* مناهج وطرائق التغيير

ص 1695

أيها الإخوة: نحن وُجدنا في عصرٍ كانت فيه أمتنا ليست في حالة جيدة؛ الأحوال السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، والفكرية، والدينية لا شك بأنها سيئة في الأمة اليوم؛ اتفق المصلحون والعلماء والمفكرون والمغيرون والثوريون وكل الناس على هذا؛ أن عصرنا هذا الذي نحن فيه -وهذا من مدة قرنين أو ثلاثة ربما- وأن حالة الأمة سيئة؛ وفي انحدار وانحطاط شديد جدًا جدًا على جميع المستويات، الكفار الأصليين غلبونا ويحتلون أجزاء كبيرة جدًا من ديارنا؛ أوضحها مثالًا: فلسطين منذ ستين عامًا وهي محتلة، واليهود أخس خلق الله عز وجل يحتلونها، والنصارى يحتلون بقاعًا أخرى شرقًا وغربًا وهكذا، والآن في هذا الوقت: احتلال أمريكا وغيرها، وقبلها عصور الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وهكذا، غير السيطرة الأخرى؛ الفكرية والعلمية والاقتصادية والغزو الفكري والغزو الثقافي والغزو الأخلاقي والدمار العظيم الحاصل في الأمة؛ من انحطاط ديني في أنظمة التعليم وغيرها.. الأمة حالتها يرثى لها ولولا أنها فقط أمة الإسلام، والحمد لله جمهورها -إن شاء الله- مسلمون والحمد لله مع كثرة الكفار ومع كثرة الزنادقة أيضًا الذين يكفرون بالدين ويحاربون الله عز وجل ورسوله ودينه من المتعلمنين -هؤلاء العلمانيين- وأمثالهم وغيرهم كثيرين أيضًا مبثوثين في مجتمعاتنا، ولكن الحمد لله باقي جمهرة المسلمين من الناس العوام والعاديين ما زالوا في دائرة الإسلام والحمد لله محافظين على الدين؛ معظم الناس محافظة على الصلاة وصوم رمضان وأركان الإسلام يحبون الله ورسوله ويحبون الإسلام وإن كثر فيهم الجهل وإن كثر فيهم غيره، على اختلاف هذا في المجتمعات المختلفة، وطبعًا توجد مجتمعات أفضل من مجتمعات لو ذهبت مثلًا لبعض المجتمعات التي فيها محافظة كثيرة مثل السعودية والخليج أو السودان؛ فهي أحسن مثلًا من مجتمعات العراق وسوريا ولبنان ومصر وشمال أفريقيا -والعياذ بالله-.

لو ذهبت لتونس مثلًا تجد الالتزام ضعيف جدًا أو أصلًا، المحافظة قليلة جدًا، وكثرة سب الدين وسب الرب عز وجل وكثرة الكفر علنًا وغيرها تجده هناك.

وفي لبنان أيضًا كثير جدًا هذا، وفي سوريا كذلك، وهذا يختلف من بلد إلى بلد؛ لكن المهم هو أن الناس كلها متفقة على أن حال الأمة حال لا يرضي أحدًا أبدًا، لا يرضي الله ﷻ ولا رسوله ولا المؤمنين ولا يرضي أي إنسان صالح.

والمصلحون دائمًا يتجددون؛ فقيض الله عز وجل في المدة الأخيرة -العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة أو حتى أكثر- قيَّض الله مجددين يصلحون أمر هذه الأمة؛ فالإخوان المسلمون منذ سنة سبعة وعشرين -1927م- وحسن البنا هو مؤسس تنظيم «الإخوان المسلمون»؛ ففي هذه الخمسين سنة الأخيرة قيض الله عز وجل جماعات ومجموعات وأفراد وجمهرة لا بأس بها طيبة وطوائف طيبة من الناس الملتزمين الذين الْتزموا بالدين والحمد لله؛ منهم علماء وأئمة ومنهم من المشايخ ودعاة ومفكرون ومنهم أناس مثقفون ومنهم جمهرة لا بأس بها طيبة من الشباب ومن الرجال ومن النساء الذين الْتزموا بهذا الدين وصارت هناك عودة للدين هذه كلها في ميزان حسنات جماعة من الرجال الأفذاذ الذين أثروا في هذه الحركة الإسلامية وهم الذين جدّد الله عز وجل بهم الدين في هذه العصور المتأخرة؛ منهم حسن البنا ومنهم قبله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته المباركة وأئمة الدعوة وعلمائها وسلالتهم ومنها علماء متفرقون في البلاد؛ الشيخ عبد الحميد بن باديس وبشير الإبراهيمي في الجزائر وجماعة من المشايخ في ليبيا وفي تونس، وفي المغرب الشيخ طاهر بن عاشور على سبيل المثال وغيرهم جماعة لا بأس بها كلهم جهودهم صبَّت، حسن البنا والإخوان المسلمين نشؤوا في مصر وأسسوا تأسيسات جيدة وانطلقوا في الدعوة وكانت لهم جهود مشكورة جدًا وطيبة، وجماعات الدعوة والتبليغ في الهند، وفي بلاد العجم وغيرها، في كل مكان.. كلهم جهودهم مشكورة أخطؤوا أخطاء وأصابوا إصابات؛ كلها مجهود وعامل بشري، ولكن -والحمد لله- هؤلاء في الجملة من أهل الصلاح ومن أهل الخير ومن أهل الغيرة على الإسلام المريدين لنصرة الدين العابدون لله عز وجل.

ص 1696

أما الأخطاء وغيرها؛ فالنقد يأتي لاحقًا، لكن المقصود أن الله عز وجل قيض للأمة جماعات من العلماء والمشايخ وأهل العلم والدعوة والثقافة وأهل الفكر، وجاء بعدهم المودودي وجاء سيد قطب وأبو الحسن الندوي وهؤلاء مفكرون وجماعة من أهل صياغة الفكر الإسلامي وأبدعوا في هذا الباب، وهم ليسوا متخصصين في الفقه بالمعنى الفقهي ولكنهم تنوروا ودرسوا الفقه ودرسوا علوم الشريعة وكان اهتمامهم أكثر شيء بالجوانب الثقافية والتربوية وغيرها ورد عادية الكفار في الغزو الفكري والثقافي وشرح الإسلام ومحاسنه وفلسفة الإسلام في المسائل كلها، وركزوا على المسائل التي تهم هذا العصر وابتلي بها هذا العصر مثل مسألة الحاكمية ومسألة هذه الأنظمة الحديثة والغزو الثقافي والفكري من الغرب وغيرها، فكانوا -جزاهم الله خيرًا- لا سيما منهم سيد قطب؛ أئمة في هذا الشأن.. أسأل الله ﷻ أن يجزيهم عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

فالمقصود؛ الحمد لله، منّ الله علينا -نحن الشريحة الموجودة الآن- أنَّا كنا من أتباع هؤلاء وتعلمنا منهم وقرأنا كتاباتهم وأخذنا هذه العلوم وتعلمناها وانضممنا إلى هذه الطائفة المباركة، طائفة الصحوة الإسلامية وطائفة حمَلة الإسلام وحملة همّ الإسلام في هذا العصر «الدعوة والجهاد»، ومنّ الله علينا أيضًا بالجهاد أكثر وأكثر خصوصية؛ فنحن حسنة من حسنات أولئك كلهم مجتمعين بين مقل ومستكثر.

ص 1697

لكن لاحظنا في هذا العمل الكبير الضخم الذي هو عمل لإعادة إحياء الأمة وإعادة أمجادها وإعادة عزتها وكرامتها وإعادة هيمنة وحاكمية وغلبة وظهور وهيمنة الدين؛ هذه العملية كبيرة وضخمة جدًا وهي أكبر عمل ممكن أن يمارسه الإنسان في الأرض، الذي هو: أمة منهارة في غاية الانهيار وفي غاية الانحطاط فتأتي أنت -أيها المجاهد وأيها الداعية ويا طائفة المجاهدين والدعاة يا أيها الشباب الأطهار- تأتوا لتعاودوا بناءها من جديد؟! هذه مهمة صعبة جدًا في غاية الوعورة والصعوبة وفي غاية الدقة وفي غاية الخطورة، مسؤولية ضخمة وجسيمة جدًا جدًا، لكن عندما أتينا منّ الله علينا بهذا ورأينا كما رأى الجيل الذي قبلنا رأينا الكثير من الاختلافات في هذا الخضم الكبير، والاختلافات معظمها في أساليب التغيير، كما قلنا بأن الناس متفقة على أن الواقع لا يرضي أحدًا ويجب أن يتغير، ولكن كيف نغيره؟ أناس جاءت وقالت: التغيير بطلب العلم، والناس إذا تعلمت وفقهت تكون صالحة؛ فركَّزوا على العلم وأخرجوا شعارات وفعلوا أشياء وعندهم أيضًا جهود مشكورة وأشهرهم: التيار السلفي الذي أخذ شعار «التصفية والتربية» وغيرها.

الشيخ الألباني مثلًا ونموذجه المشهور، وله جهوده المعروفة أيضًا؛ فهو من ضمن الأناس الذين جهودهم مشكورة، وقبله طبعًا جماعات كبيرة من العلماء منهم أحمد شاكر في مصر ومحمد فؤاد عبد الباقي ومنهم رشيد رضا وغيرهم من الجماعة الذين سبقوهم في مصر وغيرهم كثيرون.

وفي الشام مجموعة، وجمال الدين القاسمي قبلهم.. هؤلاء الطبقة الذين قبل المشايخ الأخيرين، ثم جاءت الطبقة التي بعد الشيخ الألباني من مشايخ الجزيرة ومشايخ آخرين من مصر وغيرها؛ متفرقون في أماكن كثيرة، هؤلاء جميعًا لهم جهودٌ مشكورة.

ولكن نحن ننظر إلى أساليب التغيير، ومناهج وطرائق التغيير التي أثرَّت في الأمة، جاء أناس من «جماعة التبليغ» -وتعلمون أنتم طريقتهم- وعملوا جماعة وعملوا نقاطًا معينة وتأسيسات وفكرًا ومنهجًا وساروا عليه، وقالوا: هذا هو طريق التغيير.

جاء «الإخوان المسلمون» وعندهم برنامجهم الذي هو منظومة متكاملة جدًا ثقافيًا وفكريًا ومنهجيًا وفقهيًا، وهي جماعة كبيرة من أكبر وأعرق الجماعات، ولكن لا شك بأن هناك أخطاء كثيرة جدًا فيها وتراكمت هذه الأخطاء مع التاريخ وللأسف ما صلحت كثير من الأخطاء فبدأ التراكم وبدأت الانهيارات حتى وصلت إلى أحوال سيئة جدًا وهي جماعة فيها الخير وفيها الشر، ولكن لا شك بأن موقفها بالجملة موقف سـيئ جدًا، والآن حالها يرثى له.

وجاءت جماعات بين ذلك؛ «توحيد الدين خان» والجماعة «التعميريين» الذين يقولون أن طريق العودة إلى عزة الأمة وكرامتها هي طريق أن نهتم بالعلم والعلوم والفنون والتكنولوجيا ونغلب الغرب ونحن العرب ونحن المسلمون ونحن كذا ونحن كذا ونحن أصل هذه العلوم وو.. كلام فارغ كله؛ لا يسمن ولا يغني من جوع.

وجاء أناس وركزوا على التوحيد وعلى العقائد.. إلخ.

وجاءت «الصوفية» وركزت على العبادة وعلى التربية والتزكية.

وهناك أناس بين وبين يأخذ من هنا ويأخذ من هنا.

ص 1698

وجاءت «الطائفة المجاهدة»، ووُجدت أيضًا طوائف تجاهد من المُدد الأولى، ولكن كانت المدد الأولى إما أنها مثل عز الدين القسام والجماعة المقاتلة لليهود والإنجليز لليهود في فلسطين مثلًا كان قتال عدو في البداية والاستعمار، أو بعض الجماعات الأخرى التي قاتلت الاستعمار في بلدان أخرى.

ثم جاءت بعد ذلك الحرب الأفغانية -وهذه هي نقاط الجهاد الواضحة في المدة الأخيرة في الخمسين أو الستين سنة الأخيرة أو حتى السبعين سنة الأخيرة بل حتى في القرن الأخير كله- جهاد «الإخوان المسلمون» الذي هو حركة إسلامية تجاهد، وإلا قبلها فنحن لا نريد أن نتحدث عن حركة مقاومة الاستعمار «عمر المختار» و«السويحلي» والجماعة في ليبيا، وهناك في الجزائر «عبد القادر الجزائري» و«أبو عمامة» وغيره من الناس الآخرين و«عبد الكريم خطابي» هناك وغيرهم في العالم الإسلامي كثير، هذه حركات مقاومة الاستعمار -جهاد الدفع-.

بعد هذه الفترة وبعدما جاءت مرحلة الدولة الحديثة العربية والإسلامية وجاءت مرحلة الاستقلال ومرحلة التحرير وغيرها؛ فبعدها كانت نقاط الجهاد أين؟ كانت في جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين وحسن البنا كان موجودًا -في حياة حسن البنا- وكانت هذه حركة إسلامية بالفعل وكونت شبه جيش «ميليشيات مسلحة» -مجاهدين- وبعثتهم إلى فلسطين، وأبلوا بلاءً حسنًا.

لكن نتيجة القصور الكبير الذي كان في الفكر، وفي الفكر السياسي بالذات؛ حصل لديهم -المساكين- انتكاسة كبيرة في العمل.

الخلل الذي صار باختصار: هو أنهم في الوقت الذي كانوا ذاهبين ليجاهدوا؛ قال لهم الفلسطينيون: يجب أن ترجعوا -وكان الملك فاروق وقتها- ضغط الإنجليز -الغرب؛ النصارى- على الملك وقالوا له يجب أن تخرجهم من الميدان، فالملك أصدر أوامر أنه أنتم يا حسن البنا ويا جماعته اخرجوا من الميدان وادخلوا في الجيش ونحن سوف نقوم بالجهاد وسنقوم بالواجب وسنرسل قواتنا.

ص 1699

فهنا الخلل؛ أنهم كانوا لا زالوا لم ينضجوا لدرجة أن يعرفوا أن هؤلاء طواغيت مجرمين لا خير فيهم ولا أمل؛ فصدقوهم وأملوا فيهم الخير وقالوا: لعلهم هذه المرة -إن شاء الله- هم جادين ويريدون الجهاد وندخل فيه؛ فرجع بالقوات، والإخوان المسلمون تراجعوا على أساس يتم تنظيمهم في الجيش أو يتم بطريقة معينة الترتيب مع الجيش؛ فهم رجعوا وعمل عليهم الحملة المشهورة وقتلوا حسن البنا في 1949 وعملوا عليهم حملة كبيرة جدًا جدًا، وأسروا الكثير من قيادتهم وشبابهم وكانت هذه هي الحملة الأولى التي كانت أيام فاروق؛ فهذه كانت نتيجة عدم النضج، فقد كانوا طيبين ويحملون هم الإسلام والثقافة الإسلامية والعلم والدعوة الإسلامية، ولكن ما زالت في بداياتها فغُلبوا.

