فصلٌ؛ وأما أن مثل هذه التفجيرات في أسواق المسلمين باطلٌ وفسادٌ وظلمٌ وعدوانٌ وخروجٌ عن شـريعة الإسلام

فظاهر جدًّا، ومعلومٌ عند جميع العلماءِ بل عند جميع المسلمين؛ فإنها تستهدفُ المسلمين المعصومين، وتسفِك دماءَهم التي حرمها الله، وقد وقعَ بها قتلُ العشـرات منهم وجَرحُ العشـرات كذلك، وتدميرُ شـيءٍ كبيرٍ من أملاك المسلمين وأضـرارٌ وأذىً غيرُ خافٍ.

ومعلومٌ من دين الإسلام بالضـرورة تحريمُ دم المسلم، ومعروفٌ تشديد الشـريعة المطهرة فيه، وتعظيمها لأمره، وأنه من أكبر الكبائر، بعد الإشـراك بالله تعالى؛ فإن الله ﷻ نهى عن قتل النفس إلا بالحق بصريح العبارات ومحكمها وبأنواع الدلالات ومتعدِّدها، وأبدأ في ذلك وأعاد، في كتابه العزيز، وقرن قتل النفس -بغير الحق- بالإشـراك به تعالى في مواضع في النهي والذم، وبين أنه فعلُ العصاة الجبارين والفجرة المتمردين الممقوتين من رب العالمين، وأخبر أن النفس لا يجوز أن تقتل إلا بالحق وهو الموجب الشـرعيّ والحكم الإلهي باستحقاقها للقتل، وأخبر أن من قتل نفسًا بغير حق فإنه بمنزلة من قتل الناس جميعا في جرمه وفجوره وشناعة ما أتى، أو في جرأته على الرب ﷻ، وفي تمرده وإفساده: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾ [المائدة: 32]، وأخبر أن المؤمن لا يٌتصوَّرُ منه أن يقتُلَ مؤمنًا، لا يكون هذا أبدًا، إلا على وجه الخطأ، بيانًا لشدة منافاة هذه الشناعة للإيمان: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ [النساء: 92]، وأخبر أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فإنه مستحق لأشد السخط والعذاب من الملك القهار: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣﴾ [النساء] نسأل الله السلامة والعافية، والصوابُ الذي لا شك فيه في معنى الخلود المذكور في الآية أنه ليس كخلود الكفار والمشـركين في النار، وإنما هو دون ذلك قطعًا للأدلة من الكتاب والسنة أن الموحدين لا يخلدون في النار، ولكنه تعبير عن شدة وطول عذابهم في جهنم والعياذ بالله، وفي هذا كفاية للمتّعظين، ومزدَجَرٌ للمتهورين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ص 826

وفي السنة المطهرة في ذلك شـيء يصعب حصره؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة h أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشـرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)٦٦٨صحيح البخاري (2766، 6857)، صحيح مسلم (89).، وفيهما من حديث ابن مسعود h عن النبي ﷺ: (أول ما يقضـى بين الناس يوم القيامة في الدماء)٦٦٩صحيح البخاري (6864)، صحيح مسلم (1678). وذلك تعبيرٌ عن عِظم شأنها عند الله، وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دما حراما)٦٧٠صحيح البخاري (6862).، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «إن من ورطات الأمور، التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله» ٦٧١صحيح البخاري (6863).؛ فاللهم إنا نسألك العافية والمعافاة الدائمة يا رب العالمين، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)٦٧٢سنن الترمذي (1395)، سنن النسائي (3987) لكن زاد: (بغير حق) وهي زيادة مهمة، سنن ابن ماجه (2619) وصححه الألباني.، وفيها كذلك: (كل ذنب عسـى الله أن يغفره، إلا الرجل يقتل المؤمن متعمدا، أو الرجل يموت كافرا)٦٧٣سنن أبي داود (4270)، سنن النسائي (3984) وصححه الألباني.، ويكفي المسلم أن يراجع كتاب «الترغيب والترهيب» للمنذري في بابِ: «الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»٦٧٤الترغيب والترهيب (3 / 200). ليطلع على ما تُرعَبُ منه القلوب وتقشعر منه الجلود في ذلك.

ص 827

وللمجاهدين خصوصًا في قصتي أسامةَ بن زيد والمقداد بن عمرو رضي الله عنهما عبرَةٌ ودروسٌ لمن أراد الله واليوم الآخر وكان مجاهدا حقا في سبيل الله، من الذين قال الله فيهم: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣﴾ [القصص]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤﴾ [المائدة].

وأنا أذكرُ القصتين هنا للتذكير، وليُراجِعْهُما القارئُ في كتب الشـروح ليعرِفَ ما فيهما من الفقه وما استنبط العلماءُ منها من العلم..

قصة أسامة بن زيد رضي الله عنهما:

روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال: فلما غشـيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ، قال: فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» قال: فما زال يكررها علي؛ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»٦٧٥صحيح البخاري (6872)، صحيح مسلم (96)..

قصة المقداد بن عمرو h:

روى البخاري ومسلم عن المقداد بن عمرو الكندي، وكان شهد بدرًا مع النبي ﷺ أنه قال: «يا رسول الله؛ أرأيت إن لقيت كافرًا فاقتتلنا، فضـرب يدي بالسـيف فقطعها، ثم لاذَ مني بشجرةٍ، وقال: أسلمت لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ: «لا تقتله» قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديَّ، ثم قال ذلك بعد ما قطعها، آقتله؟ قال: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» ٦٧٦صحيح البخاري (4019، 6856)، صحيح مسلم (95). انتهى الحديث.

وقال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤﴾ [النساء] وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا﴾ قال ابن عباس: «كان رجلٌ في غُنَيْمَةٍ له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَتَه؛ فأنزل الله في ذلك إلى قوله ﴿تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾: تلك الغنيمة» ٦٧٧صحيح البخاري (4591)، صحيح مسلم (3025)..

وكذلك تحريم أموال المسلمين وأملاكهم وعصمتُها، وهو شـيءٌ معلومٌ عند المسلمين كافة، وقد جمع ذلك كله قولُ النبي ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه ومالُه وعرضُه) رواه مسلم وغيره٦٧٨صحيح مسلم (2564)..

وتحريم أذيتهم والإضـرار بهم كذلك، بل وتحريم ترويعِهم وهو تخويفُهم وإدخالُ الرَّوْعِ عليهم وهو الفَزَعُ بغير حق؛ أي بغير إذنٍ من الشـريعة المطهرة.

كل ذلك معروفٌ مشهورٌ تحريمه، وما ورد في منعه والنهي عنه من التحذير والترهيب منه في الشـريعة، ولا نطيل بذكر الأدلة التفصيلية على ذلك لشهرتها وظهورها، والحمد لله.

❖❖❖

ص 828