[السؤال الحادي عشر: هل نجحت طريقة المجاهدين في التغيير أم فشلت؟]

شبكة أنا المسلم: على ما رأيتم في مشواركم الدعوي والجهادي في سبيل نصرة هذا الدين؛ هل ترجحون صرف الهمم وشحذها للسعي في تطبيق شرع الله في بلاد الإسلام عن طريق استخدام القوة والعمليات المسلحة؟ أم ترون أن هذه الطريقة باءت بالفشل والأفضل الاقتصار على الدعوة فقط؟

الشـيخ عطية الله:

الحمد لله وبه أستعين..

لا شك أن هذا موضوع كبير، وقد تفاوتت فيه الاجتهادات والأفهام، وتنوّعت فيه الآراء، وحصلت فيه الانقسامات والاختلافات، وإلى الله ترجع الأمور، وهو يهدي إلى سواء السبيل.

وسأحاول تلخيص ما عندي في الموضوع في نقاط أساسية:

ص 946

1- أن مشاكلنا نحن أمة الإسلام كثيرة ومتداخلة، يُجملها قولنا: البُعد عن الدين والتفريط في مصدر عزنا الذي أعزّنا الله به، والتفريط تبعا لذلك ومعه في أسباب القوة والرفعة الروحية والمادية، وانهدام الفضائل.!

2- أن أكبر مشكلات أمتنا وأهم ركيزة من ركائز الفساد الواقع فيها هي قضية الحكم، أي كون الحكم أي الملك والسلطة في الأمة بأيدي أناس خونة للدين وللأمة ومرتدون عن الإسلام كثيرٌ منهم، نبذوا شريعة الله وحكّموا القوانين والشرائع الوضعية المستوردة من الكفار الصليبيين، وأفسدوا في الأرض ونشروا فيها الرذيلة وثبّتوها وصانوها وحموها ووضعوا لها الحرس والقوانين الحامية، وحاربوا الفضيلة والعفة والطهارة والتقى.. إلى آخر ما تعلمون!

3- أن الجميع متفقون على أن الحل هو الرجوع إلى ديننا الذي أعزنا الله به، فهو عصمة أمرنا، وهو سبيل فلاحنا ونجاحنا وعزتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة، ونشر الفضائل والتخلي عن الرذائل والأخذ بأسباب القوة والرفعة، وكل ذلك يجمعه قولنا: العودة إلى ديننا مصدر عزّنا.

4- أن المصلحين والدعاة إلى الله تعالى اتخذوا طرقًا شتى تنوّعت واختلفت -حسب اجتهاداتهم- في كيفية تحقيق هذا الحل، وكيفية هذا الرجوع إلى ديننا مصدر عزنا وشرفنا وفلاحنا؛ فوجدت السبل المختلفة التي نعرفها جميعا: الدعوة بأنماطها واختلاف كيفياتها ومدارسها، والجهاد بالسلاح لأولئك الكفار الحاكمين على بلادنا، وغير ذلك.

5- والذي ترجّح لي، وعليه محققون من علمائنا، أن كل بلد وكل ناحية من جسم الأمة وكل شعب ودولة يناسب فيها طريقة معينة، من اكتفاء بالدعوة اللسانية السلمية، أو إعلان جهاد وحرب على الحكومات الكافرة، بحسب ظرف كل بلد وقطر والمعطيات المتوفرة فيه.

فإن كان البلد تهيأت فيه فرصة لجهاد الطواغيت ووجدت أسباب النصر ومقومات النجاح لمشروع جهادي تغييري من جمهور جيّد، وقوة مادية وتنظيم قادر وكوادر واتفاق من جماعة مقتدرة من أهل البلد على الأمر، وضعف العدو نتيجة ظروفه السياسية والاقتصادية ومشاكله المتراكمة، ونقمة الشعب عليه بطوائفه وشرائحه، ونحو ذلك من الأسباب؛ فإن الجهاد يكون هو المناسب، لأنه واجب متى ما قدرنا وظننا النصر.

ص 947

وإن كانت ظروف البلد وأهله والمعطيات الميدانية فيه لا يمكن أن ينجح معها عمل عسكري جهادي في حكم العادة، بحيث لا تتوفر الأسباب التي أشرنا إليها وما شابهها، فإن الأفضل والأنسب، وقد يكون هو الواجب، تركُ الجهاد والاستمرار في الدعوة إلى الله، والصبر والانتظار حتى يأذن الله بتهيّئ الأسباب وإتاحة الفرصة، مع التنبيه هنا إلى وجوب العمل لإعداد القوة والقدرة التي نتمكن بها من إزالة هؤلاء الطواغيت في يوم من الأيام، فإن هذا واجب لا يسقطه شيء ما دام أولئك الكفرة جاثمين على صدر البلاد والعباد.! إلا العجز، وإذا سقط للعجز بقي واجب الإعداد بمعانيه.

6- وعليه؛ فإن على المسلمين أن يتراحموا ويتواصوا بالحق ويتواصوا بالصبر، ويتعاذروا فيما بينهم، وتتسع صدور بعضهم لاجتهادات بعض، ويتناصحوا ويتعاونوا فيما يمكن.. ويحترموا التخصص واختلاف أنواع المواهب والقدرات لدى الخلق.

7- وهنا مسألة مهمة تتعلق بالتخصص واختلاف المواهب والقدرات.. وهي أنه لا حرج على إنسان أن يقول: أنا أتخصص في العلم والتأليف وإصلاح المكتبة الإسلامية وتنقيتها مما شابها من فساد التصورات والفكر، وأربّي الناس عليه «التصفية والتربية»، وهذا الذي أقدر عليه والذي فُتِح لي فيه، وآخر يقول: أنا أتخصص في الدعوة إلى الله في المساجد وغيرها والدعوة إلى الالتزام بالدين على العموم والرجوع إلى المسجد والصلاة وكذا وكذا -الدعوة والتبليغ مثلا- وأترك الآن الدخول في مسائل سياسية ومشاكل اجتماعية عميقة وصعبة ولا نقدر على معاناتها، وآخر يقول: أنا أتخصص في إصلاح الفكر السياسي والاجتماعي ويترخّص في الدخول في بعض المضايق الشرعية كدخول البرلمانات في دولنا الطاغوتية ونحو ذلك -على التسليم باجتهاده-، وآخر يقول: أنا أتخصص في كذا وكذا.. فهذه التخصصات لا بأس بها حين تكون من اختلاف التنوع، وأن يختار الإنسان منها ما يقدر عليه ويُحسِنه منها، وما فُتِح عليه فيه، لأنه هو الذي يقدر على عمله وإجادته وهو العمل الذي يُحسنه، وما أداه إليه اجتهاده أنه الأنسب للإصلاح.. هذا الحد جيد لا بأس به.

وعليه -من تمام ذلك- أن يُسلّم للناس فيما يحسنون هم أيضا وفيما يجتهدون، وفيما يقدرون عليه وما فتح عليهم فيه من أبواب الخير.

لكن هذه التخصصات والاختلافات تكون شرّا وفسادًا عندما تكون من اختلاف التضادّ.

بمعنى أن أهلها لا يقبلون اجتماعها، بل كل أهل اختصاص وطريقة يرون أن الحق هو طريقتهم وما يحسنونهم هم ويفعلونه، وينصبون العداء للآخرين الذين لم يختاروا طريقتهم، ولا يسلّمون لأحدٍ، إلا من اتبع طريقتهم فقط!! وقد يصل الحال ببعضهم إلى أن ينحاز إلى العدوّ -الحاكم الكافر المرتد مثلا- ضدًّا لإخوانه بسبب اختلافه معهم ومحبّته لانتصار طريقته وسلامته وسلامة مشاريعه! وهذا والعياذ بالله من أنواع الخذلان والضلال المبين، وهذا من أشد ما رأيت من الزلات والفتن لأصحاب الدعوات، نسأل الله برحمته أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

فهذا هو الشرّ والوبال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ص 948

والخلاصة: أن الواجب على أهل الإسلام أن يتكاملوا ويتعاونوا ويتعاضدوا وتتظافر جهودهم وأعمالهم على تحقيق الخير لهم في الدارين، فهذا مجاهد في ميدان الجهاد أي القتال، وهذا مرابط في ميدان العلم والتدريس والدعوة والتربية، وهذا وهذا.. والكل إخوة متحابون متعاونون محافظون على الحقوق والإخاء.

وحيث يوجد الاختلاف في الرأي والاختيار في المكان الواحد والوقت الواحد، فليكن الحرصُ على ائتلاف المسلمين ووحدة صفّهم وإن على الرأي المرجوح، ليكن هو السبيل، والبُعد عن الخلاف فإنه شرّ، ثم إن وقع ما هو أشدّ من قضاء الله فليكن التمسّك بثوابت الدين ومحكماته نصب أعين الجميع: الولاء الإيمانيّ، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه، وتحقيق العدل والقسط، مع استمرار التباحث والتناصح والتذاكر بين المسلمين في شأنهم.. والموفق من وفّقه الله.

وليعلم الجميع أن الله تعالى ابتلانا بهذا الاختلاف، وأنه مرادٌ لله تعالى قضاءً وقدرًا لحكمٍ بالغةٍ، أهمها الابتلاء والاختبار، وإظهار درجات الناس في المجاهدة والبحث عن الحق واتباعه في مخالفة أهواءهم، وتمايز درجات العباد في ذلك، والتفريق بينهم على أساس الدين في الدارين.. إلى غير ذلك من الحكم العظيمة لمن تأملها، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ﴾ [الأنعام: ٥٣]، ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ﴾ [الفرقان: ٢٠]، ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وهذا المعنى كثير في القرآن والسنة.

والعصمة في الالتجاء إلى الله وحده، والتوكل عليه، وتحقيق التوحيد له ﷻ، والعدل والإحسان، وأن يكون هوى الإنسان تبعا للشرع المطهر، والنظر إلى اليوم الآخر وجعله هو رأسَ المال، وذلك هو الزهد واليقين، وتقديم مصلحة اجتماع المسلمين وائتلافهم، والتشاور وردّ الأمر إلى أهله في كل شيء بحسبه، واجتناب الشذوذ والفُرقة حيث كان الأمر من موارد الاجتهاد، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩ وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١﴾ [النازعات]، والله أعلم.

والموضوع كما قلت كبير وواسع، وفيه فروع وتفاصيل تطول.

ص 949

وأما القول بأن طريق القوة واستخدام الجهاد المسلح باءت بالفشل -يعني ضدّ الحكومات المرتدة المسيطرة على كثير من بلاد المسلمين- فإن هذا ليس على إطلاقه، ولا ينبغي هذا الإطلاق!! بل هو مزلّة وخطأ، لأنه يشبه المعارضة لحكم الشرع؛ فإن الخروج على الحاكم إذا كفر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، ومنابذته بالسلاح والقوة هو حكم شرعيّ متقرر مجمع عليه، وإنما يحصل الاختلاف بين الناس في تقدير الواقع وتحقيق المناط، وهل امتلكنا القدرة على ذلك في البلد المعيّن أو لا؟ ونحو ذلك..

صحيحٌ أن الكثير من التجارب في التاريخ فشلتْ، بل أكثر تجارب الخروج على الدول ومحاولات التغيير المسلح والثورات في تاريخ الأمم كلها كافرها ومسلمها فاشلة، والقليلُ منها هو الذي نجح، فإن الدول راسخة كما قال علماء التاريخ والاجتماع، ومن الصعوبة بمكانٍ نقضها وإزالتها، ولكن هذا لا يقتضي إطلاق القول بأن طريق الخروج المسلح فاشل، والتنفير مطلقا من هذا الطريق أو تحريمه والمنع منه؛ بل ما يقتضيه ذلك هو مزيد الاحتياط والحذر في التقدير والتثبّت في الأمر وعدم التسرّع، ومعرفة أن الأمر ليس بالهيّن السهل، وأنه يتطلب من الاستعدادات ما يناسبه، وهذا مهمّ للعقلاء والسادة النبلاء.!

والحق دائما في العدل والقسط وهو وسط بين طرفي الإفراط والتفريط.

والله أعلم وأحكم، وهو وحده ولي التوفيق، لا إله غيره ولا ربّ سواه.

❖❖❖