ثم جاء الجهاد الأفغاني، وكان نقطة تحول أساسية وكبيرة جدًا جدًا في تاريخ الأمة الإسلامية «مدرسة الجهاد الأفغاني»، وبرز فيه أئمة في هذا الباب كان على رأسهم من العلماء الشيخ: عبد الله عزام رحمه الله وقبله وبعده وأثناء وجوده كثير من الناس الصالحين الأخيار الطيبين من الدعاة ومن القيادات وغيرهم، والحمد لله أبقى الله منهم جماعة كجماعة الشيخ أسامة وجماعة من المجاهدين الأخيار -إن شاء الله نحسبهم والله حسيبهم- والصالحون مستمرون على الطريق -بإذن الله-.

تدرب في الجهاد الأفغاني عشرات الآلاف بدون مبالغة، وبلا شك كان من الذين تدربوا عربًا وعجمًا عشرات الآلاف انتشروا في الأمة شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا في كل مكان؛ فنشروا الجهاد وتكونت مفاهيم جديدة وتعرف الناس على مفاهيم الجهاد، وبدأت تنضج هذه المفاهيم، والمرء منا يتفكر كيف جاء الجهاد منذ حوالي عشرين سنة، وكيف كانت كثير من المفاهيم بسيطة وكثير من الأشياء ما زال بسيطًا وكثير من المسائل ليست ناضجة وليست محررة بعد وغيرها، ثم بعد خمس سنين ثم عشر سنين وخمس عشر سنة وعشرين سنة؛ الآن نستطيع أن نقول: وصلت الحركة الإسلامية الجهادية إلى مستوى ًمن النضج.

أنا شخصيًا حسب تأملي والذي رأيته من تجارب أعتبر أنه نُضج ممتاز جدًا -جيد في الجملة-، فالحركة الجهادية بصفة عامة تكونت عندها قناعات في مسائل كانت الناس محتارة فيها؛ الآن الحركة الجهادية تعدتها صارت مسائل مفروغ منها، وهي مسائل كثيرة جدًا جدًا.

ص 1700

المهم؛ كانت الحركة الجهادية من ضمن الاتجاهات والفلسفات إذا صح التعبير -نستعمل أحيانًا بعض الألفاظ والأمر ليس فيه مشاحة- فالمقصود: الأفكار وطريقة النظر في المشكلة وكيفية علاجها وغيرها؛ فكانت أيضًا إحدى الطرق والتي هي -نراها بالجملة- أقرب طريق وأفضل طريق لتغيير الأمة، وهي التي أسعد الطرق وأسعد المناهج بالدلائل من الكتاب والسنة؛ هي الطريقة التي سلكتها الحركة الجهادية وأقطابها وعلماؤها ومشايخها وجماعتها، والحمد لله رب العالمين أن جعلنا الله عز وجل منهم هذه منة من الله عز وجل علينا جميعًا.

هذه الطائفة -إن شاء الله- هي الطائفة المرجو لها أنها الطائفة المنصورة ومرجوٌّ لها -إن شاء الله- أنها الطائفة المحقة التي وفقت للصواب، وهداها الله لما اختلف فيه الناس في هذا العصر من وسائل وأساليب التغيير.

لا نقول إن الحركة الجهادية مبرأة من النقص، ولا نقول أنها بلغت المستوى.. لا؛ لكن قلت أنها نضجت وتعلمت والآن صارت عندها ثروة، ثروة من المعارف والعلوم والخبرات والأدبيات ومن المسائل المحررة ومن الفكر ومن المنهج بشكل استقلالي؛ صار عندها ثروة جيدة جدًا جدًا ممتازة، صار عندها خبرة نفسية وصار عندها قيادات وصار عندها تاريخ وصار عندها اعتبار في الأمة، لا شك أنها ممتازة جدًا وأنها متهيئة -بإذن الله- أن تزداد في هذا السبيل وتتقدم أكثر وأكثر.

وما زلنا -بفضل الله- نرى فضل الله عليها ومنته عليها بالازدياد؛ في كل يوم تزداد وما زالت لم تبلغ أقصاها ومداها، ولكن -بإذن الله- ماضية في خط جيد، وهناك الأخطاء وتوجد الانتكاسات والانكسارات هنا وهناك، لكن في الجملة: الحركة الجهادية هي الحركة الموفقة ومنهجها في الجملة هو الذي نؤمن به بأنه أسلوب التغيير وهو الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل مع هذا الجهاد، والجمع مع هذا كله العلم والتمسك بالعلم وتعظيم العلم وتعظيم أهله والحرص عليه والحرص على طلبه والتمسك بالشريعة أصولًا وفروعًا وعلى منهج صافٍ وعقيدة جيدة، هؤلاء هم الذين وُفقوا.

أما المناهج الأخرى فالكلام عليها ومعرفة ما يقولون وما عندهم من مسائل ثم نقدها وغيرها يطول جدًا جدًا ولكني أردت أن أختصر وأعطيكم فكرة؛ حتى يكون عندكم فهرسة في أذهانكم وكيف يتناول الإنسان هذه المسائل؛ لكن لا بد أن نذكّر دائمًا بأصول معينة:

ص 1701

الأصل الأول: أن وسائل وأساليب التغيير هي مسائل شرعية لا بد أن يُنظر فيها على مقتضى الدليل من الكتاب والسنة، لا بمجرد العقل فقط؛ لأن هناك أناسٌ قالوا كيف ما ندخل في البرلمانات، وفي المشاركة السياسية؟! أحد «الإخوان المسلمين» في الجزائر رفع شعار «المشاركة لا المغالبة» وأخذوا يضعون الشعارات: يجب أن نشارك، ولا نترك المجال للوطنيين والعلمانيين؛ لا بد أن نشارك ولا سبيل لنا إلا أن نشارك حتى نقلل من الشر.. هذا كله كلام فلسفات.

لكن نحن نقول: ماذا يقول لنا الشرع؟ ما هو الواقع وما هو حكم الشرع فيه؟ الواقع كما ترون الآن؛ الكفار مسيطرين، والمرتدون مسيطرون على معظم بلادنا هذا إن لم يكن كلها -الحكومات المرتدة- ما هو الواجب شرعًا في هذا الواقع؟ ماذا فرض الله علينا تجاهه؟ فرض الله علينا أن نجاهده -هذا بالإجماع-، واجب علينا جهاد هؤلاء؛ فلو قال شخص: لا أقدر أن أجاهد ولا نستطيع ولا قدرة لنا ولا طاقة؛ فالعدو سيضربنا ويستأصلنا وننتهي.. طيب عجزنا ماذا نفعل؟ ننتقل إلى إعداد العدة، الشريعة دلت على هذا، والأدلة الشرعية دلت على هذا، وبسط هذا الكلام يطول ولكنه هكذا باختصار وببساطة.

الشريعة دلت الآن أنه واجب علينا في حق هذا الوضع المزري -الذي هو سيطرة الكفار والمرتدين على بلداننا وشعوبنا وعلى دولنا ومقدّراتنا- الواجب علينا شرعًا أن نجاهدهم؛ فإن قيل: لا نستطيع وعجزنا، فيقال: العاجز ينتقل إلى إعداد العدة، وفي الأثناء وهو يعد العدة فيعد نفسه ويعلم الأمة ويحرضها ويدعو إلى الله عز وجل، لكن الجهاد هو لا يقدر حتى يصل إلى مرحلة أن يقول جمهور أهل الحل والعقد والعلماء وأهل الخبرة وأهل القيادات السياسية مثلًا أو الدعوية وغيرهم قيادات الناس وأعيانهم الموثوقين الأمناء: نحن الآن نستطيع أن نجاهد، نحن الآن وصلنا إلى مرحلة نستطيع أن نجاهد؛ وأن نعلن الجهاد؛ فحينئذ يجب عليهم الجهاد، وهذا هو الذي دلت عليه الشريعة.

ص 1702

أمَّا أن يأتي أحدهم ويقول مثلًا: «الإخوان المسلمون» وبعض الجماعات في باكستان، وجماعات مثل جماعة «القاضي حسين» امتداد للجماعة الإسلامية التابعة لـ«المودودي» وغيرهم من الجماعات الأخرى الإسلامية، أو في كل مكان في الأردن وفي الخليج وفي الجزائر وفي المغرب وفي تونس وغيرهم في كل مكان الناس سلفيين وإخوان مسلمين ومستقلين رأوا أن في سبيل التغيير هو دخول البرلمانات هذه واستغلال الفرصة واستغلال الهامش المتاح وتحرك في الهامش.. كل هذه العبارات كلام فارغ؛ كلها نحن نقول إن هذا لا يجوز، بل يمكن أن يكون في بعض الصور كفرٌ -والعياذ بالله-.

أما الواجب شرعًا فهو أن نجاهد هؤلاء، فإذا كنت لا تستطيع جهادهم فأعد للجهاد؛ لأن إعداد العدة حتى تستطيع أن تجاهد واجبٌ بنفسه؛ لأن الإعداد واجب استقلالًا وواجب بالتبعية لأنه لا يتم الواجب -الذي هو الجهاد- إلا به، فنحن عندنا الدليل؛ بل نحن أسعد الناس به، والمسألة بسيطة جدًا لا تحتاج كلامًا كثيرًا.

الشيخ الألباني وجماعة السلفيين مثلًا وأمثالهم وامتداداتهم «المدخلية» الآن وغيرهم غَلَو في جانب آخر؛ جانب العلم وطلب العلم والتصفية والتربية.. فنقول لهم: وأين الجهاد؟ قالوا: نحن لا نستطيع أن نجاهد.. طيب فأعدوا العدة! فتركوا إعداد العدة وقالوا: لا، نحن لا نعد العدة ولا غيرها.. وبدؤوا يتفلسفوا وقالوا: نحن إذا أعددنا العدة؛ فالعدو يمكن يغلبنا. طيب قد فتحت ساحة أفغانستان أخرجوا الشباب بالمئات والآلاف ليتدربوا؛ فلتتدرب الأمة وليرجع منهم من يرجع، المهم أن تتدرب الأمة وتتعلم، ولا بد أن يكون هناك شهداء ولا بد من قتلى ولا بد من جراح ولا بد أن يكون فيه قراح، أتظنون أنكم تخرجون من هذا الانحطاط العظيم الذي أنتم فيه بدون جراح؟! أين عقولكم؟ الأمة تظن أنها تخرج من هذا الانحطاط -هذا الوضع المنحط جدًا جدًا- تخرج بعافية وسلامة! لا بد من عملية جراحية بل لا بد من عملية قيصرية، لا بد من عمليات خطيرة جدًا جدًا، لا بد أن يُجرح الإنسان، ولا بد أن تُدفع الضريبة؛ تدفعها هذه الأجيال الموجودة، ضريبة هذا الانحطاط والبعد عن الدين وترك الدين.

هذه هي القصة الناس حاولَت تخرج بتكييفات معينة للواقع، وباقتراحات معينة للحلول وللتغيير، لكن كثيرًا منهم ما وُفق، ومنهم من وَفق توفيقًا جزئيًا.

ص 1703

وعلى كل حال، ومع هذا كله نحن والله -فيما رأيت- أن الحركة الجهادية -بفضل الله عز وجل-، وهذا من نضجها الذي وصلت إليه، وهي أرحم الناس بالناس -بفضل الله عز وجل-، ومن نضجها أنها رحيمة بالحركات الأخرى، وَوالله نحن لا توجد لدينا مشكلة مع التبليغ؛ فهل رأيتمونا نتشاجر معهم وفي حرب معهم كل يوم؟ هل تكلمنا عليهم؟ تريدون أن تدعوا إلى الله؛ ادعوا يسر الله لكم، دعونا وشأننا، أنتم مشتغلين بالدعوة، حسنًا أذِنَّا لكم حتى لو كان عندنا حق؛ حتى لو كان عندنا نحن مسؤولية، آذنون لكم بالدعوة؛ فقط لا تضرونا، نحن الذي نطلبه منكم شيئًا واحدًا «لا تقفوا أمامنا ولا تضرونا».

هذا يقول -التابع للإسكندرية والقاهرة والسلفية وحلب والتابع للأردن والتابع للمدينة، وهذه السلفيات المختلفة- قال: نحن مهتمين بالعلم والتصفية والتربية وتصفية الكتب والمناهج العلمية والثقافة الإسلامية وغيرها من الدخيل والحديث الضعيف والموضوعة وخرافات وخزعبلات الصوفية والانحراف الفكري والعقدي، ثم تربية الناس على هذا الشيء المصفَّى وهذه المناهج والكتب المصفاة، المكتبة الإسلامية لا بد من إعادة صياغتها وبنائها، ولا بد أن تكون في كل المجالات التربوية والعلمية والفقهية؛ كتب جديدة محققه ومخرجة، ويجب الاهتمام بعلم الحديث والسند والرواية وغيرها، حسنًا هذا عمل جيد فلتقوموا به لكن لا تضرونا! يوم أن تقفوا أمامنا وتضرونا فالويل لكم! ربما كثير منهم تجد تطاحنٌ بينهم نحن والله لا نبحث عنه، هذا من النضج الذي وصلت إليه الحركة الجهادية.

الحركة الجهادية ماضية في خطها: انفذ على رِسلك ولا تلتفت؛ هذا عنوانها: ماضية ونافذة ولا تلتفت، إنما المشكلة أنهم نفسهم يتسلطون علينا ويضروننا -بعضهم- بين الفينة والأخرى؛ فيتسلط عليك هذا من هنا وهذا من هنا، وهذا يقف مع الطاغوت ضدك وهذا واقف مع الأمريكان ضدك وهكذا؛ فاليوم الذي يقفون فيه ضدنا أو يضرونا نحن نعلم جيدًا كيف نتصرف، نحن عندنا فقهنا وعندنا علمنا ومعارفنا -بفضل من الله عز وجل- فنحن لسنا معتمدين عليكم كثيرًا، سائرون على طريقة علمائنا نأخذ من مَعينهم، مصادر هذا الدين نفهمها على طريقتهم وننضبط بأُصولهم وماضون على طريقة سلفنا ونعرف كيف نتصرف معكم.

«علي الحلبي» أو «علي عبد الحميد»؛ قاعد في الزرقاء بالأردن، أنا ما أدراني ماذا ألف من الكتب «نعيم الجنة» و«جحيم النار» يؤلف الرسائل ويُتاجر ويكتب؛ أي أحد يستطيع أن يؤلف الكتب ويبيع ويشتري ويتاجر بها، وله قصر بـ«الرصيفة»! فأنا ما هي مشكلتي معه؟ يجب أن أخرج أبو يحيى في السحاب وأعمل درس؟ هل رأيتم أننا نحن مهتمين بهذا؟ أبدًا، لا!

ص 1704

فالحركة الجهادية -بفضل من الله- غنية عن ذكرهم، لا الشيخ ذكرهم ولا الدكتور أيمن ذكرهم ولا ألفنا الكتب فيهم ولا جعلنا رأسنا برأسهم، أبدًا! فنحن لا مانع عندنا من التخصص.

مثلًا؛ رجل قال: أنا متخصص؛ كالشيخ أبو بكر بو زيد رحمه الله رجل طيب، قلنا له: تعال يا شيخ أبو بكر للجهاد.. قال: نحن متخصصين في العلم ونحن -إن شاء الله- ننفع الأمة في العلم وعندنا دور كبير ونسد ثغر.

نقول: لا بأس، ليس لدينا مشكلة أعانكم الله ووفقكم، ونحن أيضًا نستفيد منكم.

ورُبَّ إنسان فُتح عليه في العلم ولم يفتح عليه في غيره، ورُبَّ إنسان فتح عليه في العبادة، وربَّ ورُبَّ.. وهذا كلام صحيح جيد استمروا لن تضرونا.

لكن لو كان أمامنا شيخ -لا أعرف ما اسمه- نحن لزام علينا ونضطر أن نتكلم؛ لأنه واقف أمامنا ويسفهنا! لا أقبل، وسأعرف كيف أرد وأعرف كيف أتصرف معه -خطوة بخطوة-.

فو الله لو أن إنسانًا قال: أنا متخصص، والله يعينكم ويوفقكم وأنتم -إن شاء الله- على عمل صالح وأنا أيضًا على ثغر وعلى عمل صالح؛ فهذه ليست بمشكلة، والله نحن نحاول أن نقنعه، تبدأ بعملية الإقناع ولكن يبقى حبيبنا ويبقى ولينا وما بينا وبينه إلا المحبة والإخاء والمودة والدعاء، لكن المشكلة أن كثيرًا من هؤلاء أيضًا مع الزمن ومع الأحداث ومع المحن والمحكات والفتن تجدهم أمامك! كسلمان العودة يدور ويدور وفي النهاية يأتي ويقف أمامك؛ لأن المصير في الأخير -أي غايته في النهاية- أن يقف مع الطاغوت ضدك، لا بد أن هذا الطريق يوصل إلى هذا؛ لأن الطريق الذي هو سالكه يوصل إلى الكون مع الطاغوت ضد الحركة الجهادية؛ لأن الحركة الجهادية هي العدو رقم واحد والعدو الأساسي والرئيسي وممكن أن تكون العدو الوحيد في بعض الصور لهؤلاء الطواغيت؛ فهم ليس لديهم مشكلة في «الإخوان المسلمين» فهم شيء بسيط، ولا مع «السرورية» و«السلفية» ولا «التبليغ» ولا «الصوفية»؛ ليس لديهم مشكلة معهم، وسلفية الإسكندرية أو القاهرة موجودين مكرمين معززين؛ الطاغوت يضايقهم قليلًا فقط ومعظمها نوع من التخويف والتحجيم لهم والمراقبة، لكن يبقيهم في النهاية ولا يستطيع القضاء عليهم، هم آلاف موجودين فلا ينظر أن في مصلحته أن يشن عليهم حملة ليس فيها جدوى، فتركهم، وهم بقوا يعملون دعوة ودروس وعلى مواقع الانترنت واتصالات وغيرها.. حسنًا، وماذا بعدها؟!

العدو الوحيد للطواغيت هو الحركة الجهادية؛ يوم يكون هناك جهادٌ في مصر هؤلاء سيكونوا في مفترق طريق وعلى محك خطير جدًا، إما أن يكونوا مع المجاهدين فحينئذٍ يصبحوا مجاهدين مطاردين ومشردين، وإما أن يكونوا مع الطواغيت، وإما يحاولون إحسانًا وتوفيقًا فيبدؤون في البحث عن طريق ثالث ويحاولون أن يقولوا نحن مستقلين لسنا مع هذا ولسنا مع هذا، وهذا حصل في الجزائر، السلفيين في الجزائر -المداخلة- أيام عزة الجهاد في أواسط التسعينيات حاولوا أن يأخذوا مسلكًا لوحدهم؛ هذا في البداية أيام الجهاد في عزته -1993/ 1994/1995- ثم بعد أن ضعف الجهاد وحصل الانكسار في الجهاد والفتن مشوا كلهم مع الدولة! فكان في البداية عملية خوف؛ لأن موازين القوة لم تكن معروفة بعد هي لصالح من؟ فهم قد قاموا بحسبتها هكذا فبقوا لوحدهم والدولة تضغط عليهم ليكونوا معها ضد المجاهدين فهم يتمنّعون ويقولون: ليس لنا دخل بهذه الأشياء، نحن لوحدنا، وبعضهم خرج على قنوات الإعلام وفي الصحافة وتكلموا من على المنابر وغيرها في أماكنهم، وحصل بينهم وبين المجاهدين أمر، والمجاهدين قتلوا منهم بعضهم، لكن الأكثرية منهم كانت تحاول أن تأخذ موقفًا لوحدها؛ فلا زالت موازين القوة الآن غير واضحة وهم خائفين من أن المجاهدين ينتصروا وفي الوقت نفسه خائفين أن المجاهدين ينكسروا والحكومة تنتصر وتسيطر؛ فلو أخذوا موقفًا من هنا أو من هناك فهم لا يعلمون كيف ستكون النتيجة، ولـمَّـا ضعف المجاهدون بدؤوا بشكل شبه علني مع الحكومة؛ فهذا كله لا ينفع، فالذي ينفع هو أن تكون ملتزمًا بالحق، والحق الذي رأيناه في الكتاب والسنة هو منهج الجهاد في سبيل الله.

والجهاد ليس معناه ترك العلم! بل نطلب العلم ونحرص علىه ونعظمه ونعظم أهله بحسب قدرتنا وإمكانياتنا.

ص 1705

وبفضل الله عز وجل؛ فالحركة الجهادية منتشر فيها العلم، وطلبة العلم على قلّتهم ولكن يبارك الله عز وجل فيهم، وهم مستفيدون من العلماء حتى القاعدين؛ فهؤلاء القاعدون كثير منهم معذورون إما أن يكون كبيرًا في السن فلا يستطيع أن يسافر ويجاهد، وإما أن بعض الناس الآخرين عندهم تأويل ومتأولون؛ فنحن نعلم بأنهم -إن شاء الله- أناس جيدون وصالحون ولكن لهم تأويل معين وقد يكون مخطئًا في نفس الأمر ولكنه معذور باجتهاده وهكذا.

فالحركة الإسلامية مستفيدة من الجميع عربًا وعجمًا وفي كل مكان، وحريصة على العلم ولا تعمل شيء إلا بشريعة.

والحركة الجهادية داعية إلى الله لا تهمل الدعوة.

والحركة الجهادية لا تهمل العمل السياسي.

والحركة الجهادية لا تهمل الفكر والثقافة وغيرها.

والحركة الجهادية هي أجمع الجماعات للفضائل وللخير وللاهتمامات الصالحة.

فهذا الذي نراه هو الخير وهو الصواب وهو الأسعد بالدليل والأقرب إلى الحق؛ إن شاء الله عز وجل.

أما المناهج الأخرى فكما قلنا أن النقد فيها يطول الكلام عليه، ورد بعض الأفكار كذلك، ولكن أحببت أن أعطي فكرة تكون مدخلًا لكم إذا كان هناك بعض المناقشات وبعض الأفكار التي تريدون طرحها للمناقشة، ولا بد أنكم لاحظتم كما ذكرت في البداية بأن الناس متفقون تقريبًا على توصيف الواقع، مع أنه حتى توصيف الواقع يقع فيه بعض الخطأ لكن هم اتفقوا على أن الحال لا يرضي أحدًا ولا بد من تغييره ولكن حتى التوصيف..، كيف ليس مرضيًّا؟ ولماذا؟ ما هو السبب؟ فتجد الخلافات في توصيف الحالة، مثلًا: مريض لديه مرض غير معروف فيذهب إلى الأطباء فأحدهم يقول له: بسبب الكلية. وآخر يقول له: البنكرياس. آخر يقول له: التهاب في القولون. ويبدأ كل طبيب في تشخيص الحالة وكل طبيب يقول سببًا؛ هذا هو الحاصل تقريبًا.

لو أني سألتكم الآن سؤالًا خفيفًا ولكن حاولوا أن تسرعوا في الإجابات، ما هو سبب هذا الانحطاط في الأمة وسبب الحالة المزرية والرديئة التي تعيشها الأمة الآن؟ كل واحد منكم يحاول أن يذكر لي السبب في ذلك بعبارة يصوغها.

