رسالة إلى الشيخ «أبي مصعب الزرقاوي» رحمه الله

[رسالة خاصةٌ نُشرت في «مركز الوثائق» التابع لـ«جهاز مكافحة الإرهاب الأمريكي»؛ ضمن الوثائق التي عثر عليها الأمريكان في بيت الشيخ أسامة رحمه الله، وقد زكى هذه الرسالة «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وذكروا أنها وصلتهم مسبقا بطريق رسمي]

إلى الأخ العزيز والصديق الحبيب والسيد الشهم النبيل أبي مصعب حفظه الله ورعاه وسدد خطاه، ورفع في الدارين درجته وأكرم مثواه، من أخيه المحب عطية عفا الله عنه.

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وجنده، وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نسأل الله أن تكونوا بخير وعافية ممتعين بالقوة ممدودين بالتوفيق من المولى القدير ﷻ، ونسأله تعالى لكم النصر على الأعداء وأن يربط على قلوبكم ويثبّت أقدامكم ويمدّكم بمدد من عنده وينزل عليكم وعلى سائر إخوانكم ممن قِبلكم السكينة ويغشّيكم الرحمة ويكون لكم عونا ونصيرا، إنه نعم المولى ونعم الوكيل.

أخي العزيز، سأختصر الكلام اختصارًا، وأتوكل على الله تعالى ثم أثق في سعة صدرك وعلوِّ كعب أخلاقك، وصدق محبتك لي وحسن ظنك فيَّ، وثقتي أنك تسدّ الخلل وتستر العيب والزلل، وتغضي إن بدر من أخيك ما لا يليق، وأشرع في المقصود متجاوزا العمومات والإجمالات إلى التفاصيل والجزئيات، وعلى الله قصد السبيل، ومنه أستمد العون والتسديد، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

ص 1892

أخي الحبيب السعيد إن شاء الله أبا مصعب الخير وفقه الله: يعلم الله كم نظن فيك الخير وكم نحن واثقون فيك وفي دينك وإخلاصك نحسبك كذلك والله حسيبك، وأنت خيرٌ منا، سبقت ووفّيت وما ترددتَ ولا توانيتَ ولا ألقيت السلاح، بل واصلت في الله الجهاد والكفاح، حباك الله بصفات طيبة وأنعم عليك بخلال كريمة: من صدق التوجّه والحرقة على الدين والتأثر بمصاب أهله والنجدة لهم، والهمة العالية في القيام بما تراه الحق والصواب وإن خالفتك الدنيا كلها، قوة إرادة وعزيمة يفتقدها الكثير من الخلق حتى من أهل الصلاح والعلم منهم، وشجاعة وصدق نحسبك كذلك، وغير ذلك من محاسن الأخلاق والشيم، مع حسن الديانة، نحسبك كذلك، فهذا ظني فيك ما تبدّل وما تغير، ولقد عرفتُ الناس وبلوتهم، فلا يكاد يخفى عليّ النائحة المستأجرة من الثكلى إلا ما شاء الله، ولستُ هنا أزكيك فأنت أدرى بنفسك وبعيوبك ونقصك أيها العبد أكثر من أي أحدٍ، ولكني أذكرك بنعم الله عليك وما وهبك مما عرفناه نحن، وأجعل ذلك توطئة لما سأقوله لك من الرأي والنصيحة والتوجيه؛ فإن حديثي سيكون في غالبه عن السلبيات والتحذير من المهلكات المفسدات، ولن أتعرّض للإيجابيات والحسنات فهي الأصل ولله الحمد والمنة وهي الأكثر الغالب بفضل الله، فلا تجدنّ في نفسك من ذلك، فإن المقام مقام تصحيح وتوجيه ونقد، لا مقام تقييم ولا مدح وترجمة، ولو شاء الله وترجمنا لك فستجدنا نحن أحبابك وإخوانك أنصف الناس لك وأنصحهم وأشفقهم عليك وأرعاهم لحقك وأثناهم عليك بالحق وأسترهم إن شاء الله؛ فأنتم المجاهدون لأعداء الله حقا، القائمون مقامات الصدق والبيع مع الله، الظاهرون بالدين المظهرون له، أنتم من مرّغتم في التراب أنف أمريكا أكبر قوة صليبية كافرة في التاريخ، وأرغمتموها وكسرتم هيبتها وأطحتم بها في الحضيض، وأجرى الله على أيديكم من الخير العميم من إيقاظ الجيل والنهضة بالأمة قدرا طيبا واصلتم به المسيرة في وقت عصيب، هيّأكم الله له بفضله ومنّه، وبعض ذلك يكفي للفخر في الدنيا لمن أراد، وللرفعة في الآخرة لمن احتسب، نسأل الله أن يسددنا وإياكم ويرزقنا الفقه في الدين إنه جواد كريم بر رؤوف رحيم.

فيا أخي وحبيبي بارك الله فيك وأعزك الله وحفظك اسمع مني هذه الكلمات، وضعها نصب عينيك وكن منها على ذكر، واعلم أنها إن ساءك شيءٌ منها في نفسك شيئا ما؛ فإنها والله خير، وإنك ربما لن تسمعها من غير محبِّك، وربما احتجتَ إلى من يقولها لك وقل أن تجده في مقامك هذا إلا أن يشاء الله.

ص 1893

أخي الحبيب، إنك اليوم رجلُ عامةٍ، صرتَ محط أنظار الناس، وصارت أفعالك وقراراتك وتصرفاتك ليست لك أنت فقط غنمها وغرمها، ولكن للإسلام وعلى الإسلام والمسلمين والمجاهدين خصوصا «الطائفة المجاهدة» في الأرض اليوم، وهذا وإن كان نعمةً من الله من بعض وجوهه، فإنه من وجهٍ آخر بلاء وتكليفٌ واختبار عظيم، يبتليك الله ويبتلي بك، ولا تدري هل أنت فيه ناجٍ أو غير ناجٍ، وأنت على خطر عظيم، فلطالما تمنّى الصالحون أن يخرجوا من مثله كفافا.!

وأنت يا أخي تولّيت هذا المقام (مقام قائد أكبر مجموعة للمجاهدين في الأرض اليوم تقاتل الأمريكان وتنكي فيهم)، وصارت لك هذه الهالة والمكانة واختلف الناس فيك بين محب ومبغض وحامدٍ وشاتم وغالٍ متعصب في هذا الجانب أو في ذاك، وصار لك صوتٌ يصل إلى الأعداء وإلى الأمة، وصارت أفعالك يصل تأثيرها إلى الدنيا كلها، وتُرصَد وتُحلَّل، وأنت يا أخي يصعب عليك تحمّل هذا المقام والتكليف والقيام به، وربما قصّرتَ فيه وعجزتَ عنه، وربما ظننت بسبب بعض المؤثرات أنك تحسن صنعا وأنت تسـيئُ وتخطئ في أشياء مهمة وخطرة أحيانا، فيحصل بسبب ذلك انثلام وفساد لا قدّر الله، هذا أمر يحتاج إلى آمالٍ كبيرة جدا، لا يكاد يوجد في آحاد رجالنا اليوم، فلا بد فيه من استعمال مبدأ التكميل للنقص، وذلك هو محور ما أريد لفتك إليه، فكان لزاما يا أخي العزيز أن تراجع هذا الأمر؛ فالقيادة العامة للأمة ومنصب التوجيه، يصعب عليك جدا، بل يصعب على من هو أعلى منك، ولا تقدر عليه لو تفردتَ وظننت أنك تقدر عليه، وتولّيك له بهذا الشكل فيه صعوبة وخطر، فانتبه لهذا الأمر لأنه ربما تكثر الأخطاء ولن تستطيع أن تستوعب الناس وتسوسهم وتقود أمةً من البشر وشعوبا وتوجههم.

لا بد إذن من تكميل النقص بالأعوان والإخوة المشاورين المعاضدين وبالرجوع للقيادة التي هي أعلى منك وأقدر.. وغير ذلك.

لا بد أن تضع نصب عينيك أنك قائد ميدانيٌّ في ناحية تحتَ قيادة كبيرة هي أقوى وأكثر قدرة على القيادة العامة للأمة.

ولا بد أن تترك بعض رأيك أو كثيرا من رأيك لرأي إخوانك الناصحين ولا سيما قياداتك ومن سبقك في هذا الشأن.

ص 1894

أخي الحبيب، أنت تحقق نجاحات وتنكي في أعداء الله وتثخن وتفعل وتفعل، وهذا شيء طيب وعظيم لا نقلل منه أبدا، نسأل الله أن يبارك ويزيد، ولكن ليس هذا كل شيء، فالطريق طويل وصعبٌ، والعدو ليس بالسهل، وهو كبير وكثير وبإمكانه أن يتحمّل الكثير أيضا، وإنما النصر الحقيقي هو انتصار المبادئ والقيم وانتصار الدعوة، والفتح الحقيقي هو الفتح في قلوب الناس، وتأمل تسمية «صلح الحديبية» فتحا، والسياسة لا بد أن تكون مهيمنة على العسكرة، هذه من قواعد الحرب التي اتفقت عليها الأمم كلها كافرها ومسلمها؛ أي أن العمل العسكري هو خادم للسياسة، ونحن أهل الإسلام أهل سياسة وحكمة وعقل وحسن تدبير ملاكها العدل والرحمة والإحسان.. الخ، وشريعتنا أكمل الشرائع الحنيفية السمحة ولله الحمد، قال علماؤنا: حنيفية في التوحيد (الكمال في التوحيد) سمحةٌ في الشرائع (اليسر والسهولة والوضوح والواقعية وغير ذلك من خصائصها).. فما لم تكن أعمالنا العسكرية خادمة لسياستنا الشرعية الحكيمة، وما لم تكن أهدافنا ونجاحاتنا المرحلية خادمة لهدفنا الأكبر ومقاصدنا العليا فهي أشبه بالتعب والنصب والغرور، وأشبه بفرح الأطفال قليلا بشيء أول النهار يكون عليهم وبالا في آخره ومسائه.!! نسأل الله العافية والسلامة.

فلا تغتر يا أخي الحبيب بالنجاحات السريعة والمرحلية، وكن على حذر من خطئك مهما صغر فإن الأخطاء إذا تراكمت أهلكتْ، ولا تستهِن بأي نقص من أي جهةٍ دخل عليك، بل سارع إلى سدّه وتكميله، ولتكن مفكّرا في العواقب، متوكلا على الله في كل ذلك آخذا بما شرع من الأسباب.

وقد كنت قديما تحدثت معك ومع الكثير من الإخوة في ما حصل في الجزائر، فكن منه على ذكر.. ويا أخي ما فائدة أن نفرح ببعض العمليات والنكايات الناجحة ثم تكون العاقبة القريبة انكسارًا لنا لدعوتنا وفقدانا لعدالة قضيتنا ومنطقيتها عند العوامّ الذين هم جماهير الأمة الجهلاء والبسطاء، الذين تراكمت عليهم دهور التجهيل والتضليل والإفساد، ومزيدا من تسلط الأعداء ومن القهر والذلة تدخل علينا، ومزيدا من الشرور والمفاسد والخسران للإمكانيات والتضييع للفرص..؟! فعلينا أن ننتبه لهذا ونأخذ بكامل الأسباب المشروعة ونضغط على أنفسنا في ذلك، فإن (المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله)١٬٣١١سنن الترمذي (1612) وصححه الألباني، مسند أحمد (23966) وقال: حديث صحيح. كما قال نبينا ﷺ، نعم نحن مستمرون في الجهاد ومقارعة أعداء الله إلى آخر رمق وإلى آخر قطرة من دمائنا إن شاء الله، نجحنا في العراق أو انكسرنا، وصلنا إلى شيء أو لم نصل، ولكن حرام علينا أن نضيِّع الفرص التي يمنحنا الله إياها بتقصيرنا وتهاوننا وعدم أخذنا بالأسباب؛ فإن الأخذ بالأسباب التي دلت الشريعة على اعتبارها ودلت التجربة والحس على أنها سبب موصل للمقصود أقول التقصير والتهاون في ذلك محرم إذا كان المقصود (الهدف المراد) واجبًا.!!

فأمرنا هنا مجموع شيئين: الشريعة والتوحيد، وهما: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

ص 1895

نعم، ما أنت فيه أمر هجم عليك وحصل لك بدون تخطيط منك وتشوِّف وحرصٍ، نعم ذلك صحيح إن شاء الله، والمرجو من المولى الكريم ﷻ أن يعينك ولا يكلك إليها، ولكن أيضا عليك أن تعرف قدراتك وقدراتنا جميعًا، وتراعي ما تقدر عليه وتستطيعه، ولا تندفع ولا تستعجل، فربما تأخّر المستعجل.!

فإن سألت: هل آمرك بالتخلي عما أنت فيه من الأمر؟

جوابي: لا، ليس بالضرورة، أي أن ذلك ليس بلازم، مع أنه ممكن لو أنت رأيت في وقت من الأوقات من هو خير منك وأصلح، كما كنت نصحتك بهذا قديما، ما لم يمنع من ذلك مانع من عجزٍ أو خوف مفسدة ما أو نحو ذلك، وهذا أمر أنت أقدر على تحديده وتقديره.

لكن آمرك يا أخي بتكميل النقص كما سبق القول، وكما تعرف أن هذه هي قاعدة الولايات في الشريعة: أن يولّى الكفء؛ فإن لم يمكن فالأصلح فالأصلح بحسب الإمكان، وليكمَل نقص الناقص بما يمكن من الطرق والوسائل المشروعة.. فأنت لا بد لك من تكميل نقصك بأشياء كثيرة، ولا يكفي أن يكون معك لجنة شرعية ومجموعات من الشباب الناقصي الخبرة والتجربة مهما كانوا.. وبالجملة سأنصحك في هذا الإطار بمجموعة من الإجراءات:

ص 1896

* أن تمتنع عن أخذ أي قرار في مسألة جامعة -أمر جامع- وفي الأمور الكبيرة، حتى ترجع إلى قيادتك الشيخ أسامة والدكتور وإخوانهم هناك، وتشاورهم، وأيضا أن تشاور إخوانك المجاهدين معك في العراق نفسها مثل إخواننا «أنصار السنة» وغيرهم، مهما اختلفت معهم ومهما كان لك عليهم أو على بعضهم من ملاحظات أو مؤاخذات، مثال ذلك: مسألة الإعلان عن حرب الشيعة الرافضة وقتلهم، ومسألة توسيع رقعة الحرب إلى بلدان مجاورة، والقيام ببعض الأعمال الكبيرة التي تؤثر كثيرا ويعمّ أثرها، وما شاكل ذلك.. بل أكثر من ذلك: مشاورة حتى غير المجاهدين من أهل الخير في الجملة من أهل البلد عندك أهل السنة، ومن قاربهم، وإن كانوا على بدعة أحيانا أو حتى نفاق، ما داموا مسلمين متفقين معنا في المقاومة والجهاد غير واقفين مع الكفار.. مثل كثير من العلماء وزعماء العشائر ونحو ذلك، لأن مشاورتهم (وليس معناه بالضرورة الأخذ برأيهم في كل مرة ولا في الأكثر) وإشراكهم في الأمر سياسة حكيمة دلت عليها الدلائل من الشرع والعقل والتاريخ ومعارف الأمم وتجاربها، وسأكلمك أكثر عن احتواء الناس وتألفهم واصطناعهم وتطييبهم وغير ذلك، فذلك يا أخي هو سبيل كبير للنصر والفتح لا يقل عن العمليات العسكرية، بل هو في الحقيقة الأصل والعمليات العسكرية يجب أن تكون خادمة مكمّلة له، فعندما تحتوي الناس وتسعهم بأخلاقك وكلمتك الطيبة ومسايستك وتربيتك تكون قد امتلكت أكبر وسائل النصر على عدوك بإذن الله، وإذا أحبك الناس وعظموك عن محبة وودّ، وعطف اللهُ قلوبهم عليك، كان ذلك أنجح وأقوم لكلمتك وأحفظ لك من كل مكروه يخطط له عدوك.

* آمرك يا أخي -وأنا أخوك ولا أملك إلا هذه الكلمات بيني وبينك والله ثالثنا- أن تبعث رسلا من عندك يأتون إلى «وزيرستان» ويلتقون بالإخوة القيادات والعقلاء والمجربين والمشايخ هنا؛ لأنك أنت فرصتك في إرسال الرسل (إخوة تختارهم) أكثر من فرصة إخوانك هنا، أنت عندك إن شاء الله إمكانية أن تجند لهذا الأمر من الشباب والرجال الغير محروقين والقادرين على التحرك ويحملون الخطابات وينقلون لك الجوابات وهكذا، فقط ضع هذا من أهم أولوياتك وجدّ فيه واحرص عليه يسهّله الله لك، وأنا أقول لك شيئا قد يبدو لك مبالغة ولكن تأمله: إن تجهيز إخوة وتجنيدهم وإعدادهم لكي يكونوا رسلا بينك وبين القيادة هنا، هو أهم من تجهيز وإعداد وإرسال إخوة لبعض العمليات مثل عملية فنادق عمان الأخيرة!!

نعم، والله لستُ الهازل، ولكن أهمية تواصلك مع إخوانك هنا والتباحث المستمر والتشاور والمشي معهم على خطط مدروسة وتفاهم وانسجام وتسديد لهو أهم من كثير من العمليات الكبيرة.

فاجتهد يا أخي بارك الله فيك وأرسل رجالك ينقلون لك التوجيهات والنصائح والأفكار والاقتراحات والمشورة والنقد والرأي الناضج من إخوانك، وأنا في زيارةٍ لهم الآن وأكتب لك هذه الرسالة وأنا بين أظهرهم، وهم لهم ملاحظات على بعض أوضاعكم سددكم الله -مع كامل الثقة والمحبة والإعظام والتقدير- ويودّون أنهم يملكون طريقا لمخاطبتك ونصحك وتسديدك وتوجيهك، لكن هم أيضا مشغولون بأعداء شرسين هنا، وهم أيضا ضعفاء نسأل الله أن يقوّيهم ويجبر كسرهم، وعندهم مشاكلهم الخاصة الكثيرة، لكن هم أهل عقل وتجربة وعلم نافع وصلاح، ورأيت كلمتهم مجتمعة على مجموعة من الملاحظات والتوجيهات، تجد خلاصتها في رسالة الدكتور التي نشرها الأمريكان، وهي رسالة صحيحة، وهي تمثل أفكار الإخوة المشايخ والقيادات العلمية والأدبية كلها هنا، فأرجو أن تتأملها مليّا وتركز جيدا على كل أفكارها، وتعمل بالمستطاع منها وتحمل نفسك عليه، ودع عنك سبيل الأعذار وإبداء الفوارق، وهذه الرسالة تمثل معظم وخلاصة ما يريد أن يقوله لك الإخوة، وخاصة في الأبواب الآتية:

ص 1897

* اكتساب الناس وتأليفهم والحذر من تنفيرهم، والرفق بهم وخدمتهم وأخذهم على علاتهم (أي بما فيهم من قوة وضعف وصلاح وفساد وحسن وسيّء.. ولا تنافي هذا الاستمرار في الأخذ بأيديهم إلى الخير والأفضل) واصطناعهم ونيل تعاطفهم بكل مستوياتهم ودرجاتهم، والحذر كل الحذر من القسوة عليهم أو إذلالهم وتخويفهم أو التعجل في الأحكام عليهم أو حتى التعجل في إصلاحهم بشكل قد لا يستوعبونه ويكون لهم فتنه وينقلبون علينا وعليك كراهية ومضادّة.. ولكن بالهوينى وبالشوية بالشوية بالتدريج الواسع البال، والإغضاء والسكوت عن كثير من أخطائهم وبلاويهم، وتحمل كثير من الضرر منهم في سبيل أن لا ينفروا ولا ينقلبوا أعداء بأي مستوى من المستويات.

* الاعتناء بطبقة العلماء والمشايخ في العراق على الخصوص وفي العالم أجمع، واحترامهم على الجملة، وعدم التعرّض لأي منهم مهما كان ومهما أخطأوا تأليفا لقلوب العامة حتى يفتح الله، ثم بعد ذلك يكون لنا خطاب آخر، اللهم إلا حالات معينة خاصة ضيقة جدا يكون فيها انحراف العالم واضحا جدا كانحراف سيد طنطاوي أو الخبيث العبيكان مثلا، مع أننا مستغنون عن الكلام في أي أحد منهم، فالسياسة الشرعية تعطينا ذلك وتؤكد علينا فيه.. وخلاصة الموضوع ولبّه أن العلماء هم مفاتيح الأمة وهم قياداتها هذا شيء واقع شئت أم أبيت، فنحن نتلطف معهم غاية التلطف في العبارة والخطاب ونظهر احترامهم وتوقيرهم على الجملة تألفًا لهم ولمن وراءهم من العامة وهم جمهور الأمة، فإنك إن ظهرت أمام الأمة في صورة المشاقق لطبقة العلماء المخالف لهم قليل الاحترام لهم الساب لهم الشاتم فإنك تخسر الناس وتفشل في أي دعوة وعمل سياسيّ، من أجل ذلك نصطنعهم بالسكوت والإغضاء وبالكلمة الطيبة حتى مع المخالفة لهم في عظائم الأمور علميا وعمليا، ويدخل في ذلك السعي في الاتصال بالعلماء الصالحين والذين فيهم خير ولو مع شيء من الدخن، وتأليفهم ومشاورتهم وسؤالهم واصطناعهم في العراق وفي الجزيرة وغيرها، والثناء عليهم بالخير واستحثاثهم للقيام بواجب النصرة والجهاد والأمر والنهي والقيام بهذا الدين والثناء عليهم بما فيهم من خير والسكوت عن بعض مساوئهم، فإن كان لا بد فبالنصح بغاية التلطّف وبإظهار كامل الاحترام والتأسف والشفقة والرحمة، وهكذا، لا بد أن تأطر نفسك على هذا الشيء، وتكون ذليلا للمؤمنين، وتكشر في وجوه الناس حتى وإن كان قلبك يلعنهم، وإن كانوا مقولا فيهم «بئس أخو العشير» وغير ذلك..

ص 1898

ومن أشد ما يدخل في ذلك الحذر كل الحذر من محاولة قتل أي عالم أو زعيم عشائري مطاع مستور الحال في العراق ممن ينتمي إلى أهل السنة، مهما كان، بل نواجه شر كل ذي شر بوسائل أخرى كثيرة من المجادلة وجهاد الكلمة وغير ذلك، وبشيء من الحكمة والصبر والأناة، ونستمر في جهادنا، وحين يفتح الله وتكون لنا الغلبة يمكن أن نتصرف بوجه آخر بحسب ما يناسب حينها، ويمكن أنه هو نفسه -الذي كان عدوك- يأتي إليك ذليلا صاغرا مستسمحا خائفا وجلا طالبا الصفح، فيغنيك الله عن أي تصرف فيه سوء مغبة، وتكون لك اليد العليا، ويكون مقاماتٌ أخرى أعلاها العفو والإحسان وأدناها العدل.

* والمسألة الأخرى، الحذر كل الحذر من أن تتعصبوا لاسم القاعدة أو أي اسم وتنظيم، وإنما كل المجاهدين من إخواننا أهل السنة إخواننا وأولياؤنا ما داموا مسلمين ولو كانوا عصاةً ولو كانوا فجارا، سواء دخلوا معنا في التنظيم أو لم يدخلوا، فهم إخواننا وأولياؤنا وأحبابنا، نتعاون معهم ونتناصر ونتعاضد ونعمل معا، وما يدريك لعلك تذل غدا ويعزّون، وتقل ويكثرون؟! فأنت بالله ثم بإخوانك وبعطف اللهِ قلوبَ الناس عليك، وإلا فقد جاهد أناس كثيرون قبلك ووصلوا إلى أكثر مما وصلت إليه..! سلني إن شئت عن الجزائر سنوات أربعة وتسعين وخمسة وتسعين حين كانت في عز قوتها وتمكنها وكانت على وشك أخذ الدولة، وكانت الدولة على شفا انهيار في أية لحظة، عشتُ هذا نفسي ورأيته رأي العين لم يخبرني به أحد، ولكن إنما أهلكوا أنفسهم بأنفسهم بسوء صنيعهم وقلة عقولهم وغرورهم واستغنائهم عن الناس وتنفيرهم لهم بالظلم والتعسّف والتشديد، وقلة الحلم والتلطف والرفق، لم يغلبهم عدوهم، وإنما هم غلبوا أنفسهم وتآكلوا وسقطوا، والله غالبٌ على أمره ﷻ، وله الأمر من قبل ومن بعد. لا بأس -بل هو حسنٌ مطلوبٌ- أن يستمر النصح منا لإخواننا أن يتحدوا معنا أو يدخلوا في القاعدة وتحت الشيخ أسامة، على سبيل النصح والتناظر والتباحث بين الإخوان والأحباب للوصول إلى الأفضل وإلى الصواب وإلى خير الخيرين، ولكن لا تعصّب ولا بغي ولا عدوان ولا ظلم، وإنما بالنصح الصادق والتباحث والرفق والمحاورة الحسنة في العلم والفقه والرأي ومع كمال الأدب وحفظ الحقوق، فإن لم يقتنع أخوك ولم يوافقك فهو أخوك ووليّك، وذلك خلاف بينك وبينه لا يوجب تباغضا ولا تنافرا ولا تعاديا ولا تدابرا، بل هو من جنس اختلاف الصحابة في فروع الشريعة وفقه الأحكام بل وحتى في بعض التصورات والاعتقادات.!! مع بقاء الأخوة والألفة والمحبة والتناصر والتراحم والتوادد والتعاطف.. الخ.

تقريبا تلك كانت أهم المحاور كما يحضرني الآن..

وسأسرد لك الآن جملة متناثرة من التوصيات والأفكار عسى الله أن ينفعنا وإياك بها:

يا أخي أبا مصعب حفظك الله وسددك، اعلم يا أخي بارك الله فيك أننا كجماعة المجاهدين جميعا، ما زلنا ضعفاء، نحن في مرحلة الضعف وحالة القلة ولم نصل بعد إلى مستوى ذي بال من التمكن؛ فما أحرانا أن لا نفرط في أي سبب من أسباب القوة وأي معين ونصير، ولا نألو جهدا في جمع قوى أمتنا وطاقاتها، نعم نحن لنا من القوة ولله الحمد ما ليس عند عدونا من الإيمان بالله تعالى والعقيدة والتوحيد والاعتصام بحبل الله سبحانه.. الخ، وعدالة القضية والإخاء والترابط وغير ذلك كثير.. من أسباب القوة، ومنها أي من أسباب قوتنا في ضعفنا ومسكنتنا كوننا جزءا من هذه الأمة العظيمة أمة محمد ﷺ وكون الأمة معنا تحبنا وتؤوينا وتدعمنا وتعطف علينا وتؤيدنا ومنها مادتنا ومدد جندنا وهي بحرنا الذي تسبح فيه سمكتنا وو.. الخ مما لا يخفى، فلو فرّطنا في هذا السبب المهم فإننا مقصرون مفرطون معرضون للفشل، والحمد لله الخير كثير يا أخي، وصفنا الجهادي وأنت وإخوانك يا أخي العزيز على خير إن شاء الله، ولكن لا تتفرد ولا تندفع أكثر من اللزوم، واحذر من الاغترار بمدح الناس أو بضغوطهم عليك أن تفعل وتفعل، بل عليك بتكميل نقصك بالمشاورة والرجوع إلى إخوانك، ولا تستعجل الإصلاح وصلاح الأمة ولا تستعجل النصر على العدو فالحرب طويلة ودربنا درب طويل حقا، والمهم أن تحافظ على نقاء سمعتك وسمعة المجاهدين وتنظيمك خاصة، وتكتسب محبة الناس ومودتهم وتسعى فيها طبعا في حدود ما تسمح به شريعتنا، ومما تسمح به شريعتنا ولله الحمد بابٌ واسع من السكوت والإغضاء إلى حين القدرة الكاملة والتمكن وهكذا كما أسلفتُ، والحاصل أن هذا من الفقه الصحيح المهمّ جدا أن يتعلمه الإنسان وحاصله: متى نتكلم ومتى يحسن السكوت، وماذا نقول في كل موقف ومقام ومرحلة، وماذا نلقي على الناس من المسائل، وماذا نؤخر.. وهكذا..

ص 1899

وعليك أن تحافظ على ارتصاص صف المجاهدين جميعا بغض النظر عن تنظيم ومسمّى، وعلى التآخي والتآلف والتحابب والتناصر، أهم شيء يا أخي الحبيب هو صفك الداخلي أن يكون مرصوصا متماسكا قوامه المحبة والاحترام والتعاطف الخالص الصادق، وعندما أقول «صفك» فإن كل المجاهدين وعموم الشعب (أهل السنة) من حولك هم من صفك، ولا أقصد صف المقاتلين ونخبة المنضمين إليك رسميا فقط.. فهذا أهم شيء واصبروا وصابروا واثبتوا ونحن معكم بما نملك، والله معنا، ووالله إنني أتمنى لو أطير الآن وأكون عندك ولكن الله المستعان وإلى الله المشتكى، ولعل الله ييسر، من يدري! فهذه رغبة أكيدة، ونسأل الله أن ييسر لنكون معكم وبجانبكم نعينكم بما نملك من رأي وعلم وتجربة.. أقول: أهم شيء أن تصبروا وتصابروا وترابطوا حتى اللحظة الأخيرة؛ فإن عدوكم أيضا يصابر ويراهن على اللحظة التي فيها أنتم تضعفون وتفشلون وتنهارون داخليا لا قدّر الله ذلك، فاستعينوا بالله وخيّبوا أعداءكم وحققوا رجاء أحبابكم وأوليائكم وكونوا كما قال الله عز وجل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، والهوينى الهوينى، وتذكر قول النبي ﷺ لعليّ h: (انفذ على رسلك)١٬٣١٢صحيح البخاري (4210)، صحيح مسلم (2407). فإن فيه معنى إذا تأملته..!

وكذلك أيضا فيما يتعلق بالدعوة والبيان للناس؛ فلا تستعجلوا في ذلك، أقصد في إلقاء الدروس عليهم وفي المسائل التي تلقى على الأمة وطريقة إلقائها، وسأقول لك شيئا أخي الحبيب: صحيح أن الأمة محتاجة إلى من يشرح لها خصائص الطائفة المنصورة ويحرضها على قتال أعداء الله ويشرح لها عقيدة الولاء والبراء والحاكمية وبعض أحكام التكفير وإلى تعريفهم بالمرتدين الطواغيت وإثارتهم عليهم وما شابه، وهو بحمد الله علم صار ينتشر ويشارك فيه شرائح متّسعة من أهل العلم والدعوة والجهاد، وهو علمٌ نافع صحيح وضروريّ، ولكن الأمة أيضا محتاجة إلى كثير من المفاهيم الأخرى ليكتمل عندها وفي وعيها صورة الإسلام الشاملة الكاملة، محتاجة إلى معاني الرحمة والعدل والإحسان، وبيان محاسن الإسلام ومفاهيمه الشاملة للحياة، ومحتاجة منا نحن الذين تصدّينا للحرب والقتال وصرنا بصدد المنازعة على الملك وقيادة الأمة- أقول محتاجة أن ترى منا ما يحببها فينا ويحنو قلوبها ويعطفها علينا، ويمنحها عطفا وثقةً واطمئنانا، تحتاج الأمة منا إلى الكلام الطيب وإلى القناعة بأننا عليها مشفقون ولها راحمون، لا جبّارون ولا مستكبرون ولا عنيفون! أما إذا كان لسان حال الأمة يقول لنا: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩﴾ [القصص]؛ فهذا يضرنا ويفسد علينا قلوب الناس وينفرهم منا أو على الأقل يجعلهم في غاية السلبية تجاهنا.

وكذلك صفنا الذي هو صف المجاهدين يحتاج إلى تربية وأدب وتوجيه مستمر وتخلية من الآفات: الظلم والعجب والغرور والكبر والتعالي والشدة والعنف الزائدين على الحدّ وسوء الأدب مع الناس ولا سيما المخالفين.. وما شابه، وهذه بعض أمراضنا وفينا الكثير نسأل الله أن يصلحنا، ويحتاج صفنا إلى التربية على العدل وإحداث التوازن بين الشدة واللين وبين العنف والرفق وبين الرحمة الغلظة، ولا نكون فقط أهل قتل وذبح ودماء وسبّ وشتم وغلظة، بل أهل لهذا ولأضداده من الرحمة والرفق، ونضع كل شيء في محله، وتغلب رحمتنا غضبنا وتسبقه، نحتاج أن نعطي لأتباعنا وشبابنا الصاعد معاني فيها توازن وتكامل واعتدال في الأخلاق والمفاهيم. فالصواب والكمال أخي العزيز أن نجمع بين هذا وهذا، ولا سيما للقادة المنظور إليهم منا كمقامكم الفاضل أعلى الله مقامكم في عباده الصالحين.. آمين.

ص 1900

وأنت قائد سياسي وزعيم وقيادة في محيطك بالخصوص، لك أعمال ومهمات عظيمة أخرى، أنت أهم شيء أن تكون قائدا ناجحا للمجاهدين ثم تمارس ما أتيح لك وما في إمكانك من القيادة المعنوية والأدبية للأمة، وما لم تحرره من المسائل وما خالفك فيه إخوانك فتريّث فيه ولا تستعجل فيه برأي حتى تشاور فيه قيادتك وإخوانك السابقين لك في العلم والفضل والتجربة، وأنت يكفي منك كلمات قليلة حينما تكون محبوبا، تفعل هذه الكلمات الطيبات السهلات البسيطات الخالية من التعقيد ما لا تفعله الكتب وآلاف الأشرطة من غيرك، لكن أهم شيء أن تكون محبوبا في الأمة وقد دخلت إلى قلوب عموم الأمة، حينها تنسجم كلمتك مع ثباتك ومع أعمالك العظيمة وإثخانك في عدو الله تعالى.

ومن أعمالك المهمة: التقريب بين أهل العلم وأهل الجهاد في سائر أقطار المسلمين وأعني بذلك أهل العلم الصالحين أهل الخير والبذل في الله تعالى، وإن خالفونا وخالفناهم في بعض أو في كثير من المسائل والآراء والمواقف كالموقف من حكومة معيّنة أو أخرى ونحو ذلك، تماما كما أعني بأهل الجهاد أهل الجهاد الصالحين الصادقين المنضبطين بشريعة رب العالمين، ومن أعمالك المهمة تربية صفنا الجهادي على محاسن الأخلاق بإعطائهم القدوة الطيبة في الأدب والاحترام والتواضع والنصح وقبول النصح والاعتراف بالخطأ واحترام الآخرين، وحسن المحاورة والأدب مع المخالفين، والرحمة والعدل والإحسان.. الخ الصفات الفاضلة المطلوبة والتي يعاني صفنا الجهادي من نقص فيها كما يقر بذلك كل إخواننا من مشايخ المجاهدين وقياداتهم، كما تقدمت الإشارة، نحن نحتاج إلى بذل كثير للتربية وتوجيه صفنا ففي صفنا (المجاهدين) كثير من الصفات السيئة التي تحتاج إلى معالجة، ورجل مثلك وفي مقامك لا بد أن يكون هذا من مهماته وأولوياتهم، طبعا كل ذلك يأتي مترافقًا مع مهماتك الآكد في العمل العسكري القتالي والعمل السياسي والعمل الاجتماعي في احتواء الناس وتألفهم وحسن العلاقة بهم، وتحييد من لم يمكن احتواؤه على الأقل.. الخ وأنت إن شاء الله أهل لكل ذلك الخير، فقط ضعه نصب عينيك واجعله من أوليات أولوياتك، وشاور وتريّث وتوكل على الله.

فالشاهد أيها الحبيب أن أعمالك ومهماتك كثيرة وكبيرة، نسأل الله لنا ولك الإعانة والتسديد. ونجاحك في محيطك ينعكس نجاحا على مشروعنا نحن الطائفة المجاهدة بصفة عامة، ولو حصل لك انكسار ووقعت أخطاء فنتحمل تبعتها جميعا أيضا.

ص 1901

أخي الحبيب، لا بد من الاهتمام بتربية المجاهدين عبر التقويم المستمر وعدم السكوت عن أخطائنا، ولا سيما الأخطاء الفاحشة منها، بل لا بد من السعي الحثيث في معالجتها وتقويمها، لا بد للقائد من ممارسة قوامة كاملة وقوية على أتباعه عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على أيدي المفرطين والمفسدين والمتهاونين، إنه جد وليس باللعب. وليس بالفوضى، وإذا لم يكن باستطاعتنا أن نقوم أنفسنا ونصلحها ونحملها على الخير والبر والمعروف فكيف نطمع أن نصلح الأمة.؟!

فأي شخص يرتكب الظلم والتعدي على الناس ويفسد في الأرض وينفّر الناس منا ومن دعوتنا وجهادنا ومن الدين والرسالة التي نحملها فهذا يجب أن يؤخذ على يديه ونأطره على الحق والعدل والإحسان وإلا نحّيناه وأبعدناه عن محل التأثير، واستبدلناه، وهكذا، فهذا أمر مهم.

ولا بد أن تنتبه لبطانتك وخاصتك، ولا يغلبنَّك أتباعك ومحبوك والمادحون لك والرافعون لقدرك المعظمون لك، بل اعلم أن المشدد عليك الناصح لك ولو على مرارة هو صديقك حقا، الذي يصدقك النصح ولا يجاملك في الخطأ، وهو الذي تجده يوم الضيق، وأنت لا تعوزك التجارب إن شاء الله، ولا يفوتك استحضار دلائل هذا الباب أيضا. واعلم أنك محتاج إلى كل أحدٍ كل بحسب قوته وطاقته وبحسب موقعه وإمكاناته، فلا تهمل أحدا ولا تستغن عن أحد مهما ضعف وقلّ، بل اهتمّ بالناس جميعا ولا سيما ضعفاؤهم واستحثّهم على نصحك ومعاونتك، وأظهر الحاجة إليهم وإلى وقوفهم معك، حتى يحبوك وينفعك الله بهم، وهذه طريقة من طرق استمالة الناس واحتوائهم وتأليف قلوبهم، وهي طريقة مشاورتهم والاهتمام بهم، وحتى تخصيصهم بشيء أحيانا، وإظهار أننا لا نستغني عن مساعدتهم وأننا بهم أقوياء بإذن الله، وأن الأخ إنما هو قوي بأخيه، ونحو ذلك من المعاني، فاسعَ يا أخي في ذلك مع كل الناس من حولك من أهل السنة حتى مع المقصرين منهم ومن لا يخلون من الفسق والفجور ما داموا من أعيان الناس ومؤثريهم في مجتمعاتهم، بل حتى المنافقين منهم، اسعَ في ذلك وخذ نفسك به ولا تهمله، حتى تستوعب الناس، وتستولي على قلوبهم، أو على الأقل تحيدهم وتكسر شوكة حدتهم في عدائك وخصومتك، وهكذا، والناس مراتب وتعاملنا معهم على حسب تلك المراتب طبعا، وكل ما ذكرته في هذا الباب لا ينافي أن ندأبَ في دعوة الناس إلى الخير باستمرار وننصحهم ونأمرهم وننهاهم ونجرهم إلى الخير والمعروف، ولكن كما قلتُ على قاعدة التلطف والتدرج والمسايسة بحسب ما دل عليه شرعنا المطهر، ومن ذلك -كما قدمت- شيء لابأس به من السكوت والإغضاء والتعافي والمتاركة إلى أوقات زوال العجز وحصول القدرة الكاملة أو ما يقاربها وأمان حدوث فساد أكبر مما نسعى لإزالته..!

ص 1902

ودعني أضرب لك مثلا: فأنت عندك في الساحة مثلا طوائف من الخلق (أقصد هنا من أهل السنة) وهم درجات لا يعلمها إلا الذي برأها ﷻ، من حيث الصلاح والطلاح والخير والشر والقرب من الحق والبعد عنه.. وأنت لو طلبت الصافي النقيّ المهذب، لم تجد إلا القليل اليسير، ولو عاديت وخاصمت ونافرتَ كل من لا يعجبك نفر عنك معظم الناس وعادوك وخاصموك وسعوا في حربك أيضا ومالوا إلى عدوك وربما خافوك اليوم لأنك قويّ ترهبهم وتفزعهم لكنك إن ضعُفت ورأوا منك ضعفا فإنهم سيستعلنون بذلك ويكونون عليك ضدًا..!! لا قدّر اللهُ علينا وعليك ذلك؛ أنت عندك مثلا «الإخوان المسلمون» بدرجاتهم أيضا، وعندك «هيئة علماء المسلمين» بخليطها ونماذجها، وعندك رجالات المجتمع والعشائر والقبائل، وعندك وعندك وعندك، ثم سائر الناس بطبقاتهم المختلفة..

ص 1903

فأنت كقائد وتنظيم سياسي جهادي يريد أن يهدم قوة ودولة ويقيم على أنقاضها دولة الإسلام أو على الأقل يكون لبنة في الطريق الصحيح إلى ذلك، يحتاج إلى كل أولئك الناس ولا بد له من تألف الجميع بدرجات مختلفة أيضا، فالإخوان درجات على ما أظن، فإذا تجاوزنا الخائن «محسن عبد الحميد» وأمثاله فهؤلاء الظاهر أنهم كفروا وارتدوا والعياذ بالله، فهؤلاء من الناحية الشرعية أمرهم واضح ظاهر، ومن الناحية السياسية ظهرت لأكثر الناس خيانتهم وولاؤهم للدولة الكافرة وفساد موقفهم فلا يضرنا عداؤهم بل ينفعنا، وإن كان ليس من المناسب التوجه إليهم بقتل وقتال الآن بل ليس من الجيد بل هو مضرّ والله أعلم، لكن ممن ينتمي للإخوان طوائف أخرى وناس كثر مختلفون، كبعض ناس «حارث الضاري» والعاملين مع «الهيئة» وغيرهم فهؤلاء نتألفهم ولا يجب أن نضعهم كالأولين، بل نعاملهم بشكل أفضل ونقبل إحسانهم وندعوهم بالتي هي أحسن إلى ترك ما هم فيه من خطأ وفساد ونحو ذلك، ونثني عليهم بما فيهم من خير، ونحاورهم بعلم وعدل وأدب، ثم عندك زعامات العشائر وأمثالهم من الأعيان الاجتماعيين فهؤلاء درجات كذلك فالجيد منهم المقارب نشاوره في بعض أمورنا ونعطيهم قيمة ونكبّر بهم بعض التكبير ونشركهم في بعض الأمور ونخصهم بأشياء لأنهم يحبون الفخر.. وهكذا ونحاول ألا نجعلهم يعتقدون أننا نتجاوزهم ونفتئت عليهم في القيادة الاجتماعية والسياسية، أو أننا نتجاوزهم ولا نعتبرهم شيئا ولا نعطي لهم قيمة ولا نحسب لهم حسابا، بل نشعرهم بأننا نريد أن نعمل نحن وهم لإقامة الدين وتحرير البلاد والعباد وإقامة دولة الإسلام والحكم بشريعة الرحمن.. الخ، وأنهم في نظرنا لهم دور كبير يقومون به ونحن محتاجون لكل مسلم ولكل إنسان منا في موضعه، وفي غضون ذلك ندعوهم إلى الالتزام بالشريعة وإلى كل خير وفضيلة وننهاهم عن المنكر وعن كل المساوئ ونسعى في تكميلهم واستنهاضهم.. فكلما شعر الناس أننا نقيمهم ونثمّن جهودهم وأننا نحترمهم، وأننا نريد لهم الخير ونشفق عليهم، فهذا هو الذي يؤلف قلوبهم علينا، كما أن من الناس من نتألفه بالعطاء والمال، وذلك لونٌ آخر، لكن المقصود هنا أن كثيرا من طوائف الناس يمكن أن نحتويهم ونتألفهم ونكسبهم في صفنا بالكلمة الطيبة والتصرف الحسن البسيط جدا، ونحذر بالجملة من الأعمال المنفرة، من قتل أو معاملة أيا كانت..

وحتى الفاسدين والخونة من أهل السنة فلا نقتلهم إلا إذا كان قتلهم يفهمه الناسُ ويستحسنونه، وذلك لظهور فسادهم وخيانتهم وشرّهم، أما أن نأتي ونقتل بعض الناس ممن اطلعنا نحن على فسادهم وخيانتهم، وهم عند الناس محترمون محبوبون؛ فهذا يؤدي إلى فساد عظيم وهو عمل ضد كل أصول السياسة والقيادة، فاحذروا ذلك أخي الكريم، والله أعلم وأحكم.

وبالنسبة للأعمال الخارجية يا أخي أي خارج محيط العراق، فأوصيك بعدم التوسع حتى تراجع الإخوة وتآمرهم في ذلك، وهذا هو رأي الإخوة هنا، وهم عندهم بعض الأفكار والتصورات يريدون إيصالها إليك في هذا الموضوع، ويريدون يرتبوا معك فيه، فيا ليتك تبذل أقصى ما يمكنكم في التواصل السريع معهم للتنسيق فيه، واجتهدوا بارك الله فيكم في اجتناب تكرر خطأ عدم دقة التنفيذ كما حصل في الأردن وقدر الله وما شاء فعل، ونسأل الله أن يصلح الخلل ويستر العيب والزلل ويجعل عاقبة ما حصل خيرا على الإسلام وأهله..

وأهم شيء أن تستمروا في جهادكم في العراق وتصبروا وتصابروا حتى مع الضعف وحتى مع قلة العمليات، حتى لو كل يوم نصف عدد العمليات اليومية حاليّا، فلا مشكلة، بل حتى أقل، فلا تستعجلوا، وأهم شيء أن يستمر الجهاد بثبات ورسوخ ويزداد أنصارًا وقوة ونصاعة حجة وظهور برهان كل يوم؛ فإن طول الحرب من صالحنا بإذن الله، وخير الأعمال أدومها وإن قلّ، بشرط أن نحذر تراكم الأخطاء، ويكون عندنا تكامل في المشروع الجهادي، وأخوف ما تخافون عليه هو أنفسكم وأخطاؤكم لا عدوّكم، فوالله لن يغلبكم عدوّكم أبدًا ما دمتم صابرين ثابتين لم تحدثوا خللا كبيرا أو كثيرا، واستعينوا بالله، إنه نعم المولى ونعم النصير، ولن يضيّعنا عز وجل؛ ﴿أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤﴾ [البقرة].

ص 1904

أخي العزيز الحبيب المجاهد البار حفظك الله ورعاك وأيّدك وقوّاك، هنا أكون قد أتيتُ على ما حضرني الساعة من أفكار ونصائح، وآسف لشيء من التطويل عليك، وبعض التكرار؛ فإن أصبتُ فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، لا إله غيره ولا رب سواه، ولا حول ولا قوة إلا به ﷻ، والمعذرة إن زل قلمٌ أو حاد فكرٌ أو بدرت كلمة لا تليق فوالله ما أردت إلا تكميلك والنصح لك وللمسلمين، فإننا جميعا مسؤولون..

واعذرونا أيضا إن كان تصورنا عن حالكم هناك وظروفكم فيه نقص وغبش فهذا مستقربٌ غير مستبعد، لا سيما مع الانقطاع الحاصل وفقد التواصل، ونوصيك بالتواصل الوثيق والسريع بكل ما تملك من قوة، وأنا مستعد للاتصال عبر النت أو غيرها، فابعث رجالك يطلبونني في منتدى «أنا المسلم» وغيره وكلمة السر بيننا: «هذيك الحاجة اللي أحضرتها لي زمان من هرات»، ثم بعد ذلك نتفق معهم على إيميلات، أو أوصِ رجالك الذين في البلاد التي أسكن فيها يطوِّرون الاتصال بنا، ونحن مستعدون للكتابة لكم والمشاورة عليكم بالرأي في كل وقت مباشرة، ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر].

وسلامي لك مجددا مكررا، ولكل من معك من الأحباب الكرام..

وأبلغك سلام أبي الليث وأبي سهل والحبيب والمهاجر وسائر الإخوة هنا..

أسأل المولى ﷻ أن يجعلك هاديا مهديا..

ونسأل الله أن يحفظكم ويسهل أمورنا وأموركم، وأن يفرج الكروب ويمن بالنصر القريب.

ونسأله تعالى أن يقوّيكم ويسددكم ويمدكم بمدد من عنده إن هو الرزاق ذو القوة المتين.. آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوك/ عطية

العاشر من ذي القعدة 1426 هـ

•••

ص 1905

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: رسالة إلى الشيخ «أبي مصعب الزرقاوي» رحمه الله

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا