الدرس الثاني

۞

أذكر نفسي وإياكم بإخلاص النية لله عز وجل في هذه المجالس؛ حتى تكون لنا لا علينا، تكون -إن شاء الله- مجالس مباركة، ننوي مدارسة العلم والتعاون على البر والتقوى، وإصلاح أنفسنا، والتهيؤ لإصلاح أمتنا، والتزود بالعلم النافع والمعارف، نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

عطفًا على موضوع الهداية؛ في القرآن الكريم تكرر كثيرًا أن آيات الله عز وجل في الكون، أو آياته السمعية التي جاء بها الرسل.. أنها لا تنفع إلا أصناف معينة من الناس، وأن الآيات لا تنفع في بعض المرات، لا تنفع بعض الناس، وأن آيات الله عز وجل كثيرة ولكن الناس لا ينتفعون بها إلا قليلا ينتفعون بها، هذا كثير في القرآن؛ في باب المعاني أقصد.

كقوله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ ١٠٥﴾ [يوسف] وقوله عز وجل: ﴿وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١﴾ [يونس]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦ وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧﴾ [يونس]، وهذا كثير جدًا.

فآيات الله عز وجل مبثوثة في كونه، في خلقه عز وجل، ومعظم المقصود بالآيات هنا: الآيات الكونية؛ أي ما نصبه الله عز وجل من الدلالات والأمارات والعلامات الدالة عليه عز وجل، على الخالق عز وجل، على توحيده، والدالة على الحق وعلى الخير الذي يحبه الله عز وجل ويرضاه، الآيات كثيرة في كون الله ﷻ ولكن الناس لا ينتفعون بها.

ص 1607

هناك آيات أخرى بين الله عز وجل فيها أنه ينتفع بها أصناف من الناس، وأصناف آخرون من الناس لا ينتفعون بها؛ بسبب اتصافهم بأوصاف معينة، مثلًا؛ الله ﷻ عندما يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ [إبراهيم: 5، لقمان: 31، سبأ: 19، الشورى: 33] تكررت هذه في ثلاثة مواضع في القرآن١٬١٧١بل في أربعة مواضع؛ ذكرناها في تخريج الآية.، هي آيات لكن الله عز وجل أخبر أنها آيات لهؤلاء الناس ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ قالوا: قصرها عليهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، هي آيات، هي في نفسها آية، آية من آيات الله.

معنى الآية: علامة؛ يعني علامة دالة على الله عز وجل أو على مراد الله ﷻ، لكن لا ينتفع بها إلا هذا الصنف من الناس ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ [إبراهيم].

في سورة سبأ -مثلًا- بعد أن قص عز وجل قصة قوم سبأ: ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥ فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا﴾ قيل إنها الشام ﴿قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ﴾ يحكي الله عز وجل ما أنعم عليهم من النعم العظيمة، من الرغد في الحياة الدنيا، وحاصلها: بلدة طيبة، ورب غفور.

رب راضي عليكم وأنتم مُبحبحين! نعمة كبيرة جدًا كانوا فيها، وساق بعض تفاصيلها: ﴿وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ﴾ سهلة وميسرة، وكل شيء ممكن حتى الخدمات والمواصلات، ﴿سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨﴾ أمن! نعمة الأمن كذلك، الناس تمل حتى من النعمة، ويتمردوا ويكفرون، ولا يُقدرون النعمة ولا يشكرون، ولا يصبرون، لاحظ قلة الصبر: ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا﴾ ما هي الأسفار هذه السهلة والميسرة!! وفي قراءة ﴿بَعۡدُ﴾ وكلاهما معنى واحد: باعد وبعَّد، بعَّد الله وجه من النار، ﴿وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ لذلك، وهذا حقيقة الظلم؛ ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ﴾ مزقهم الله شذر مذر حتى صاروا يضرب بهم المثل، فيقال: تمزقوا أو تشتتوا أو تفرقوا أيادي سبأ.. هكذا عن العرب؛ فصاروا تاريخًا يتحدث بهم الناس، يتحدثون عن قصصهم ويضرب بهم المثل، فهذا كله تعقيب وتذييل، تعقيب أي: عادة القرآن أنه يختصر العبرة ويعطي الحكمة والفائدة والعبرة، والتذييلات هذه مهمة جدًا ولها فقه.

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ صبّار = فعّال، وهذه إحدى صيغ المبالغة، أي كثير الصبر، وكذلك شكور = فعول، صيغة مبالغة من الشكر، كثير الشكر، فمعناها إن الآيات هذه ما يستفيد منها ولا تكون آيات على حقيقتها بالفعل علامات دالة ومنبهة ومفيدة للعلم إلا لهذا الصنف من الناس: من حقق الشكر على أحسن مستوى، وحقق الصبر على أحسن مستوى.

هؤلاء الناس ظلمهم الذي ظلموه أنفسهم من نوع غريب، كما تلاحظ ناس مبحبحين في نعمة كبيرة ملوا من هذه النعمة! كما ملَّ بنوا إسرائيل من المن والسلوى فقالوا: ﴿فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ﴾ [البقرة: ٦١].

ص 1608

فيصدر عن الإنسان أحيانًا أشياء غريبة من مناقضة الحق، ومناقضة الحكمة، ومناقضة مقتضى العقل، ومناقضة أسباب الخير؛ بسبب قلة الصبر، وأنت تلاحظ في الجهاد كم من إنسان ترك كثيرًا من الخير وفاتَه كثير من الخير؛ بسبب قلة الصبر: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ يشكر الله عز وجل على النعمة، فالله عز وجل يديمها عليه؛ لأن شكر النعم سبب إدامتها ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: ٧].

فهذا كان من ضمن ما ورد في القرآن من المواضع، وهذا كثير جدًا في القرآن؛ يبين فيها الله عز وجل كما قلنا أن الآيات كثيرة في خلقه ولكن الناس عنها معرضون، الناس لا تتفكر فيها، الناس لا تتأمل، الناس لا تنتبه.

أيضًا كثير من الآيات أحيانًا ما تغني عن بعض الناس؛ لأنهم لا يؤمنون ﴿وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١﴾ [يونس] واحد لا يؤمن فلماذا تكثر عليه في الآيات؛ لأنه هو أصلًا ليس عنده استعداد أن يؤمن، أو أنه لم يؤمن بالبدايات حتى يضاف إليه التكميليات! ولهذا كان من سنة الله عز وجل في خلقه أنه إذا آمن العبد واهتدى يزيده هدى ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧﴾ [محمد].

وقال: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] في البداية تأتي لهم الآيات فيتكبرون، فيصرف عنهم الآيات.

وهذا في عدة مواضع أيضًا في القرآن في الدلالة عليه، مثل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤] لا يؤمنون بآيات الله يعني جاءتهم الآيات ولم يؤمنوا بها؛ فالله عز وجل صرف عنهم الآيات وصرف عنهم الهداية.

مثلًا: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠﴾ [الأنعام].

مثلًا: في سورة الأعراف موضع الشاهد: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ﴾ [الأعراف: ١٠١] يعني بسبب، الباء سببية، يعني بسبب تكذيبهم من قبل، تكذيبهم الأول، عاقبهم الله عز وجل بأن صرف عنهم الآيات.

ص 1609

هذه تكلم فيها العلماء على أن الله عز وجل يصرف آياته عن الناس إذا لم يؤمنوا أول مرة، ولهذا ينتبه الإنسان ربما الله عز وجل كما قال الله ﷻ: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ﴾ [الأنفال: ٢٤] هذا بعد الأمر بالاستجابة لله ورسوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ﴾ [الأنفال: ٢٤] معناها: فإن لم تستجيبوا وإن لم تفعلوا فليكن في علمكم، انتبهوا هذا تحذير وتوعد وتهديد وتخويف فاعلموا، فإن لم تستجيبوا، فليكن في علمكم ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ﴾ معناها: أن الله عز وجل قد يحول بينك وبين الهداية في وقت تكون محتاجًا للهداية فيه، لكن يحول الله عز وجل بينك وبينها؛ فعليك أن تستجيب لله وللرسول وتنتبه، وإذا جاءتك الآيات وجاءتك الفرصة استغلها ولا تضيع فرصتك ولا ترد نعمة الله عز وجل عليك، بل اقبلها؛ حتى ينميها الله عز وجل لك ويتمها عليك، وإلا إذا رفضت نعمة الله أول مرة قد يعاقبك الله عز وجل بالحرمان، لا تأتيك النعمة مرة ثانية، لا تأتيك الآيات مرة ثانية، هذا المعنى مهم جدًا جدًا، هذا أيضًا عطف على أسباب الهداية.

ننتقل إلى بعض العناوين الأخرى وهي كلها -إن شاء الله- خادمة لموضوع الهداية.