الموالاة وَالمعاداة
[محاضرة صوتية، ضمن «دورة الأنصار الشرعية»، مدتها ثلاثة وأربعون دقيقة، نشرها: بعض المجاهدين، وقام بتفريغها١٬٢٧٣بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى فصيحة مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله. «مؤسسة التحايا للإعلام»، نُشـرت مطلع عام 1435]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
نريد أن نتحدث الآن في هذه الحلقة عن موضوع آخر مهم، وله تعلق بمسألة الكفر والإيمان والردة، وما تحدثنا عنه سابقًا من التوحيد وضده وهو موضوع «الموالاة والمعاداة»، وقد يعبرون عنه بـ«الولاء والبراء»، هو تعبير عن شيء واحد.
معلوم أن الله عز وجل خلقنا من أجل عبادته وحده لا شريك له وأوجدنا في دار الدنيا، دار العبادة؛ لكي نعبده، ابتلانا وامتحننا بهذه العبادة وما فيها من الامتحانات، هل ننجح في عبادته وطاعته ونسير على صراطه المستقيم أو لا ننجح -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الناجحين-.
ومن رحمته عز وجل ولطفه أنه أرسل لنا الرسل وأنزل لنا الكتب يُعرِّفوننا بالله ﷻ ويبينون لنا مراد الله كيف نعبده، أَمْرُ الله لنا بعبادته وحده لا شريك له، وكيف نعبده؟ تفاصيل العبادة الأوامر والنواهي والتكليفات، فبلَّغ الرسل -جزاهم الله عنا خير الجزاء- الأمانة، وأدوا الرسالة، صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
وعندما أرسل الله عز وجل الرسل افترق الناس واختلفوا كما قال الله عز وجل: ﴿فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ [البقرة] لما أنزل الله الرسل كما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [البقرة: ٢١٣] والمفسرون لهم قولان: أمةً واحدة على الكفر، أم أمةً واحدة على التوحيد؟ والأصح هو الذي ثبت عن ابن عباس في تفسيرها أنها «أمةً واحدة على التوحيد؛ كان الناس أمة واحدة من لدن آدم على التوحيد إلى أن وقع الكفر والشرك في قوم نوح» ١٬٢٧٤انظر: تفسير الطبري (4/ 275) روى الطبري بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق؛ فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا». كما حكاه الله عز وجل وأشار إليه في القرآن، وقع الشرك وعبدوا الأصنام.
طريقة عبادتهم الأصنام معروفه؛ صوروا لصالحيهم صورًا وتماثيل بإيحاء الشيطان، وقال لهم: هؤلاء الصالحون يجب أن تعظموهم؛ فأوحى إليهم الشيطان أن عَظِّموهم وصوروا لهم الصور واجعلوا لهم التماثيل؛ حتى تتذكروهم وتتذكروا نصائحهم ومواعظهم وتتذكروا ما كانوا عليه من السيرة الخيرة ونحو ذلك؛ فيزيدكم هذا صلاحًا، الشيطان دخل عليهم من هذا الباب فصوروا تلك الصور وصنعوا تلك التماثيل.
فالجيل الأول كان يعرف، وربما الثاني والثالث، ثم لما طال الأمد فنُسي العلم كما قال ابن عباس، فعبدوهم من دون الله وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في سورة نوح في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣﴾ [نوح] خمسة: وَد -أو وُد في القراءة الأخرى١٬٢٧٥يقرأها جميع القراء بالفتح ﴿وَدًّا﴾، ما عدا نافع وأبي جعفر فبضم الواو. انظر: البدور الزاهرة في القراءات العشرة المتواترة (ص 329).- وسواع ويغوث ويعوق ونسر، كانوا من الصالحين من قوم نوح، ثم صور لهم قومهم تماثيل وهكذا، ثم عُبِدوا بعد ذلك، عُبدوا لما نُسي العلم فوقع الشرك والكفر.
هذا معنى ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ أي على التوحيد؛ ففي الكلام حذف، ثم وقع الشرك في الأمة، وفي البشرية والناس، ووقع الكفر.
فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، مبشرين بالثواب لم أطاع الله وبالخير، ومنذرين سخط الله وغضبه وعذابه لمن كفر وعصى وأشرك ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية؛ فالمقصود أن الناس لما بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، الناس افترقوا كما قال الله عز وجل: ﴿۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ [البقرة]؛ فأفادت هذه الآية الكريمة أن الناس اختلفوا بين مؤمن وكافر بعد بعثة الرسل، الذين اتبعوا الرسل وصدقوهم وآمنوا بهم واتبعوهم وأطاعوا الله ﷻ؛ هؤلاء هم المؤمنون الذين عبدوا الله وحده لا شريك له.
والذين صدوا عن دعوة الرسل وكفروا بها واستهزأوا بها ورفضوها وأبَوْها ولم يتبعوها، واتبعوا أهواءهم، هم الكفار الذين لم يعبدوا الله ﷻ أو عبدوا الله وعبدوا معه غيره ولكنهم لم يعبدوه وحده؛ لأن العبادة المعتبرة عند الله ﷻ هي عبادته وحده لا شريك له وما سواها لو شخص عبَد الله وعبد غيره كأنه لم يعبد الله، فهو في الحقيقة لم يعبد الله؛ لأن عبادته الجزء الذي صرفه لله غير معتبر شرعًا عند الله، إنما المعتبر هو التوحيد؛ عبادة الله وحده لا شريك له.
فانقسم الناس إلى مؤمن وإلى كافر، ثم حصل الاقتتال بينهم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ فأفادت الآية أن اقتتال المؤمنين والكافرين مراد لله ﷻ، مقصود يريده الله، وهذا بينته آيات أخرى كثيرة، بينت الآيات أن الله فَتَن الخلق بعضهم ببعض، وسلط بعضهم على بعض اختبارًا للطرفين لهذا ولهذا، اختبارًا وامتحانًا وفتنةً لهم ولمقاصد أخرى منها أن يختار الله ﷻ أولياءه وأصفياءه وأحبابه ويختار الشهداء، ويختار الذين يختارونه ويفضلونه ويوالونه ويحبونه ويقدمون محابه على كل شيء، يختارهم الله عز وجل ويرفع درجاتهم فهذا مقصود لله عز وجل.
قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣﴾ [الأنعام]، وقال الله عز وجل في سورة الفرقان: ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠﴾ [الفرقان]؛ فالله عز وجل سلط الناس بعضهم على بعض وفتن بعضهم ببعض؛ لأمر مقصود يريده الله ﷻ، إرادة إلهية ربانية سامية عظيمة شريفة، مطهرة مقدسة، الله عز وجل يريد هذا الشيء، ومن أجله بعث الرسل ومن أجله كلفنا بهذه التكليفات؛ حتى يختار الله عز وجل أولياءَه وحتى تحصل المقاصد التي أشرنا إلى بعضها.
قال الله عز وجل في مطلع سورة محمد ﷺ: ﭑ ﭒ ﭓ ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣﴾ [محمد].
﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي نحو ذلك البيان؛ فيبين الله هنا صفات المؤمنين ومَثلهم، وصفات الكافرين ومَثلهم؛ فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ﴾ أمر بضرب رقابهم وقتالهم وجهادهم؛ فـ﴿ضَرَبَ﴾ أمر بصيغة المصدر النائب عن فعله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ﴾ أكثرتم فيهم القتل والجراح ﴿فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ﴾ أسرًا ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ هذا محل الشاهد، والمقدمة الأولى قبلها مهمة، لكن محل الشاهد هو: ﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ بعضكم أنتم الخلق ببعض، بعضكم المؤمن ببعضكم الكافر.
لو شاء الله لانتصر من الكافرين، الله يستطيع ويقدر وهو على كل شيء قدير عز وجل، يستطيع أن يفنيهم ﴿كُن فَيَكُونُ ٦٨﴾ ولكن إنما جعلهم موجودين، وابتلانا بهم وسلطنا عليهم كما سلطهم هم علينا، ابتلاءً منه عز وجل لنا نحن ولهم هم الكفار.
فهذه الآيات فيها بيان لهذا المعنى الذي ذكرناه وتكلمنا عليه، وليت الإخوة يتدبرونه في كتب التفسير حتى يفهموه جيدًا١٬٢٧٦قال الشيخ السعدي رحمهم الله: «﴿ذَٰلِكَ﴾ الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، وانتصار بعضهم على بعض ﴿وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ﴾ فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم، ﴿وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: 4] ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا». اهـ، انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص 784)..
نستطيع أن نسجل بعض النقاط حتى يرتب الإخوة معلوماتهم: ببعثة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- انقسم الناس إلى فريقين: مؤمنين وكفار، وسلط الله بعضهم على بعض، نستطيع نقول: ابتلى بعضهم ببعض ابتلاءً من الله للفريقين ولحكم عديدة مُرادةٍ لله عز وجل ولله الحجة البالغة والحكمة التامة، مزيد ابتلاء واختبار وامتحان، ومزيد فرصة يعطيهم الله عز وجل؛ لعل بعضهم يرجع وينتبه قبل أن يدركه الموت وقبل أن يأتيه اليقين، هذا ابتلاء لهم، الآن هؤلاء الأمريكان مسلطون علينا، هذا ابتلاء لهم هم، الله عز وجل يبتليهم، يعني يختبرهم، مزيد اختبار ومزيد امتحان ومزيد فتنة.
ولطف أيضًا منه أنه يعطيهم مزيد فرصة؛ لعلهم يتدبرون لعلهم يتفكرون لعلهم يرجعون.
ثم إن الله عز وجل يقيم عليهم الحجة بأنفسهم، ويُعذِر إليهم كل الإعذار وتظهر آثار أسمائه الحسنى عز وجل وصفاته العليا في أنه عز وجل صبّارٌ صبور حليمٌ، واسم «الحليم» لله عز وجل فلم يعاجلهم بالعقوبة، ولكن أعطاهم الفرصة تلو الفرصة.
فهو ابتلاء للجميع؛ فوقع الصراع بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، الصراع: الحرب والقتال بين الحق والباطل؛ لأن هذين الفريقين -المؤمنين والكفار- لا يمكن أن يصطلحا أو لا يمكن أن يتحابا أو يتواليا؛ لا بد أن يكونا عدوين بعضهم لبعض عدو، لا يمكن أن يكون الفريقين متحابين، ومتعايشين، ومتصالحين طول الوقت!
الصلح المؤقت قد يكون وجاءت به الشريعة، لكن الصلح المستديم على طول متصالحين متعايشين متحابين متوالين متوادين لا يمكن! لا يمكن أصلًا بمقتضى هذا الانقسام وبمقتضى هذا الإيمان وهذا الكفر، لا يمكن ذلك! والله يريد ذلك ويأمر به؛ فلا بد أن يكونا عدوين متصارعين متحاربين؛ هذا مطلوب لله عز وجل مراد لله ﷻ مقصود لله ﷻ، يحبه الله أن نكون نحن معادين لهم، لكن لا يحب أنهم يعادوننا طبعًا، بل هذا مكروه لله مبغوض لله لكنه واقع بقدَر الله فهنا اختلف الكون، الوجود الكوني أو الإرادة الكونية مع الإرادة الشرعية، لكن في حقنا نحن؛ كوننا نكرههم ونعاديهم ونحاربهم، هذا يريده الله ويحبه الله يريده إرادة كونية، وأوجده، ويريده إرادة شرعية التي مبناها على المحبة وأَمَر به، ولأن فيه مصالح كثيرة، وهذا هو شرط صلاح الأرض، ومن عليها من البشر قال الله عز وجل: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] بينت هذه الآية أن من حكمة الله ﷻ ومما يريده الله عز وجل أن يحصل التدافع الذي به صلاح الأرض؛ لأنه لولا أن المؤمنين يدفع الله ﷻ بهم الكافرين وكفرهم وطغيانهم وظلمهم؛ لفسدت الأرض.
﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ﴾ لولا حصول هذا الصراع واندفاع كثير من الشر بالخير، وبالجهاد وبالقتال، وبهذه الحرب وبهذا الصراع والتدافع لفسدت الأرض.
كيف تفسد الأرض؟ تفسد بسيطرة الكفار، وأعظم فساد هو سيطرة الكفار على الأرض إذا سيطر الكافر على الأرض وتحكم فيها -نعوذ بالله- فيقع الفساد العظيم؛ الكفر والشرك والفسق والفجور ومعاصي الله عز وجل، وسيطرة الشياطين، ودعوة الشيطان، ومحاب الشيطان وأهواء النفوس، سيطرة الكفار على الأرض هو أعظم فساد ما في فساد أكبر من هذا.
يتبين لنا من هذا أن ولاء المؤمنين لله ﷻ ودينه ولرسله، والمؤمنين بعضهم لبعض، أن هذا الولاء مطلوب لله، مقصود لله، مراد لله، الله يأمرنا به وأنه لا بد منه بمقتضى الإيمان والكفر، بمقتضى أننا عبيد لله.
فالعبادة لله وحده لا شريك له، التوحيد، الإيمان، الإسلام لله ﷻ يقتضي ويستلزم بذاته استلزامًا واقتضاء قريبًا جدًا بينًا -يُسمُّوا فيه «اللزوم البيِّن» أو «اللزوم القريب» هذا في المنطق- يقتضي أن يوالي المؤمنون الله ﷻ ورسوله ودينه والمؤمنين، وأن يبرؤوا ويعادوا الكفر والكفار وكل ما يتعلق بهم، يعني وما ينتج عن الكفر من المعاصي والفجور والعصيان والتمرد على الله عز وجل والشيطان وحزبه، ومن قاربهم وكان منهم، فهما فريقان.
يعني العبودية لله ﷻ، والإسلام لله ﷻ، والتوحيد، والإيمان يقتضي هذا، ويستلزم استلزامًا بيّنًا قريبًا أنه لا بد أن يكون المؤمنون أولياء لله ﷻ ولرسوله ودينه وللمؤمنين، وأن يكونوا بُرآءُ، يبرؤون ويتباعدون ويتجافون، ويعادون ويبغضون الكفّار والكفر والشيطان وحزبه وكل ما تعلق به.
نستطيع نلخصها فنقول: الإسلام والإيمان والتوحيد وهو العبودية لله وحده لا شريك له هذا كله يقتضي ويستلزم من المؤمنين أن يوالوا الله ورسله ودينه والمؤمنين وأولياءه المؤمنين، وأن يعادوا وأن يبرؤوا ويعادوا أعداء الله الذين هم الكفار وكفرهم.
فمن هنا نستطيع أن نقول أن الولاء والبراء والموالاة والمعاداة هذه هي مقتضى عبادة الله عز وجل، مقتضى التوحيد، ومقتضى الإسلام، ومقتضى الإيمان، يقتضيه لازمٌ له مئة في المئة، لا يمكن أن ينفك عنه؛ فغير ممكن أن يكون الإنسان مسلمًا مؤمنًا موحدًا يعبد الله وحده لا شريك له ويحب الله ويطيعه وفي نفس الوقت يحب الشيطان ويحب الكفر والكفار أو يواليهم ويقاربهم ويعيش معهم حياة مريحة مطمئنة ليس عنده مشكلة معهم!! لا يمكن هذا، وهو غير مُتصوَّر؛ لأن العبودية أصلًا مبناها على المحبة، قال العلماء: العبودية مبناها على المحبة والذل١٬٢٧٧قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له». الفتاوى الكبرى (5/ 157).، فلا يكون العابد عابدًا لله ﷻ إلا بمجموع المحبة الكاملة لله عز وجل وأن يذل له، الذلة هي التي مقتضاها الخضوع والخشوع والانقياد لأمر الله عز وجل والطاعة له، العبودية أصلًا مبناها على المحبة والذل، فلا يكون العبد عبدًا إلا بهذا، ولا يمكن أن يحب الله وأن يحب أعداءه هذا غير ممكن.
حتى في المحاب العادية بين الناس، لا يمكن أن تحب شخص وتحب عدوه! هذا لا يمكن، وهو غير مقبول أصلًا، فمعناه أن محبة عدو الذي هو عدوه يعني مناقض ومضاد له من كل وجه.
ولا شك أن عبوديتنا لله عز وجل تقتضي منا أن نحب الله ﷻ ونحب رسله ودينه وأولياءه ومن يكون في صفه، وأن نكره ونبغض، ونعادي كل من يعاديه، لو لم يقل لنا الله هذا، ولو لم يوجبه علينا، لكان هذا واجبًا بمقتضى الإسلام والإيمان والتوحيد والعبودية؛ فكيف وقد جاءت الشريعة بالأمر بموالاة الله ورسوله وأوليائه، والنهي عن موالاة ومقاربة الكفار والكون معهم كما سنذكره -إن شاء الله-.
ومع هذا زادنا الله عز وجل بيانًا وتوضيحًا، رحمةً منه ولطفًا عز وجل، والله رفيق يحب الرفق والله ودود كريم ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وتخفيفًا من الله وتسهيلًا علينا زادنا بيانًا وتوضيحًا، وبيّن لنا في آياته القرآنية وبيّن لنا رسوله ﷺ في أحاديثه الشريفة أنه يجب علينا أن نوالي المؤمنين؛ نوالي الله ﷻ ورسوله ودينه ونكون مع المؤمنين أولياء نحبهم، ونكون معهم وفي صفهم، ونقاربهم ونعاشرهم ونكون مع المؤمنين، نكون مع المؤمنين بعضنا أولياء بعض.
وأن نبغض الكافرين وأن نتبرأ منهم، وأن نجتنبهم وأن نباعدهم ولا نساكنهم ولا نجتمع معهم في سكن، وفي بلد، (ولا تراءى ناراهما) قاله النبي ﷺ١٬٢٧٨سنن أبي داود (2645) وصححه الألباني.، ابتعدوا عنهم، حتى نارهم لا تراها من بعيد ولا يرون نارك، باعدهم وتجافَ عنهم واجتنبهم ولا تكُن معهم في أرض ولا تقِم بينهم ولا تخالطهم ولا ولا..
كل هذا مباعدة للكفار، ومجانبة للكفار، وبراءة من الكفار وتبرءًا منهم، ومعاداة لهم وبغضًا لهم، بغّضنا الله فيهم وقال أبغضوهم كيف تحبونهم هؤلاء؟! تبغضونهم لأنهم أعداء الله كفروا بالله وكفروا برسل الله وعصوا الله وتمردوا على طاعة الله ﷻ.. هؤلاء أعداؤكم.
بين لنا هذا في القرآن وفي السنة بيانًا عظيمًا؛ أنه لا بد لنا أن نوالي المؤمنين، ونوالي بعضنا بعض، ولا بد لنا أن نتبرأ من الكفار، وأن نعاديهم وأن نبغضهم ونقاتلهم ونجاهدهم ونحاربهم في ذات الله ﷻ.
هذا في القرآن مُبينٌ بيانًا عظيمًا جدًا من أحسن ما يكون البيان، وممكن نتلوا -إن شاء الله- الآن بعض الآيات في هذا الباب، لكن المقام يطول بذكرها وشرحها وتفسيرها، فنكتفي ببعض الأمثلة.
الله ﷻ أيضًا بغّضنا فيهم وبين لنا أنه يجب علينا أن نبغضهم في آيات كثيرة جدًا؛ لأنهم كفروا بالله وتمردوا على طاعة الله عز وجل فهذا مبين في القرآن أحسن تبيين.
آيات كثيرة فيها التبغيض للكفار: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ﴾ [آل عمران: ١١٩] هذه كلها تبغيض في الكفار: ﴿أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣﴾ [التوبة] وغيرها.
ففي القرآن آيات كثيرة تأمر بموالاة المؤمنين وينهانا الله عز وجل فيها عن موالاة الكافرين واتخاذهم أولياء قال الله عز وجل في سورة الممتحنة التي يُعتبر معظمها وجزء كبير منها في هذا الباب: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١ إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ﴾ فكيف تحبونهم! هذا المعنى تحريض على بغضهم ومعاداتهم ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ﴾ يجدوكم في أي مكان ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢﴾ هم يحبون كفركم ويودون أنكم تكفروا بالله.
ثم ضرب لنا مثلًا بإبراهيم قال: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا﴾ صرَّح بذكر العداوة والبغضاء ﴿وَبَدَا﴾ ظهر ﴿بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾ إلا أن تؤمنوا بالله وحده فقط؛ فتزول العداوة والبغضاء، أما قبل ذلك لا ﴿أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ﴾.
فهذه واضحة جدًا تمام الوضوح، فالقرآن مليءٌ بهذا وفي سورة آل عمران وفي سورة المائدة وفي سورة الأنعام والبقرة، وفي كثير من سور القرآن هذا موضح جدًا، ومبين أحسن بيان.
إذن، نلخص هذا الكلام:
ومع ذلك -يعني مع أن العبودية والإسلام والإيمان والتوحيد تقتضي هذا كما ذكرنا، تقتضي موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين وبغضهم- فقد بين الله ﷻ لنا في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ بأوضح بيان وأصرحه، وجوب موالاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكافرين.
ونحن نذكر الآن -إن شاء الله- بعض الآيات التي جاءت في القرآن، أهم الآيات التي فيها التشديد في موالاة الكافرين، تشديد في النهي، والتشديد في حكم من يوالي الكافرين، نذكر أهم الآيات.
نحن ذكرنا آيات سورة الممتحنة، ومثل هذه الآيات كثير في القرآن.
الآن سأذكر أهم ثلاث آيات في سور مختلفة، واحدة في سورة آل عمران، اثنتين في سورة المائدة، هذه أهم ثلاث آيات في حكم موالاة الكافرين.
نحن قلنا أن القرآن نهى عن موالاة الكافرين وأمر بموالاة المؤمنين، وشدد في موالاة الكافرين أنها إثم ومعصية، بل صرح في بعض الآيات بأنها أشد من ذلك كما سنراه في هذه الآيات، فقال الله عز وجل في سورة آل عمران: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨﴾ [آل عمران]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠﴾ [آل عمران].
قوله: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ هذا صورته صورة الخبر، ولكن المراد به الإنشاء، المراد به الأمر، وهو نهي ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ لا نافية، لكن هو نهيٌ مباشرةً، فـ﴿لَآ﴾ هنا ناهية.
أيها المؤمنون، لا تتخذوا، هذا معناها؛ ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ هذا نهي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، هذه تكميل وتوضيح، إنما تتخذ المؤمنين أولياء فقط، ولا تتخذوا الكافرين أولياء.
بعد ذلك قال: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ والذي يفعل ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ هذا التعبير يستعمل في اللغة العربية للبراءة من الشيء، أو البراءة من الشخص، فيقول -مثلًا-: من فعل كذا فليس مني، فلست منه، فليس منا، فليس مني في شيء، وورد مثله ونظائره في كلام النبي ﷺ في مواضع، كقوله: (من غشنا فليس منا)١٬٢٧٩سنن ابن ماجه (2224) بلفظ: (ليس منا من غش)، وصححه الألباني.، أنا بريء من كذا.
﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ يعني فإن الله بريء منه، ليس من الله في شيء ولا يقرب الله، ولا يكون منتميًا إلى الله هذا معناه، ثم استثنى بعد ذلك فقال: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ﴾ أي إلا حال التقية، إلا أن تكونوا مضطهدين مغلوبين منهم فتتقوا منهم تقاة فتظهروا لهم -في الظاهر- أنكم لا تعادونهم، إرادة أن تتقوهم، حالة الإكراه وحالة التقية مستثناة فقط، أما غيره فلا، هذا هو الحكم الأصلي: النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء، ثم إن الآية فيها صراحة أكثر من غيرها في كثير من الآيات أن من يفعل ذلك ويتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فقد برِئ الله منه ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾.
ما معنى هذه البراءة؛ هل هي الكفر؟ ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ معناها أنه خرج من دين الله أصلًا أي أنه كَفَر، أو معناها الفسوق والعصيان، محتمل؛ فالله أعلم بمراده، ولكن هذه الآية من أقوى الآيات المحتملة على كفر الموالي للكافرين، وسنزيد هذا المعنى إيضاحًا -إن شاء الله-، هذه الآية الأولى في سورة آل عمران التي بين الله عز وجل فيها أنه بريء ممن يوالي الكافرين.
الآية الثانية في سورة المائدة قال الله عز وجل: ﴿۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١﴾ [المائدة] في هذه الآية يخاطب الله المؤمنين، يناديهم ويخاطبهم فاسمعوا هذا الكلام: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ﴾ نهي، ﴿لَآ﴾ هذه ناهية، يعني أنهاكم أن تتخذوهم أولياء، لا تفعلوا، هذه جملة تشبه الجملة المعترضة كأنه اعتراض، والجملة المعترضة يراد بها بيان معنى قبل تمام الغرض المساق له الكلام.
فقال: ﴿بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ﴾ أي والحال، الشأن أنهم هم اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، هم يوالون بعضهم؛ فأنتم لا تتخذوهم أولياء، ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ ومن يفعل هذا الذي نهيناه عنه ويتخذهم أولياء ويتولهم منكم أنتم أيها المؤمنون المخاطبون؛ من يفعل ذلك منكم فقال جزاؤه أنه منهم، ﴿مِنَ﴾ هذه شرطية وهذا هو جواب الشرط وجزاؤه ﴿فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾؛ هذه أصرح آية في كفر الذي يوالي الكفار -اليهود والنصارى هنا- وسائر الكفار مثلهم؛ أنه منهم، ومثلهم؛ محسوب منهم وكافر مثلهم، ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠﴾ هذا تذييل فيه وعيد وفيه تهديد، يعني أنكم إذْ ظلمتم وكنتم ظالمين فاعلموا أن الله لا يهديكم فإن الله لا يهدي القوم الظالمين، فهذه فيها تهديد شديد ووعيد بعد هذا النهي وبعد بيان الحكم.
﴿فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ صرح بعض العلماء بأنه منهم يعني: كافر مثلهم، وعلماء آخرين قالوا: فإنه منهم في الإثم، لكن الأصرح والأوضح والذي يُفهم والمتبادر والذي هو ألْيَق بمعنى الكلام العربي أنه منهم يعني في الكفر، أي أنه كافر مثلهم والله أعلم، هذا أرجح.
الآية الثالثة أيضًا في سورة المائدة، والآية الأخرى بعدها في سورة المائدة كذلك بعدها بقليل في الترتيب وهي قوله عز وجل: ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ [المائدة: ٨١] قبلها، قبل هذه الآية نتلوا الآيات التي قبلها طويلة، كلها في الموالاة قال الله عز وجل: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩﴾ [المائدة] يعني اليهود، كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر ﴿تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠﴾ [المائدة] ذم الله عز وجل اليهود، ونعى عليهم أنهم كانوا يوالون الكافرين ولا يتبرؤون منهم: ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١﴾.
هذه جزء من آية وهذا موضعها في سياقها في آيات هذه السورة الكريمة، فيقول الله عز وجل في هذه الآية عن الذين يتخذون الكافرين أولياء من اليهود، والكلام كله في سياق الآيات عن اليهود:
فالله عز وجل يتحدث عن اليهود وينعى عليهم ويذمهم بأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وأن كثيرًا منهم كانوا يتولون الذين كفروا، ثم قال: ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١﴾ فلو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوا الكافرين أولياء، معناها أنهم لم يؤمنوا بالله ورسوله والنبي وما أنزل إليه لأن ﴿لَوۡ﴾ هذه حرف شرطٍ، في النحو يقولون ﴿لَوۡ﴾ حرف شرط يفيد امتناع لأجل امتناع؛ فامتنع إيمانهم بالله والنبي وما أنزل إليه، هنا لا بد من التأويل طبعًا؛ لأن هذا منفي فيكون التقدير ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه، فامتنع إيمانهم لامتناع عدم اتخاذهم أولياء، لأن هذا منفي، فلا بد أن يُؤوَّل بالعدم ويُؤوَّل بالنفي.
فامتنع إيمانهم بالله والنبي وما أنزل إليه لامتناع ولعدم هذا الشيء وهو عدم اتخاذهم الكفار أولياء، فلا بد من تأويل فيها؛ لأن هذا في موضع النفي وإلا ﴿لَوۡ﴾ هي هكذا في أصل العربية؛ حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جئتني أكرمتك، فامتنع إكرامي لامتناع مجيئك، لكن لوجود حرف النفي هذا فلا بد أن تُؤوَّل جملته.
المهم والمقصود: أن المعنى أنهم لو كانوا يؤمنون بالله والنبي ما كانوا يتخذون الكافرين أولياء، فدل على أنهم لما اتخذوا الكافرين أولياء ما كانوا مؤمنين.
﴿لَوۡ﴾ هذه يسمونها حرف امتناع لامتناع، يمتنع جوابها لامتناع شرطها؛ فهنا أحد الجزئين منفي ﴿مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ﴾ فلا بد من تقديره بالنفي أو العدم فيكون التقدير: امتنع إيمانهم بالله والنبي وما أنزل إليه لامتناع عدم اتخاذهم أولياء.
امتناع العدم هو نفي النفي، فهو إثبات، وهو اتخاذهم الكفار أولياء.
فهذه أصرح وأوضح ثلاث آيات في القرآن في حكم الذي يوالي الكفار: أن الله بريء منه وأنه لا يؤمن وأنه منهم.
ولهذا؛ فإن العلماء استنبطوا من هذه الآيات ومن آيات القرآن عمومًا أن موالاة الكفار درجات، أعلاها الكفر وتحتها درجات في الفسوق والعصيان، درجات لا يعلمها إلا الله ﷻ؛ لأن الله عز وجل صرح في موضع أنه بريء من الذي يوالي الكفار، وصرح في موضع أن الذي يوالي الكفار أنه منهم.
وصرح في موضع أنه لا يؤمن؛ فأخذوا من هذا أن موالاة الكفار فيها درجة تكون بهذه المنزلة كُفرًا، وهذه الدرجة لا ينبغي أن تكون إلا أعلى الدرجات ولهذا قالوا أن أعلى درجات الموالاة للكفار كفر وهي الدرجة العالية الواضحة جدًا وهي التي سنتكلم عنها الآن، أما الدرجات التي تحت تلك الدرجة فتكون معصية، ويختلف بعضها معصية كبيرة وبعضها معصية صغيرة.
ما هي أعلى مرتبة ودرجة متصورة، يمكن أن نتصورها من مراتب موالاة الكفار؟
قال العلماء: أعلى درجة من درجات موالاة الكفار -أن المسلم يواليهم-: هي أن يقاتل معهم المسلمين، وسموا هذه الدرجة: المظاهرة؛ مظاهرة الكفار على المسلمين في الحرب وفي القتال وفي الصراع.. يعني عندما تكون هناك حرب وقتال وصراع وعراك يكون هو في صف الكفار يعاونهم ويساعدهم ويقاتل معهم المسلمين، هذه أعلى الدرجات، هذه الدرجة كفر.
الذي يكون مع الكفار في صفهم وفي جانبهم وفي حدهم وفي ناحيتهم ومعهم على المسلمين، يحارب المسلمين معهم ويعاونهم ويمدهم ويظاهرهم هذه أعلى الدرجات وأوضحها، أوضح درجات الموالاة هذه التي ينطبق عليها أن الله بريء منهم، وأنه منهم وأنه لا يؤمن، هذا غير مؤمن أبدًا، هذا ناقض من نواقض الإسلام -والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية-.
ودون ذلك مراتب بعضها قد يكون يحتمل الكفر لكن هذا الذي نجزم أنه كفر.
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: الموالاة وَالمعاداة
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا