[السؤال الثالث عشر: التناصح بين العلماء والمجاهدين، وهل الحل في السكوت؟]
شبكة أنا المسلم: لماذا لا يكون هناك المخلصون الناصحون من الطرفين ممن يجرؤ على ذكر أخطاء الفريقين ومناصحة الفريقين؟ وهل تظن أن التساكت طريقة شرعية للإصلاح؟ أنا لا أعني الكلام عن الأخطاء على الملأ كما يفعله الحمقى ممن يريدون تصفية الحسابات، بل أقصد تقرير الأخطاء دون ذكر الأسماء؛ كأن نقول: من المجاهدين من يفعلون كذا، من الجهاديين من يقولون بكذا، من العلماء من يفعل كذا، ونقرر الخطأ بالدليل، وبالأسلوب المؤدب المهذب.
الشـيخ عطية الله:
أنا لا أقول بأننا نسكت عن الأخطاء جملةً! بل الأخطاء يذكر منها ما يحسن ذكره لغرض التنبيه عليه والتحذير منه ومن تكرره ولتصحيح الموقف فيه؛ فهي دروس مستمرة ودائمة لا تتوقف..
وكل ذلك بحسب المناسبات، وبحسب الدروس.
فلو أنا عندي درس لإخواني اليوم في «فقه الجهاد وأحكامه» فإنني سأجد نفسي مضطرًا لذكر بعض الأخطاء التي تقع في هذه الأبواب، وسأستحسن التمثيل بها للتفهيم أولا لأن المثال مهم جدا في التعليم والتفهيم، وثانيا للتحذير منه والنهي عنه ومحاولة إيصال الكلام فيه إلى أصحابه ومن ماثلهم ممن يمكن أن يقعوا فيه ويجهلوه، ونحو ذلك من الأغراض والمقاصد المشروعة.
وهكذا لو كان درسي في التوحيد، فإنني سأذكر أمثلة لما أراه من أخطاء واقعة في أبواب التكفير والحُكم وغيرها.. وهكذا.
فهذا مورد من موارد ذكر الأخطاء..
والذي ينبغي حينئذ أن تذكر الأخطاء مجردة عن أسماء أصحابها، مهما أمكن ذلك، هذا الأصل.
لكن قد يكون في ذكر الاسم أحيانا فائدة وغرض صحيح فيقدر بقدره، وهذا معروف في مواضعه.
كما أن من الأخطاء ما يحسُنُ أن نناقشه على الملأ وفي المنتديات والمجالس العامة، ومنها ما الواجب فيه الإسرار بالنصيحة، والكتمان عن العامّة، وهذا كله ولله الحمد معروف للغالبية من عقلاء الإخوة والناصحين وطلبة العلم.
وكذلك عند التناقش والمناظرة بين الناس بالحق، تذكر الأخطاء وتبيّن بشروطها من العلم والعدل وحسن القصد والأدب.
وأفضل مواطن ذكر الأخطاء: هو موطن النصح مباشرة لأهله ثم لمن يمكن أن يغترّوا به من الناس ممن يتعلق بهم ذلك الخطأ في العمل.. كما يحصل عندما نكتب موضوعا ننكر فيه خطأ وقع من المجاهدين أو تصرفًا سياسيًا معينًا نراه خطأ، ونحذرهم منه وننصحهم بتجنبه، أو عندما ننقد فتوى نراها خطأ من عالمٍ أو ننتقد موقفا له أو كلاما في بيان أو موقفا سياسيّا ونحو ذلك.
وأنا -عن شخصي- أمارس هذا، ولي من النقد لهذا أمثلة هنا وفي غير هذا المكان، ولله الحمد.
فالمقصد الشرعي هنا مركّب من مجموع أمرين مهمّين: النصح لصاحبه، وتبيين الصواب للآخرين حتى لا يغتروا بالزلة.
مع ما يتبع ذلك من تعليم الناس طرائق للاعتذار عن العلماء والمجاهدين وأهل الفضل، وطرائق التعامل مع مثل هذه الزلات والأخطاء، وغير ذلك.
لأننا لو لم ننكر نحن طلبة العلم ولم نمارس حق النقد والمناقشة، لأوشك أن يتولّى ذلك من لا يحسنه ومن هو أقل مرتبة في العلم وغيره، ولفاتت مصالح كبيرة للمسلمين، وهذا معروف مجرب.
ولا يخفى مكانة النقد والمناقشة والتباحث لحماية بيضة الدين من تطرق الخلل.
والحاصل أنني لا أدعو إلى التساكت، ولا أتوهم أن هذا ممكن، أبدا والله.!
أعرف أنه ليس واقعيا..
وعندما نبّهتُ إلى كراهتي الغوص في ذكر المعايب والأخطاء -لاحظ كلمة «الغوص» والبحث في «مَن البادئ»، كان هذا في مقام تأكيد أن المقصود الأعظم والهدف الأسمى هو إصلاح ذات البين؛ فلا يكون تَعداد العيوب والحرص على تعيين البادئ بالظلم عائقا عن الوصول إلى ذلك الهدف.
ولا بد عند التواصل بين الناس من وضع جملة من الأخطاء المهمة الرئيسية على بساط النظر، وتصحيحها وبيان الحق فيها والواجب والاتفاق عليه، وهذا يسير على من يسّره الله عليه، والمطلوب التوكل على الله والصدق وحسن النية فقط، وما توفيقنا إلا بالله وما النصر إلا من عند الله، ولينصرنّ الله من ينصره.
وعليه فأنا أدعو إلى أن نضع نصب أعيننا هذه الأمور:
* أن الأخطاء كثيرة ومتراكبة ومتراكمة ومنذ أزمان، منذ الجهاد الأفغاني وقبله.
* أن الأخطاء متقاربة من الطرفين.
* وأن الواجب أن نصلح ذات البين، ونقرّب بين الطرفين، ونزيل الوحشة، هذا هو الهدف.
* وأن يدعو كلٌ منا من يستطيع الاتصال به من هؤلاء وهؤلاء إلى ذلك بشتى الطرق الممكنة ويسعى في تفهيم المواقف وتغليب العذر وحسن الظن، وليستعمل حتى الكذب لأجل ذلك، بلهَ الستر والتعافي.
ومع كل ذلك.. فإننا واقعيون، ولا يظنن بنا ظان أننا سنخرج من هذا اللقاء وقد قضينا على كل المشاكل! وإنما هي دعوة لمن يبلغه، لعل الله يبارك فيها، ويسخّر لها من يكملها ويقوم بها حق القيام، من المخلصين الناصحين من الطرفين ومن سائر المسلمين.
وهناك ملاحظة أخرى دقيقة أرجو أن أوفق لحسن التعبير عنها، وبالله أستعين:
وهي أن الكلام في الأخطاء العلمية النظرية، وهو ما يقع في العادة من أهل العلم حين يقع، يختلف في شيء دقيق عن الكلام في الأخطاء العملية التي تقع في العادة والأكثر من المجاهدين حين تقع.
وهذا الفرق هو: أننا عندما نتكلم في نقد رأي أو تصرف للمجاهدين في الميدان نكون أكثر حذرًا، لماذا؟ لأننا نخشى الفتّ في العضد، ونخشى توهين العزائم، ووقوع التثبيط والتخذيل من دون أن نشعر، ونخشى أن نضعف موقف المجاهدين الذين هم في أمسّ الحاجة الآن وهم في ساحة الحرب يقفون أمام جيوش الأعداء الجرارة ويجودون بأرواحهم؛ في أمس الحاجة إلى كل دعمٍ منا وكل كلمة طيبة ودعاء ونصرٍ وذبّ عنهم وسكوت حتى عن أخطائهم الواضحة فضلا عن المحتملة..!
فمراعاة هذا، والشعور بهذه المسؤولية شيء في غاية الأهمية.
وهذا -في الغالب- هو بخلاف ما إذا انتقدنا رأي العالم وناقشناه، فإنه ليس فيه هذه المحاذير في الغالب، وأقول في الغالب، لأنه في بعض الحالات يكون كذلك أيضا.
فهذا في نظري مهم جدا أن يتنبّه له إخواني طلبة العلم وأهل الرأي والنصيحة.
فأرجو من إخواني أن يتأملوه جيدًا..
وقد نبّهت إخواني فيما سبق إلى أن من الحكمة ومن أخلاق الحرب عند الأمم كلها السكوتُ عن ذكر الأخطاء أثناء المعارك والمواجهات مع العدو، حتى تضع الحرب أوزارها، ثم يمكننا أن نناقش الأخطاء ونحاسب المخطئين وما شابه.
صحيح أننا في أحوال من الحرب لا تكاد تنتهي، لكن كل شيء يقدر بقدره، وحالةٌ دون حالةٍ، وهناك دائما فُرص لقول الكلمة الطيبة وللتصحيح لمن تأنى وتخلّق بالحلم والأناة، والله أعلم.
وجزاكم الله خيرا وبارك في جهودكم.
ونسأل الله أن يتولانا ويتولاكم برعايته وتوفيقه، إنه لطيف بعباده برّ رؤوف رحيم.
❖❖❖