من عبق المراسلات: إلى قادة المجاهدين؛ اجتنبوا الفساد
[رسالة مشتركة بين الشيخين أبي يحيى وعطية، وهي بمجملها بقلم الشيخ عطية.
نشرها وعلق عليها الأخ المجاهد: أبو عامر الناجي -أبو الحسن الوائلي-١٬٣٣٩كتب الأخ أبو عامر -ناشر الرسالة- في التقديم لها ما يلي: «بين يدينا الآن رسالة كتبت في بدايات عام 1432 للهجرة، يوجهها المشايخ في جماعة قاعدة الجهاد منهم الشيخ عطية الله الليبي والشيخ أبو يحيى الليبي رحمهم الله رحمة واسعة؛ إلى أحد أمراء الجماعات المجاهدة من الأنصار، وقد كانت هذه الجماعة من خيرة الجماعات التي نصرت القاعدة وآوتها وبذلت في سبيل نصرتها الغالي والنفيس، وقد كان المشايخ ولا زالوا يوصون أفرادهم بتقدير هذه الجماعة ومعرفة قدر صنيعها ووقوفها المشرف في سبيل نصرة الدين وإخوانهم المهاجرين ونشهد أنهم قد دفعوا -هم وعوائلهم- في سبيل هذا ضريبة غالية دفعتهم للخروج من مناطقهم ومفارقة أوطانهم، فجزاهم الله خير الجزاء ولا حرمهم الأجر والمثوبة، ولكن لم تمنع هذه النصرة العظيمة قادة القاعدة من إبداء النصيحة والتوجيه والانتقاد لقادتها حينما استوجب النصح والتبيان، كما لم تدفع الحاجة لهذه النصرة إلى السكوت عن الحق ومجاملة تلك الجماعة على حساب تسديد المسيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنه لحري بنا أن نقرأ هذه الرسالة بنية التدبر والاعتبار والاتعاظ لا لمجرد استعراض تاريخ قد مضى، فما تحتويه هذه الرسائل من مواضيع غالبًا ما تتكرر وتُعاد في ساحات الجهاد المختلفة بدرجات مختلفة من التشابه والتفاوت، فيا قادة المجاهدين ويا جند الإسلام دونكم توجيهات رموز الجهاد وقادته وعلمائه الذين عركتهم المحن وحنكتهم التجارب فالزموها والتزموا بها، ولا تقدموا عليها ما يمليه عليكم أنصاف المتعلمين والمجربين، ويا طلبة العلم درِّسوها في دوراتكم واجعلوها من حديث مجالسكم مع المجاهدين.
الرسالة في مجملها تحذر من تصرفات خاطئة ترتكب باسم الجهاد والشريعة وهما منها براء، وأشاروا لبعضها كالغدر في موطن الأمان، وكالظلم باسم العقوبة، وأكل الأموال المحرمة باعتبارها غنيمة، وركزوا في هذه الرسالة على أمرين وصفوهما بـ «الأخطاء القاتلة» وهما:
الأمر الأول: سفك الدماء المعصومة:
أ - دماء المسلمين التي تُزهق في تفجيرات غير منضبطة شرعًا، هذه التفجيرات التي أثرت سلبًا في دعوة المجاهدين لأمتهم، والتي يجد فيها العدو بغيته لكي يشوه فيها صورة الجهاد والمجاهدين، كالتفجيرات المتعمدة في الأسواق والمساجد والأماكن العامة، والتي لا تفرق بين معصوم الدم والمحارب، والتي لا يكون في حسبان من يقفون وراءها إلا كمية الدم المسال بغض النظر عن أي حسابات أخرى، فيتذرع الآمرون بها بمبررات واهية ذكرها المشايخ في الرسالة، ومن، هذه المبررات دعوى التترس، أو استحلال دماء المسلمين لعلة قعودهم عن الجهاد، أو تغليب مصلحة ضرب اقتصاد العدو على مفسدة قتل المسلمين.
ب - ودماء المجاهدين المنفذين لمثل هذه العمليات، فلا يقدم على العمليات الاستشهادية أو الانغماسية إلا خيرة المجاهدين الذين جعلوا أرواحهم رخيصة في سبيل التمكين للدين ورفعته، فمن أعظم الخيانة لهذه الدماء الزكية أن يُزّج بهم في مثل هذه التفجيرات التي تُفسِد ولا تُصلِح، وتضر ولا تنفع، وتؤثم فاعلها وتوبقه، فكما يتوجب على الأمراء اختيار الأهداف المناسبة لجنودهم يتوجب على الجنود أن يكونوا على قدر من الفقه يمنعهم من الانقياد خلف هذه الأعمال انقيادًا أعمى، كما ينبغي على العلماء الصادقين في أرض الجهاد أن يكثفوا من حجم التوعية في هذا الباب للجنود لكي لا يكونوا أداة رخيصة في سبيل نزوات القادة من حيث لا يشعرون.
ت - كما أننا قد تعلمنا من مشايخ الجهاد أن العمليات الاستشهادية الأصل فيها أنها سلاح ردع يجب إحسان استعماله كي لا يفقد تأثيره عند الأعداء، فهذه العمليات لا تُستعمل إلا حينما يعجز المجاهدون عن الوصول إلى هدف نوعي ثمين عبر العمليات القتالية الأخرى كالمدفعية والألغام والكمائن، ولا يؤخذ قرار استعمالها إلا بعد دراسة شرعية وعسكرية وسياسية.
الأمر الآخر: الحديث عن الفهم الخاطئ لـ«البغي»، والذي يلج الانحراف فيه غالبًا من باب تصور أن الجماعة المجاهدة هي جماعة المسلمين التي من خرج عنها أو عصى أميرها فهو من البغاة الواجب قتالهم حتى يفيئون إلى أمر تلك الجماعة! فيُنتج هذا الفهم فسادًا عظيمًا في الساحات الجهادية باسم الشرع والدين والجهاد! فتستحل دماء المجاهدين، وتمتلئ القلوب أحقادًا وأضغانًا، وتدخل الساحة دوامة اقتتالات داخلية لا تنتهي، تضعف من شأن الجهاد وتوهنه، وتفتح لأوباش المخابرات نافذة يبثوا منها سمومهم لتذكية القتال وتسعيره، فلا يخرج منها مستفيدًا إلا أعداء الأمة وأذنابهم.
فإلى الرسالة التي أسأل الله أن تكون منارة للحق وهداية للخلق..» ثم بدأت الرسالة المرفقة أعلاه، والتخريجات المثبتة فيها من صنع الشيخ المجاهد: أوَّاب الحسني -أثبتها على حالها رغم مخالفتها شرطنا في التخريج؛ لأنها من عمل الناشر الأصلي-.]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نسأل عن أحوالكم وأوضاعكم راجين أن تكون من حسن إلى أحسن ومن صلاح إلى أصلح، ما بين سداد وهداية، وتوفيق وعناية ورعاية.
