• فائدةٌ في قوله تعالى: ﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ [طه]:

قال المفسـرون ما حاصله: هذا سؤال لومٍ من الله تعالى لموسـى في تعجّله وتقدّمه قومه مع أنه مأمور باستصحابهم وإحضارهم معه، وقصتها أن موسـى لما واعده ربه ﷻ ثلاثين يوما جاء مع السبعين الذين اختارهم للقاء ربه ﷻ في الموعد في جانب الطور، ورأى موسـى عليه السلام على وجه الاجتهاد منه أن يتقدم قومه مبادرًا إلى الله تعالى وطلبا لمرضاته وشوقا إليه ﷻ، فوقع العتاب من الله تعالى له في تقدّمه ذلك. والله أعلم.

في القرطبي: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الله عالما ولكن قال ﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ﴾ رحمة لموسـى وإكراما له بهذا القول وتسكينا لقلبه ورقة عليه، فقال مجيبا لربه ﴿هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضـى عني، يقال: رجل عَجِلٌ وعَجُلٌ وعَجُولُ وعَجْلانُ بيّنُ العجلة، والعجلة خلاف البطء»٥٣٦تفسير القرطبي (11 / 233). اهـ.

وفي البيضاوي: « ﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣﴾ سؤالٌ عن سبب العجلة يتضمّن إنكارَها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهامُ التعاظم عليهم؛ فلذلك أجاب موسـى عن الأمرين وقدّم جواب الإنكار لأنه أهم؛ ﴿قَالَ﴾ موسـى ﴿هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي﴾ أي ما تقدَّمتهم إلا بخطى يسـيرة لا يعتدّ بها عادةً، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدَّم بها الرفقة بعضهم بعضا، ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجِبُ مرضاتك»٥٣٧أنوار التنزيل للبيضاوي (4 / 35). اهـ.

ص 727

ونقل الألوسـي عن بعض العلماء «أن المراد من سؤال موسـى عليه السلام عن سبب العجلة -وهو سبحانه أعلم- أن يعلّمه أدب السفر، وهو أنه ينبغي تأخر رئيس القوم عنهم؛ ليكون بصره بهم ومهيمنًا عليهم، وهذا المعنى لا يحصل مع التقدم، ألا ترى كيف علم الله تعالى هذا الأدب لوطًا فقال سبحانه: ﴿وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ [الحجر: 65] فأمره ﷻ أن يكون آخرهم» اهـ، ونقل عن بعضهم أيضا واستحسنه أن: «المعنى: أي شـيء أعجلك منفردا عن قومك، والإنكار بالذات للانفراد عنهم؛ فهو منصبٌّ على القيدِ كما عُرف في أمثاله، وإنكار العجلة ليس إلا لكونها وسـيلة، فاعتذر موسـى عليه السلام عنه بأني أخطأتُ في الاجتهاد، وحسبتُ أن القدر اليسـيرَ من التقدّم لا يخلُّ بالمعيّةِ، ولا يُعدّ انفرادًا ولا يقدح بالاستصحاب، والحامل عليه طلب استدامة مرضاتك بالمبادرة إلى امتثال أمرك؛ فالجواب هو قوله: ﴿هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي﴾ وقوله: ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ هو كالتتميم له»٥٣٨روح المعاني للألوسي (8 / 552). اهـ.

وإنما اعتنيتُ ببيان معنى هذه الآية الكريمة لإخواني؛ لما فيها من بيان كراهية العجلة على المعنى الذي وضحناه فيما سبق، ولأني رأيت بعض الناس يجعلون من قول موسـى عليه السلام: ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤﴾ شعارًا في بعض المناسبات، كضـرورة خوض العمليات الفدائية (الاستشهادية)، وهي عندي جائزة ولله الحمد بشـروطها، لكن لا يناسبها أن تجعل هذه العبارة شعارًا لها؛ فإن هذا إنما هو مقام الاعتذار عن الخطأ؛ فكيف يحسُنُ أن يجعَل شعارًا؟! والله أعلم.

كيف وقد قال تعالى في الحديث القدسـي: (بادرني عبدي بنفسه؛ حرَّمتُ عليه الجنة)٥٣٩صحيح البخاري (3463).، وهذا من المبادرة المذمومة قطعًا ويقينًا بهذا النص وغيره، وهي من العجلة التي بيّنّاها، والتي هي من الشـيطان، وهو من أدلة تحريم الانتحار تحريما شديدا جدًا.

