدنيا والشهوات، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يزيدنا وإياكم من فضله، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل هذه النعم علينا وعليكم رحمةً وبركة لا فتنة ولا شقاءً ولا عذابًا.. آمين.

ولذلك فلا تظنوا أننا نستنكف عن مراجعة مسألةٍ أو المذاكرة فيها مع طلاب العلم وأهله، لا والله، بل نحن ساعون أبدًا لنكون من الذين قال الله: ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤﴾ [طه]، وكما رُوِي عن النبي ﷺ -إن صحّ-: (الحكمة ضالة المؤمن) رواه الترمذي وغيره وإسنادُه ضعيفٌ٨٠٩سنن الترمذي (2678)، سنن ابن ماجه (4169) وقال الألباني: ضعيف جدا.، لكن المعنى صحيحٌ.. فهذا مبدأنا، والحمد لله على ما هدانا.

ص 1077

إخواني الكرام؛ إنكم تعرفون والعالَمُ كله يعرف أن اعتقادنا بحمد الله هو عقيدة أهل السنة والجماعة وهي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُهُ رضي الله عنهم وأرضاهم، جملةً وتفصيلا، نلتزم ذلك ولا نجيز الخروج عليه، ونرى الخروج عنه ضلالة وزيغا نعوذ بالله منه؛ فما كان مجمعًا عليه أو فيه نصوصٌ واضحة من الكتاب والسنة فسبيله واضحٌ وهو أننا نلتزمه بعينه ونقول به، وما كان محتملًا ووقع فيه الخلاف بين الصحابة مثلا أو مَن بعدهم من أئمة الهدى فإننا نرجّح بالدلائل العلمية بين أقوالهم ولا نخرج عنها بإحداثٍ قولٍ آخر لم يقولوه.. فهذا هو اعتقادنا الجُمليّ وإليه ندعو الناس، ثم في التفاصيل أننا نعتمِدُ كتبَ السنة التي روى فيها الأئمة الأثباتُ من الحفاظ أقوالَ واعتقاداتِ السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان التي هي ترجمانٌ للكتاب والسنة، مثل كتب الإمام أحمد وابنه عبد الله وابن أبي عاصم واللالكائي وابن خزيمة والآجرّي ونحوهم رحمهم الله، وتقريرات ابن عبد البر والبغوي وغيرهم، ثم من المتأخرين تحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير وابن رجب وغيرهم من هذه «المدرسة»، فإننا نراهم أقربَ إلى تمثيل عقيدة وطريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية، وما كان من هَناتٍ أو مجال خطإ من هؤلاء الأئمة المذكورين أو غيرهم فإننا أيضا نردّه بالحق وننقده ونلتزم ما بان وظهر من الصواب، كالملاحظات التي على ابن خزيمة مثلا، وكما يمكن أن ينتقد على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم من نظرٍ قليلٍ كالقول بفناء النار، مع أن الصحيح أنهما رجعا عنه، ونحو ذلك، ونعلمُ أن كلًا يؤخَذ منه ويُترَك إلا رسولَ الله ﷺ.

فالحاصلُ أننا نجتهد في إصابة الحق قولا وعملا ظاهرًا وباطنا إن شاء الله، والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.

ص 1078

والناس كلهم يعرفون عنا ذلك، أعني ممن شأنه أن يعرف، من أهل العلم وممن يتابعون شؤون العلم والدين ويعرفون أننا نحارب الكفرَ والشرك والطاغوت بكل معانيه وصوره، وأهلَهُ وأولياءَه وعبيدَهُ، وأننا منتسبون إلى السلف الصالح وإلى «أهل السنة والجماعة» في صورتها الأولى، وأننا صادقون في نسبتنا لا ندّعي أو نتظاهر دون تحقيق؛ بل هو انتساب الظاهر والباطن بحمد الله تعالى.

فمن ذلك أن «طالبان أفغانستان» و«إمارة أفغانستان الإسلامية»، و«طالبان باكستان»، وسائر مَن عرفنا في هذه الإقليم يعرِف عنا ذلك ويتحققه.

ثم إنهم مع أنهم يعرفون عنا ذلك؛ فإنهم يعرفون أيضا أننا أهلُ فقهٍ بحمد الله، وأصحابُ أفقٍ واسعٍ، ولدينا «مرونةٌ» و«ديناميكية» كما يقولون، ولا بأس.. فهذه اصطلاحاتٌ وإن كان فيها إجمالٌ وفضفضةٌ لكننا نريد المعنى والقدرَ الصحيح منها الممدوحَ وهو غيرُ خافٍ، فإننا بحمد الله جرّبنا العلمَ وأهلَهُ وخضنا الدعوة بالكلمة واللسان، وبالحربِ والسنان، وعَرَكنا الخلق وعرفنا أنواع النفوس وألوانها، عربًا وعجمًا، وآتانا الله من معرفة سنن الاجتماع وأسباب قيادة الأقوام، ما به نستعين بإذن الله في استجلاب أكثر المصالح الدينية الأخروية والدنيوية ونستدفع أكثر ما يمكن من مفاسدها، وذلك فضل الله تعالى، وهذا إن شاء الله من التحدث بنعمة الله اقتضاه مقامُ التعريف والتوطئة لبعض الفكرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ص 1079

فكان مما نراه فقهًا صحيحًا ما هدانا الله إليه من فضلِهِ بأسباب تحصيل العلم النافع والتجارب أنَّ حالنا نحن اليوم باعتبارنا طائفةً من الأمة متصدية للجهاد في سبيل الله (جهاد أعداء الله الخارجيين من الكفار الأصليين، وأذنابهم من الأعداء المرتدين من الحكومات المستولية على مقاليد الأمور في سائر بلاد المسلمين) وما يتضمنه ذلك من تصرِّفات دعوية وسياسية وقيادية، وباعتبار حالِ أمتنا من الضعفِ والخور والتعاجز وتمكن الأعداء منها الداخليين والخارجيين، وتسليط الوهن عليهم بقدر الله كما أخبر الصادقُ المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الفساد المتراكم فيها في بابي العلم والعمل، مما لا يخفى على عاقلٍ، حتى ضَرَبَ الفسادُ والضلال والانحراف أطنابه في الطبقات المنتسبة للعلم والدين، حتى لا يُبعِد الإنسانُ إذا قال: إن الفساد والضلال والانحراف في هذه الطبقة أشد وأعمق وأخطر مما هو في سواها من سائر طبقات الأمة العوامّ، وباعتبار قِلّتنا نحن أهلَ الدعوة والجهاد وضعفنا، وكثرة أعدائنا، وكثرة ما نواجه من المشكلات غير المنحصرة والعميقة والشديدةِ التعقيدِ والرسوخ.. فإننا باعتبار هذه الأشياء مجتمعةً رأينا بدلائل الشرع والقدر أنه يُشرَعُ لنا بل ربما يجب علينا أن نتلطّف ونأخذ بأسباب الرفق وقوة التحيّل فيه لكي نحق ما استطعنا من الحق، ونبطل ما استطعنا من الباطل، ونتدرّج في ذلك من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فما أدركنا في عُمُرنا القصير فذلك فضل الله، وما لا فقد أعذرنا إلى الله ومهّدنا لمن بعدنا طريقًا إلى تحقيق المرام بعون الله، فإن دلائل الشرع مع دلائل العقل والحس والتجربة قاطعة بأنّ كل ذلك الفساد المشار إليه لا يمكن القضاءُ عليه جملةً واحدةً ولا يُظَنُّ أن الله يكلفنا بذلك، فإنه -لو فرض- تكليفٌ بما لا يطاق، مع أنه خالٍ من الحكمة إذ محاولة ذلك لا تحقق المقصود وهو الإصلاح، فلا تأمُرُ الشريعة بمثله، والحمد لله، والله ﷻ أعلم وأحكم.

واعتبرنا في ذلك بطريقة الشريعة المطهّرة، وبسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبسيَرِ المصلحين المشهودِ لهم بالخيرية في هذه الأمة المجددين للأمة دينها؛ فإن طريقة التدرّج والسكوت والإغضاء والتغافل لا تخطئها عينُ الناظر في سيرهم والمتفرّس في مسالكهم، وسيرةُ سيدنا عمرَ بن عبد العزيز h معروفة مشهورة، ومن آخرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فقد ذكروا في ترجمته أنه كان في بادئ أمره يمرُّ على عباد القبور عند قبر زيد بن الخطاب فيقول: اللهُ خيرٌ من زيدٍ، وبقي على ذلك مدة تمرينًا لهم على نفي الشرك وإثارة للبحث والنظر ومراعاةً لمصلحة عدم التنفير٨١٠انظر: الدرر السنية (2/ 211) قاله الشيخ: عبد الرحمن بن حسن رحمه الله، حفيد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.، ثم انتقل إلى مرتبةٍ أعلى في الإنكار.

