۞ في الجزائر ثم العودة لأفغانستان قبل الحادي عشر من سبتمبر:
في عامِ 1415 الموافق 1995م -وبتوجيهٍ مّنَ الشّـيخِ الإمامِ أسامةَ بنِ لادنَ رحمه الله- توجّهَ «عطيّةُ» رحمه الله للمشاركةِ في قيادةِ الجهادِ في الجزائرِ؛ حيثُ مكثَ فيها ثلاثَ سنواتٍ كاملةٍ، إلّا أنّهُ مرَّ بتجربةٍ مريرةٍ فيها، حتّى خرجَ منها نافذًا بجلده -كما ذكر رحمه الله في لقائهِ بشبكةِ «الحسبةِ» و«التَّجربةِ الجزائريّةِ» وفي مواضعَ أخرى تجدها في «الـمجموعِ» - بعدما كادَ أن يتعرّضَ للقتلِ منْ الغلاةِ؛ لكنّهُ نفذَ بجلدهِ.
وبعدها -في حدود 1420الموافق 2000م- يمّمَ وجههُ تجاهَ أفغانستانَ الفخارِ -مرّةً أخرى- مع قيامِ إمارةِ «طالبانَ» الإسلاميّةَ فيها، وعملَ مدرّسًا في «المدرسةِ العربيّةِ في كابلَ» حتّى كانَ وعدُ اللّهِ بنصـر المجاهدينَ المباركِ في غزواتِ الثّلاثاء الأغرِّ 23/ 6/ 1422، الـموافق 11/ 9/ 2001م..
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني: «ذهب الشيخ عطيّة الله الليبي إلى الجزائر في رحلة طويلة جدًّا استغرقت عدة سنوات؛ كاد أن يُقتل خلالها من قبل غُلاةِ الجماعة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر؛ الذين كادوا أن يقتلوه أكثر من مرَّة.
بقي معهم فترة من الزمن ولما أحسَّ بما يُضمرون له من الشرّ، حتى على ما أذكر أنه حكَى لي بعد ذلك أنه قابل مرّة عنتر الزوابري فهدَّده تهديدًا فَهم منه أن عليه أن يبحث عن مخرج، وأن يتخلَّص من الوضع الذي هو فيه؛ فاضطرَّ للجوء إلى إحدى الجماعات الإسلامية الأخرى المناوئة للجماعة الإسلامية المسلَّحة في ذلك الوقت.
انقطع تواصلنا مع الشيخ عطيّة الله من سنة 1995 إلى سنة 1999 تقريبًا؛ فهذه الفترة تقريبًا قضاها منقطعا عن الاتصال بنا في القاعدة ولا ندري عنه شيئًا قبل سنة 1999م، حتى استطاع بفضل الله عز وجل، وبمساعدة بعض الإخوة الآخرين أن يخرج من الجزائر، وجاءنا في أفغانستان على ما أذكر إما سنة 1999م أو بداية سنة 2000م.
لما جاء حكَى لنا المآسي والجرائم التي كان يرتكبها الغلاة المجرمون باسم الجهاد والمجاهدين؛ فقد كانوا يقتلون الأطفال ويقتلون النساء ويقتلون من لا علاقة له بالحكومة، بل كانوا يذبحون المجاهدين الذين يخالفونهم وجهة النظر أحيانًا، وفي الحقيقة كانت هذه أوَّلُ شهادة أسمعها مباشرة ممن أثق به عن حالة الغلوِّ والإجرام الذي كان يُرتكب باسم الجهاد والمجاهدين في الجزائر، وعلى كلٍّ فشهادة الشيخ عطيَّة على إجرام الغلاة في الجزائر موثّقة وموجودة على الإنترنت، ويمكن الرجوع إليها.
لـمَّا جاء الشيخ عطيَّة الله إلى أفغانستان جاءني في البيت، حيث إنه في الحقيقة كانت تربطني به أكثر من رابطة وعلاقة؛ تربطني به رابطة التنظيم في ذلك الوقت، ولكن ما كان يجمعنا كان أقوى وأرسخ من علاقة التنظيم؛ فقد كان هناك تشابه وتطابق في وجهات النظر لكثير من الأمور؛ سواء تعلّقت بالسّاحة الجهادية أو تعلّقت بساحة العمل الإسلامي بصورة عامة، وكانت بيننا قواسم مشتركة في هذا المجال نادر أن تجدها مشتركةً بين أكثر العناصر الموجودة في السّاحة من طلّاب العلم.
من تلك الأمور مثلًا رؤيتنا لبعض ما كان يشيع في السّاحة الجهادية في ذلك الوقت من كتابات بعض طلّاب العلم وبعض أهل العلم، وكانت كتابات معتمدة بل كانت حقيقة تكاد تكون مقدّسة عند كثير من عناصر التيّار الجهادي بينما كنّا نحن ننظر إليها نظرةً أخرى ونرى أن فيها غلوًّا مُمنهجًا ومُؤصَّلًا، وسوف تكون له نتائج خطيرة في المستقبل، وكان من نتائج ذلك بعض ما حصل في السّاحة الجهادية في الجزائر.
وكان من الأفكار الموجودة مثلًا في الساحة أن كل حاكم كفر بمجرِّد الحكم بكفره؛ فيجب الخروج عليه مباشرة دون النظر إلى عواقب الأمور، ودون النظر إلى توفِّر الشروط والمقوِّمات، ودون النظر إلى المآلات، ودون النظر إلى الظروف المحيطة.. وهذا كان كلامًا غير صحيح وغيرَ منضبط، وكان هذا الأمر من الأمور التي أتَّفق -أنا والشيخ عطيَّة- على أنه أوقع أضرارً كبيرة بالجهاد والمجاهدين في تجارب متعدِّدة حصلت في سوريا من قبل سنة 1982، وحصلت في مصر بعد ذلك سواء على أيدي جماعة الجهاد أو الجماعة الإسلامية، وتكرَّرت في أكثر من موقع.
وحتى لما كنَّا نتكلّم فيما بيننا مع الشيخ عطيَّة في هذا الموضوع كان يقول لي: حتى الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية الآن بعد تجربتها الطويلة لعدَّة سنوات في قتال القذافي وصلت إلى هذه القناعة بالضبط؛ حتى على ما أذكر كان يقول لي: إنها تفكِّر في تغيير اسمها في ذلك الوقت حتى تنزع منه صفة المقاتلة؛ لأنهم وصلوا إلى أن قتال النظام بهذه المقوِّمات البسيطة وعدم توفِّر العَدد والعُدد وشروط ومقوّمات الجهاد هي عملية خاطئة.
ومن الأفكار التي كنّا نتّفق فيها أن ساحة الجهاد على أهميتها هي مجرَّد ساحة من ساحات العمل الإسلامي الكثيرة جدًّا؛ يعني هنالك ساحة الدعوة، وهنالك ساحة العمل الخيري، وهنالك ساحة طلب العلم، وساحات كثيرة جدًّا لعمل الخير.. فقد كانت الأفكار المنتشرة في الساحة الجهادية أن كل عمل غير الجهاد هو عبث، وهو تضليل، وهو قعود، وهو عمل لا يفيد الإسلام والمسلمين في شيء، وكان الشيخ عطيَّة يرى معي أن هنالك ساحات إسلامية فيها عمل هو حقيقة مفيد للإسلام والمسلمين.
ومن الأمور التي كنت أتّفِقُ فيها مع الشيخ عطية أيضًا: قضيَّة الموقف من بعض البدع التي كانت موجودة في أفغانستان أيام حكم طالبان؛ فقد ظهر عندنا بعض الغلاة الذين كانوا يكفّرون حركة طالبان لوجود هذه البدع ووجود بعض العناصر من حركة طالبان كان عندهم بعض التصوّف أو عندهم بعض البدع؛ فكنا أنا والشيخ عطيّة ومجموعة من طلاب العلم أيضًا الموجودين في الساحة؛ كنّا نرى أن هذه الاستثناءات الموجودة في ساحة أفغانستان هي حقيقة لا تغيّر من الأصل الموجود، وهو أن هذه إمارة إسلامية تحكمها حركة تريد تطبيق الشريعة وتجاهد في سبيل الله، وتُؤوي المجاهدين وتنصرهم، وأن هذه الأخطاء تُصلَح على مرّ الزمن وتُصلَح بالدعوة والتصحيح من الداخل.
ومن المسائل التي كنّا نتّفق فيها أيضًا: الموقف من بعض الآراء والاجتهادات للدكتور الفاضل عبد القادر بن عبد العزيز التي وردت في كتابيه (العمدة) و(الجامع في طلب العلم)، وكنَّا نرى أن فيه أفكارًا غايةً في الغلوّ في باب التكفير وباب الحكم على المخالف».
قال الشيخ أبو حفص متابعًا: «ولمَّا جاء الشيخ عطيّة الله الليبي بعد رحلته الطويلة في الجزائر جاء بأطفاله وأسرته نزل عندنا وبقي معنا أيامًا في قندهار معي في البيت، وكنت في ذلك الوقت أُؤَسِّس -أو كان تأسَّس بالفعل-: «معهد العلوم الإسلامية والعربية في قندهار»؛ فكنت استشرته في بعض الأمور التي نريد أن نؤسِّس المعهد من أجلها، وبعض الأمور التي نريد أن نساهم في إصلاح الساحة الجهادية بها، وكانت -حقيقةً- آراؤه وأفكاره مشجِّعة وكانت حقيقة ساهمت في إنجاز بعض ما تمَّ إنجازه من مشاريع في هذا المجال سواءً عن طريق المعهد أو غيره.
وهنا أنوه إلى أن معظم المشايخ الشناقطة أو الموريتانيين الذين كانوا في معهد قندهار أو قل كلّهم لم يكونوا منضمّين للقاعدة، وإنما كانوا متعاقدين مع المعهد ويدرّسون علومًا شرعية ويدرّسون لغة عربية ويدرّسون أصول الفقه ويدرّسون مواد مختلفة، ومنهم الشيخ أبو يوسف الموريتاني، ومنهم أبو الحسن الشنقيطي، ومنهم الشيخ أبو سلمان الموريتاني أيضًا، ومنهم إخوة آخرون، كل هؤلاء ما كانوا مبايعين للقاعدة وأنا كنت متعاقدًا معهم من بلادهم باسم المعهد وليس باسم تنظيم القاعدة، وكان في ذلك خير».
وتُلخص زوجة الشيخِ تفاصيلَ ما جرى في مرحلة الخروج من موريتانيا ثمَّ الذهاب منها للجزائر حتى وصولهم لأفغانستان، وهي تفاصيل مهمة لم تُنشر من قبلُ عن حياة الشيخ الجهادية؛ فتقول:
«بعد تسعة أشهر من وصولنا مهاجرين إلى موريتانيا بدأتِ الحكومة الموريتانية تطارد الإخوة وتبحث عنهم، وبعدها اجتمعنا نحن وعوائل المهاجرين كلنا في بيت واحد، وبعدها بأسبوع رجعت للجزائر، وتركت زوجي والإخوة في البيت، وبعدها هاجمت الشرطة الموريتانية البيت واعتقلت كل الإخوة والأخوات؛ بما فيهم الشيخ أبو يحيى الليبي وزوجته، واعتُقل كذلك زوجي الشيخ عطية، ولكن في طريقهم إلى السجن هرب زوجي وبعض الإخوة معه من الشرطة، وبعدها اتجهوا إلى السنغال، وبعدها إلى السودان، وبعدها رجعوا للجزائر..
ولما رجع كنت بعدها بيوم قد أنجبت ولدي الأول عبد الرحمن.. وبقينا في الجزائر إلى أن أراد زوجي الرجوع إلى موريتانيا للعمل في الأسواق؛ حتى نستطيع السفر بولدنا عبد الرحمن، وأثناء سفرنا عبر المطار قُبِض عليه في المطار، وبقي عند مكتب التحقيقات حوالي أسبوع، وبفضل الله استطاع الفرار منهم، وبعدها التحق بالجماعة الجهادية في الجزائر، وبعدها أرسل لي رسالة وأخبرني أنه في الجزائر لم يسافر، وكنت أزوره من الحين إلى الآخر، وأثناء تلك الفترة رُزِقنا بمولودنا إبراهيم رحمه الله، وبعد أسبوع من ولادة إبراهيم؛ أخذته عند والده ففرح به كثيرا.
وبدأت الأوضاع تصعب علينا في الجزائر، وهذه الفترة كانت آخر مرة نذهب لزيارة زوجي رحمه الله، وبعدها انقطع عنا ولا ندري أهو حي أو ميت، حيثُ مرت أربع سنوات لا ندري ولا نعلم أي شيء عن زوجي (1994 - 1998م)، وفي تلك السنوات سُجنتُ أكثر من مرة وأخذوا مني جوازي، والحمد لله الذي نجانا منهم.
وفي هذه السنوات بدأت «الجيا» التكفيريون في الجزائر بقتل الإخوة المجاهدين، والهجوم على المناطق التي كانت تؤوي الأخوة.
وبعد هذه الفترة صارت هدنة بين الإخوة المجاهدين والحكومة الجزائرية، وبعد مرور أربع سنوات صعبة ظهر زوجي، وأتت به الاستخبارات الجزائرية ومعه سلاحه، وكانت المفاجأة عندي أنه لم يزل حيا؛ ففرحت كثيرا وحمدت الله على سلامته وأن رده عليَّ بعد أربع سنوات؛ حيثُ أتت به الاستخبارات زيارة عندنا في بيت أهلي لمدة ساعتين فقط، وبعدها جاءت الاستخبارات وأخذته وقالوا لي: اذهبي عنده، وفِعلا وبعدما رجع زوجي للجبال ذهبت بعده بساعتين الى الجبال، وعشنا هناك في الجبال شهرًا كاملًا، وكنا نرتب أنفسنا للخروج من الجزائر.
وبعد التجهيز والترتيب للسفر؛ حان موعد السفر فخرجت بجواز آخر، وسافرنا من المطار ولله الحمد، وكانت هذه الهجرة الثانية لي، وكان ذلك في سنة 1998م وكانت الوجهة إلى المغرب، ولما دخلنا إلى المغرب في المطار ختموا لي جوازي، ولكنَّ زوجي رحمه الله شكوا فيه وبدؤوا يفحصون في الجواز، وكان معنا ولدي الصغير «إبراهيم» فقال لي زوجي: اقرصيه؛ حتى يصرخ ويتركونا نمر، وبالفعل بدأ إبراهيم يصرخ وختم له الجواز وخرجنا، ومكثنا في المغرب شهرا كاملًا.
وبعدها هاجرنا إلى الأردن ومكثنا فيها سبعة أشهر، وكان لنا فيها مواقف، ومنها سجن زوجي، وهذا لما كنا في طريقنا إلى تركيا؛ حيثُ أخذوه مِن أمامنا وكبلوا يديه بالأصفاد، وبعدها رجعت إلى الإخوة الذين كانوا معنا في الأردن، وكانوا كلهم ليبيون ومنهم الشيخ أبو محمد الفقيه، وقد مكث زوجي في السجن بالأردن خمسة عشر يومًا، وبعدها أطلقوا سراحه وطلبوا منا الخروج خلال يومين من الأردن وأن ندفع مبلغًا من المال.
وفي الأردن التقيت ببعض الأخوات الفضليات، وكانت الحياة فيها صعبة جدا، وكذلك بعد سجن زوجي سكنا في منطقة الزرقاء مدينة الشيخ أبي مصعب الزرقاوي، وكان لنا لقاءات وزيارات للشيخ أبي مصعب الزرقاوي تقبله الله.
ثمَّ خرجنا من الأردن واتجهنا إلى تركيا قاصدين الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وأثناء الطريق أكرمني الله بلقاء ببعض الأخوات المهاجرات، وبعد وصولنا إلى تركيا كانت الحياة جيدة في البداية ورزقنا الله بمولودنا «عصام» تقبله الله، وعزمنا الإخوة على عشاء بمناسبة المولود الجديد، وفي تلك الليلة قامت الحكومة التركية باعتقال الإخوة الذين كانوا عندنا، وبعدها غيرنا البيت وذهبنا لبيت آخر ومنه بدأنا نرتب للخروج من تركيا إلى إيران، وهذه المرة كانت الهجرة برًّا وليس عبر الطائرة.
وخرجنا من تركيا في سنة 1999م ودخلنا إلى إيران ومكثنا فيها شهرًا، وبعدها ذهبنا إلى باكستان وسكنَّا في منطقة كراتشي لمدة سنة، وبعدها دخلنا إلى أفغانستان، وهكذا في كل بلد نتعلم منه ونتعرف على ثقافات وعادات الشعوب، ولولا الهجرة ما عرفنا ذلك؛ رغم أنه فيها مخاطرة، ولكن فيها متعة وسعادة وراحة نفسية رغم الصعاب ورغم الحياة البسيطة.
وبعدها وصلنا إلى أفغانستان، وكانت أول محطة لنا: قندهار؛ حيثُ جلسنا فيها خمسة عشر يوما، وبعدها انتقلنا للعيش في كابل وكانت جميلة وجوها جميل، ويكفي أننا نعيش في ظل خلافة إسلامية وربنا يعلم أحببتها كثيرا وأحسست بالراحة فيها، وكان أولادنا يدرسون في مدرسة للأولاد وأخرى للبنات، والحمد لله قضينا فيها ما شاء الله وحملت فيها ابني «مجاهد».
وبعدها كانت الغزوة المباركة على برج التجارة واضطررنا أن نخرج من كابل إلى قندهار، واستقرَّ بنا المقام في هلمند، وفيها أنجبت ولدي الرابع وكانت أيامًا صعبة والقصف فيها قويا؛ فاستشهد بسببه كثيرٌ من خيرة الأخوة، وبعدها قرر الإخوة أن يُخرجوا كل العوائل، وخرجنا فِعلا، وكان ذلك صعبا علينا وعلى أولادنا الذينَ أحبوا هذا البلد الطيب الذي قضوا فيه أجمل الأيام.. ويكفي أننا كنا نعيش في عزة وكرامة وحُرية، ونسأل الله أن يعيدها وأن ينصر المجاهدين في كل مكان».