وإنما جوّزنا الاستشهاد لأنه ليس بانتحارٍ (فرَّقنا بينه وبين الانتحار) وهو موضع ضـرورة أو ما يقاربها لنصـر الدين لا غير، وقد دلَّتْ عليه الأدلة كما هو مبسوط في موضعه؛ فهل يقول إنسانٌ إنه يصلح أن نجعل من عبارة هذا الحديث القدسـي شعارا للقيام بالعمليات الاستشهادية فنقول مثلا: بادرتُك يا رب بنفسـي؟! لا شك أن هذا خارج عن معاني البلاغة والذوق والأدب!! وبالله التوفيق.

ص 728

وقد راجعتُ أكثر التفاسـير المعتبرة لعلمائنا لأقف على معنى الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ﴾ [طه: 85] فلم أرَ أكثرهم تعرّض له، حتى وقفتُ عليها في كلام الطاهر بن عاشور رحمه الله في سفره الثمين «التحرير والتنوير»، قال: «والإعجال: جعْل الشـيء عاجلًا، ولا استفهام مستعمل في اللّوْم. والذي يؤخذ من كلام المفسـرين وتشـير إليه الآية: أنّ موسـى تعجَّل مفارقة قَومه ليحضـر إلى المناجاة قبل الإبّان الذي عيّنه الله له اجتهادًا منه ورغبةً في تلقي الشـريعة حسبما وعده الله قبل أن يحيط بنو إسـرائيل بجبل الطور، ولم يراعِ في ذلك إلا السبقَ إلى ما فيه خير لنفسه ولقومه، فلامه اللهُ على أن غفل عن مراعاة ما يحفّ بذلك من ابتعاده عن قومه قبل أن يوصيهم الله بالمحافظة على العهد ويحذّرهم مكر من يتوسّمون فيه مكرًا، فكان في ذلك بمنزلة أبي بكرة حين دخل المسجد فوجد النبي ﷺ راكعًا فركع ودَبّ إلى الصف فقال له النبي ﷺ: (زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ)٥٤٠صحيح البخاري (783).، وقريبٌ من تصرّف موسـى عليه السلام أخذُ المجتهد بالدليل الذي له معارضٌ دون علم بمعارِضِه. وكان ذلك سبب افتتان قومه بصنع صنم يعبدونه.. وقوله هنا ﴿هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي﴾ يدل على أنّهم كانوا سائرين خلفه وأنه سبقهم إلى المناجاة، واعتذر عن تعجّله بأنه عجل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ﴾ فيه ضـربٌ من المَلام على التعجل بأنّه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلّمه أن لا يتجاوز ما وُقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير»٥٤١التحرير والتنوير (16 / 277). اهـ.

وعليه.. ففي الآية بيانُ أن العجلة قد تتسبّب في نوعِ بلاءٍ وفتنةٍ، وإن وقعتْ عن اجتهادٍ أحيانًا، وفيه بيان أن الجزاءات القدرية لا تلازمُ الذنبَ.. وفي ذلك كله تمام التحذير من العجلة المذمومة، والله عز وجل أعلم وأجل وأحكم، وأستغفر الله من كل ذنبٍ.

ولعل «الفخر الرازي» أشار إلى هذا المعنى بقوله: «عرَّفه الله تعالى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يَبْعُدُ أن يحدث لو كان معهم فقال: ﴿فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ﴾» ٥٤٢مفاتيح الغيب للرازي (22 / 86). اهـ.

وأبدى الألوسـي رحمه الله في «روح المعاني» وجهًا آخر للفاء؛ فقال: «والفاء لتعليل ما يفهمه الكلام السابق، كأنه قيل: لا ينبغي عجلتك على قومك وتقدمك عليهم وإهمال أمرهم لوجه من الوجوه فإنهم لحداثة عهدهم باتباعك ومزيد بلاهتهم وحماقتهم بمكانٍ يحيق فيه مكر الشـيطان ويتمكن من إضلالهم، فإن القوم الذين خلّفتهم مع أخيك قد فتنوا وأضلهم السامريّ بخروجك من بينهم فكيف تأمن على هؤلاء الذين أغفلتهم وأهملت أمرهم» اهـ٥٤٣روح المعاني (8 / 553، 554).، فالله أعلم.

ص 729

(فائدة): في الآية استعمالُ لفظ العجلة في المعنيين: الممدوح والمذموم؛ فأما المذموم فظاهر في قول الله تعالى له: ﴿۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ﴾ كما سبق توضيحه.. وأما الممدوح (بمعنى المسارعة إلى الخيرِ) ففي قول موسـى ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ﴾ وذلك أنه أخبر بما كان على حسبِ ظنه واجتهاده.. فيضاف هذا إلى ما قلناه سابقا.