ص 1080

ولذلك فإننا نجمَع بين: الصدع بعقيدتنا وبالدعوة إلى التوحيد بكل معناه وتفاصيله وننكر الشرك والكفرَ ونحاربه بقدر الطاقة، وهكذا في عموم منهجنا ومفاهيمنا وفقهنا، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر قدر الإمكان في مرحلتنا، ونستعمل العذرَ مع الناس لما نعرف من قوة تراكم الفساد في أمتنا وما سبق الإشارةُ إليه من الاعتبارات؛ فنميل إلى اللين مع أمتنا وفي علاج أمراضها وتغليب الرحمة والشفقة نظرًا لصعوبة حالها، فنصبر على انحرافهم وعوَجهم وفسادهم ونستأني بهم ساعين في الإصلاح بالتلطف والتدرج، مع قوةٍ في الدين أيضا والحمد لله ووضوحٍ في الراية والمنهج، ونتأمل فيما نقدّمه وما نؤخّرُهُ، وما نعطيه أكثر تركيزنا واهتمامنا وما نقلل من التركيز عليه في كل مرحلةٍ بحسبها، وأيضا نَنْظر فيما هو منوطٌ بنا كمجاهدين وما هو مغطًّى مسدودٌ ثغرُهُ من قِبَل غيرنا من الدعاة والعلماء من سائر طوائف الأمة.

فمثلا: محارَبةُ شرك القبور بالدعوة المقالية والكتابية، لا شك أنه من فروض الكفاياتِ، وقد يتعيّن على آحاد الناس بحسبه؛ ففي الجملة: الحمد لله في الأمة الكثير من أهل الخير من أهل العلم والدعوة ممن يسدون هذا الثغر، ويبذلون فيه غاية البذل، فجزاهم الله خيرًا، وقد انتشر العلم بهذا الباب في الأمة اليوم انتشارًا واسعًا بفضل الله، فنحن مكفيّون بحمد الله، ولنا تخصصٌ آخر ولنا انشغالات أخرى هي أليق بنا وألصق ونحن أهلها، مع مشاركةٍ في كل بابٍ من أبواب الخير، ومعاونةٍ لأهلها وتأييد، مع أننا حيث نكون (كما في أفغانستان، وباكستان: مناطق القبائل منها) فإننا ندعو ونأمر وننهى ونعلّم وننشر بعض الكتب والرسائل وغير ذلك في هذا الباب أيضا ولسنا مهملين له بالكلية لكن نتلطف، والحمد لله؛ لقد أثمرت جهود المجاهدين على اختلاف طبقاتهم وتوجّهاتهم عربًا وعجمًا من لدن الجهاد الأفغاني الأول وإلى اليوم في هذا الباب خيرًا كثيرًا لا ينكره إلا مَن لا يعرف الواقعَ، ولله الحمد والمنة.

وفي مسألة «مجمَل الاعتقاد» وهو الاعتقاد الكلاميّ المقاليّ كأبواب الصفات للعليّ العزيز عز وجل، والقرآنِ، وأبواب الإيمان، والأسماء والأحكام والوعد والوعيد، والقدَرِ، وأبواب النبوات وما يتعلق برسولنا محمد ﷺ، وأبواب الصحابة، وسائر أبواب العقائد، فإننا كذلك مكفيّون والحمد لله، ومع ذلك؛ فحيثُ يتعيّن أن نتكلم ونبيّن الحق فعلنا واجتهدنا في القيام بالواجب بحسب الإمكان.

ص 1081

لكن في هذا الباب على وجه الخصوص، وحتى في الباب الذي قبله (ما يتعلق بكثير من مسائل توحيد العبودية) بقدرٍ أقل فإننا تواجهنا مشكلاتٌ وصعوبات هي من نوع ما أشرتُ إليه في الفقرة أعلاه، والمثال التطبيقي لذلك هو ما تعرفون من الحال في أفغانستان عمومًا وفي باكستان؛ فإن عموم أهل العلم والقائمين بفرض الجهاد هم من المنتسبين إلى طائفة علماء مدرسة «» ديوبند» الهندية التي هي مزيج من المذهب الحنفيّ في الفروع ومذاهب الماتريدية الأشعرية في العقائد، والصوفية متعددة الطرق، ونحن معهم في جهادٍ لأعداء الله الصليبيين كما كنا معهم في جهاد أعداء الله الشيوعيين الماركسيين السوفييت من قبلُ، وإن الدخول مع إخواننا في مباحثاتٍ ومناقشاتٍ في هذه المسائل غيرُ ممكن الآنَ أبدًا.. هذه هي القناعة التي وصلنا إليها ونحن بها عاملون، وموقنون بأنها هي الصواب وبها يتحقق الصلاح.

فأنتم تعرفون معنا ما في هذه المسائل من التعقيد، وأنها ليست مسائل بسيطة تنحلّ بأبسط بحثٍ ونظرٍ، وأن الدخول فيها مع إخواننا المسلمين -بالضرورة ولاشك- أنه مؤدٍّ إلى جدلٍ وشحناء وفسادٍ، ثم إلى عداوةٍ وبغضاءَ، وتقاطُعٍ وتدابُر، وأن ذلك لو وقع لا قدّره الله؛ فإنه لا يبقى معه قيامٌ بجهادٍ ولا دفعٌ لعدوٍّ وأن الفساد ساعتها سيزداد ويتسع ويعظم ونكون والعياذ بالله كمن يبني قصرًا ويهدِمُ مصرًا، وينطبق علينا ساعتها وصفُ الحماقة والبلاهة والغباوة والعياذ بالله، وكما قلتُ؛ فإننا نعتقد أن الله لا يأمرنا بذلك ولا يحبّه منا، فإن الله يأمُرُ بالصلاح والإصلاح وينهى عن الفساد وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وكونُ ذلك سبيلًا إلى الفسادِ ظاهرٌ جليّ بل هو عندي مقطوعٌ به.!

وقواعدُ الشرع ومعرفةُ مقاصده دالةٌ على اعتبار هذا، وهو فقه صحيحٌ معروفٌ عند علمائنا جميعًا.

ص 1082

ومن أجل ذلك فإن طريقتنا في هذه المسائل هو تركُهَا والسكوتُ عنها مع إخواننا في الجملة، وهذا لا ينافي أننا نفتحها للنقاش بتلطفٍ وتأدّبٍ ورفقٍ متى ما واتت الفرصة، كأن يوجَد منا ومن إخواننا بعض طلبة العلم يفتحون النقاش فيها على أصول أهل العلم في بعض المناسبات، وأنا شخصيًا قد حصل لي هذا أكثر من مرة في أفغانستان أو باكستان، أتناقش مع بعض أهل العلم من «المولوية» في مسائل الاعتقاد مستعملا الرفق واللين والتلطف الكامل؛ قائلًا: إن الذي نراه صوابًا هو طريقُة الإمام أحمد، وأننا نعتقد أن سائر الأئمة الأربعة بما فيهم الإمامُ الأعظم أبو حنيفة رحمه الله جميعًا على هذه الطريقة وهي: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ وإمرارُه كما جاءَ، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، ومن غيرِ تأويل يخرجها عن ظاهرها المعلوم معناه من لسان العرب بغير دليلٍ؛ لأنه حينئذٍ يكون تحريفًا للكلم عن مواضعه، ونعتقد أن هذا هو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وتدل عليه ظواهر القرآن والسنة قبل افتراق الفرق وتبلْوُرِ مقالاتها وتدوينها، وقبل غلبةِ الفلسفة والمنطق وعلم الكلام المذموم.. إلخ، وهكذا وندخل في بعض التفاصيل، لكنني أتحاشى أن أتلفظ في حق إخواننا بألفاظ البدعة والضلالة ونحو ذلك؛ فإن في ذلك تنفيرًا لا يخفى ولا يفعله عاقلٌ، وأنا شخصيًا من جهة اعتقادي في نفس الأمر أُفصِّلُ في ذلك؛ فما هم عليه من المعتقداتِ منه ما هو حقٌّ نتفق معهم فيه وهو كثير ولله الحمد، ومنه ما هو بدعة وضلالة، ومنه ما هو خطأ غيرُه أصحُّ وأصوبُ منه، لكن بالنسبة لهم هم (الأشخاص المعيّنين) فلا أجترئ على وصفٍ كثيرٍ منهم ممن عرفنا من أهل الخير والصلاح والتقوى والجهاد في سبيل الله بالبدعة والضلالة، لما أعتقد أنهم معذورون، قام بهم العذرُ، وأنهم محسنون باتباع ما ظهر لهم وبان وما غلب على ظنهم أنه حق وصوابٌ، مقلّدون لمدرسة علمية كبيرةٍ مشهورة.. وهكذا لنا تفاصيل في هذه الأحوال وفي الأعيان، والله المستعان.

وكما وصفتم أنتم إخواننا بالجهاد والصلاح؛ فقد أصبتم، فالحمد لله: هم أهل خيرٍ وصلاح وتقوى وجهادٍ، وفيهم صدقٌ وإخلاصٌ، كثيرٌ منهم، نخبتُهم والقوةُ الضاربةُ فيهم، وفيهم دون ذلك كما في سائر الطوائف والأقوام، وما فيهم من النقص باتباع هذه المدرسة العلمية «الديوبندية» فهم في الجملة معذورون فيه، إلا مَن تبين له الحقُ وعانده واستكبر عن الانقياد له، فمن علمناه كذلك عاملناه بما يستحقه شرعًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فنحن عندما نمدح «الطالبان» والملا «محمد عمر» أمير المؤمنين حفظه الله ووفقه؛ نمدحهم باعتبار ما عندهم من الخيرِ والحسناتِ والعمل الصالح والإحسانِ والجهاد في سبيل الله ونصر الدين والقيامِ بما عرفوا وما أمكنهم القيام به منه.. فهذا لا يتضمن إقرارنا إياهم على أي باطلٍ لا جملةً ولا تفصيلًا، وكونُ بعض الناس قد يتوهَّمُ ذلك من صنيعنا فإننا غيرُ مسؤولين عنه ولا يضرُّنا، ويُوشِك أن توجَد فرصةٌ لإصلاح وهمه في مناسبةٍ من المناسبات فيعرف ويفقه، فلِمَ العجلةُ، ولماذا نترُك الخيرَ في الثناء على أهل الخير أهل الجهاد والوقوف معهم وتأييدهم ونصرهم والتنويه بهم في الأمة، والأمةُ وأجيالها محتاجةٌ إلى ذلك أشدَّ الحاجةِ، بحجةِ أنه قد يتوهّم بعضُ الناسِ أننا نثني على ما عندهم من الباطل؟! هذا ليس من الفقه ولا من الحكمة، والله أعلم، وهو سبحانه الموفق لما فيه الخير والفلاح.

ولذلك أذكّركم - وفقكم الله - بأن لا يغيبَ عنكم أن تصرّفات المجاهدين ملحوظٌ فيها الاعتبارُ السياسيّ؛ فأنتم تقترحون أن نصدر بيانا شافيًا تفصيليًا باعتقاداتنا في سائر المسائل وأن نردّ البدعَ والضلالات كلها، فنقول: إن تبيان عقائدنا حاصِلٌ كما قدّمنا ويحصُلُ بحسب المناسباتِ، وهذه في الحقيقة طريقة القرآن والسنة: العلمُ والحكمة بحسب المناسبات، وأنه يكفي أحيانًا بيانُ الحقِّ والأمرِ الصحيح الصواب عن ذكر الباطل والتصريح به ورَدّه؛ فإن الحق مزهِقٌ للباطل، ونفسُ معرفة الحق ماحقةٌ للباطل، فإذا انضاف إليها ما أشرنا إليه من أننا قد نختارُ بعضَ السكوت للمصلحة الظاهرة الراجحة، وأننا نراعي ما لا يراعي غيرُنا ولكلٍّ مقامُهُ؛ فقد وَضُح الأمرُ، والحمد لله.

ص 1083

والحاصل أننا بحاجةٍ إلى تدبّر عدة مسائل تتعلق بحالنا وتمسُّ الحاجةُ إليها في زماننا وما بُلينا به، مثل مسألة السكوت عن بعض الباطل إلى حين القدرة على الإنكار والتغيير، وأن السكوت يسع ما يسع النطق، وأن القدرة من معناها ضمانُ عدمِ حصولِ منكر أكبر مما نحاولُ إنكارَه، ومسألة ترك التحديث ببعض العلم مخافة مفسدةٍ راجحةٍ، ومَنْ كتم بعضَ العلم من أجل ذلك أحيانًا، وحديث عائشة: (لولا أن قومَك حديثو عهدٍ بجاهلية)٨١١صحيح البخاري (1586)، صحيح مسلم (1333).، وأن من المشروع في بعض الأوقات والأحوال تركُ بعضِ المشروع من مندوبٍ أو واجبٍ لمصلحة تأليف القلوب واتقاءَ الفتنة بين المسلمين، فيكون تركُ السنة حينئذٍ هو السنة؛ لأن مصلحة ائتلاف المسلمين واجتماعهم ووحدة كلمتهم لا سيَّما في مقابل أعداء الله الكافرين الصائلين الغازين النازلين بالعُقر أو المهددين لبلاد الإسلام، ولا سيما والأمرُ على ما وصفنا من حالنا وحال أمتنا، والله المستعان، هي مصلحةٌ كبيرةٌ جدًا تُترَك في معارَضتِها مصالحُ كبيرة ويُتحمَّل من أجلها مفسدةُ وجود واستمرار الكثير من البدَعِ والأخطاء العقدية أو العملية. ونحو ذلك من المسائل.

وأنتم تعرفون ما ذكره علماؤنا في مسائل كهذه وإني لم أشأ أن أكثر من النقل هنا حتى لا تطول الرسالةُ وتُمَلّ، ولكني أستسمحكم في نقل هذه الفقرة من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهي ضمن فتاوى قتال التتر؛ قال رحمه الله:

ص 1085

«فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل؛ فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة، أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالُهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: الغزو مع كل بر وفاجر؛ فـ(إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم)٨١٢صحيح البخاري (3062، 4203، 6606)، صحيح مسلم (111). كما أخبر بذلك النبي ﷺ؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفعُ الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامةُ جميعها.. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. وثبت عن النبي ﷺ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)٨١٣صحيح البخاري (2852، 3119)، صحيح مسلم (1873). فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله ﷺ: (الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل)٨١٤سنن أبي داود (2532) بلفظ: (والجهاد ماضٍ..)، وضعفه الألباني، لكن قال الأرنؤوط في تخريج أبي داود: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف.. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: «الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر» قال الحافظ في: الفتح (6/ 56): «سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد؛ لأنه جمع ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا، فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر». وكذلك قال ابن عبد البر في: التمهيد (14/ 97) وذكر هذا الحديث: «وقد استدل جماعة من العلماء بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كل بر وفاجر من الأئمة بهذا الحديث، لأنه قال فيه: (إلى يوم القيامة) ولا وجه لذلك إلا الجهاد في سبيل الله لأنه قد ورد الذم فيمن ارتبطها واحتبسها رياءً وفخرًا ونواء لأهل الإسلام» اهـ، ويعني بحديث الذم حديث أبى هريرة عند البخاري (7356)، ومسلم (987) وفيه: (ورجل ربطها فخرًا ورياء فهي على ذلك وزر). ويشهد لقوله: (الجهاد ماض) أيضًا قوله ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، لا يضرهم من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال).، وما استفاض عنه ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة)٨١٥صحيح مسلم (156). إلى غير ذلك من النصوص التي اتفق أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف على العمل بها في جهاد من يستحق الجهاد مع الأمراء أبرارهم وفجارهم؛ بخلاف الرافضة والخوارج الخارجين عن السنة والجماعة.. هذا مع إخباره ﷺ بأنه: (سيلي أمراء ظلمة خونة فجرة، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض)٨١٦سنن الترمذي (614، 2259)، سنن النسائي (4027، 4208) وصححه الألباني.؛ فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي ﷺ من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم؛ علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض: جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسئول عنهم مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم؛ إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثًا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارا.. ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، والله أعلم.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم»٨١٧مجموع الفتاوى 28/504 فما بعد [المؤلف]. اهـ.

إخواني الأحباب؛ إن هذا الدين دينُ الله تعالى، والله ناصرُهُ ومتمُّه ومظهِرُه على الدين كله ولو كره الكافرون، وإن المستقبَل لهذا الدين لا شك، وإن خوفنا من أن تتكرر بعضُ التجارِب السيّئة لا بأس أن يدفعنا إلى احتياطٍ وحسنِ تدبيرٍ وحذر، لكن كلُّ شيءٍ بقدر، والأمرُ لله أولا وآخرًا، فنجمِلُ في الطلب متوكلين على الملك الوهاب ﷻ محسنين الظن به.

فإن كان الزنديق «مجددي» وجدَ له في سابق الأوان فرصةً في بعض الكعكةِ؛ فإنه لم يستطع استدامتَها لا هو ولا أمثالُهُ ولا أولياؤُه، وإن المراحل الحالية والمستقبَلَةَ -فيما نظن والأمر لله من قبلُ ومن بعدُ- لا مجالَ لهم فيها بإذن الله، فالحركة الجهادية في قوة ونضجٍ وتقدّم، وكذا الأمة بعامّة، وقد غبَرَ زمانُ الدراويش.!

ثم هب أن شيئا من ذلك كانَ وابتلانا الله، لا قدّر الله ذلك؛ فإن الجهاد ماضٍ ونحن عبيدُ اللهِ على كل حالٍ، فلمَ الخوف الكبير؟!

إن المؤمن ينبغي له أن يكون قويًا متفائلًا مصمِّمًا على الجهاد والثبات على الحقّ ولو عاش الدهرَ حتى آخر قطرةٍ من دمه وآخر نفسٍ من أنفاسه حتى يلقى الله.

وقلتم في كلامكم النفيس: «فإن أخرنا تبيين هذه الأشياء إلى قيام رياسة الإسلام فهذا ليس بصحيح، بل والله لا تمكن هذه التصفية في ذلك الوقت، بل تكون أصعب، وسينتج عند ذلك مصائب كبرى، وإن نلزم السكوت بعد قيام الدولة الإسلامية كما نسكت أيام الجهاد فماذا نجيب ربنا في الآخرة في غفلتنا هذه» اهـ.

ص 1086

فأما السكوتُ؛ فسواءٌ كان قبلُ أو بعدُ فإنما حكمُهُ منوطٌ بمطلوبيته شرعًا وذلك بحسب الدليل في كل حالةٍ على حدةٍ، فالحمد لله.. هوِّنوا على أنفسكم بارك الله فيكم، فإذا ملّككم اللهُ البلادَ والعبادَ فافعلوا ما تقدرون عليه من الخير وأقيموا ما تقدرون عليه من الدين، ولن تُحصوا! فإن نكلتم عن القيام بالأمانة وتوانيتم عن شكر نعمة الله وركنتم إلى الدنيا وزهرتها وسقطتم في امتحان النصر بعد أن نجحتم في امتحان الهزيمة، فإن ذلك خسرانٌ، نعوذ بالله منه.

وأما أنَّ تأخيرَ تبيين تلك الأشياء إلى قيام دولة الإسلام غيرُ صحيحٍ وأن التصفية والإصلاح في ذلك الوقت يكون غيرَ ممكنٍ؛ فما الذي جعلَهُ غيرَ صحيح وغير ممكنٍ؟! نحن لا نقول ذلك، بل نقول: هو عملٌ دؤوبٌ متواصلٌ، لا ينتهي بقيام رياسة الإسلام ودولته؛ فلكل حالٍ ومرحلة وظائفها، فالدعوة والتصفية والتربية والجهادُ والأمر والنهي والإصلاح بكل الوسائل المشروعة سلسلةُ عملٍ مستمرة لا تتوقف، بل إن الإصلاحَ بعدَ التمكّن أيسَرُ وأوقعُ بلا شك.

فإن كان المرادُ أن عدم الإصلاحِ الآن على الوجه الذي تتصورونه وتطلبونه مانِعٌ من حصول التمكّن للتوحيد والسنة وأهلها، فقد تبيّن جوابُهُ مما تقدّم، والله وليّ المؤمنين.

إخواني الكرام؛ أما الكتابان المرفَقانِ: فكتاب «الديوبندي»، وهو صاحب «بذل المجهود»، فيه ما فيه مما عَلَّمتُم عليه بالتلوين، وغيرُه، على ركاكةٍ في مسائله مضمونًا وشكلًا، تعجّبتُ منها فلعل الترجمة العربية ليست له، وعلى كلٍّ لا أظننا نختلف في تقويمه ونقده، وجزاكم الله خيرا على إرسالِكم الكتاب إليّ لأني أولّ مرةٍ أقف عليه بنفسي وأطالع ما فيه.!

وأما كتاب «الطريق إلى الجماعة الأمّ» فإننا نعرفه وطالعناه في أوان أول صدوره أيام الجهاد الأول -حوالي سنة 1991م- وكما تفضلتم بالتنبيه؛ فإنه في جملته من «سلفية» السعودية، والرجل لا نعرفه بعينه، وأظن أن الاسم وهميٌّ، والكتابُ وراءه جماعة «جميل الرحمن» رحمه الله، ونحن نفصِّلُ في حالهم ونعرف ما عندهم من حق وخيرٍ، ولنا عليهم مآخذ معروفة في موضعها.

ص 1087

والكتاب جعلَ الرجلُ عمدَتَه وفكرتَه الأساسية الطعن في الشيخ «عبد الله عزام» رحمه الله والغضّ منه، وهذا مريبٌ! فإنه لم يكتفِ بانتقاد «جماعة الإخوان المسلمين» وبيان عوارِهم وضلالهم وفساد فكرهم ومنهجهم؛ فهذا جيدٌ بشرطه وهو أن يكون بعلمٍ وعدلٍ وأدبٍ ونيّة صالحةٍ، لكن بالغ في الطعن والحطِّ على الشيخ «عبد الله» والغمز فيه بما لا يليقُ؛ فإن الشيخ «عبد الله» وإن كان منتميًا إلى «جماعة الإخوان المسلمين» ولم يشأ أن يخرج عنهم ويتركهم إلى أن قُتِل رحمه الله، لما رأى من مصلحة ذلك، وهو اجتهادٌ له، نعتقد أنه مريدٌ للخير فيه؛ فإنه مخالفٌ لهم في مسائل كثيرة من منهجهم وفكرهم.. مخالفاتٍ تصلُ إلى حدّ أن تكون كليَّــةً جذريةً أحيانًا، وبقطعِ النظر عن أخطائه أو صوابه في اختياراته الفكرية والفقهية والمنهجية.. فإنه بلا شك كان من أئمة الهدى ربَّانيًا صالحًا مجاهدًا في سبيل الله باذلًا نفسه لله ﷻ فيما نحسبُ، هذا ظننا فيه ولا نزكيه على الله، وكانت له قدمُ صدقٍ في الدعوة وإحياء الأمة وتربية الجيل على معاني الجهاد والعزة والحمية الدينية واختيار الآخرة، ونحن لا نغلو فيه ولا نقدّسُهُ، والله يعفو عنه ويتولاه برحمته ويتقبله في الشهداء الصالحين.. آمين.

إخواني الأحباب؛ نكرر لكم الشكر على هذه المناصحة الطيبة، ونسأل الله أن نستفيد منها، وإنني أشعُرُ بأنني استفدتُ فعلًا، وبإذن الله سأطلع من أستطيعُ من مشايخنا عليها للتأمل والتدبّر؛ فلئن لم يُؤخَذ الكلامُ كلُّه لاختلاف نظرٍ واجتهادٍ فإن مطلق الاستفادة حاصلةٌ بحمد الله في التنبيه على هذه المسائل والاعتناء بها والتدقيق في كلماتنا ومواقفنا ومراجعتها وتسديدها، فجزاكم الله خيرا كثيرا..

ونتمنّى أن يزداد التواصُلُ والترابط تعاونًا على البر والتقوى كما أمر الله، والله سبحانه المسؤول أن يجعل أعمالنا صالحةً ولوجهه خالصة، وأن لا يجعل لأحدٍ فيها شيئًا، وأن يصلح أحوال أمتنا ويفرّج الكروب وينصُرَ المجاهدين في سبيله ولإقامة دينه وحُكمِه في كل مكان.. آمين.

﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾[العصر].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم/ أبو عبد الرحمن

15 جمادى الأولى 1431 هـ

•••

ص 1088

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: جوابٌ على رسالة «السلفيين الباكستانيين»

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا