[القول في تنزيل أحاديث «الفتن» على الواقع، وكذا أحاديث المهدي والرايات السود]
مركز اليقين: وبمناسبة الكلام عن التفاؤل والبشائر، نلاحظ على بعض الشباب في الحركة الإسلامية بعض الأفكار التي تحتاج إلى وقفة من العلماء والدعاة، مثلا مسألة: تنزيل أحاديث الفتن والملاحم على الواقع، وأحاديث المهدي والرايات السود وغير ذلك؛ فهل يجوز إسقاط هذه الأحاديث على الأحداث الراهنة، رغم أنه يظهر أحيانا أن هناك تطابقًا بين ما ورد في بعض الأحاديث وبين بعض الأحداث والوقائع الجارية؟
الشـيخ عطية الله: بارك الله فيك، هذا سؤال جيد، وهذه مسألة ينبغي التفقه فيها والاطلاع على كلام العلماء فيها، وكلامهم رحم الله أحياءهم وأمواتهم مبثوث فيها في كتبهم، ولا سـيما كتب شـروح الحديث في أبواب الفتن والملاحم وأخبار آخر الزمان وأشـراط الساعة، والكتب المؤلفة في هذا الباب خصوصًا.
ومن أهم ما ينبّه عليه في هذه المسألة: التحذير من خطورة تنزيل ما ورد من ذلك في الكتاب العزيز أو في الأخبار الصحيحة على الوقائع والحوادث إلا ببيّنة تكون حجة للإنسان عند ربه، يستطيع أن يتحمل المؤمن مسؤولية أن يلقى الله بها، وإلا فإن تنزيل الأخبار الغيبية الواردة في الكتاب والسنة على الوقائع والحوادث والأزمنة والأمكنة هو من التأويل والتفسـير لكلام الله عز وجل وكلام رسوله ﷺ، ومن الفتوى والتوقيع عن رب العالمين تبارك وتعالى.
فلا ينبغي للمسلم أن يقول: هذا الحادث أو الواقعة الفلانية في الزمان أو المكان الفلانيين، هي المقصودة بقول الله عز وجل كذا وقول النبي ﷺ كذا، إلا بدليل وحجة.
وإذا كانت الدلالات والأمارات قوية ومطمئنة والتطابق ظاهرًا بين الغيب المخبَر عنه في الكتاب والسنة وبين الواقع والحادثة، فللإنسان إن ظهر له هذا أن يقول: لعل هذا هو المراد بقول الله ورسوله كذا وكذا، ويقول: يحتمل ويمكن وأظن، وليحذر من الجزم، إلا بدليل كالشمسِ في رابعة النهار.!
فإن اعتصم الإنسان بهذا الأصل والفقه، سلم إن شاء الله من القول على الله بغير علم، وسلم من الافتتان بسبب العجلة والطيش وبناء أحكام واعتقادات واتخاذ قرارات على أساس موهوم.!
ومما ينبّه عليه أيضا أن الحكم والمقاصد الشـريفة من ورود عامة هذه الأخبار في الكتاب والسنة مركبة من أشـياء:
منها: التبشـير بالخير والنصـر للإسلام والمسلمين، فيظل المؤمن مستبشـرا راجيا مستيقنا بوعد الله عز وجل.
ومنها: الاختبار والامتحان للمكلفين، فمنهم من يؤمن (يصدق بخبر الله عز وجل ويستيقن) ومنهم من يكفر ويردّ خبر الله عز وجل ورسوله ﷺ أو يشك فيه، والناس في ذلك درجات لا يحصـيها إلا علام الغيوب ﷻ.
ومنها: الرحمة واللطف الإلهي بالمؤمنين في الأزمنة المتأخرة وهم في أحوال الضعف؛ فإنهم حين تحل بهم تلك النوازل المخبَر عنها، يعرفون كيف يتصـرفون ويختارون الطريق الصحيح الذي يرضاه رب العالمين.
ومن ضمن الحكم والمقاصد أيضا: الفوائدُ الحاضـرة من لدن ورود هذا الخبر من الأخبار في الكتاب والسنة، الموجودة ضمنًا، والتي تتمثل في أحكام شـرعية مستفادة، كما استفاد الفقهاء من حديث (يومٌ كسنة ويومٌ كشهر ويومٌ كجمعة وسائر إيامه كأيامكم)٤٠٠صحيح مسلم (2937). كيفية صلاة الإنسان في القطبين الشمالي والجنوبي ونحوها، وكما استفادوا مشـروعية أن يتصالح المسلمون مع عدوّ كافر ويقاتلوا معًا عدوًا كافرًا آخر، من حديث: (تصالحون الروم صلحًا آمنًا وتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم..)٤٠١مسند أحمد (16862) وصححه الأرنؤوط، سنن أبي داود (2767، 4292)، سنن ابن ماجه (4089) وصححه الألباني.، وهذا كثير جدا؛ أعني استفادة الأحكام.
والأكثر منه: استفادة العبر والمواعظ الهادية، فمن يتأمل قصة «الدجال» مثلا وما فيها من الفتن والبلاء العظيم للناس، وكيف أن الناس ينقسمون منهم من يختار آخرته ويعتصم بدينه، ومنهم من يختار العاجلة ويبيع دينه، رغم وضوح الدجال جدا، لدرجة أنه مكتوب على جبهته كافر، ورغم قوة بيان النبي ﷺ بل جميع الأنبياء قبله لصفاته وتحذيرهم منه، أقول من يتأمل هذا فلا يستغرب إذا دخل «الدجال» الأمريكي اليومَ إلى بلاد المسلمين (أفغانستان والعراق نموذجان حيّان) وعاث فيها ومضـى يعدُ الناسَ ويمنّيهم ومعه جنة ونارٌ، كيف تتسارع الناس إلى متابعته واللحاق بركبه والافتتان بما يسمّيه جنة، ويبيعون دينهم وينسون الآخرة ولا ينظرون إليها.
لا يستغرب الإنسان ذلك، فإن أكثر الخلق يسقطون عند الفتن ويفشلون في الامتحان..! ولا يقول: هذا بسبب التقصـير في الدعوة ونشـر العلم!!
فإن كون أمريكا كفارًا صليبين فجرة فسقة من أخبث خلق الله وأظلمهم، غازين لبلاد المسلمين، يجب التصدي لهم وَفق إجماع الأمة، والتصدّي لهم ممدوحٌ بكل المقاييس الطبيعية (الفطرية) والسماوية والأرضية، هذا شـيء من العلم الضـروري الذي لا يحتاج إلى فقهاء يبيّنونه ويشـرحونه، ولا يُقال فيه: الدعوة مقصـرة ونحن مقصـرون في نشـر العلم، وها هي قصة الدجال أمامك ماثلة تأمّلها، هل يخفى الدجال؟! لكن هي مسألة حب العاجلة وترك الآخرة، واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة. نسأل الله العافية والسلامة.
ويستفيد المؤمن: أنه عليه أن يصبر كما صبر المؤمنون على فتنة «الدجال» وعقوباته حين يأمر القرية التي لم تؤمن به فيتبعه كنوزها، ويصـيبهم -بإذن الله ومشـيئته امتحانًا واختبارًا- الجدبُ والقحط والشدة، ويثبت المؤمن وإن قتل وإن نالته الجراح والقراح والحرمان، كما عذب ذلك الشاب المؤمن الذي يقسمه الدجال قسمين أمام الناس ويأمره بالعودة كما كان فيعود.!
لكنَّ المؤمنين صبروا وثبتوا واستيقنوا بصدق خبر الله ورسوله ﷺ.
فهذه من أهم الحكم والمقاصد لهذه الأخبار الشـريفة، ومعظمها حاصلٌ ولو لم يرَ المؤمنُ الشـيء المخبرَ عنه بعينه، فإن عاش وكان ممن يراه، فإنه يزداد إيمانا وتسليمًا، ويهديه الله بإيمانه.
ومما يحذّر منه في هذا الباب: أن بعض الناس يتعلق بأخبار هذا الباب تعلقا زائدا عن الحدّ خارجًا عن الفقه الصحيح، كمن يقول: لا خلاص لأمتنا اليوم إلا بالمهدي المنتظر، فنجلس وننتظر خروج المهديّ الموعود، فإذا خرج التحقنا به..!
وهذا نوعٌ من الضلال والفتنة، والعياذ بالله، لأن الله عز وجل لم يأمرك أيها العبدُ بالقعود عن العمل وانتظار «المهدي» أو غيره، بل أمرَك بالعمل والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله عز وجل والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر التكاليف الشـرعية وأداء الأمانات الربّانية، وهذا كله مبيّن لك في شـريعة الله عز وجل المطهرة، في الكتاب والسنة وما في معناهما، وبيّنه لك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وشـرحوه ووضحوه، فأي عذر لك في ترك كل هذا، وتقعدُ وتقول أنتظر المهدي أو كذا؟! هذا ضلال مبين، عافانا الله وإياكم منه.
ولعل قائل ذلك إذا حضـر خروجَ «المهديّ» فعلا، لا يوفّقه الله ويكون ممن يعاديه ويحاربه..!
ومما يحذر منه أيضًا: أن بعض الناس يستهين بهذا الباب وفقهه وما ورد فيه من الأحاديث النبوية الشـريفة؛ فيظن أنه كلأ مستباحٌ، فيتسوّر عليه بغير علم ولا تأهـّـل ويظل يفسـر ويؤول ويشـرح، وهذا قد شاهدناه كثيرا، والمتابع لما كتب في هذا الباب من كتابات للمعاصـرين يلاحظ ذلك أيضا، وهو خلل وفساد علميّ، وينبغي أن يؤخذ على أيدي هؤلاء ويُحتَسَبَ عليهم، وقد ذكرت في أول الجواب أن الكلام في هذا الباب تفسـيرًا وتأويلا وتنزيلا هو من باب الفتوى والتوقيع عن الله ﷻ.! والله أعلم.
•••