[أحد الحضور: حديث الرسول ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة..) ترك الجهاد يعني.

أخ آخر: البعد عن الدين الصحيح.

أخ ثالث: ترك الجهاد، وتسلط الطواغيت على المسلمين].

الشيخ: تسلط الطواغيت هذا عامل خارجي؛ هم تسلطوا، ولكن نحن ما السبب من جهتنا؟

[جواب من أخ: ترك الجهاد والبعد عن الدين.

ص 1706

جواب من أخ: البعد عن شرع الله.

جواب من أخ: حب الدنيا.

جواب من أخ: ترك الدين.

جواب من اخ: اختيار الدنيا على الدين].

الشيخ: تقريبًا كل الإجابات صحيحة ولكن المقصود أن ترك الجهاد هو جزء من ترك الدين، فالبعد عن الدين أصلًا، ومنه خاصة الجهاد وترك الجهاد، ولماذا تركوا الجهاد؟ لحب الدنيا وكراهية الموت، فالناس انغمسوا في الدنيا انغماسًا ما بعده انغماس، وانظر لأي عاصمة من العواصم.

والله لقد كنت في طرابلس منذ زمن وكنت أرى الملايين التي تمشي والسيارات وأصواتها الصاخبة والشوارع الكبيرة ممتلئة! وفي القاهرة مثلًا لو خرجت على سطح عمارة عند الساعة التاسعة صباحًا ونظرت إلى هذه الملايين التي تمشي، إلى أين هي ذاهبة؟ عن ماذا يبحثون؟ لقمة العيش! هل وجدتهم في المساجد؟ لن تجد أحدًا إلا القليل جدًا، فالمسجد الكبير مثلًا لا تجد فيه إلا صفًا واحدًا؛ فيه بعض كبار السن، الناس بُعد عن الدين وترك للدين بالكامل.

يقابله -وهذه طبيعة الإنسان إذا ترك الدين فلا بد أن يعمل شيئا- انغماس نهائي كامل في الدنيا؛ فقد استغرقتهم الدنيا، واستولت عليهم، وأخذتهم وأكلتهم أكلًا فتركوا الدين، وسبب هذا موجة كبيرة جدًا من الفساد على جميع المستويات؛ فساد على مستوى العقائد والتوحيد -الاعتقادات والتصورات والمفاهيم-، وفساد على المستوى الثقافي وعلى المستوى الأخلاقي، فالأخلاقي هذا من أشره ما يتعلق بمشكلة الشباب والبنات والنساء والآن التلفزيون وغيرها.. أشياء لا تتصور ويمكن لو قيلت للإنسان في قديم الزمان لما أمكن أن يتصور هذا ويخطر بباله أصلًا أو لكذّبه، هذا شيء من السحر؛ فوصلت الأمة إلى حالة من الانحطاط شديدة جدًا؛ هذا الانحطاط تستطيع أن تقول هو البعد عن الدين والانغماس في الدنيا وترك الجهاد؛ فمن أساسيات البعد عن الدين ترك الجهاد وحتى قبل أن يحصل هذا البعد الكبير لعل ترك الجهاد هو من بدايات الفساد، ولهذا فالذي يقول: السبب هو ترك الجهاد صحيح جوابه بقوة؛ لأنه حتى قبل الانحطاط الكبير وقبل الفساد الكبير وقبل البعد الكبير عن الدين كان البدايات أن الأمة تركت الجهاد منذ زمنٍ بعيد، وإلا لو كان الجهاد مستمرًا ولو لم يتركوه في وقت من الأوقات؛ لما سيطر عليهم العدو ولما دخلتهم الدنيا.

ص 1707

ولكن نقول: سيبقى الدين وستبقى قوة الجماعة وقوة الأمة وتماسكها وصدها للعدو، ولن يستطيع العدو أن يغزوهم؛ هذا الغزو الثقافي والفكري والأخلاقي وغيره وغزو المناهج؛ مناهج التعليم ومناهج الثقافة صنعها العدو، ومن ضمن وسائل الثقافة الإعلام وغيره.. كلها من صناعة العدو وإشرافه؛ فهذا هو وصف حالة الأمة؛ فمعظم الناس متفقون على هذا، ولكن الخلاف الأكثر في كيف نعالج هذا؟ كيف نعود بالأمة إلى حالتها الصحيحة؟

[أحد الحضور: الآن يحدث مكر شديد بين الإخوان والأنظمة؛ فالآن الحركة التي حكمت الصومال ستجعل كثيرًا من الأنظمة العلمانية تخاف من الإخوان؛ لأن كل فرد منهم يتسابق لأمريكا وما يُرضِي أمريكا لكي تضعه على السلطة؛ الحكام أعطوا كل شيء لأمريكا، ثم أمريكا حتى الآن لم ترضَ؛ فقد باعوا شعبهم فرمتهم أمريكا، وكذلك الإخوان والله أعلم حتى هم يقومون بنحو هذا؛ فقد رأيتهم يلمزون للأنظمة أننا نحن البديل لكم؛ فالآن سيحدث مكر شديد بعضهم ببعض.

وهذا يا شيخ؛ خاصة في مصر وليبيا سيحدث عما قريب، الإخوان لهم في اليمن سيطرة كبيرة].

الشيخ: أظن هذا يختلف من حالة إلى حالة لكن ما دامت الحركة الجهادية موجودة -ونسأل الله عز وجل أن يبقيها قوية ويزيدها بركة-؛ فهذا العدو وهذه السلطات المرتدة الكافرة سيظلون محتفظين بالإخوان المسلمين أو على الأقل لا يفتح معهم جبهة، ولا يعمل معهم مشكلة حتى يحاول أن يأكل الثور الأبيض قبل، ويستخدمهم هم أيضًا معه في ضرب الثور الأبيض هذا.

والعدو الآن في أفغانستان يمكن أن يعملوا هذا، وباكستان يمكن أن يعملوا هذا؛ يعني ليست مستبعدة أن يعملوا هذه التغييرات الكبيرة، الأمريكان يعملوها، في مصر مثلًا يُنَجّحوا الإخوان المسلمين في مصر ويضغطوا على الحكومة، قادرين أن يضغطوا على الحكومة ضغطًا شديدًا جدًا تحت مسمى انتخابات ودولة حرة وكذا وو.. ويفوز الإخوان، ثم الإخوان يبدؤون معك في تأديبك؛ لكن شبَّت الحركة الجهادية، فاتهم التيار، وخرج الأمر من أيديهم.

[أحد الحضور: يا شيخ، هل يوجد أمل في رجوع بعض هذه الجماعة كقيادة ككل وليس كأفراد يخرجون منها؛ هل يوجد أمل لرجوعهم للحق وانضمامهم للمجاهدين؟ أو هل هناك بوادر بدرت منهم للتواصل مع قادة الجماعة الجهادية؟]

ص 1708

الشيخ: ما أعرف اتصالات أو بوادر مثلًا أنهم يغيروا طريقهم، ما أعرف؛ فالجماعات الكثيرة والمشهورة كجماعة التبليغ والإخوان المسلمين وبعض الجماعات السلفية والجماعات البرلمانية وغيرها ما رأينا إلا على مستوى الأفراد فقط، أما كجماعة تترك هذا الطريق الذي سارت عليه من مدة! هذا في العادة صعب.

وجماعة التبليغ مسالمين، وميزتهم أنهم مسالمون، وأناس طيبون، ونحن نستفيد منهم وهم يستفيدون منا، ويدعون فينا للتبليغ وللخروج في سبيل الله.

وأحسن أسلوب معهم، أن تجعله يتكلم ويتكلم، ثم تقول له: تعال اسمع مني أيضًا، وقل له أين أنت من الجهاد؟ الجهاد قائم ألا تريد الدعوة؟! تعال للجهاد؛ فنحن خارجين لنا عشرين سنة وأنتم تخرجون 4 شهور أو 5 شهور ونحن خارجين من عشرين سنة؛ ننتظر نصرتكم.

[أحد الحضور: كثير من العلماء وطلبة العلم عندما تتكلم معه عن الجهاد يقول نحن عاجزين، تقول له الإعداد؟ يقول لك الأمة جاهلة لا بد أن تعلمها قبل أن تعدها يعني هذا منهج بعض العلماء في الجزيرة كسفر وغيره؛ يقولون هذا الكلام].

الشيخ: طبعًا كلامهم ليس صحيحًا؛ فالأمة جاهلة نعم، لكن بهذا الشكل كم تستطيع أن تعلم؟ الأمة فيها من العلماء والمشايخ وطلبة العلم والمدارس العلمية والدينية وغيرها.. فيها قدر كافٍ فاخرج أنت وجاهد، إلى متى تتركون الجهاد؟ الواجب عليكم معلق في أعناقكم وإنما عذرناكم بالعجز في فترةٍ ما، لكن كم سيستمر هذا العجز؟ هذا غير صحيح وهذا غير مسلم به عندنا بل هذا الكلام مردود، وصاحب هذا الكلام لو اقتصر على هذا وقال هذا رأيي وهذا الذي أدى إليه اجتهادي وجلس معنا بشكل جيد؛ فليس لدينا مشكلة معه.. هذا اجتهاده كفانا شره.

وانظر إلى «سفر الحوالي» الذي كان يقول هذا الكلام.. إلى أين ذهب به هذا الكلام في النهاية، يؤول إلى أن يكون مع الطاغوت ضد الفئة المجاهدة! هذه هي المشكلة، أنا ليس لدي مشكلة أن يأتيني سلمان أو سفر أو ابن باز أو بن عثيمين ويقول: أنا الآن أرى أن الأمة لا تستطيع أن تجاهد، لا زالت ضعيفة وأرى أنَّنا نحن كطائفة العلماء نشتغل بالدعوة والتعليم.. الخ؛ فهذا الذي أراه هو الصواب الآن.

ص 1709

ثم هذا شيء بسيط وهي مسألة اجتهاد في النهاية؛ فأنا أحاول أن أقنعه وأجادله وأن هذا أفضل من هذا وأن الأمة الآن استعدت وفيها جمهرة لا بأس بها من الشباب ومن الرجال المستعدين للجهاد؛ فقط تحتاج إلى قيادات لكي تحركها وعلماء، وأنتم الآن من المفترض أن تخرجوا وتقودوا الأمة وهذا جهاد واجب، إنما هذا العجز، والعجز يقدر بقدره؛ لأنه عذرٌ فيقدر بقدره لا تتوسعوا فيه؛ لأنه بعد ذلك سيدخل عليكم التخاذل، والنفوس أيضًا ستتعلم على الذل.

انتقادات كثيرة من زوايا أخرى أيضًا، نقول له: أنت كم تبني؟ أنت تبني قليلًا والعدو يهلك أكثر، مثل ما كان يقول لهم الشيخ عبد الله عزام: عاملين مثل مصانع تفريخ الدجاج؛ كان يستعمل الشيخ عبد الله عزام هذه العبارة، يعني أنت كم تربي وتفقص وتفرخ من الدجاج، والطاغوت يأتي في ضربة واحدة يأكلهم! أليس هذا صحيحًا؟

الذي تفسده القنوات الفضائية في أيام أو شهر واحد من البث لا تستطيع أن تصلحه وتسده ربما في عشرين عامًا، هذا في شهر واحد فقط!

فالنقد كثير ونستطيع أن نتكلم ونجادل كثيرًا في هذا الكلام، ولكن يبقى في النهاية اجتهادًا لهم، ولكن أنا أقول: أنت رضيت بهذا الاجتهاد أنا عاذرك ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: ٢٨٦ٍ]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ﴾ [الطلاق: ٧] أي من العلم، وهذا الذي بلغ إليه علمك واجتهادك وأنت مكلف باجتهاد نفسك على كل حال، وأنا أعذرك وأنت حبيبي.

ص 1710

لماذا ركزت على النقطة هذه؟ لأنه لا ينتهي الأمر هنا، تجدهم ضدك! الشيخ ابن عثيمين مع من واقف؟ مع آل سعود، والشيخ عبد الله بن جبرين رجل طيب أليس كذلك؟ لكن في النهاية واقف مع آل سعود، حتى لو كان ليس الآن وكان عمره طويل، هو على كل حال شيخ طاعن في السن وقد اقترب من الموت، فأي واحد يبقى بهذا الشكل معرض إلى أنه يكون مع الطاغوت في مرحلة من المراحل؛ لأني أنا سوف أقول لك أن هذا الكلام من اجتهادك سلمنا لك، لكن هناك طائفة خالفتك في الاجتهاد وعندها اجتهاد آخر، ولا تستطيع أنت باجتهادك أن تلغي اجتهادهم صح أم خطأ؟ وخرجت تجاهد وشقّت شوطًا طويلًا لعشرين عامًا، فما تأمرهم، ماذا يفعلوا؟ أسامة بن لادن وجماعته وأمير المؤمنين الملا عمر وجماعته، هؤلاء الناس الذين يجاهدون الآن ماذا تفعل لهم؟ الشيخ ابن عثيمين قال أثناء جهاد الجزائر: ينزلون من الجبل ويسلمون أنفسهم للحكومة، هل هذا صحيح أم لا؟ ألم يقل هكذا؟ ومن ثم يخرجون بطامات كبيرة جدًا جدًا وهذا والله العظيم أنه ضلال مبين وأنا قلتها، قلت في أجوبة الحسبة هذا ضلال مبين، ليس خطأ فقط هذا خطأ وضلال مبين، الكلام الذي قاله الشيخ ابن عثيمين خارج عن أصول العلم وأصول الإيمان، لا أعلم كيف يقع فيه أحد كالشيخ ابن عثيمين! هذه من الخزعبلات، البعد عن الجهاد والقعود عن الجهاد يعاقبهم الله بقلة الفقه فهم لا يفقهون: ﴿فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣﴾ [المنافقون: ٣] لا يغرك أنه عالم، هو قد تخصص في الفقه ونبغ فيه وكذا لكن عندما تأتي للفقه الحقيقي في الدين ربما تجد عنده ثغرات.

[أحد الحضور: أليس من مصلحة الحركة الجهادية أن توجه خطاباتها للحركات الأخرى مثل جماعة التبليغ توجهها لها بأسمائها؟]

الشيخ: لا، هكذا بشكل علني! لا ليس من المصلحة والله أعلم، ولكن يستمر النقاش بينها وبينهم كل ما تأتي فرصة وتستمر المجادلة بالتي هي أحسن كل ما تأتي فرصة في دروس أو كتابات، لكن بدون أن نحولها لقضية عداء أو كلام سياسي أو خطابات سياسية، ولكن تكون في سياق النقد العلمي والنقد المنهجي المدروس في سياق التناصح بين أفراد الأمة؛ فهذا جيد بهذا الشكل، حتى بقية العلماء وحتى الحركة السلفية؛ حتى المتشددون منهم الكارهون لنا والواقفون ضدنا، إذا احتجنا أن نذكر أسماءهم فبقدر معين، وهذه الطريقة التي يمشي عليها مشايخنا وأمراؤنا هي طريقة سديدة وسليمة ونراها هي الخير، لا نذكر أسماءهم ولكن نذكر المناهج والأفكار حسب كل مناسبة وما يناسب كل وقت وكل حين؛ نركز على مسألة أو غيرها، ولكن الأسماء أو تدخل في حرب وتذكرهم! تذكر في السلفية تذكر الألباني أو ابن باز أو ابن عثيمين تذكر هذه المدارس.. هذا ليس بجيد، وليس بسبيلِ هدىً، والله أعلم.

[أخ: لكن الإخوان المسلمين دخلنا معهم في حرب واضحة!]

الشيخ: الإخوان إلى حدٍ ما هناك شرور كثيرة منهم؛ كوقوفهم مع الطاغوت في عدة ساحات، على سبيل المثال في العراق: الإخوان المسلمين وقفوا مع برايمر ومع الذي قبله، أول ما أتوا الأمريكان دخلوا مجلس الحكم وكذا وتركوا الجهاد ولم يكتفوا بترك الجهاد ودائمًا هذه المشكلة، المشكلة ليس بأنهم تركوا الجهاد، وقال: هذا اجتهادي وأنتم لكم طريقكم ويسهل الله عليكم وكل واحد منا يشتغل في جانب، لا! على العكس، هو ينتقد الجهاد ويقف مع العدو ضدك.

ص 1711

فالمشكلة أن يكونوا مع العدو ضدك، ولو أنه قال من باب التخصص فأنا مقتنع أني أنشر العلم وأهتم بالعلم والتصفية والتربية وكذا، ولكن في نفس الوقت يكونون ضد العدو ولا يكونون مع الأمريكان، يجافي الأمريكان ويعاديهم حتى وإن لم يجاهدهم لكن يكون على الأقل متبرئًا منهم وبعيدًا عنهم ولا يدخل معهم، وهذا ما أدى إليه اجتهاده وفهمه: هذا فهمي وهذا ما علمني ربي؛ هذا إنسان معذور، لكن المشكلة أنهم يقفون ضدنا؛ ضد الحركة الإسلامية ويكونون مع العدو، وهات من الحجج ما شئت، يقولون خوارج، بغاة، مفسدين، وهم متأولون يتعاونون مع الصليبيين لتطبيق العدالة في الأرض! المشكلة ليست في التخصص نحن نحترم التخصصات، لو أن إنسانًا قال: أنا عاجز عن الجهاد أو لست مقتنعًا به الآن ولا جدوى منه ستهلكون أنفسكم أو كذا -مع بطلان كلامه في اعتقادنا- ولكن مع هذا كله نقول له: ليست مشكلة؛ هذا اجتهادك وأنت حر، واذهب اشتغل في الدعوة؛ ولهذا قلت أن جماعة التبليغ لا يضروننا في شي وعلاقتنا بهم جيدة؛ لأنهم لم يضروننا فهم أناس يدعون إلى الله، برغم الجهل الذي فيهم، ويقولون ليس من أصولنا الكلام في السياسة وهكذا، وهذا الكلام كله باطل، وانحراف، وضلال؛ ويقولون لا نتكلم في السياسة ولا في أمراض الأمة، وهذا كله كلام فاضي وانحراف، ونحن مع هذا نحن ساكتين عليهم بخيرهم وشرهم، المهم ادعوا إلى الله واجعلوا الناس تصلي في المساجد، وكفوا شركم، وفي النهاية هم أقرب الناس لنا باعتبار أنهم يحبون المجاهدين في الجملة، وكذلك المجاهدين احتاجوا إليهم في كثير من الساحات؛ فآووهم في أفغانستان وباكستان، التبليغ آووا المجاهدين كثيرًا جدًا، نحن في إيران من آوانا؟ الإخوة بعد الخروج إلى إيران بعد الانسحاب من هنا من آواهم؟ التبليغ، في «زاهيدان» وفي نواحي «بلوشستان» من الذي آوى الإخوة؟ التبليغ، مسجد مكة الذي يسمونه «شيخ الإسلام»، عبد الحميد وجماعته آوونا ونصرونا ووقفوا معنا، ومواقفهم معنا مواقف كريمة وشريفة جدًا جدًا، وتعرضوا للسجون وتعرض بعضهم للقتل وكذا.

جزاهم الله خيرًا كثيرًا، شبابهم خدمونا وذهبوا معنا لمناطق إيران يطلق عليها اسم الفرس العاصمة طهران، وكانوا في خدمتنا، ومن الذي خدمنا غير جماعة التبليغ؟ لأنهم محبين لنا، لكنهم يمشون على منهج الدعوة والتبليغ وهم لم يضرونا بل نحبهم ويحبوننا، لكن عندهم بعض الأخطاء والكثير منهم ترك هذه الأشياء وصار مجاهدًا ويحمل فكر الجهاد.. وهكذا.

ص 1712

ولكن الكثير منهم لم يكونوا يعرفوا، ولكن البعض منهم خالط الإخوة فتعلمَ منهم الكثير، وهذا الشيء يأتي بالتدريج، لكن الشيء المهم أنهم لم يضروننا، ونحن إذا قلنا أن لديهم أخطاء وضلالات نعرف أن هناك جهلًا في الأمة، وأن هناك أخطاء، وأن هناك علماء أورثوهم هذه الأخطاء وصعب تغييرها، وليس من السهل أن تأتي تتحدث له ساعة أو نصف ساعة ويغير منهجه! تحتاج إلى معاشرة وأن يثق فيك ويحبك ويعرف أنك أنت على شيء من العلم والدين؛ حتى يستعد القبول منك ويهتم.

لكن في الجملة نحن نعرف أنهم أناس طيبين لا يضروننا، وليسوا خونة، ولا يقفون مع الطواغيت هذا في الجملة، قد يكون منهم في بعض الساحات أناس خانوا لكن بالجملة يوجد فيهم الربانية والروحانية والمحبة للدين، ونحن ليس لدينا مشكلة معهم، لم يجاهدوا! ليست مشكلة، نحن مشكلتنا مع الذين يقفون ضدنا، والله لو أن السلفية وغيرها قالوا: نحن نكفيكم هذا الجانب وسنهتم بالتصفية والتربية وبطلب العلم وبالمدارس والكتب والتنقية.. لقلنا: هذا جيد وأنت على ثغر، لكن المشكلة أننا نجدهم أمامنا مع الطواغيت.

[أخ: هناك يا شيخ جماعتين في اليمن ممن يزعمون التصفية والتربية، كثير من الإخوة الذين ذهبوا للجهاد نفروا من جماعتيْ الحكمة والإحسان التي هي السرورية، في الفترة الأخيرة من سنتين جماعة الحكمة وضعت يدها في يد الرئيس..

والشيخ «محفوظ حسين» طردوه عندما عرفوا أن منهجه جهادي يحرض للجهاد، أعطوه مهلة أن يترك البيت والمعهد؛ لأنه هو كان مديرًا للمعهد، وسُجن بعدها، وعندما خرج سألوه هل أنت من الحكمة، قال: أنا لست من الحكمة ولا من الإحسان.. حتى لما اجتمعوا مع الرئيس وصارت أيديهم بأيدي الرئيس، قال: «الحكمة الآن تبينت، وقعوا في البلاء وفشلوا، صاروا مع الطاغوت» هذه الكلمة قالها لجماعة الإحسان، فقال لهم: بقي أنتم إما أن تتبرؤوا من الطاغوت وتكونوا مع المجاهدين أو ستقعون في بلاء وفيما وقعت فيه الحكمة، لا يترككم الله بدون بلاء..

طردوه من بيته! فلا راعوا حقوق المسلمين ولا نظروا في دينه ولا في علمه؛ لأجل المصلحة الدنيوية!! وجلس على الرصيف في سبيل الله، نسأل الله أن ييسر أمره، والله المستعان].

هؤلاء هذه هي مشكلتهم..

•••

ص 1713

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: * مناهج وطرائق التغيير

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا