تقديم فضيلة الشيخ العلامة المحقق: أبي قتادة الفلسطيني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد البشر، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فللناس أسرار مع الله؛ تعجب للقليل كيف يبارك الله فيه فيجعله عظيمًا، وكيف يكون الشيء في عين الناس عظيمًا فيؤول إلى الانتهاء والغياب وكأنه لا شيء، وهذا كله عند كل مسلم مرتبطٍ بعالم الغيب، وجريان البركة في الشـيء أو غيابها؛ فهذا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام يؤذن للناس حيث لا ناس؛ فيبارك الله له حتى يسمع أذانه جموع من البشـرية لا يعلمها إلا الله عز وجل، وهذا هو عين ما قاله العلماء في بقاء ما كتبه بعضهم؛ حيث بارك الله فيها بسبب الإخلاص وسر المعاملة مع الله تعالى، فهذا «موطأ مالك» رحمه الله، وهذه كتب «النووي» حيث النظر فيها واعتناء أهل العلم بها، ثم ما علمه الناس من محاربة كتب شيخ الإسلام «ابن تيمية» ثم انتشارها وإعادة تأثيرها في العقل والوعي الإسلاميين، والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا، وعلة ذلك أن القرآن يقول: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: ١٧]، ويقول الله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾ [المائدة: ١٠٠].
فهذه قواعد سننية في البقاء والتأثير، وذلك لارتباط عالم الغيب بعالم الشهادة؛ فسر البقاء هو إخلاص العمل لله لأنه هو الصالح، وبذهابه يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١﴾ [يونس]، والذكر الطيب في الآخرين من سؤال الصالحين كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤﴾ [الشعراء]، وإن لأفضل ما يورثه المرء ما ورثه الأنبياء عليهم السلام ألا وهو العلم؛ فإنهم كما قال الحبيب المصطفى ﷺ: (إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)١سنن أبي داود (3641)، سنن الترمذي (2682)، سنن ابن ماجه (223) وصححه الألباني..
وها أنا اليوم أقدم لأخي الراحل شهيدا إلى ربه الشيخ «عطية الله الليبي» رحمه الله بعض إرثه الذي ورثه من مشكاة النبوة للناس؛ لينتفعوا به زادًا في الطريق، ومعينًا على الحق، وهاديًا في الظلم، ومخرجًا من مضلات الفتن، ذلك لأن الشيخ من قماشة العلماء الذين بذلوا أرواحهم رخيصةً في سبيل الله تعالى، كذلك هو ممن هاجر في سبيل العلم واطلع على أحوال الناس، ورأى الكثير من القضايا شاهدَ عيانٍ عليها؛ فاكتسب فهم الشرع وحكمة الوجود، مع أنه لم يعمر طويلا كشأن الآخرين.. إذ مضى لربه شهيدا جراء قصف الطائرات الأمريكية بغير طيار له وهو مرابط في سبيل الله تعالى.
والشيخ وإن لم يظهر طويلا في ميدان الدعوة العلنية إلا أن أثره اليوم على شباب الجهاد عظيم الوجود؛ فأنت لا تكاد تجد موضوعًا يُطرح بين يدي المجاهدين إلا وتجد للشيخ فيه رأيًا حميدًا بإذن الله تعالى؛ فقد تكلم في معضلات مسائل الحياة، وخاصة حياة الجهاد في سبيل الله تعالى.
والشيخ قد جالسته جلسات وهو شاب يبحث ويسأل ويتقَفَّر مسائل العلم، وما زلت ذاكرًا لبعض أسئلته في الإجماع وأنواعه، والقياس وتطبيقاته، ثم جلس لي في مجالسَ في دورات شرعية لم تطل أكثر من شهرين؛ إذ قد شد الرحال إلى موريتانيا ليطلب العلم ويفرغ له، ثم كان ما كان من رحلاته الجهادية والتعليمية؛ حيث حطت به ركائبه في موطن للجهاد كان له فيها الشهادة بفضل الله ورحمته.
والشيخ عدلٌ في ما يقول، صادقٌ في ما يخبر، يتحرى الحق ما وسعه، وينصف الخصوم قبل المحبين، كما أن كل من يسمع كلامه في المعضلات يراه عفَّ اللسان، وهكذا كان في الحضور إن تكلم، مع أدب جمٍّ عظيمٍ، وهو ينقد إذ ينقد بميزان العدل والحب والتقدير.
اليوم بعد استشهاده بزمنٍ يشعر الكثيرون بضرورة نشر تراثه لحاجة الأمة إليه، وكأنه حاضرٌ بين الناس؛ لأن الناس هم الناس في كل وقت وحال، وقضايا الجهاد قديمًا وحديثًا هي كذلك، تتكرر بصور جديدة تعود في عللها إلى حقيقة واحدة.
أن ينشطَ الشباب والمحبون إلى نشر تراثه اليوم، ويهتموا لكلماته؛ دلَّ هذا عندي -وأستغفر الله تعالى- أن الله يريد إجراء سيل الخير والحسنات إلى قبره؛ ليزداد نورًا فوق نور بإذن الله تعالى، والله ولي هذا وهو أهله والقادر عليه، فمن أولى الناس من المجاهد في هذا السبيل؟
اللهم ارحم أخانا وأجر له أجره إلى يوم الدين، وألحقنا به على خير
آمين آمين..
والحمد لله رب العالمين
•••