• معنى قوله ﷺ: (من قاتل تحت راية عمية):

روى مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة h عن النبي ﷺ أنه قال: (مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصـر عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضـربُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشـى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ)٤٧٦صحيح مسلم (1848). اهـ.

قال علماؤنا رحمهم الله: الراية العمية «هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه؛ كذا قال أحمد بن حنبل والجمهور، قال إسحاق ابن راهويه: هذا كتقاتل القوم للعصبية» قاله النووي في شـرح مسلم٤٧٧المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (12 / 238).، وهي مأخوذة من العمى وهو الضلال وعدم البصيرة، فصاحبها يقاتل لا على الحق ولا على بصيرة من الله تعالى، بل يقاتل لهوى نفسه ونصرًا لقومه أو بلده ووطنه ودولته وما شابه، ذلك وبغضّ النظر عن كونه مع الحق أو لا، وبغض النظر عن كون ذلك محبوبًا لله ﷻ مأمورًا به في شـريعته سبحانه أو لا.

فإذا عرفت أن من هذا حاله في قتاله قد أخبر النبي ﷺ أنه يموت ميتة جاهلية؛ أي يموت عاصيا لله تعالى، شبه ميتته بميتات أهل الجاهلية، يموتون على الباطل! فكيف بمن يقاتل على الباطل رأسًا وهو يعلم أنه على الباطل الواضح البين: يقاتل على الكفر والشـرك ومحاربة الدين وينصـر قوى الكفر والطغيان والضلالة والعهر والمجون والإفساد في الأرض؟! نسأل الله العافية والسلامة.. آمين.

وقوله ﷺ: (يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصـر عصبة) هو تفسـير لقوله: (من قاتل تحت راية عمية).. بيانه أن جملة (يغضب) هي إما جملة مفسـرة لا محلّ لها من الإعراب على قول أكثر النحاة، أو موضعها موضعُ ما تفسِّـره على قول بعضهم، وهي كاسمها تفسـيرٌ لما جرتْ عليه، أو هي جملة حالية فموضعها نصبٌ، وجملة الحال قيدٌ لعامِلها، أو هي على أضعف الاحتمالات جملة مستأنفة مبتدأة، فلا محل لها من الإعراب أيضا وهي حينئذٍ خارجة مخرج البيان لما قبلها، وعلى كل التقديرات: فإن جملة (يغضبُ لعصبةٍ) وما عطف عليها، هي تفسيـر وبيان ووصف وتقييد لقوله: (من قاتل تحت راية عمية) وهذا واضح إن شاء الله.

ص 711

إذا تبين ذلك؛ فإن الذي يقاتل تحت راية عمية هو من يقاتل من أجل العصبة ويغضب للعصبة ويدعو إلى العصبة وينصـر العصبة، أي لا على أساس الدين، ومعنى العصبة: ما يتعصب له الإنسان أي ينصره وينحاز له ويكون معه من القوم والوطن ونحوه، فهذا هو الذي يقاتل تحت راية عمية.

وها هنا مسألة: وهي من قاتل تحت راية (علم أو بيرَقٍ أو لواء أو بنْدٍ) لدولة أو جماعة هي على غير الحق، لكنه لا يقاتل لهذه العصبة ولا ينصر هذه العصبة ولا يدعو إليها، وإنما اتفق أنه قاتل معهم لغرض صحيح في نفسه، ويُتَصَوَّرُ ذلك في بعض الأحوال؛ كمن قاتل في وقت من الأوقات تحت راية بعض الحكومات الكافرة كمن قاتل في أول غزو أمريكا للعراق تحت راية «صدام» لدفع العدو الصليبي الصائل الأكثر فسادا للدين والدنيا، لأنه لم يكن يمكنه في وقت من الأوقات إلا ذلك لعدم وجدانه جماعة الحق وراية الحق، أو لعجزه عن الالتحاق بها.

وكمن قاتل مع بعض جيوش الكفار ضد كفّار آخرين لغرض تحصيل مصلحة راجحة للإسلام والمسلمين كنصـر أحدهما على الآخر مما يؤول إلى نصـر الإسلام، أو لتحصيل مصلحة التدريب والتعلم لفنون الحرب والعسكرية ونحو ذلك، وهذا قد أفتى به بعض الفقهاء قديما وحديثا.

لكن هذا يقدَّر بقدره ويرجع فيه إلى مشاورة الفقهاء وقيادات المسلمين الموثوقة؛ فهذا بلا شك لا يدخل تحت قوله ﷺ: (من قاتل تحت راية عمية..-إلى قوله- ميتة جاهلية)؛ لعدم وجود القيد والصفة التي بيناها، فمعنى الحديث إذن: من قاتل تحت راية عمية بهذا الوصف وهذا الشكل (المبين في نص الحديث)، فمات في تلك الحال فإنه عاصٍ مرتكبٌ كبيرةً.. والله أعلم.