عن تميم الدَّارِيّ h أنّ النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة) ثلاثًا، قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم١٬٣٤٠صحیح مسلم (55)، قال البخاري في التاريخ الأوسط: «فمدار الحديث على تميم الداري ولم يصح عن أحد غير تميم»..
فالتناصح بين المسلمين، هو العافية قبل وقوع الداء، والدواء بعده، ولم يُستثنَ من الحاجة إليه أحدٌ من المسلمين؛ فإن هم أقاموه بينهم وحافظوا عليه في حياتهم وأعمالهم أفلحوا ونجحوا، وإن ضيعوه وميّعوه، وتهاونوا فيه وتغاضوا عنه ضاعوا كما ضيّعوا، ولم تزل الأمم عبر التاريخ محفوظةً بقيامها بهذا السياج المتين ورعايتها له ومعرفتها بقدره كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧﴾ [هود]؛ فحيثما وُجِد الإصلاح وصدق الناس في طلبه وبدا عليهم الجدُّ في إقامته نجا المصلِح والمصلَح، وجعلوا لهم من إصلاحهم وقايةً من غضب الله ونزول عذابه وحلول سخطه، وإن هم تواطؤوا على الفساد وتمادوا فيه واستنكفوا عن الترفع عنه أو إرادة إصلاحه هانوا على الله فأهانهم ومن يهن الله فما له من مُكرمٍ فحلت المصائب ونزلت عليهم النِّقمة واستبدل الله بهم من هو خيرٌ منهم وأتقى وأحفظ لحدوده وأنفع للناس؛ نسأل الله أن يجنّبنا وإياكم أسباب سخطه ويجعلنا من القائدين بالحق المنقادين إليه، وأن يطهِّر قلوبنا من دَغَلِ الزيغ ودخل الهوى ويملأها بنور الإيمان وصريح التقوى.
إذًا فهذه كلمات نرسلها لكم ناصحين لا فاضحين، ومذكِّرين لا مشهِّرين، ومصرِّحين لا مُلَمِّحين، لأننا نرى موكب الجهاد -إن بقي على هذه الحال- فسيصل إلى نهاية لا نرضاها ولا ترضونها، ونواميس هذا الكون وسننه لا تمتنع أحدٍ وتطاوع آخر، بل هي قانون جعله الله تعالى باقيًا راسخًا من سار عليه وصل غايته، ومن حاد عنه ضلَّ سعيه ولم ينل بُغيته، ولسنا أحق بهذا التذكير من صحابة رسول الله ﷺ الذين أنزل الله لهم بعد ما حلَّ بهم يوم أحد: ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧ هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨﴾ [آل عمران: 137-138].
راجين منكم أن تقرأوها بعين التجرد والإنصاف بعيدًا عن التعصُّب وتتبع الظنون التي لا تغني من الحق شيئًا، وإنما تكون مانعةً من اتباعه حائلةً دون بلوغه فلا تزيد صاحبها إلا هلاكًا وإن ظنَّ فيها النجاة، ولسنا عندكم بمتَّهمين حتى نحتاج أن نبيَّن إليكم دافعنا لما نكتب أو نقول، وما يمكن أن يحيك في الصدور؛ فإنما هو من وساوس الشيطان ونزغات النفوس التي لا يُلتفت إليها، فنحن وأنتم نترقب القتل لحظةً بلحظةٍ وقد ذهب خيارنا وخياركم وتقطّعت أشلاؤهم فمنهم من حظي بقبرٍ يضم رفاته ومنهم من لم يُعثر له على أثر، وما زالت الحرب تأكل، والعدو يقتل، والبلاء ينزل، فلم يبقَ لنا من أمر الدنيا شيءٌ حتى نحرص عليه ونتحدَّث لأجله أو ننصح طلبًا لتحصيله، فلا يدفعنا إذًا لنصيحتنا هذه لا طلبُ جاهٍ، ولا تعصُّبٌ لجماعةٍ، ولا منافسةٌ على إمارةٍ، ولا حسدٌ على منصبٍ، ولا غير ذلك مما يمكن أن ينفثه الشيطان في العقول ويتخذه مطيَّةً يمنع لتوهمها قبول القول، فإنما هو النُّصح وكفى! ونقول ما قاله شعيب عليه السلام: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨﴾ [هود].
فليس لنا مقصد فيما نكتبه ههنا إلا سلامة سفينة الجهاد التي نركبها جميعًا ونشق بها هذا البحر المتلاطم من الفتن والظلمات والشبهات والمصائب، وأن نبلغ بها الغاية التي نريدها جميعًا على أحسن حال وأيسره بعيدًا عن التخبط والتخرُّص الذي يؤدي إلى تحطيمها وغرقها بلا شكٍّ وتكون عاقبة أمر أصحابها خسرًا، ما بين شماتة الأعداء ولعنات الأقرباء في الدنيا، وسوء الحساب في الآخرة، وهل شرٌّ بعد هاتين؟! أعاذنا الله وإياكم من الثنتين.
عن النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما، عن النّبيّ ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا) رواه البخاري، وأحمد، والترمذي١٬٣٤١صحيح البخاري (2361)، ومسند أحمد (18361)، وسنن الترمذي (2173)، ومعنى قوله: (القائم على حدود الله) أي الملتزم المتقيد بأوامر الله تعالى، الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر، (الواقع فيها)؛ أي في الحدود والمعاصي بارتكابه للمنكرات، (استهموا)؛ أي اقترعوا ليأخذ كل منهم مهمه ونصيبه، (أخذوا على أيديهم)؛ منعوهم من خرق السفينة..
فأولًا: لتعلموا إخواننا الكرام -وأنتم تعلمون- أن الجهاد في سبيل الله تعالى، هو من أشرف العبادات، وأجلها قدرًا، وأعلاها مكانةً، وأكثرها نفعًا، ويكفي وصف النبي ﷺ له بأنه (ذروة سنام الإسلام)١٬٣٤٢أخرجه الترمذي (2619) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا أحمد في مسنده، وابن ماجة في سننه.، وهذه العبادة العظيمة وإن كان مظهرها القتل والقتال، والدماء والأشلاء، إلا أن الشرع لم يجعلها بلا أحكام، ولا حدود ولا ضوابط ولا قيود ولا آداب ولا أخلاق ولا «رحمة»، ولولا الحاجة إلى ضبط أحكامها لما كان هناك في كل كتابٍ من كتب الفقه عنوان بارز اسمه: «كتاب الجهاد»، أو «كتاب السير» ونحو ذلك؛ حيث ضمَّنه العلماء الكرام رحمهم الله عشرات أو مئات المسائل الواقعة والمتوقعة التي يحتاجها المجاهد أثناء أدائه لهذه العبادة العظيمة، تمامًا كما يحتاج إلى معرفة ما يلزمه من تفاصيل أحكام الصلاة والزكاة والصيام ونحوها، وحيث قصَّر المجاهدون في تعلم وتعليم تلك الأحكام الضرورية التفصيلية المتعلقة بعبادة الجهاد، واعتمدوا فيها على القواعد العامة أو السياسات العقلية والتي يكون أغلبها غير مضبوط بدقائق الشرع؛ فإنهم سيخطئون أكثر مما يصيبون، وينالهم من التخبط والوقوع في المخالفات الشرعية بقدر تقصيرهم، وربما أفسدوا أكثر مما أصلحوا، ولا يكفي ويغني في أداء هذه العبادة أن نعرف فضلها وفضل القائمين عليها وما أعده الله لهم من الثواب الجزيل ثم نخوض غمارها من غير بينةٍ ولا علمٍ ولا فهمٍ.
