[حكم الدعاء للطواغيت واللين معهم من أجل إزالة منكر، وضابط ذلك، والرد على من زعم أن محاربة المجاهدين والمسلمين ليست ناقضا للإسلام، وحكم إضراب الأسرى في السجون]

(1) ما حكم مخاطبة الطواغيت والحكام والدعاء لهم، وأحيانًا يُــذم أعداءهم من المجاهديـن.. كل هذا لأجل إزالة منكر، فإن كان ذلك يجوز فما هو الضابط في ذلك؟.

(2) ما هو ردكم على من يرى أن ما يحصل بيـن أمريكا والحكومات العربية من تعاون في محاربة «الإرهاب» ومحاربة أهله «المجاهديـن».. لا يُعد ناقضًا؟ ويحتج بأن هذا فُرضَ عليـنا بالقوة.. ونداهنهم ليسلم الشعب من الحرب ويقول «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»!!؟.

(4) دار نقاش حول مسألة إضـراب الأسـرى في سجون الصليب وأذنابهم.. ومدى شـرعية ذلك.. وماذا يستفيد الأسـرى من الإضـراب؛ حيث أن في ذلك تخفيفًا على العدو في مسألة الإعانة والمعيشة.. وهل من أضـرب وتوفي نتيجة إضـرابه يُعد منتحرًا؟

[السائل: لويس الحريري]

ص 464

الجواب:

وفقك الله وثبتنا وإياك على الحق.

جواب س1: ذكرنا الجواب على شبيهٍ بهذا في أجوبة سابقة..

مخاطبة الطواغيت لفظ مجمل، فنحن نفصل: مخاطبتهم بالدعوة إلى التوحيد والتوبة إلى الله تعالى والتزام شـرعه وتحكيمه هذا مشـروع بل مطلوبٌ، ومخاطبتهم بما فيه الثناء عليهم وعلى حكمهم وولايتهم ومدحهم أو الدعاء لهم بما يُدعى به للمسلم خاصةً كالدعاء بالنصـر والحفظ، لا يجوز بل هو كفرٌ والعياذ بالله، ومخاطبتهم على أوجهٍ أخرى بحسبها، يـنظر في كل حالة.. فلو احتاج بعض المسلميـن أحيانا لمخاطبتهم بما لا محذور فيه من الخطاب المباح أو باستعمال المعاريض من أجل استحصال حق معتبر، أو التخفيف من شـر ومفسدة، ولا سيما إن كانت المصلحة المرجو تحقيقها أو المفسدة المراد إزالتها عامة (تتعلق بعموم المسلميـن) ولا سيما مع أحوال الاستضعاف، فنرجو أنه لا بأس به، المضطر الخائف من ضـرر محقق منهم يتقيهم بما رخّص الله من التقية، وتقدر الضـرورة بقدرها، وليس شـيء كالسلامة وطلب العافية والبُــعد عن هؤلاء الطواغيت، نسأل الله أن يعافيـنا وإياكم.

جواب س2: ردي على هذه الدعوى الكاذبة والحجة الداحضة أن هذا هو نفس فعل المنافقيـن النفاق الأكبر الذي حكاه الله عنهم في قوله: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣﴾ [المائدة].

فهذه دعوى كاذبة من أساسها يعرف كل عاقل منصفٍ كذبهم فيها، وإنما مرادهم التعلل والتلبيس والتظاهر بمراعاة مصلحة الشعب والشفقة عليهم، وإنما الحق الذي لا يعمى عنه إلا أعمى البصـيرة ميِّـت القلب هو أنهم إنما يفعلون ذلك حفاظا على كراسـيهم وليبقى لهم ملكهم وسلطانهم، وأنهم لا يهمهم الشعب ولا مصلحة أحدٍ ولا يبالون بديـن ولا آخرة، بل إذا سلِـم لهم ملكهم ورياستهم.. فلا بكاء على الديـن ولا على شعب ولا آخرة، وسائر أحوالهم شاهدة بذلك أتم شهادة وأقواها وأحكمها، والذي يشك في هذا ويظن غيره، هو من أغبى الخلق، نسأل الله العافية والسلامة، ونعوذ بالله من الخذلان.

ص 465

ثم لو فرض أنهم صادقون في هذه الدعوى.. فإن ذلك لا يجوز لهم بل هو مخالف لديـن الله وشـرعه المجمع عليه؛ فلا يجوز لهم أن يتحالفوا مع الكفار الصليبييـن الذيـن يشنون على ديـننا وأمتنا حملة صليبية واضحة ويعاونوهم ويساعدوهم بأنواع المساعدات ويظاهروهم على المسلميـن المجاهديـن في سبيل الله تعالى المحاربيـن لأولئك النصارى عباد الصليب، ويظاهروهم على المسلميـن المستضعفيـن المعصوميـن في بلدان المسلميـن الأخرى فيقتلوا الآلاف من المسلميـن ويحتلوا أرضهم وديارهم ويرفعوا فيها الصلبان وأعلام الكفر ويستحلوا فيها محارم الله ويـنتهكوا أعراض المسلمات كما هو حاصل أمام مرأى جميع العالم في العراق وفي أفغانستان وغيرها، فكيف يكون حفاظهم على دولتهم وشعبهم -زعموا- عذارًا لهم في ارتكاب تلك الأفعال الشنيعة التي هي كفرٌ بالإجماع المتقرر المسلّم، حتى لقد نقل الإجماع على أنه كفرٌ -بل على أقل منه بمراحل- كبراءُ علمائهم أيام العافية! فهذا ليس عذرا بحالٍ من الأحوال ولا يقول ذلك عالمٌ موثوق يخشـى الله، وإنما يقوله بعض المفتونيـن الزائغيـن من علماء السلطان كفى الله المسلميـن شـرهم وأراح الله المسلميـن منهم.. آميـن.

كيف وهذه المصلحة التي يتعللون بها متوهّــمة، في مقابل المفسدة الكبيرة الديـنية والدنيوية المتحققة الواقعة، وكيف ضمنوا أو رجَـوا أن يسلموا هم وشعبهم من الحرب إذا انتصـر الكفارُ الصليبيون على جيرانهم ومَن يُـفترَضُ أنهم إخوانهم في العراق وأفغانستان؟ كيف وجميع العقلاء مقرون بأن أهل الصليب لو فرغوا من أفغانستان والعراق واطمأنوا فيهما بسهولة ويسـر مزمعون لا محالة على التوجه إلى ما بعدها ثم ما بعدها، ولا يشك عاقل في ذلك، اللهم إلا سفسطيٌّ متزندق!! ولولا أن الله هيأ برحمته ولطفه من عباده الصالحيـن الأخيار مَن اجتباهم لهذه الكرامة والمنقبة العظيمة ونيل ثواب هذا المقام الجليل ليقفوا في وجه هذا المد الصليبي ويصفعوه على وجهه المهترئ ليردّوه خائبا خسـيرا حقيرًا، جزاهم الله عنا وعن الإسلام والمسلميـن خيرا كثيرا، لأوشك أن يقع المحذور..!

ص 466

وقولهم: «نداهنهم» نقول: ليت الأمر كان مقتصـرًا على مداهنة هي من قبيل المعاصـي إذن لهان الخطب، بل هو الكفر البواح الصـراح المجمع عليه.! وهل مثل هؤلاء الخونة البائعيـن ديـنهم بمرضاة النصارى إلا ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ﴾ [الحشـر: 16]، وكالذي يتقرّب إلى عدوّه المتربّص به بأنواع القربات رجاء أن يرضـى عنه، وهو غيرُ راضٍ بحالٍ بل يطلب المزيد كل يوم، فمهما ركع له طلب السجود وطول القنوت!!. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 120].

وقولهم: إن هذا فرض عليهم بالقوة، فنقول: قاتلكم الله يا مجرمون يا أعداء الله، ومَن الذي فرضه عليكم، وأنتم تملكون البلاد و«العباد» وفضول الأموال العظيمة، وبإمكانكم بل هو فرض عليكم أن تطيعوا الله وتعلنوا الجهاد على الصليبييـن وتكونوا مع شعوبكم المسلمة، فلو فعلتم مَن ذا يستطيع أن يفرض عليكم شـيئا؟! وليكن أنهم فرضوا عليكم وخوّفوكم وهددوكم فأيـن نخوتكم ونجدتكم وشجاعتكم وجهادكم وأيـن شهامة العرب حتى الجاهلييـن والذكور الغيوريـن؟! لولا استمراؤكم للخيانة التي نشأتم عليها وتربّيتم على لبانها وترعرعتم في أحضانها!! ولولا موتكم الحقيقي ديـنا وأخلاقا وفضائلَ وانقطاع الرجاء منكم يا أشباه الرجال ولا رجال، يا مخنثي العزائم.!!

[البحر: البسيط]

[البحر: البسيط]

أَلَا طِعَانَ ألا فُرْسَانَ عَادِيَةٍ 

إَلَّا تَجَشُّؤُكُم حَوْلَ التَّنَانِيرِ٢٨٧قاله: حسان بن ثابت h، انظر: ديوان حسان بن ثابت (1/ 219) قصيدة رقم: 101.

نسأل الله أن يفرج كرب الأمة المكروبة بكم.. آميـن.

أما نحن.. فإننا منكم بُرآء، ولكم عدوّ قد بدت منا لكم ﴿ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: ٤]، وتتركوا طاعة النصارى وتقطعوا مودتهم، وترجعوا إلى ديـن الله ﷻ وتحكموه في كل صغير وكبير.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

فَوَحَقِّ حِكْمَتِكَ الَّتِي آتَيْتَنِي 

حَتَّى شَدَدْتُ بِنُورِهَا أَرْكَانِي٢٨٨قاله: القحطاني الأندلسي المالكي صاحب النونية، انظر: نونية القحطاني (بيت: 23).

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

لَأُجَاهِدَنَّ عِدَاكَ مَا أَبْقَيْتَنِي 

وَلَأَجْعَلَنَّ قِتَالَهُمْ دَيْدَانِي٢٨٩قاله: ابن القيم، انظر: نونية ابن القيم؛ الكافية الشافية (ص 167).

وحسبنا الله ونعم الوكيل.!

ص 467

جواب س4: إضـراب المسجونيـن (أي عن الطعام والشـراب في السجون) إذا رأوا أنه يحقق لهم مصلحة إصلاح أحوالهم بالضغط على الأعداء السجّـانيـن فيخففوا عنهم بعض القيود ويمكنوهم من بعض ما يريدون من المصالح ويحسّنوا لهم ظروف المعيشة ونحو ذلك، فلا بأس به بشـرط ألا يؤدي إلى الوفاة أو ضـررٍ كبير متلفٍ.

والغالب أن المضـربَ عن الطعام يمكنه أن يحتال بعضَ الاحتيال.

وكون الإضـراب فيه تخفيف على العدو في الإعانة والمعيشة، فهذا لا اعتبار له في جانب ما يرجوه المسجونون عادة من إصلاح أحوالهم وتحسـيـن ظروفهم وحمل العدو على فعل أشـياء أو الامتناع عن أشـياء أخرى فيها للمسجونيـن صلاح ديـني ودنيويٍّ.

والذي سمعناه من الإخوة الذيـن كان لهم تجربة ابتلاء بالسجن أن الإضـرابات هذه من أشد الوسائل للضغط على العدو في السجن من أجل تحسـيـن أوضاع المسجونيـن، لكن لا بد من التنبيه إلى أن هذا إنما هو في سجون البلاد المسماة بالديمقراطية، والتي تهتم بمبادئ حقوق الإنسان والحريات وما شابه ذلك من المبادئ والدعاوى، وتحرص على سمعتها الحقوقية، والظهور بمظهر الإنسانية، وتخاف من محاسبة شعبية وبرلمانية وحقوقية مدنية وصحافية ونحو ذلك، وأما في بلاد مثل بلادنا الطاغوتية البوليسـية المحضة، فقد لا يجدي هذا.!

فهذا إذن تختلف جدواه وفائدته باختلاف الأحوال. ألا لعنة الله على الظالميـن..!

أما الذي يضـربُ عن الطعام حتى يموتَ فنخشـى أن يكون منتحرًا، نعم.!

نسأل الله لنا ولكم ولسائر الإخوان العافية والمعافاة الدائمة.

•••