[العلاقة بين المجاهدين والعلماء، وحقيقة الفُرْقة الحاصلة بينهم، وبيان مسألة العافية والابتلاء، والكلام على فضل العلم وأهله، وذكر حقيقة علماء السلاطين، وأصناف العلماء]

لو نلاحظ يا شـيخنا الفاضل في الفترة السابقة -وأخص فترة الثمانيـنات- كانت العلاقة بيـن علماء الأمة وشباب الصحوة علاقة وثيقة جدا، وكانت ثمارها على العمل الجهادي واضحة ونافعة ومباركة بفضل الله تعالى.. واليوم نرى الطواغيت وأعوانهم قد نجحوا في التفريق بيـن هذيـن القطبيـن وأنا أعتقد بأن هذا السبب هو من أقوى الأسباب التي قد تعرقل مسـيرة العمل الجهادي..

الأمر الأول: نريد من فضـيلتكم النصح في هذا الموضوع وتوجيه الشباب للالتفاف حول أهل العلم ومناصـرتهم.

الأمر الثاني: نريد من فضـيلتكم توضـيح حقيقة علماء السلطان وكشف شبههم وغشهم.

[السائل: ولد الحسـيبة11]

الجواب.. ومن الله الكريم نستمدّ التوفيق إلى الصواب:

الحمد لله.. قبل الإجابة على «الأمريـن» الذيـن ذكرتهمها في سؤالك أخي الكريم، أعلق على مقدمتك؛ فأقول:

نعم؛ لقد كانت العلاقة بيـن العلماء بصفة عامة وشباب الصحوة بصفة عامة أيضًا علاقة وثيقة وجيدة في العقود السابقة عمومًا والثمانيـنات على الخصوص كما أشـرتم، وبالفعل كان أثر ذلك على العمل الجهادي جيدًا والحمد لله، على ما يظهر.!

هذا الكلام في الجملة صحيح مسلّم، وكانت تلك مرحلة طبيعية؛ لكن عند التحقيق لا بد أن نلاحظ شـيئًا، وهو أن كل ذلك كان في حال العافية؛ فتلك المرحلة المشار إليها كانت في عمومها مرحلة «عافية» أي مرحلة ما قبل التمييز بالمحكات والامتحانات الكبرى.! وسنزيد هذا توضـيحًا إن شاء الله، وقد قال الله ﷻ: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩﴾ [آل عمران]؛ فالحاصل أن تلك «العلاقة الوثيقة» بيـن الناس، وذلك الوئام، وتلك العافية، كانت تخفي وراءها الكثير من الخلافات والتناقضات الكبيرة والصغيرة، وهذه التناقضات لا تظهر إلا بالامتحانات والابتلاءات.

ص 359

وعليه.. فليستْ تلك الحالة هي الحالة المثالية عندنا نحن المسلميـن وفي مفهومنا، مع أننا نحب العافية، وأمرنا ربنا ﷻ بسؤال العافية، لكن العافية معنىً أعمّ من عدم الامتحان للأمة، فقد اقتضت حكمة الله تعالى وجرت سنته في خلقه بأن لا يترك الناس بدون امتحان وتمييز، وهو معنى آية آل عمران١٥٨يعني قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: 179].، وَقال تعالى: ﴿الٓمٓ ١ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣﴾ [العنكبوت].

والحاصل أن تلك ليست هي الحالة المرضـية بالضـرورة، مع أنها حالة عافية؛ وإن شئتَ فقل: تجاذبها أمران متغايران: الأول محبوبٌ وهو العافية والراحة وما في ضمن ذلك من انعدام المشاكل أو قلتها وقلة العداوات والخصومة، والثاني غير محبوبٍ لله تعالى ولا لعباده المؤمنيـن وهو اختلاط الصفوف وانطواؤها على الدخن.!

أضف إلى ذلك ما في ضمن المحنة والامتحان والابتلاء من الحكمة البالغة والمقاصد المحبوبة لله تعالى من تميّز المؤمنيـن وتمحيصهم ورفع شأنهم وتبويئهم الدرجات العلا، وغير ذلك.. فجرت سنته ﷻ بأن لا تبقى هذه الحالة مستمرة، بل لا بد من أن تأتي الامتحانات والمحكات والفتن والابتلاءات فتمحّص الصفوف وتميّز بيـن الناس؛ وتَميزَ الخبيث من الطيب.. هذا لا بد من فهمه وتدبّره..

فإذا اتضح هذا، فأقول: إن الاختلاف والتفرّق والتمايز الذي حصل بيـن الناس وطوائفهم، ولا سـيما في طوائف العلماء والدعاة والمجاهديـن، وبيـن الكثير من العلماء وبيـن المجاهديـن، هو تمايزٌ جارٍ على هذه السُّنَّة في الأعم الأغلب، فهو إذن محمودٌ من هذا الوجه، مع أنه غيرُ محمودٍ بل مؤسف ومحزن من جهة كونه مظهرًا لفساد البعض وضلالهم من هذه الطائفة أو تلك.!

لكننا بالجملة نوقن أن ذلك من الابتلاء والامتحان، فنعتصم بالله ﷻ وما آتانا من العلم والفقه والنور والهدى لكي نبصـر الطريق في هذه الفتنة، هذا هو الواجب.

وبناء عليه نقول توضـيحًا:

إن الخلاف والانفصام بيـن طائفتي العلماء والمجاهديـن واقعٌ على نحويـن:

النحو الأول: بحقٍ؛ فهو تفرّق على الديـن، الناجح فيه ناجح مفلح، والخاسـر فيه خاسـر.

ص 360

والنحو الثاني: بباطل، وهو التفرق لا على الديـن الحق، بل على حظوظ النفوس وعلى وجه الخصومات البشـرية المذمومة التي سببها هوىً أو طلب علوّ ونحو ذلك، وهذه إثمها على أصحابها أيضًا.. والله المستعان.

ولذلك فقولك أخي الكريم: «واليوم نرى الطواغيت وأعوانهم قد نجحوا في التفريق بيـن هذيـن القطبيـن» ليس دقيقا..

نعم؛ الطواغيت يعملون ليل نهار على تفريق صفوف المؤمنيـن والتفريق بيـنهم وبثّ الفتنة في وسطهم، هذا من صميم عمل الطواغيت والشـياطيـن.

لكنهم ما كان لهم أن يـنجحوا في ذلك إلا أن يعيـنهم الإنسان على نفسه، ويُوجد منه المحلُّ القابل لحصول أثر كيدهم ومكرهم، كما قال الله ﷻ: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨ إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١ إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠﴾ [آل عمران].

بل نقول: إن التفرق بيـن الطائفتيـن أغلبه واقع بسبب افتراق الناس بسبب الامتحانات والابتلاءات، فتفرّق الناس بيـن مؤمن صابر ثابتٍ على الديـن الحق، وبيـن منافق يتخذ من الديـن ستارًا لفساد باطنه وعبادة شهواته، أو فاجر قد اتضح فجوره وظهر للناس فساده الذي كان مستورًا، أو ضعيف الإيمان قليل الصبر لم يثبت بل سقط وانحدر في مهاوي الذلة..!! نسأل الله الستر والعافية..

وهذا واقعٌ في الطائفتيـن معًا، لا يظنّن أحدٌ أنه في طائفة دون الأخرى؛ فكم قد رأيـنا ممن تسمى بالعلم وتزيّا بزيِّ أهل الفضل زمانًا ثم لما جاءت الابتلاءات سقط..! وكم قد رأيـنا ورأى الناس مَن كان يدعى مجاهدًا ويعدّ من جملة الأبطال زمانًا ثم لما جاءت الابتلاءات والامتحانات سقط..! والأمثلة لا تعوزكم في كلا الجانبيـن.

ونسأل الله ﷻ لنا ولكم التثبيت والتوفيق والإعانة، والسلامة من كل إثم.. آميـن.

ثم قولك: «وأنا أعتقد بأن هذا السبب هو من أقوى الأسباب التي قد تعرقل مسـيرة العمل الجهادي».. أقول: يـنبغي أن نـعتقدَ الحق دائمًا، ونبحث عن الحق بدلائله التي نصبها الله ﷻ عليه في شـرعه وقدره؛ فإذا ظهر لنا اعتقدناه وتمسكنا به.

وكون هذا التفرق والانفصام الواقع بيـن الكثير من «العلماء» وبيـن «المجاهديـن» هو من الأسباب التي تعرقل مسـيرة العمل الجهادي، نظن أن هذا صحيح فعلا..! والله المستعان.

ص 361

ولكن لا بد أن يفهم على ضوء الكلام السابق في أسباب تفرّق الناس.

ثم لا بد من التوجه بعد ذلك إلى العمل، والعمل هنا هو: السعي لإصلاح أنفسنا أولًا، ثم دعوة الآخريـن وإصلاحهم، ثم السعي للتأليف بيـن طوائف المؤمنيـن وجمع كلمتهم وتوحيد صفهم، ثم التعامل مع من نازعنا وخالفنا على وَفق ما أمرنا ربنا ﷻ.

فإذا عملنا في كل ذلك بما يرضـي الله تعالى، وجاهدنا في هذا حق الجهاد، وعلِـم اللهُ منا الصدق والإخلاص؛ فإن الله يفتح عليـنا ويـنصـرنا، ولا يضـرنا بعد ذلك خلاف مخالفٍ ولا نزاعُ منازعٍ.!

ونأتي للجواب على الأمريـن في سؤالك:

«الأمر الأول: نريد من فضـيلتكم النصح في هذا الموضوع وتوجيه الشباب للالتفاف حول أهل العلم ومناصـرتهم» أظن أن قدرًا من النصح والتوجيه قد حصلَ فيما تقدم، ولله الحمد.

وأما توجيه الشباب للالتفات حول أهل العلم ومناصـرتهم، فلا شك أنه معنىً صحيح، نأمُـرُ به وننصح، لكن على المعنى المرضـي عند الله تعالى وفي شـرعه لاسم «أهل العلم».

ص 362

فنحن عندما نأمر الشباب وننصحهم ونوجههم ونربّيهم على الالتفاف حول العلماء والرجوع إليهم والاستماع لهم وطاعتهم إنما نقصد -بالضـرورة وبلا شك- أهل العلم الموصوفيـن بذلك في القرآن والسنة، الممدوحيـن في القرآن وعلى لسان نبيـنا ﷺ، والمجعوليـن من خيار هذه الأمة وأشـرفها مقامًا ومنزلةً، وهم أهل العلم الذيـن قال الله فيهم: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦﴾ [يوسف]، وقال: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩﴾ [الزمر]، وقال: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣﴾ [العنكبوت]، وقال: ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ﴾ [العنكبوت]، وقال: ﴿قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧﴾ [الإسـراء]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ٢٨﴾ [فاطر]، وقال: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤﴾ [الحج]، وقال ﷻ في سورة القصص: ﴿۞إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦ وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ٨٠ فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١ وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٢ تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣﴾ [القصص].. وغير ذلك كثير في القرآن.

ومن السنة من الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعيـن وخيار الأمة وصالحيها شـيء لا يحصـى في مدح العلم وأهله والحث على طلبه وبيان شـرفه في الدنيا والآخرة وأنه أصل خيري الدنيا والآخرة وسبب السعادة في الداريـن؛ عن معاوية h أنه سمع النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الديـن) متفق عليه١٥٩صحيح البخاري (3116، 7312)، صحيح مسلم (1037).، وعن أبي الدرداء h قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديـنارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي١٦٠سنن أبي داود (3641)، سنن الترمذي (2646)، سنن ابن ماجه (225)، وصححه الألباني، صحيح ابن حبان (88)، السنن الكبرى للبيهقي (1310).، وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: (ليس من أمتي من لم يُـجِـلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد والطبراني في «الكبير» وإسناده حسن؛ قاله الهيثمي في المجمع١٦١مسند أحمد (22755)، المعجم الكبير (12276) بلفظ: (.. ويعرف لنا حقنا)، مجمع الزوائد (1 / 127)، وقال الألباني في: صحيح الجامع (5443): حسن..

ص 363

ويكفي للإنسان أن يراجع بعض أبواب فضل العالم والمتعلم وفضل طلب العلم والحث عليه والترغيب في ذلك، في كتب الحديث وغيرها والكتب التي وضعها العلماء لذلك خصوصًا، وهو شـيء لا يحصـى كثرة.

ولا شك أن هؤلاء العلماء الصالحيـن الممدوحيـن عند الله تعالى المفضّليـن المشـرفيـن هم المأمور بسؤالهم في قول الله تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧﴾ [النحل] وهم أولو الأمر على التحقيق كما حققه جماعة من علمائنا رحمهم الله المقصودون في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59]؛ لأن أولي الأمر هم ذووه وأصحابه، والأمر: الشأن، والمقصود مَن يرجع إليهم تقرير أمور الناس والفصل فيها، وهم طائفتان: العلماء والأمراء، وعند التحقيق هو راجع إلى العلماء لأن الأمراء تبعٌ لهم وعالة عليهم.

قال القاضـي أبو بكر بن العربي رحمه الله عند آية النساء: «الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ فِيهَا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: هُمْ أَصْحَابُ السـرايَا، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سـريَّةٍ. الثَّانِي: قَالَ جَابِرٌ: هُمْ الْعُلَمَاءُ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِيـن، واخْتَارَهُ مَالِكٌ؛ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَسْلَمَةَ: سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: هُمْ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ نَزَارٍ: وَقَفْت عَلَى مَالِكٍ؛ فَقُلْت: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ ؟ قَالَ: وَكَانَ مُحْتَبِيًا فَحَلَّ حَبْوَتَهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَفَتَحَ عَيـنيْهِ فِي وَجْهِي، وَعَلِمْت مَا أَرَادَ، وَإِنَّمَا عَنَى أَهْلَ الْعِلْمِ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﷺ: (مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) الْحَدِيثَ١٦٢صحيح البخاري (7137)، صحيح مسلم (1835).، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَيـن عَلَى الْخَلْقِ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ، يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ، لَا سـيمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ حَاكِمٌ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ [المائدة: 44]؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَاكِمٌ وَالرَّبَّانِيَّ حَاكِمٌ، وَالْحَبْرَ حَاكِمٌ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَفْضـى إلَى الْجُهَّالِ، وَتَعَيَّـن عَلَيْهِمْ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ نَظَرَ مَالِكٌ إلَى خَالِدِ بْنِ نَزَارٍ نَظْرَةً مُنْكَرَةً، كَأَنَّهُ يُشـيرُ بِهَا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَزَالَ عَنْ الْأُمَرَاءِ لِجَهْلِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ، وَالْعَادِلُ مِنْهُمْ مُفْتَقِرٌ إلَى الْعَالِمِ كَافْتِقَارِ الْجَاهِلِ» ١٦٣أحكام القرآن (1 / 574). اهـ.

ص 364

وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير: «قوله: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولون له، والأمر هو الشأن، أي ما يهتم به من الأحوال والشؤون، فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذيـن يُـسند الناسُ إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصـير الأمر كأنه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضد ذلك: ليس له من الأمر شيءٌ، ولما أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشـريعة طائفة معيـنة، وهم قدوة الأمة وأمناؤها، فعلمنا أن تلك الصفة تثبت لهم بطرق شـرعية، إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشـرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلميـن إذا لم يكن لهم سلطان، وإما صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة، فأهل العلم العدول: من أولي الأمر لأن صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذيـن اشتهروا بيـن الأمة بها، لما جرب من علمهم واتقائهم في الفتوى والتعليم، قال مالك: أولوا الأمر: أهل القرآن والعلم يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد؛ فأولوا الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهديـن إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولوا الأمر هم الذيـن يطلق عليهم أيضا أهل الحل والعقد» ١٦٤التحرير والتنوير (5 / 98). اهـ.

فشأن العلماء في الأمة شأن عظيم، وهم في الحقيقة قادتها؛ لأنهم ورثة الأنبياء ومعلّمو الخلق الخير، وبهم صلاح الأمة، وإذا فسدوا أيضا فبفسادهم تفسد الأمة.! نسأل الله تعالى أن يمنّ على أمة محمدٍ ﷺ بالصلاح والتوفيق والنصـر والرفعة.

ثم لأننا نعيش في زمان فتنة وانحطاط وفساد كبير، وهذا حظنا وقَسْمنا والحمد لله، ونسأل الله أن يعيـننا ويـنجّيـنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولأن الفساد في طبقة العلماء قد بلغ حدودًا كبيرة، كما في سائر طبقات الأمة أيضًا، وفي عمومها؛ فإننا لا بد أن نبيـن دائما هذا التفصـيل وهذا التقسـيم لشبابنا، ونوضح لهم مَن هم العلماء الذيـن نأمرهم بالالتفاف حولهم والاستماع إليهم ومشاورتهم وتقديمهم وطاعتهم واتباعهم، كما نشـرح لهم حدود هذه الطاعة والاتباع.

ص 365

ونحتاج في كثير من الأحيان أن نسمّي الناس بأسمائهم، ولا نكتفي بالصفات العامة، نصحًا لشبابنا وتبييـنا للحق وتعريفا بأهله القائميـن به، وحذرًا من التلبيس والتضليل، ومجاهدة لأهل الباطل، ودفعا لفسادهم.. فنذكر الصالحيـن بأسمائهم ونشـيد بهم وننوه، وننصح باحترامهم والسماع لهم واتباعهم وسؤالهم والرجوع إليهم والصدور عن مشورتهم، ونذكر الساقطيـن الفاسديـن، علماء السوء، علماء الدنيا، علماء السلطان، علماء الدرهم والديـنار، بأسمائهم ونُعَيِّـنُهم ونبيـن شـرهم وفسادهم ونحذر منهم وننهى عن سؤالهم ومشاورتهم أو السماع لهم..!

فنحن -مثلا- لا نأمر شباب الإسلام بالالتفاف حول عالمٍ من علماء بلاط السلاطيـن المرتديـن ممن يزيـن للحكام الكفرة الظلمة الفجرة بعض باطلهم، ويمدّهم بالشـرعية في أعيـن الجماهير، ويسوّغ أفعالهم وولايتهم ويعبّد الناسَ لهم، ويدعوهم إلى طاعتهم.. الخ، ولا نأمُـر شبابَ الإسلام بالالتفاف حول عالمٍ يدعو الشعوب المسلمة إلى الالتفافِ حول حكامها المرتديـن الخونة قاتلهم الله..!! لا والله، لا نفعل ذلك، وإلا كنا خنا أمانة الله تعالى، والعياذ بالله.. نسأل الله العافية والسلامة؛ بل مثل هؤلاء نكشف سوءتهم ونعرّي باطلهم ونبيـن ضلالهم وفسادهم ونحذر منهم، ونجاهدهم.

وستعرض لنا في هذا الصدد نماذج لا تعدّ ولا تحصـى، ودرجات لا تنحصـر من أصناف الناس، فنحن نتحرّى في كل ذلك الحقَ في أحكامنا، ونسعى جاهديـن ألا نظلم أحدًا، ونوازن بيـن الحسنات والسـيئات، ونجتهد في إعطاء كل أحدٍ حقه.. وقد تقع لنا كما لأي أحدٍ أخطاء في أفراد ذلك، والتوفيق بيد الله تعالى وحده، نسأله ﷻ من فضله.

«الأمر الثاني: نريد من فضـيلتكم توضـيح حقيقة علماء السلطان وكشف شبههم وغشهم» فأما كشف شبههم وغشّهم فهذا يطول وليس لأفراده انتهاء في علم البشـر..! وإنما تُكشَف كل شبهة ويبيـن كل غشّ وتلبيس وتدليس في موضعه، بالحجة والبرهان من الكتاب والسنة؛ فيكون الأمر كما قال الله تعالى: ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١﴾ [الإسـراء].

وأما توضـيح حقيقة علماء السلطان هؤلاء، وبيان صفاتهم: فاعلم أيها الأخ الكريم، أنه ليس بعد بيان الله تعالى ورسوله ﷺ بيانٌ.! فقد كشف الله ﷻ سترهم في كتابه العزيز وفضح عوارهم، وجلّاهم لنا كأنا رأي عيـن..

وسنذكر هنا نبذة من ذلك، وبالله التوفيق..

ص 366

قال الله تعالى: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤﴾ [التوبة]، في هذه الآية الكريمة يبيـن الله تعالى لعباده المؤمنيـن أن كثيرًا من الأحبار وهم العلماء، والرهبان وهم العُــباد يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، تحذيرًا منهم وتنبيها على التحرّي فيهم حيث اقتضـى الحالُ التحرّي.

وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١﴾ [آل عمران]، ولا يقال إن هذه الآيات -وأشباهها في كتاب الله- المراد بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فإن هذا تقليل لفائدتها أو تعطيلٌ لها، ولأن الخطاب للذيـن آمنوا كما هو نصّ صدر الآية الأولى، فالمقصود أن يعرفوا أن بعض أهل العلم والعبادة فاسدون يبيعون ديـنهم بالدنيا، فيحذروهم، فإن الله لم يخاطبنا بذلك لمجرد أن نعرف أن علماء اليهود وعباد النصارى يفعلون ذلك، مجرد معرفة تاريخية لا يـنبني عليها عملٌ، هذا لا يقوله أحدٌ من أهل العلم، بل قصّ عليـنا قصصهم لنعتبر ونتعظ، فنجتنب ما ارتكبوه من المعاصـي والآثام وما عابه الله عليهم وذمهم بسببه، كما قال تعالى: ﴿فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦﴾ [الأعراف]، ولهذا أنكر حذيفة h عمّن قال في آيات المائدة: إن قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤﴾ و﴿ٱلظَّٰلِمُونَ ٩﴾ و﴿ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩﴾ ، في أهل الكتاب، وقال: «نعم الإخوة لكم بنو إسـرائيل؛ إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مُــرّة» رواه ابن جرير عنه بإسناد صحيح١٦٥جامع البيان للطبري (10 / 348)، وقال محققه أحمد شاكر: «رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي»، وللأثر تتمة: «كلا، والذي نفسي بيده، حتى تحذوا السنة بالسنة حذو القذة بالقذة»..

ص 367

[البحر: المتقارب]

[البحر: المتقارب]

وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ 

وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانِهَا؟» اهـ١٦٦تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4 / 137، 138).

وقال تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦﴾ [الأعراف]؛ فالله تعالى أمر نبيّه ﷺ أن يتلو عليـنا نبأ هذا الرجل مِن بني إسـرائيل الذي آتاه الله آياته وعلمه العلم حتى ورد أنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعِـيَ به أجاب وإذا سئل به أعطى، وهيأه الله للرفعة والشـرف بهذا العلم، لكنه لم يشكر نعمة الله ولم يؤد حق العلم ولم يقم بما أمره الله به، بل انسلخ من رداء العلم، واختار الخلود إلى الأرض والانحطاط والسفول واتبع هواه وجرى وراء شهواته وسلك سبيل الغواية، فأغضب الله تعالى عليه وأسخطه، واستحق عذابه الأليم، وأخزاه الله في الدنيا والآخرة، وجعله الله تعالى عبرة للناس إلى يوم القيامة.

ص 368

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله لا يـنزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا، ولكن يـنتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون) متفق عليه، وفي لفظ: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا يـنتزعه من الناس، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)١٦٧لفظ الحديث الأول في: صحيح البخاري (7307)، والرواية الثانية في: صحيح مسلم (2673).، وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم h: (أن النبيكان يستعيذ بالله من علم لا يـنفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها)١٦٨صحيح مسلم (2722).، وعن أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نار) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم١٦٩سنن أبي داود (3658)، سنن الترمذي (2649)، سنن ابن ماجه (266) وصححه الألباني، مسند أحمد (7571) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح.، وعن أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (من تعلم علمًا مما يُبتغَى به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصـيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، يعني ريحها) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شـرط البخاري ومسلم١٧٠سنن أبي داود (3664)، سنن ابن ماجه (252) وصححه الألباني، صحيح ابن حبان (78)، مستدرك الحاكم (288) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ، ثِقَاتٌ رُوَاتُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، قال الذهبي في «التعليق»: «على شرطهما»..

وانظر «الترغيب والترهيب للمنذري»، أبواب «الترهيب من كتم العلم»١٧١الترغيب والترهيب (1 / 70 - 72) وساق فيه ثمانية أحاديث. وغيرها من الأبواب المقاربة، وانظر في الآثار الواردة عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعيـن في شأن علماء السوء وخطرهم..

وفي فتنة العلماء بالدخول على السلاطيـن الكتب التالية على سبيل المثال:

ص 369

- رسالة «السـيوطي» المسمَّـاة: «ما رواه الأساطيـن في فتنة من أتى أبواب السلاطيـن»١٧٢ألَّف السيوطي (ت 911) هذه الرسالة، وضمنها قرابة 25 بابًا مختلفًا تخدم عنوانها، احتوت على أحاديث وآثار وأشعار وقصص؛ فوقف رحمه الله في هذا الكتاب ناصحًا لأهل العلم بأن يصونوا علمهم عن أبواب السلاطين، ولا يشتروا الحياة الدنيا بالآخرة.؛ فقد جمع فيها كل شـيء تقريبا في هذا الباب، على أن أكثر ما ورد من ذلك من الأحاديث المرفوعة لا يصحّ، وإنما صح مرفوعًا حديث أو حديثان فيهما التصـريح بالتحذير من إتيان السلاطيـن؛ والذي صح هو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصـيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن١٧٣سنن أبي داود (2859)، سنن الترمذي (2256)، سنن النسائي (4309) وصححه الألباني.، وحديث أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن بدا جفا، ومن تبع الصـيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتَـــتَــن، وما ازداد عبدٌ من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بُـعدًا) رواه أحمد بإسناديـن رواة أحدهما رواة الصحيح؛ كذا في الترغيب والترهيب، وصححهما الشـيخ الألباني وغيره من العلماء١٧٤مسند أحمد (8836، 9683) قال الأرنؤوط: حديث ضعيف للاضطراب الذي وقع في إسناده، لكن قال الألباني في: السلسلة الصحيحة (1272): «إسناده حسن»..

فائدة: (افتَـتَـنَ) بالبناء للفاعل على الصحيح.

- وكتاب: «جامع بيان العلم وفضله» للحافظ «ابن عبد البر»؛ الأبواب الآتية: باب ما روي في قبض العلم وذهاب العلماء، باب حال العلم إذا كان عند الفساق والأرذال، باب ذكر استعاذة رسول الله ﷺ من علم لا يـنفع وسؤاله العلم النافع، باب ذم العالم على مداخلة السلطان الظالم، باب ذم الفاجر من العلماء وذم طلب العلم للمباهاة والدنيا١٧٥ينظر المواضع التالية: (1 / 585)، (1 / 610)، (1 / 622)، (1 / 631)، (1 / 648)..

تنبيه مهم: قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الكتاب المذكور: «معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق، فأما العدل منهم الفاضل فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته وابن شهاب وطبقته، وقد كان ابن شهاب يدخل إلى السلطان عبد الملك وبنيه بعده، وكان ممن يدخل إلى السلطان: الشعبيُّ وقبيصة وابن ذؤيب ورجاء بن حيوة الكندي وأبو المقدام وكان فاضلا عالما والحسنُ وأبو الزناد ومالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وجماعة يطول ذكرهم، وإذا حضـر العالمُ عند السلطان غِــبّـًا فيما فيه الحاجة وقال خيرا ونطق بعلم كان حسنا وكان في ذلك رضوان الله إلى يوم يلقاه، ولكنها مجالسٌ الفتنةُ فيها أغلبُ، والسلامة منها تركُ ما فيها» ١٧٦الجامع في بيان العلم وفضله (1 / 641، 642). اهـ.

وهذا تفصـيل جيد مهم فليتنبّه له، وفي هذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالميـن.

ومن مجمل ما ورد في علماء السوء ومما بيـنه علماؤنا نستطيع أن نحدد أهم صفاتهم، فنقول:

ص 370

- إذا رأيت العالم يغشـى أبواب السلاطيـن الفجرة، بلهَ الكفرة، ويتردد عليهم ويصاحبهم؛ فاحذره حذرًا شديدًا، فإذا رأيته يكثر من ذلك ويقبل عطاياهم ومننهم ويتقرب إليهم ويحرص على ذلك فاهرب منه واطّـرحه، فإذا رأيته مع ذلك يسكت على فسادهم ومنكراتهم المتعددة ويداهنهم ويثني عليهم ويخفي سواءتهم ويمدحهم فكبّر عليه أربعًا أو خمسًا، فإن رأيته مع ذلك يسوّغ منكرهم ويحامي عن باطلهم الواضح، فهذا العالم الفاجر الفاسق والمفتي الماجن، فاتخذه عدوًا، وهذا عالم السلطان، وربما كان كافرًا إن أتى ما يستوجب الكفرَ، كما سنفصل في هذا فيما يأتي إن شاء الله.

- وإذا رأيت العالم يتقرب إلى أهل الدنيا والأغنياء المترفيـن ويستكثر من الأموال وسائر العطايا والمزايا منهم، ويخالطهم، ويتساهل في الفتوى لهم بالتحليل والتسويغ، ويسكت على باطلهم وفسوقهم فكذلك..! فهذا عالم دنيا لا عالم ديـن ولا آخرة.

- وإذا رأيت العالمَ يحرص جدًا على «الجمهور» أي أن يـنال رضا الجمهور ويحافظ على الشهرة والمكانة الاجتماعية المرموقة التي نالها بيـنهم، فانتبه واحذر منه وابتعد عنه، لكن لا تتسـرع أيضًا في الحكم عليه، حتى يتبيـن حاله أكثر، فإن رأيته مع ذلك يتتبع الرخص ويفتي بها لهم، ويميل حيث مال الجمهور في محكات الابتلاء، ولا يصدع بالحق في مواطنه البيـنة الواضحة بل يسايس ويلاطف ويضاحك ويلايـن ويدّعي الحكمة، ولم يتمعّر وجهه في سبيل الله يومًا.. فهو عالم عامّــةٍ لا عالم ديـن ولا آخرة..! فاطرحه ولا تأخذ عنه ديـنك فإنه قاطع طريق بلا شك.!!

- وإذا رأيت العالمَ يعارض النصوص الواضحة في الكتاب والسنة برأيه واستحسانه زعمَ، أو يطرح نصوص الكتاب والسنة ولا يلتفت إليها ولا يستعملها لمعرفة الحق والحكم في المسائل، ولا يجعل تعويله عليها، بل على النظر العقلي المجرد والفلسفات والأفكار والمقايسات العقلية، ولا سيما إن كان مع ذلك معجبًا بالغرب أو الشـرق، مكثرًا من الاستفادة منهم والثناء عليهم، فاعلم أنه متفلسِـف مفتونٌ ضالٌ، لا عالم ديـن ولا آخرة..! فاحذره أشد الحذر ولا تسمع له شـيئا، بل أغلق أذنيك إن استطعت حيث مررت به.!

فهذه هي أهم أقسامهم، وهي باختصار:

- عالم ديـن وآخرة، مؤمن تقي صالح مسدد مجاهد في سبيل الله آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بحسب وسعه، ناصح للأمة مباعدٌ لمواطن الشـر والفتنة والريبة ولأهلها، محبّ للضعفاء والمساكيـن والمكروبيـن من المؤمنيـن مناصـر لهم.

- عالم سلطان..

- عالم دنيا ومالٍ وشهوات كرشه ومقتنياته وراحته وجولاته..

ص 371

- عالم عامـّـة وجمهور..

- عالمٌ مفتونٌ برأيه وعقله وبأفكار المخلوقيـن.

وأهم صفات علماء السوء جميعا أنهم يدخلون مداخل الفتنة ولا يبالون بديـنهم، ويبيعون ديـنهم بعرض من الدنيا قليل إذا اقتضـى الأمر، وقل ما ترى الواحد منهم متمـعّــرا وجهه في سبيل الله، أو آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، وتراهم بعكس ذلك مرضـييـن حظيّيـن عند السلاطيـن الفجرة وعند أهل الدنيا والمترفيـن، بل ربما عند أعداء الإسلام الواضحيـن المجمع عليهم، وترى أهل الفساد والمُـجون يثنون عليهم ويرضونهم، وتراهم مباعديـن للمجاهديـن في سبيل الله تعالى، فإذا ناصـروا جهادًا يوما ما فإنما هو جهاد العافية!! وإنما يتحرّكون في الضوء الأخضـر الممنوح من السلطان.!! نسأل الله ﷻ أن يكفيـنا والمسلميـن شـرهم.. آميـن.

•••