فالجهاد كما أن منفعته متعدية إن أقيم على وجهه؛ فينتفع به القائم به وغيره من المسلمين، فكذلك ضرره يكون متعديًا إن أُدّي بغير ضبط ولا إحكام، وخبط فيه سالكه خبط عشواء، واعتمد في سيره وتسييره على الظنون العقلية وما تهوى الأنفس، واتبع في إقامته التخرصات السياسية، وأوهام المصالح والمفاسد دون مراعاةٍ لحدودها ولا معرفةٍ بمواطنها؛ فالزلة فيه قد تكون لا مقيل لها، فقد ترى سفك الدماء المعصومة أو المحرمة، ونقض العهود الموثَّقة، والغدر في موطن الأمان، والظلم باسم العقوبة، والبغي باسم ردِّ البغي، والانتقام في محل العفو، وأكل الأموال المحرَّمة بغير حقًّ باسم الغنيمة أو التعزيرات، والغلول من الغنائم باسم الحاجة، وعدم طاعة الأمير في محل وجوبها، أو طاعته في محل تحريمها، وغير ذلك المخالفات التي لا تحصى، فليس كل قتال غزوًا، ولا كل غزوٍ يكون سالمًا صحيحًا، كما جاء صريحا عن النبي ﷺ، فعن معاذ بن جبلٍ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجرٌ كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنّه لم يرجع بالكفاف) رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم١٬٣٤٣أحمد في مسنده (22095)، وأبو داود في سننه (2515)، والنسائي في سننه (3188)، والحديث حسن مقبول، فإنه يرويه غير واحد من الثقات من أهل الشام وغيرهم عن بقية بن الوليد الشامي، وبقية قد صرح بالتحديث في كثير من الروايات عن شيخه الثقة المعروف بحير بن سعد الشامي، والخبر شامي ورجاله شاميون ثقات، ولولا اشتراط التحديث في كل الإسناد لقيل بصحته، مع أن تدليس التسوية نادر الصدور من بقية، وإن دلس فتدليسه عن الضعفاء، فلهذا نخلص إلى أن هذا الخبر من أحاديث بقية الجياد الحسان المقبولة، ولذا صححه الحاكم وجمع من المتأخرين، وحسنه ابن عبد البر والألباني.. والحديث روي مرفوعًا وموقوفًا، وقد رجح البعض وقفه على معاد وأعلَّوا المرفوع به، والصواب فيه صحة الرفع والوقف، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أعله بالوقف، وقد سُئل الحافظ الدارقطني عنه في علله فلم يعله بشيء، ومن فقه الشيخ أبي يحيى -تقبله الله- إغفاله لرواية مالك في موطئه وسعيد بن منصور في سننه فإنها موقوفة صحيحة لكن الرفع أرفع منها.
واستغراب أبي نعيم في الحلية لهذا الخبر مرفوعًا لكونه حديث فرد، غريب شامي الإسناد، وقد يطلق المتقدمون على الحديث الفرد اسم المنكر والغريب باعتبار سنده المذكور ولا يريدون تضعيف متن الخبر وإعلاله من أوجهه الأخرى، ومن هذا الباب يحمل استغراب ابن عساكر، على أنه روي من وجه آخر ضعيف عند أبي القاسم الحلبي في حديثه، وللحديث شواهد أخرى تشهد بأن له أصل ثابت.
ومعنى قوله: (الغزو غزوان)؛ أي: الغزو نوعان، (وأنفق الكريمة)؛ أي: النّفيسة الجيّدة من كل شيء، وقيل: الكريمة هي النفس؛ أي أنفق نفسه في سبيل الله، «وياسر الشريك»؛ أي: ساهل الرفيق وعاملة باليسر، «نُبهه»؛ أي: انتباهه واستيقاظه..
وتأمل قوله عليه السلام: (واجتنب الفساد) فهي كلمة جامعة تشمل كل ما يدخل في الفساد، من سفك الدماء المحرمة، ونهب الأموال، والتطاول على الناس، وتدمير أو تخريب أو حرق ما لا يجوز، ويراجع ما قاله العلماء في شرح هذا الحديث الذي ينبغي لكل المجاهدين أن يحفظوه ويجعلوه ميزانًا لأعمالهم ويروا ما هو موقعها منه.
وعن مُعاذٍ بن أنسٍ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ، فبعث مناديًا: (من ضيَّق منزلًا أو قطع طريقًا فلا جهاد له) رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وغيرهم١٬٣٤٤أحمد في مسنده برقم «15648»، وأبو داود في سنه برقم «2629»، والبيهقي «18239»، الخبر إسناده شامي كسابقه، وقد أعل بضعف سهل بن معاذ التابعي، قال الحافظ في «التقريب» «2667»: «لا بأس به؛ إلا في روايات زبّان عنه»، وأما إسماعيل بن عياش الشامي فإنه ثقة في روايته عن أهل بلده، فلذا قد حسنه الشيخ الألباني يرحمه الله وغيره من المتأخرين..
فيجب على المجاهدين -أمراء ومأمورين- أن يتعلَّموا أحكام جهادهم كما يتعلمون أحكام صلاتهم، وأن يبذلوا جهدهم في استفتاء أهل العلم فيما ينزل بهم، وأن يتحروا الحقَّ ويحرصوا عليه في سائر أعمالهم الجهادية، ويحذروا من أن يكون مصدر أحكامهم: «اتباع الظن وما وتهوى الأنفس»، وعليهم أن لا يجعلوا دعوى انشغالهم بالجهاد وتفرغهم له مدعاةً للتهاون في ارتكاب المحرمات على جهالةٍ؛ فإن الله إنما ينصر من نصره، ونصر الله إنما هو باتباع دينه والتمسك بشريعته.
ونحن -والحمد لله- نعلم أن الجهاد اليوم فرض عينٍ، وأن الأعداء قد تكالبوا علينا من كل جهةٍ، وأنهم قد استباحوا الديار واستحلوا الدماء وانتهكوا الأعراض ونهبوا الأموال وارتكبوا من الفظائع والقبائح ما يطير معه لُبُّ الحليم وتشيب له مفارق الولدان، كما أننا بفضل الله تعالى وكرمه ومنَّته وسط المعركة، ولسنا في حواشيها ولا بادين في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولا نودُّ ذلك، ولكن كلُّ ذلك لا يمنعنا من ضبط جهادنا بالشرع وإحكام أعماله به، فإنَّ الحق حقٌ على كل حالٍ وفي أي موطن وتحت أي ظرفٍ، والباطل باطلٌ على كل حال.
ولقد رأينا بعض الأخطاء القاتلة التي وقع فيها إخواننا في «...» مما نعتقد أنها مخالفة للحق، وهي -إن بقيت واستمرت- فستكون قرة عين أعدائنا في المآل وإن تضجَّروا منها وآذتهم في الحال، وإنما العبرة بالعاقبة.. أما الحرب فهي سجال والأيام دول، وفيما نظن؛ فإن مفتاح أمرها هو ما ذكرناه في هذه النقطة، وذلك أخذهم لأحكام الجهاد بالعمومات والقواعد والسياسات واعتماد ردات الفعل «الانتقام» من غير تتبع لتفاصيل ما يذكره الفقهاء في كتب الفقه، ولا نعني بذلك مجرد مطالعتها ومعرفتها، وإنما الالتزام بها والاجتهاد في تطبيقها، والتقيد بجزئياتها.
ونحن هنا لا نتعرض لنية أحدٍ ولا مدخل لذكر النوايا أصلًا؛ فقد يقع في الخطأ أو البدعة أشد الناس إخلاصًا وأكثرهم عبادةً وأعظمهم جهادًا وأجرأهم تضحيةً، ولا يمنع ذلك من أن يبقى الخطأ خطأً، وحساب الله لعباده ليس فقط على ما في القلوب؛ ولكن عليها وعلى أعمالهم، فلا يفهم مما نذكره هنا أننا نطعن في نية أحدٍ أو نتهمه في إخلاصه أو نشك في حرصه على نصرة دينه، وما كنا لنكتب هذه الكلمات ونبذل هذه النصيحة لمن نظنُّ فيه إرادة الإفساد.
فخلاصة هذه النقطة: أن على إخواننا في «....» -وفقهم الله للحق- وخاصةً قادتهم وعلى رأسهم أخونا «...» أن تكون لهم عناية تامة ومراقبة دقيقة ومتابعة تفصيلية لكل تصرفات أفرادهم وأعمالهم، وأن يراجعوا كثيرًا من أعمالهم الجهادية السابقة مراجعةً شرعيةً ناصحةً متجردةً يبتغون بها إصلاح ما يجدونه من الخلل وتصحيح ما يرونه من الخطأ سواء كان ذلك في العمليات أو السياسات، أو الأفكار، أو العلاقات بالعلماء أو عامة الناس أو الجماعات المجاهدة أو غيره ذلك، والرجوع عن الخطأ خير من التمادي فيه، وإصلاح العيب أفضل من ستره والتكتم عليه.
ثانيًا: فمن هذه الأخطاء الشنيعة التي هي الهلاك بعينه، والتي أصبحت نقيصةً لاصقة بالجهاد والمجاهدين، ورزيةً يعيبهم بها الصديق والعدو -وقبل ذلك فهي جالبة لسخط رب العالمين-: التفجيرات العامة التي يُقتل فيها أعداد من عامة المسلمين بدعوى التترس، وقد وقع هذا منكم مرارًا في الأسواق، والمساجد، وغيرها..
وقد نصحناكم من قبل سرًا وجهرًا وبينا لكم فساد هذه الأعمال دينًا وسياسةً ومصلحةً، ولكننا لم نجد منكم تغيرًا ولا تحويلًا؛ بل بلغنا أن المُفتين عندكم يستحل تفجير السيارات في أسواق المسلمين العامة ويرى ذلك من القتال المشروع بدعوى أن هؤلاء الناس تاركون للجهاد، أو أن فيه ضربًا لاقتصاد العدو! أو هو من باب إغاظتهم وتخليط الأمور عليهم؛ فإن صحَّ ما قيل واحتجّ من أفتى بمثل هذه العلل العليلة، فإنَّ هذا -والله- لهو الضلال المبين، وويل لمن يتصدَّر للفتوى في الدماء والأرواح وهذا هو مبلغه من العلم، أم هل تظنون أن المجاهدين قد رفع عنهم قلم المؤاخذة فأصبح كل واحدٍ منهم لا يُسأل عما يفعل؟!
ألم تقرأوا قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤﴾ [النساء: 93-94].
وهل وجدتم في كتاب الله أزجر من هذه الآية حيث جمعت لهذه الجريمة خمس عقوبات؟ أم ترون هذه الآيات تخاطب غيرنا، أم لكم براءة في الزبر؟ وما يُغني عنكم جهادكم غدًا بين يدي الله تعالى، وقد جاء كل واحدٍ منكم وقد تعلق به عشرات من القتلى الذين تتدفق دماؤهم من أوداجهم وكل واحد منهم يقول لله تعالى سل هذا فيم قتلني؟!
أتحسبون أن قولكم: قتلناه ابتغاء وجهك ونصرةً لدينك ينفعكم أو يشفع لكم؟!
أوْ يقال لكم: قتلتموهم بغير حقٍّ قتلكم الله؛ هلا سألتم إذ لم تعرفوا إنما شفاء العي السؤال.
عن عبد الله بن عمرو h أن النبي ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم) رواه مسلم والنسائي١٬٣٤٥هذا الخبر رواه الترمذي في سننه (1395)، والنسائي في سننه الكبرى (3435)، ولم يخرجه مسلم في صحيحه، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، وقد صحح وقفه جمع من المتقدمين كالبخاري والترمذي والبيهقي وغيرهم، إلا أن للخبر شواهد، عدة يرتقي بها لدرجة الحسن لغيره مرفوعًا، قال ابن الملقن في «البدر المنير»: «وقد أُسند من وجوه صحيحة لا مطعن لأحدٍ في رجالها»، ولهذا ذهب الشيخ الألباني لصحته في «غاية المرام» وغيره من كتبه.، وتأمل قوله: (لزوال الدنيا) وليس فقط زوال تنظيم القاعدة، أو إمارة أفغانستان، أو (....)، أو المجاهدين أجمعين؛ فمن لم يعظه مثلُ هذا الحديث، واستهان بدماء عامة المسلمين بحجج هي أوهى من خيوط العنكبوت، فقد أوبق نفسه، وإن لم يتب حق التوبة؛ سيدعو ثبورًا.
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) رواه الترمذي١٬٣٤٦الترمذي في سننه (1398) وقال: حديث غريب، والخبر قد استغربه الترمذي، وهو وإن كان معلولًا بإسناده الذي فيه يزيد بن أبان الرَّقاشي وهو ضعيف؛ إلا أنه حسن لغيره مرفوعًا بمجموع طرقه كما حققه جمع من المتأخرين، بل قد صححه الألباني في «صحيح الجامع». وقال: حديث غريب.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: (يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله ﷻ للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار) رواه الترمذي وحسنه والطبراني في الأوسط ورواته رواة الصحيح واللفظ له١٬٣٤٧الترمذي في سننه (3029) بغير هذا اللفظ، والطبراني في «المعجم الأوسط» (4217) وقال: «لم يَروِ هذا الحديث عن عبد الله بن الفضل إلا أبو أويسٍ، تفرَّد به: ابنه إسماعيل»، والحديث صحيح بمجموع طرقه، رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ولهذا صححه الشيخان شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند الأحمدي، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2447)، والسلسلة الصحيحة (2697).؛ فكيف إذا انضاف إلى هذا القتل الحرام التندُّر والتفاخر به والاغتباط بوقوعه فيزداد صاحبه -شاء أم أبى- ذنبًا على ذنبٍ كما قال النبي ﷺ: (من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله، لم يقبل الله منه صرفًا، ولا عدلًا) رواه أبو داود١٬٣٤٨أبو داود في سننه برقم «4272»، وصححه الشيخ الألباني.
فائدة: قال ابن الأثير في «النهاية: 3/69»: «(من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله)، هكذا جاء الحديث في سنن أبي داود ثم قال في آخر الحديث: قال خالد بن دهقان -وهو راوي الحديث-: سألت يحيى بن يحيى النسائي عن قوله: (اعتبط بقتله)، قال: الذين يقاتلون في الفتنة، فيقتل أحدهم، فيرى أنه على هدى، لا يستغفر الله، وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة، بالغين المعجمة، وهي الفرح، والسرور، وحسن الحال، لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله، دخل في الوعيد، وقال الخطابي في معالم السنن وشرح هذا الحديث، فقال: «اعتبط قتله؛ أي قتله ظلمًا، لا عن قصاص»..
والأحاديث في هذا الأمر أكثر من أن تذكر، وأشهر من تشهر، وليس الشأن في مجرد معرفتها، ولكن في التقيد بها ومعرفة قدرها وعظيم ما حوته من الزجر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد! وإنني أنصحكم بأن تكثروا النظر فيها والرجوع إليها، وأن تربُّوا عليها أفرادكم، فإن اعتياد القتل وكثرته -حتى ولو من الكفار- يهون أمره على القلوب وتتساهل في شأنه حتى تقع فيما حرّم الله تعالى، كما أنصحكم بقراءة كتاب الشيخ الشهيد المجاهد العالم عبد الله عزام رحمه الله «جريمة قتل النفس»، ونشره في مراكزكم وتدريسه لقادتكم وجنودكم، لينكفّ المتهورون وينزجر المتساهلون، وكذلك ما كتبه الشيخ محمود [عطية الله] حول تفجيرات الأسواق وهي رسالة مطبوعة ومُنتشرة ومترجمة إلى الأوردية.
ثم إن هذه التفجيرات العامة لا يقتصر شرُّها على كون المقتولين هم من عامة المسلمين الذين حُرِّمت دماؤهم بالشرع تحريمًا قطعيًا، وإنما أيضًا فيه تغريرٌ بأولئك الشباب الصادقين الذين قدَّموا أنفسهم رخيصةً لله تعالى، وبلغوا فيها أعلى المراتب؛ حيث جعلوا أرواحهم على أكفهم بل على أكفِّ أمرائهم ليختاروا لهم أوضح الأهداف وأشدها نكاية في العدو الكافر المحارب لله ولرسوله، فإذا بهم يُوجَّهون ليقوموا بتلك التفجيرات وسط بيوت الله وعلى عباد الله المصلين، أو في أسواق المسلمين، أو جامعاتهم؛ فلا يُقتَل حتى يَقتل معه العشرات من المسلمين الذين يحمل أوزار دمائهم مَن أمَره أو أَفتاه أو حرَّضه على ذلك، وليس في هذا نصحٌ لهم؛ فما من أمير يأمرهم بذلك ويرغبهم فيه ويحثهم عليه مع علمه لما تضمنه من سفك الدماء المعصومة أو إهلاك الأموال المحرمة إلا كان غاشًا لهم، وهو داخلٌ في عموم قوله ﷺ: (ما من عبد يسترعيه الله رعيّةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيّته، إلا حرَّم الله عليه الجنَّة) رواه البخاري ومسلم١٬٣٤٩صحيح البخاري (6731)، وصحيح مسلم (280)..
إن الجهاد في سبيل الله تعالى -كما ذكرنا- هو عبادة راقية ليس ملكًا لأحدٍ يتصرف فيه كيفما شاء، أو يسوسه بما شاء، أو يؤديه كيفما شاء، بل على كل من يحمل أعباءه أن يكون أحرص الناس على سلامته من الخلل، ونقاوته من الدغل، وإبعاده عن الانحراف، والسير عليه بلا إفراطٍ ولا تفريط، ومن أراد الحق وحرص عليه وتجرد له أعانه الله على بلوغ ويسر عليه سلوكه واتّباعه، وأما من جعل دينه هواه فإنه هالك مُهلِكٌ لا محالة ولا ينفعه مدح المادحين ولا تعظيم المعظِّمين، فإنهم لن يغنوا عنه من الله شيئًا، نسأل الله العفو والعافية والسلامة في الدين والدنيا والآخرة لنا ولكم وللمسلمين.
عن أبي هريرة h عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج على أُمّتي، يضرب برّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس منّي ولستُ منه) رواه مسلم١٬٣٥٠رواه مسلم في صحيحه (4814).، فتأملوا هذا الحديث العظيم ولينظر كلٌّ لنفسه وأين هو منه فلا يدري فعسى أن يصيبه وعيد: (ليس مني ولست منه) وهو يحسب أنه على شيءٍ.
فخلاصة هذه النقطة: أننا لم نكتبها لنتباحث معكم هل وقع كذا أم لم يقع من العمليات التفجيرية العامة، أو لأن نسمع منكم ما هي ملابسات هذه العملية أو تلك، وإنما لنبين لكم -ناصحين لوجه الله تعالى- أن هذه الطريقة التي يسلكها «....»، من القيام بالعمليات التفجيرية العامة بين المسلمين في أي مكان كان؛ هي منكرٌ من العمل، لا صلة لها بالجهاد المأمورين به ديانةً؛ وأنها لا تجوز لا شرعًا ولا سياسةً ولا مصلحةً، وأن دماء المسلمين التي تُسفك في تلك المواطن سواء منهم من قتل أو جرح ستسألون عنها بين يدي الله تعالى، وأنها من الذنوب التي لا تكفِّرها الشهادة لأنها من حقوق العباد؛ فليست هي أقل شأنًا من الدَّين، وأن أمر الشباب «الاستشهاديين» بالقيام بها هو زيادة إثم على إثم؛ فالأمير مسؤول عن أرواح هؤلاء الشباب الذين يجب أن يوجهوا إلى عمليات ضد العدو الذي لا شبهة في أمره ولا التباس في قتاله، كما قال النبي ﷺ: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته)١٬٣٥١رواه البخاري في صحيحه (853)، ومسلم في صحيحه برقم (4751)..
كما أن هذه العمليات مفاسدها أكثر من مصالحها، بل لا مصلحة فيها أصلًا، بل هي الفساد الخالص ومن أفتى بجوازها إما أن يكون جاهلًا جهلًا مركبًا، وإما أن يكون صاحب هوى يريد إفساد الجهاد وتأليب الناس على المجاهدين، فليست هي من الجهاد في شيء مهما زعم الزاعمون ذلك وإننا منها برءاء، (فالحلال بين والحرام بين)١٬٣٥٢رواه البخاري في صحيحه (2051)، ومسلم في صحيحه (1599).، ولئن وقعت تلك العمليات مرةً أو مرتين فقد يُقبل فيها العذر وتقال فيها العثرة.. أما أن تُتخذ منهجًا، وتُجعل دينًا، وتُعدُّ من الجهاد الشرعي فلا يقول بذلك من يعرف من دينه شيئًا، وليس حلُّ هذه المصيبة هو الدخول في المناقشات والمباحثات فإن ذلك لن يجعل الباطل حقًا ولا يقلب الليل نهارًا، وإنما الواجب شرعًا وعقلًا وسياسةً ومصلحةً هو الإقلاع عنها إقلاعًا تامًا وتركها تركًا كليًا والتوبة منها عسى الله أن يغفر ما فرط ومضى.
ثالثًا: من الأخطاء الشائعة بين عدد من أفراد «...» -وربما بعض قادته أيضًا-؛ الفهم المغلوط لمعنى البغي ومفهوم البغاة، ولو توقَّف الأمر عند الفهم النظري المجرد لهذه المسألة لهان الخطب -وليس بهين-، ولكن انبنى عليه ما هو أخطر وأفدح وهو احتمال استباحة دم ذلك المُتَّهم بالبغي، فالمقدمة الخاطئة أخرجت نتيجة منحرفة.
والانحراف في مفهوم البغي أصلًا إنما جاء بناءً على تصورٍ خاطئٍ مغلوط؛ ليس له مستندٌ من شرعٍ ولا واقعٍ، وهو اعتبار «...» كأنه جماعة المسلمين في باكستان والتي يجب على الجميع أن يكون تحتها ومبايعين لأميرها؛ فمن شذَّ عن ذلك فهو باغٍ يجب قتاله أو قتله، فكل هذه التصورات والأحكام والمقدمات والنتائج ما أنزل الله بها من سلطان، ولن يستطيع أحدٌ أن يحتجَّ لها بكتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ أو فتوى صحيحة، وإنما تؤخذ هذه الأحكام بالأفهام الخاطئة والاجتهادات غير المنضبطة، والتساهل في الفتوى من غير رجوع لأقوال العلماء الأولين، والأئمة الراسخين.
ومسألة البغي واستباحة الدماء بمن يُتهم به؛ ليس انحرافًا جديدًا بين بعض الجماعات الجهادية، بل قد تبناه بعض المتهورين فسفكوا به دماءً معصومةً عصمةً لا شبهة فيها إلا ما يورثه الجهل من الخيال الذي يحسبونه علمًا، وقد حصل هذا في الجزائر قبل ستة عشر عامًا؛ فأبادوا به خضراء خيارٍ صالحين مجاهدين كانت الأمة أحوج ما تكون إلى خبرتهم وتجربتهم وعقولهم؛ فأهلكوهم وأهلكوا جهادهم، وقبل سنين معدودة هنا في وزيرستان عند «...» وغيرهم، ووالله ثم واللهِ ليس لهم فيما يفعلون ويرتكبون من هذه القبائح حجة قائمة وإنما هو الغلو المُهلك والشطط المُعنِت، وقد قال النبي ﷺ: (إياكم والغُلُوَّ في الدّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغُلُوُّ في الدّين) رواه النسائي، وابن ماجه وغيرهم١٬٣٥٣النسائي في سننه (3057)، وابن ماجه في سننه (3029)، وقد صححه الألباني في الصحيحة (1283).، والسعيد من وُعِظَ بغيره، فرأى مواطن أقدام سابقيه فلم يزل في مواطن زللهم؛ بل تفادى ذلك واتَّقاه.. أما أن تتكرر الأخطاء نفسها، وتعاد المصائب عينُها، ويرى المرء عاقبة من سلك طريق الهلاك ثم هو يسير عليه ويقفو أثره فما أبعد هذا عن التوفيق وبلوغ الغاية المرجوة، وقد قال النبي ﷺ: (لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ واحدٍ مرَّتين) متفق عليه١٬٣٥٤البخاري في صحيحه (5782)، ومسلم في صحيحه (2998).؛ فما بالنا قد تقطَّعت أيدينا في جحور الأخطاء والمصائب وما زلنا ندخلها ونُصِرُّ على إدخالها.
إذًا فلا محلَّ لاستباحة دماء المجاهدين من أي جماعةٍ كانت بدعوى أنهم بغاة سواء كان أولئك المجاهدون أفرادًا أم جماعاتٍ، وسواء كانوا خارج «...» ولم ينضموا إليه أو كانوا داخله وخرجوا عنه وتركوه؛ كل ذلك لا يصيّرهم بُغاةً ولا ينطبق عليهم وصفهم فلا يُستباح به دمُ أحدٍ.
وإنما الواجب في مثل هذه الحال هو الإصلاح والتطاوع والتباحث لبلوغ الحقِّ، مع التجرد عن الهوى والبعد عن التعصب الأعمى الذي يعمي البصيرة، وهذه هي كتب الفقه ناطقةٌ بالحقِّ جاهرةٌ به؛ فأتونا بكلام للفقهاء من قبل هذا أو أثارة من علمٍ تجعل وجود مجاهد في جماعة من الجماعات المجاهدة باغيًا على غيرها وشاقًا لصفّها يجوز أو يجب قتله، ثم حتى لو سلمنا على سبيل الجدل والتنزل إلى أقصى حدٍّ فيه، فأين هي أحكام البُغاة ومراتب بلوغ قتالهم من كشف شبهتهم وبحث مظالمهم ثم إلزامهم بالطاعة -من غير قتال- فإذا أصروا بعد ذلك وتمادوا ونصبوا القتال وشهروا السلاح جاز قتالهم؛ دفعًا لشرهم لا قتلهم، أما البدء بآخر الأحوال وهو القتال وجعله أول الأمر والتسارع إليه ففي أي كتابٍ هو؟ ونزيد ونؤكد أن هذا على الكلام إنما هو على سبيل التنزل في النقاش وليس تقريرًا للحكم الشرعي المنطبق على حال المجاهدين في جماعاتهم المختلفة.
وأنتم على مذهب الإمام المعظَّم أبي حنيفة رحمه الله، وأدنى نظرة إلى ما كتبه فقهاء المذهب يظهر بها ظهورًا جليًا بطلان هذا القول وبعده عمَّا بينوه وقرروه من أحكام البُغاة، ويكفي تعريفهم لهم وبيانهم لحقيقتهم، والكتب بين أيديكم ولا حاجة للإطالة بذكر ما فيها.
هذا وقد رأينا بعض الناس يستدل على سفك الدماء وتتبع الأفراد ومطاردتهم في البيوت لخروجهم عن جماعته، أو عدم انضمامه إليها، يستدلون بقول النبي ﷺ: (من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، فأراد أن يشقَّ عصاكم، أو يُفرِّق جماعتكم فاقتلوه) وفي رواية: (فاضربوا رأسه بالسِّيف كائنًا من كان) رواه مسلم١٬٣٥٥مسلم في صحيحه (1852).، وجعلوا مثل هذه الأحاديث مطيةً لاستحلال الدماء من غير أن يرجعوا إلى ما قاله العلماء فيها وما بيّنوه من أحكامها، وإنما وافق ما تخيلوه فيها لهواهم فطاروا به وعضوا عليه بالنواجذ، وتسلطوا بسيوفهم على خيار عباد الله، ولو أنصفوا أنفسهم وخافوا ربّهم لكفاهم أول الحديث عن مخالفة آخره، فالنبي ﷺ يقول: (من أتاكم وأمركم جميع)؛ أي وأنتم متفقون على إمامٍ واحدٍ مجمعون على طاعته مُقرون بإمامته؛ فهل حال هذه الجماعات المتفرِّقة كلها على أمر رجلٍ واحد، أم أنها أحزابٌ كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون إلا من رحم الله، فذهب هؤلاء إلى أن المقصود بقوله ﷺ: (يفرِّق جماعتكم) هي جماعته التي ربما لا يبلغ تعداد أفرادها العشرات، وهو يعيش معها خائفًا مطاردًا باحثًا له عن ملجأٍ يؤويه ومع ذلك تراه يطارد فردًا ممن كان معه وتركه أو لأنه خالفه في رأيه أو جاهد مع غيره ويحاول قتله واغتياله بكل حيلة ووسيلة؛ كأنما توقف أمر إقامة دولة الإسلام على ذلك، بل ربما أرسل إليه شابًا ليفجِّر عليه نفسه بزعم أن ذلك من الأعمال الاستشهادية، وينزِّل عليه مثل هذه الأحاديث فيقتله شرَّ قتلةٍ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذًا فالمقصود بهذا الحديث: من أتاكم أيها المسلمون جميعًا -لا المجاهدون فقط فضلًا عن أن يكون جماعةً منهم- وأنتم متفقون مجتمعون على إمامٍ واحدٍ «خليفة المسلمين» -وليس قائد أو أمير جماعة جهادية- لا اختلاف بينكم في أمره؛ فأراد هذا الرجل أن ينازع الخليفة العام في أمره، وأن يفرِّق جماعة المسلمين العامة التي تضم الأمة المجتمعة على هذا الإمام، فإن لم يمكن بعدها أن يكف شره إلا بقتله قُتل، فحتى من ينطبق عليه معنى الحديث لا يُبادر بقتله ولا يُسارع في سفك دمه، وإنما يُسلك معه مسلك التدُّرج من الوعظ إلى الزجر إلى السجن فإن لم ينكف بعد هذا إلا بقتله فعندها فقط جاز قتله، فآخر العلاج الكي.
وما جاء في هذا الحديث بيّنه حديثٌ آخر وهو قوله ﷺ: (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم١٬٣٥٦مسلم في صحيحه (1853).، وأقوال الأئمة والعلماء في هذا واضحةٌ صريحة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «إذا استقر أمر الخليفة وانعقد الإجماع عليه فبويع لآخر بنوع تأويل كان باغيًا، وكان أنصاره بغاة يُقاتلُون قتال البُغاة، وقوله: (فاقتلوا الآخر منهما)؛ ليس المُراد به أن يقدم فيقتل، وإنّما المُراد: قاتلوه، فإن آل الأمر إلى قتله جاز»١٬٣٥٧كشف المشكل: (3/178)..
بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من هذا فقال الملا علي القاري الحنفي رحمه الله في شرح الحديث المذكور: «والقتل مَجَازٌ عن نقض العهد وفيه إشارةٌ إلى أنّه لو لم يدفع إلا بالقتل؛ فإنَّه يجوز قتله، قال القاضي: قيل أراد بالقتل المقاتلة؛ لأنها تُؤدّي إليها من حيث إنّها غايتها وقيل: أراد إبطال بيعته وتوهين أمره من قولهم قتلتُ الشَّرَاب إذا مزجته وكسرت سورته بالماء، قال الطِّيبيُّ: الأوَّل من الوجهتين يستدعي الثَّاني؛ لأن الآخر منهما خارجٌ على الأوُّل باغٍ عليه فتجب المقاتلة معه حتى يفيء إلى أمر الله وإلا قُتل، فهو مجازٌ باعتبار ما يُؤوّل للحثِّ على دفعه وإبطال بيعيه وتوهين أمره» ١٬٣٥٨المرقاة: (6/2399)..
هذا ولا يفهم من كلامنا السابق أننا نحض على تفريق كلمة المجاهدين وتمزيق جماعتهم؛ فإننا نعلم أن الخلاف كلّه شرٌ، وأن المنازعة مآلها الفشل وذهاب الريح كما ذكر الله ذلك في كتابه فنحن لا ندعو بذلك إلى تشتيت صف المجاهدين ولا إلى تنازعهم لا في باكستان ولا في غيرها، وإنما نحن -والحمد لله- أحرص الناس على وحدتهم والتعاون بينهم، ولكن على أساس صحيح، وبصيرةٍ من الحق، وما زلنا -والحمد الله- منذ أن هدانا الله للجهاد نناصر كل جماعة مجاهدة، ونقف بجانبها ونعينها وننصرها بالنفس والمال والرأي والخبرة كلما أمكن ذلك، ومحاولاتنا لجمع كلمة المجاهدين في هذه الساحة وفي غيرها لا تحتاج إلى تعريف، وأعمالنا -والحمد الله- تغني عن أقوالنا، وإننا لنرجو أن نرى اليوم الذي يكون فيه جميع المجاهدين تحت مظلة جماعة راشدة واحدة تنصر الحق وتقوم عليه ولا يهمنا بعدها ما هو اسمها ولا أين مكانها ولا من أميرها؛ فهذا الأمر لا بد أن يكون حاضرًا لكم واضحًا في أذهانكم، إلا أن حرصنا على توحيد كلمة المجاهدين ورصِّ صفوفهم لن يجعلنا أبدًا نُسوّغ أعمالًا مخالفة للشرع، بل هي -والله- من أعظم ما يفرِّق الكلمة ويمزّق الصفوف، ويملأ القلوب بالبغضاء والشحناء، ويغرس فيها العداوة، فشاهر السيف لقتال المجاهدين بزعم جمع كلمتهم يفسد أكثر مما يُصلح.. وهل رأيتم جماعةً مجاهدةً عصريةً استطاعت أن تجمع كلمة المجاهدين بقوتها وسطوتها؟، أم أن ذلك كان من أكبر أسباب نفرة الناس عنها، بل وعن الجهاد كلِّه، ومن أعظم دواعي كراهيتهم لها، وخروجهم من صفوفها، فتصبح بذلك منشغلةً بهم منكبة على مطاردتهم منصرفة إلى ملاحقتهم فيستهلك ذلك نصف جهدها أو أكثر، والواقع دليل ناطق على ذلك ولا يتغافل عنه إلا من لم يرد الاتعاظ به أو الاستفادة منه والله المستعان.
هذا وقد كنا سنطيل في الرسالة أكثر مما كتبناه، ولا يزال عندنا بعض الأمور التي تحتاج إلى تنبيه وتذكير ومناصحة، وسنؤجلها إلى رسالة أخرى بإذن الله تعالى، ووالله ما كتبنا ما ههنا إلا إرادةً للخير، وحرصًا على ضبط مسيرة الجهاد وبلوغ الغاية منه، وشفقة منا أن تضيع هذه الدماء والجهود والتضحيات الكبيرة كلها من غير طائلٍ، ونبقى نكرر أخطاءنا مراتٍ ومراتٍ مع أن تجاربنا وقبل ذلك شرعنا بيّن لنا مآل مثل هذه الأعمال والأفكار وهو الفشل القاتل والإخفاق المحقق، وإننا لنرجو منكم أن تجد منكم هذه النصيحة قلوبًا متسعةً لقبولها، وآذانًا صاغيةً لسماعها، ونرى أيضًا خطواتٍ جادةً وعملية لإصلاح الأخطاء، وتجنبًا للإصرار عليها والتمادي فيها، فليس ذلك بلائق بالمؤمن فضلًا عن مجاهدٍ يريد أن ينقذ أمته ويسوسها بالدين الحقِّ والشرع المبين.
ومن هنا فإننا ندعوكم إلى كلمة سواء يتفق عليها المجاهدون في هذه الساحة وغيرها، ويضعون وثيقةً مُحكمةً تضبط كثيرًا من أمورهم وشؤونهم، وتجنبهم الانحراف والزلل، وتكفيهم شرَّ القيل والقال، وينالون بها رضا الكبير المتعال، فنقول وبالله التوفيق:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه وعبده محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وبعد:
فانطلاقًا من التقيد المؤكد بأحكام الشرع الحنيف، وحذرًا من الانزلاق في مهاوي الموبقات، وضبطًا للمسيرة الجهادية المباركة في سائر الساحات، وسدًا لباب الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام عبر وسائل إعلامهم، فإن الموقعين أدناه وكل من انضوى تحتهم يتعهدون أمام الله تعالى، ثم أمام أمتهم الإسلامية بالتقيد التام والالتزام الكامل بكل البنود الآتية في هذه الوثيقة راجين من الله تعالى العون والسداد والتوفيق:
أولًا: أننا نعتقد حرمة دم المسلم حيثما كان، وأن سفكه بغير حقٍّ من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات، لأدلة الشريعة الكثيرة القاطعة في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣﴾ [النساء]، وقال النبي ﷺ: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا)١٬٣٥٩صحيح البخاري (6045)، صحيح مسلم (61).، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلّه» رواه البخاري١٬٣٦٠صحيح البخاري (6863)..
ثانيًا: أننا نستهدف بعملياتنا العسكرية الكفار الأصليين المحاربين أو من عاونهم معاونةً مباشرةً ظاهرةً لا شبهة فيها ولا دخل، ووقف معهم بمعاونته ضد المسلمين، وكذلك الحكومات المرتدة وقواتها، كل ذلك بحسب ما يقرره أمراء الجهاد من جهة الدخول في الحرب فعلًا معهم أو تأجيله، على ما تقتضيه السياسة الشرعية.
ثالثًا: أننا نجرِّم كلَّ عمليةٍ في بلدان المسلمين تستهدف أماكن وجود المسلمين وازدحامهم واجتماعاتهم؛ سواء كانوا في المساجد، أو الأسواق، أو الطرقات، أو التجمعات، أو ملاعب الكرة، أو غيرها.
رابعًا: نعتبر مسألة التترس التي ذكرها العلماء مسألة استثنائية يُعمل بها في أضيق الحدود، بضوابطها الشرعية وقيودها المرعية التي يجب الالتزام الحقيقي بها من غير تهاونٍ ولا تحايل، وندعو كل جماعةٍ جهادية إلى التشديد في ضبطها من الناحية التنفيذية العملية وإيكال الإشراف على إجازة آحاد العمليات من نوعها إلى جهاتٍ موثوقة في كل تنظيم.
خامسًا: نعتبر كل الجماعات الإسلامية -ولا سيما الجماعات المجاهدة- إخوانًا لنا في الإسلام، مهما اختلفنا معهم في مسائل قليلةٍ أو كثيرةٍ؛ يسعها فقه الاختلاف الفقهي والفِكريّ في دائرة الإسلام، ولا نُبيح لأنفسنا إطلاقًا حمل السلاح في وجوههم ولا استحلال دمائهم إلا من ناصر مناصرةً بينةً جليةً: المحتلين لبلاد الإسلام أو الطغاة المرتدين وأعانهم على حرب المسلمين إعانةً صريحةً، والعياذُ بالله، فيقاتل لمظاهرته أعداء الله ضد المسلمين لا لمخالفته لنا.
سادسًا: وكل من يخالف ما اتفق عليه في هذه الوثيقة مخالفة صريحة هو غير معذور فيها فإن الموقِّعين سيعلنون براءتهم من أعماله ويشددون النكير عليه، ويلزمونه بالرجوع إلى الحقِّ بكلِّ وسيلةٍ شرعيةٍ، والله على ما نقول شهيد.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: من عبق المراسلات: إلى قادة المجاهدين؛ اجتنبوا الفساد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا