رسالةٌ بخصوص التعامل مع إيران وطبيعة علاقة تنظيم القاعدة معها
[مرسلة إلى: بعض المشايخ في جزيرة العرب، محرم 1428هـ]
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وآله وصحبه، وبعد:
فهذه صفحاتٌ اقتضى رَقْمَها النصحُ لإخواني والتبيين لمشايخنا ومحبِّينا كيف تعامل إخواننا المجاهدون مع النظام الرافضي الإيراني، وكيف ينظرون إليه في الحال والاستقبال؛ بما يحصل به ضمنًا الذب عن عرض إخواننا سددهم الله.
وسأحاول أن أنظم الكلام في ثلاثة محاور:
- مقدمة..
- ثم بعض السرد التاريخي، وأقتصر على المفيد..
- ثم أذكر بعد ذلك ما أعرفه من مواقف وسياسة إخواننا وفقهم الله.
* المحور الأول: مقدمة لا بد منها
الصدمة الكبيرة والارتباك والتشتت: لا شك أن مضاعفات واستتباعات ضربات الحادي عشر من سبتمبر؛ كانت كبيرة جدًا وربما فوق تصور الأكثرين، فحسب علمي وما أتذكره الآن؛ فإن الذي كنا نتوقعه ويتوقعه أكثر الإخوة من حولي في أفغانستان عندما حصلت ضربات سبتمبر كان هو: ضربات أمريكية صاروخية وجوِّية محدودة، وأنهم -الأمريكان- سيقومون بدعم المخالفين؛ أي الشماليين جماعة أحمد شاه مسعود.
وبعض الإخوة كان يتوقع أن أمريكا تهادن وتركن للموادعة وتطلب السلم، وقد تصور بعض الإخوة أيضًا أنها تركع ويحصل فيها انهيار؛ لكن هذين التصورين الأخيرين كانا عند بعض الإخوة الضعيفي التصور.
لا ندري كيف كان الشيخ أسامة مثلًا يتصور بالضبط؛ فهذا لم أقف عليه، لأننا لم نره بعد الحادي عشر من سبتمبر، والذين التقيت بهم ممن رأوه بعدها، لم يكن عندهم علم بدقائق موقف وتصورات الشيخ؛ حتى إني سألت رجلًا من أخص أصحابه ممن رافقوه إلى نهاية «تورا بورا» حتى انفصلوا عنه فيما بعد، فقال لي: لم يكن الشيخ يتحدث في الأمر، وإنما كان يبشر ويصبر، ولم يفتح معه أحد حديثًا في تقييم ما حصل أو نحو ذلك.. وهذا طبيعي جدًا؛ لأن الوقت هو وقت تبشير وتصبير فعلًا، وليس وقت حسابات وتدقيقات ونحوها، ولا حتى دروس!
بالجملة؛ كان الرد الأمريكي كبيرًا جدًا فوق تصورنا، فلم نكن نتصور أيضًا أن إمارة طالبان تنهار بهذه السرعة، والسبب راجع طبعًا إلى قوة الصدمة وبشاعة القصف والتدمير.
مع انهيار الإمارة وصدور الأوامر بالانسحاب؛ حصلت فوضى كبيرة وارتباك وتشتت، فتدفقت أعداد كبيرة جدًا من الإخوة، وكثير منهم مع عوائلهم، إلى باكستان، وخصوصًا «كراتشي»، وبدأت الحملات الباكستانية للقبض على الإخوة، وحصلت أمور وأمور..!
وتدفقت أعداد على إيران، وحصلت أمور مما سنحكي طرفًا منه في المحور الثاني.
المقصود أن الحملة الصليبية كانت شديدة جدًا فوق تصور أكثرنا، وحصل انهيار سريع وتشتت وارتباك وفوضى عارمة، ضاعت فيها نفوس وأموال وغيرها! ولله الأمر من قبل ومن بعد.. فهذا لا بد أن يؤخذ بالحسبان عند التأريخ للمرحلة وتقييمها.
في مثل هذه المواقف الصعبة التي تبلغ فيها القلوب الحناجر، ويظن الناس بالله الظنون، يُتصوَّرُ أشياء من ارتكاب الضرورات وغيرها؛ ما لا يُتصوَّر في حال الاختيار والسعة، ولهذا سأذكر لكم مثالًا..
بعض الأفكار والمحاولات الضرورية التي وقعت: أذكر أننا في ليلة الحادي والعشرين من رمضان -الواقع في سنة ألفين وواحد، لعله من سنة اثنتين وعشرين للهجرة- صدر الأمر من أمير المؤمنين الملا محمد عمر سدده الله؛ بالانسحاب من قندهار لأنهم سيسلمونها لمجلس القبائل غدًا صباحًا؛ لأن العجز قد تحقق فعلًا، واضطر أمير المؤمنين والثلة الصابرة الثابتة معه جزاهم الله خيرًا وثبَّتهم الله، إلى ترك الأمر وتسليمه، بعد ضغط شديد من القبائل ورجال البشتون، ومِن سائر الشعب وممثليهم؛ بسبب بشاعة العدوان الأمريكي الذي لم يطقه الناس.
كنا في مطار «قندهار» في مقابلة الجنود الأمريكان مع جنود الردة مليشيات الزنديق جل آغا.
فجاءت الأوامر بشكل سريع -مشفرة-: انسحبوا؛ فرجعنا إلى المدينة «قندهار» فوجدنا التفاصيل، وكانت الوجهة هي «خوست وجرديز».. وحصلت أمور يطول ذكرها.
المهم؛ توجهنا في نفس الليلة إلى «خوست»، حيثُ مجموعة كبيرة من المجاهدين العرب هناك، وقد لاقوا أهوالًا في الوادي، تقبل الله منهم، ورفع الله قدرهم؛ فتفرقنا في مدينتي «خوست» و«جرديز».
وبدأت اجتماعات وتنسيقات: كانت هناك آراء واختلافات في الرأي والاختيارات، بين المفضل للانسحاب إلى باكستان، وبين المفضل للبقاء والثبات على المواجهة حتى الموت.
ثم مع مرور عدة أيام استقر رأي الأكثرين على الانسحاب، وبالفعل انسحبوا في دفعات متتالية إلى وزيرستان ثم إلى سائر باكستان، ولم يبقَ إلَّا مجموعة قليلة من العرب ومجموعة من الأوزبك ومن التركستانيين.
الشاهد أننا لما كنا في «خوست» تلك الأيام؛ كنا مرة في اجتماع للتشاور كان فيه سيف العدل وأبو مصعب السوري وصاحبه أبو خالد السوري وأبو الليث الليبي وأبو عبد الرحمن الكندي وآخرون.. كان الإخوة يتدارسون الحلول والمشاكل؛ فكان مِن ضمن الاقتراحات التي طرحها بعض الإخوة محاولة الاتصال بحزب الله في لبنان، وذكر بعضهم أنَّ حزب الله فعلًا أرسل مندوبًا -لا أدري أين وصل ومع من تكلم، بلغني أنهم جاءوا أو أرسلوا عن طريق بعض القيادات الأفغانية- وعرض أي مساعدة لإيواء الإخوة.. وكان من ضمن الأفكار التي طُرِحت فكرة من الأخ أبي مصعب السوري حيث اقترح أن يتولى هو الاتصال بالنظام العراقي -نظام صدام حسين-، وقال: إنه يعرف بعض الشخصيات القديمة المرموقة في نظام صدام؛ ممن عرفهم أيام إقامته في العراق سنوات أوائل الثمانينيات من القرن الإفرنجي الماضي أثناء جهاد الإخوة في سورية وتجربة حماة، وأنه يمكنه الاتصال بهم وتجديد العلاقة بهم، وأنه يتوقع أنهم يساعدون بإيواء الإخوة.. هذه أشياء مما طرح!
كانت المشكلة الكبيرة -كما تلاحظون- هي: كيف نفعل في هذا العدد الكبير من الإخوة، وأين نؤويهم؟! ولا شك أنها مسؤولية كبيرة جدًا تُطير عقول الحلماء..!
طبعًا، كلا الخيارين: الاتصال بحزب الله، والاتصال بالنظام العراقي؛ لم يحصلا، لأن معظم الإخوة رفضوا الاقتراحين ولم يقبلوهما.
فلم يبقَ إلا الخياران اللذان ذكرتهما، وهما شيئان مجتمعان، وهما:
الأول: انسحاب الأكثر إلى باكستان، ثم الذي يبقى مستترًا هناك فليبقَ، ونرتب لهم ترتيبا مناسبًا حتى يأذن الله بتغير الحال أو الانتقال إلى حال آخر، والذي يسافر إلى بلده أو بلد آخر يستطيع الذهاب إليه فليفعل، ولا سيما العوائل لا بد من تسفيرهم والتقلل من مؤونتهم!
الثاني: بقاء مجموعات قليلة من الإخوة للقتال وعدم تفريغ ساحة أفغانستان بشكل كامل، يثبتون ويقاومون ويؤسسون للحرب الطويلة القادمة، ثم بالتدريج ينضم إليهم إخوانهم إن شاء الله..
وهو ما حصل بالفعل، والحمد لله رب العالمين.
والشاهد من كل هذه الحكاية: أن أعطيكم صورة لما كان ثمتَ من أفكار واقتراحات في تلك الشدة العظيمة والمحنة الكبيرة، وهذه لعلها من جنس عرض النبي ﷺ على غطفان وهوازن ثلث ثمار المدينة يوم الأحزاب، وإن كان يمكن أن يكون هناك فارق.
والحمد لله، سلَّم الله تعالى بلطفه وفضله العظيم، ومرَّت الشدة والصدمة، وانفرجت الأمور بشكل جيد، ووفق الله تعالى المجاهدين لأن يتخطوا الصعوبات بما ألقي عليهم من والصبر، وحب البذل والتضحيات؛ فكان الغالب هو سيرة مشرفة ولله الحمد، مع بعض النقص والقصور لا بد منه، ومع ما حصل من أهوال وقتل وأسر، والله المستعان..
نسأل الله أن يصلح أحوالنا جميعًا، وأن يسترنا في الدنيا والآخرة.
العداوة بين إيران وأمريكا حقيقية: نعم، العداوة بين إيران وأمريكا هي عداوة واقعة وحقيقية، والذي يتصور خلاف ذلك، ويقول إن كل ما بينهما من تظاهر بالعداوة ومن السب والشتم ونحو ذلك إنما هو «مسرحية» و«تمثيلية»؛ فهذا جاهل لا يعرف الحقائق!
ولا أحتاج إلى التطويل في ذلك وسرد أدلة، فإن هذا من المسلمات عندنا..!
ومثل العداوة بينهما؛ كما بین كثير من الكفار من العداوة، فضلًا عن أن الرافضة الإيرانيين ينتسبون -ولو بحسب دعواهم، وبحسب حسبان الصلبيين لهم- إلى الإسلام وإلى الملة المحمدية.
ثم كلاهما عدوٌّ لنا.. لكن أحدهما عدوٌّ ناجزٌ، والآخر مؤجّل!
وكلاهما له «أجندته» كما يقولون، وله مصالحه الاستراتيجية الحيوية، والمبنية على: الدين والثقافة والتاريخ والحضارة وكافة عناصر ومكونات الشخصية القومية المليّة..
البراغماتية الإيرانية: لفظ «البراغماتية» لفظ مستعمل في الاصطلاح السياسي المعاصر، ومعناه على وجه التقريب: العقلانية المفرطة التي تراعي مصالحها ولو المؤقتة والعاجلة السريعة، وتتخلى عن المبادئ والقيم والشعارات المعلنة في سبيل ذلك، مع أن هذا المصطلح -أيضًا- أحيانًا يُستعمل استعمالًا أكثر قربًا من معنى «الميكافيلية» والتي هي الإباحية السياسية ومبدأ «الغاية تبرر الوسيلة».
وأنا بحسب تجربتي فإن النظام الإيراني هو من أوضح النماذج والأمثلة لباب «البراغماتية» في السياسة.!
فالإيرانيون شيعة رافضة اثنا عشرية إمامية، ومذهبهم معروف لنا جميعًا بكامل الوضوح، ومعتقدهم فينا معروف؛ معتقدهم في أهل السنة وخصوصًا فينا نحن السلفيين؛ واضح معروف، وطموحهم للسيطرة على العالم الإسلامي وتوقانهم إلى تولي زمام القيادة للعالم الإسلامي، معروف كذلك، وكونهم أصحاب دين طائفي قوميٌّ موضوع مخترع مصنوع بأهوائهم، كل ذلك معروف تمام المعرفة لدينا جميعًا، وشعاراتهم التي يرفعونها معروفة..
ومع ذلك فإنهم على أتم الاستعداد للتعاون حتى مع أكثر الناس سلفية و«وهابية» حيثما رأوا أن هذا التعاون والتعامل يحقق لهم مصلحة ولو مؤقتة، ثم ينبذونه في الوقت المناسب مثلًا.
وسيأتي في سردنا التاريخي في المحور الثاني بعض التفاصيل الموضِّحة لهذا الأمر.
ولكن سأشير هنا إلى أمثلة بسيطة:
- أي شخص يريد أن يضرب أمريكا فإن إيران مستعدة لدعمه ومساعدته بالمال والسلاح وبكل المطلوب مما لا يورطهم بشكل صريح وواضح..!
فهم يشتغلون على أمريكا بجدّ، ولكنهم يخافون من وقوع أي دليل في يد أمريكا، ولهذا يجتهدون جدًا ألا يتركوا أي بصمات لعملهم!!
- من أمثله ذلك أنهم عرضوا على بعض إخواننا من السعوديين -الذين سفَّروهم- أن يدعموهم بالمال والسلاح وبكل ما يحتاجونه، وعرضوا عليهم التدريب في معسكرات حزب الله في لبنان، مقابل ضرب مصالح أمريكا في السعودية والخليج!! كما سنشير إلى هذا فيما بعد..
- عرضوا، وما زالوا يعرضون، على مجموعة أعرفها وهم على تواصل معنا، من الإخوة الأوزبك أن يدعموهم كذلك بالمال والسلاح والإقامة والمرور في إيران وبكل ما يحتاجونه مقابل ضرب أهداف أمريكية في أوزبكستان.
- وعندي أمثلة أخرى، ولكن أكتفي بهذا الذي ذكرته الآن.
وبالجملة؛ هذان العدوان -أمريكا وإيران- أيُّ واحدٍ منهما مستعدٌّ لدعم أعداء الآخر؛ فأمريكا مستعدَّة لدعم أي شخص أو جماعة ولو صغيرة مهما كانت، تريد أن تضرب إيران وتشتغل على النظام الإيراني، وقد فعلوا هذا مع مجموعة معروفة لدينا من الإخوة «البلوش» في محافظة سيستان وبلوشستان في جنوب شرق إيران؛ عرضوا عليهم الدعم، بل دعموهم بالفعل، وعرضوا على غيرهم كذلك، وهم إخوة سلفيون جهاديون مثلنا، هذا بالإضافة إلى دعمهم للعلمانيين من الفرس والأكراد، والقوميين العرب في الأهواز.. وسيطوِّرُون ذلك حسب معلوماتنا بشكل مكثف في المدة الحالية بالتوازي مع الاستعدادات لتوجيه ضربات قاصمة لإيران..!
وكذلك إيران مستعدة لدعم أي شخص أو جماعة مهما صغرت ومهما كانت من المعتقد أو الدين، تريد أن تضرب الأمريكان والمصالح الأمريكية في أي مكان في العالم.
وسقت لكم بعض الأمثلة آنفًا.
فأنتم قد تتعجبون كيف أن شخصًا أو جماعة سلفية «وهَّابيّة» بحسب نظر الرافضة الإيرانيين؛ تدعمها إيران لضرب أمريكا!!
والذي لا يعرف الأمور ولم يجرّب ربما استبعد هذا، وربما حار في تفسيره وظن الظنون، وهذا كله من قلة المعرفة لا غير، وإلا فالأمر واضح لمن عرف!!
وعلى سبيل المبالغة والفرض والتثبيت في الأذهان أنا أقول لكم:
إن إيران مستعدة لدعم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نفسه لو قدِّر أنه حيٌّ وأن الظروف واتتها لكي تدعمه ليضرب أمريكا في مثل ظروفنا الحالية!
والإيرانيون الرافضة دينهم -كما تعرفون- هو التقية والكذب، وهذا التمثيل والتلاعب وإظهار خلاف ما يبطنون، والضحك في وجوه ألدِّ الأعداء والخصوم، والاستعداد للتعامل معهم بلطف وبكل إظهار للود؛ هو من أيسر الأمور عليهم، هم متعودون ومربون عليه، وهو متوارث فيهم، عميق في طباعهم!!
والمبدأ عند إخواننا هو عدم قبول ذلك، وننهى كل من لنا صلة به عن الدخول في هذه المداخل، فنحن بحمد الله في غنىً عنهم، ولا يأتي منهم في الغالب إلا الشر، وإنما الشيء الذي حصل من محاولة تفاهم مع إيران في وقت مخصوص لأجل إقامة بعض إخواننا أو عبورهم، كان له ظرفه الخاص وكان بمنزلة الضرورة فقط، كما سأتكلم فيه في المحور الثاني إن شاء الله.
وأكتفي بهذا القدر من المقدمات التي أراها ضرورية لفهم الموضوع.
* المحور الثاني: بعض السرد التاريخي للأحداث
بعد سقوط الإمارة الإسلامية في أفغانستان، وانسحاب الطلبة والإخوة المجاهدين المهاجرين من العرب وغيرهم، توجه معظم الإخوة المهاجرين إلى باكستان، وتوجه قسم منهم إلى إيران رأسًا، ثم الذين توجهوا إلى باكستان منهم من مكث في باكستان، ومنهم من توجه إلى إيران، ومنهم الذين رجعوا إلى بلادهم من باكستان عبر المطارات، وهم الذين كانت ظروفهم تسمح بذلك.
كان الشيء الذي تنعقد عليه عزائم جمهور الإخوة هو أنهم في حالة انسحاب مشروع مأذون فيه، وسيعاودون الكرَّة لجهاد العدو الصليبي وأعوانه من جديد، والحمد لله، وإنما خرج أكثرهم من أرض أفغانستان بأمر أمير المؤمنين محافظةً على أنفسهم، ولأنه لا فائدة من بقاء أعداد كبيرة في الداخل تحت القصف ومتابعة الطيران الذي تسيره توجيهات الجواسيس؛ قاتلهم الله.
كنت أنا شخصيًا ممن خرج إلى «وزيرستان» ثم إلى «كراتشي»، وبقينا فيها حوالي ثلاثة أشهر، ثم جاءتنا أوامر من الإخوة بالتوجه إلى إيران، وكان الكثير من الإخوة كارهين لذلك، ولكن كانت أوامر القيادات هكذا؛ سواء قيادات القاعدة، أو الجماعة المقاتلة أو غيرهم كثير..
فدخل جمهرة كبيرة من الإخوة إلى إيران، بعضهم بفيزا رسمية حيث أخذوا التأشيرة من القنصلية الإيرانية في «كراتشي»، وبعضهم بدون تأشيرة أصلًا، ثم الكل بعد ذلك أو المعظم دخلوا بطريق غير «قانوني»؛ أي بالتهريب وعبر تسلل الحدود، وهو أمر ليس بالصعب بل هو سهل، وإنما الغرض من التأشيرة أن تكون في جواز الأخ تأشيرة؛ حتى إذا أراد أن يسافر من إيران إلى بلد آخر بعد ذلك يمكنه ذلك بسهولة، وهو ما فعله الكثيرون فعلًا، ممن هاجر إلى العراق، أو إلى بلادهم الأصلية، أو إلى أوروبا، أو إلى ماليزيا، أو بعض الدول الأفريقية، وغيرها؛ يبقى «ختم» الدخول الإيراني، وهذا أمره بسيط عندما تكون التأشيرة الإيرانية موجودة في جوازك؛ لأن الإخوة يصنعونه، وليس عند الإيرانيين تدقيق كبير ولا ربط كمبيوتري يتعلق بأختام الدخول والخروج.
فالإخوة دخلوا إلى إيران عبر دفعات متعددة، وكان من أول من دخل إلى إيران من القيادات الأخ: أبو حفص الموريتاني؛ بتفويض من القيادات في تلك المرحلة -قيادة الأزمة-؛ لأن الشيخ والدكتور كانا بعيدين ولم يكن ثمت اتصالات بهما بعد «تورا بورا»..
أقول: دخل أبو حفص الموريتاني ومعه مجموعة من الإخوة بعضهم قيادات أيضًا، من القيادات المتوسطة والصغرى في القاعدة، بالإضافة إلى إخوة من الجماعات الأخرى؛ كالجماعة المقاتلة بقياداتها وكالجماعة الإسلامية المصرية وبقايا جماعة الجهاد المصرية، والجماعات الشامية مثل جماعة الزرقاوي.. وغيرهم.
كان التفويض الذي عند أبي حفص هو أن يتولى التفاهم مع الإيرانيين؛ ليسمحوا لإخواننا بالعبور وبالإقامة في البلد -إيران-.
الذي علمته بعد ذلك من إخوة كانوا قريبين من أبي حفص ومن أوائل من دخلوا إلى إيران؛ أن الإيرانيين في البداية رحَّبوا، وبالفعل حددوا نقاطًا وشروطًا مع أبي حفص، وصاروا يتكلمون مع أبي حفص كمسؤول على الإخوة جميعًا، ومن ضمن الشروط التي شرطها الإيرانيون: أن لا يستعمل الإخوة الهاتف نهائيًا؛ أي يمتنعون عن الاتصالات الهاتفية؛ لأن أمريكا تراقب الاتصالات، وأن يسكنوا في بيوت يؤجرونها، لكن لا يعملون أي نشاط ولا تحركات وتجمعات تلفت الأنظار، ونحو ذلك.. والحاصل أنها كلها كانت شروطًا أمنية.
وافق أبو حفص والإخوة على ذلك.
وكانت معاملة الإيرانيين -الاستخبارات وغيرهم- للإخوة معاملة طيبة؛ بل كانوا في الغالب يبشون في وجوه الإخوة ويعبِّرون لهم عن محبة، ويعتبرونهم أبطالًا.. طبعا لا نعرف: هل هذا صادق منهم؟ أو هو تقية ومسايسة؟ أو غير ذلك؟.. الله أعلم.
لكن الذي يظهر لي أنه بالنسبة للأفراد العاديين في الاستخبارات أو «الباسيج» وغيرهم؛ فهؤلاء كانوا صادقين في محبة الإخوة، وكانوا ينظرون إليهم كأبطال ضربوا أمريكا فعلًا..!
وأما القيادات؛ فالله أعلم.. قد يكون من يفعل ذلك منهم يفعله عن تقية ومكر ومسايسة..!
لأن الناس العاديين منهم، كثيرون منهم لا يعرفون شيئًا، وجهلاء حتى بمذاهبهم وغير ذلك..!
وهذا معروف لا شك فيه، وتحصَّل من ذلك عندنا دلائل كثيرة، ووجدنا في الشيعة الرافضة من يحبنا ويحترمنا جدًا.
جلس الإخوة في إيران، وكان معظمهم في مدينة «زاهدان» عاصمة ولاية سيستان وبلوشستان.
لكن الذي حصل أن إخواننا لم يلتزموا بالاتفاقات، ولم يكن أبو حفص قادرًا على السيطرة عليهم؛ فقد كانوا من جنسيات مختلفة وأشكال وأنواع من البشر، وكان فيهم المستعجلون والفوضويون وغير ذلك؛ فلم يلتزموا بشرط عدم استخدام الهواتف وخاصةً الموبايلات! ولا بشروط التحرك اللافت والتجمعات..!
فاشتروا السيارات وأخذوا يتحركون كما يحبون ويتجمعون، وصارت لهم في مدة وجيزة شبه مضافات ونحوها، وحركة لافتة جدًا في المدينة، وعلاقات بأهل السنة في المدينة وغير ذلك.
بل وصل الأمر بإخواننا -وهذا خطأ يتحمله بعض أفراد القاعدة من القيادات الصغرى- أنهم خرجوا مرة أو أكثر إلى بعض ضواحي زاهدان -صحراء- ونصبوا أجهزة المخابرة الكبيرة طويلة المدى التي تتطلب نشر الأنتينات الخاصة بها فوق الأشجار والأعمدة الكهربائية وغيرها، وتحدثوا مع الإخوة في الشيشان بشكل مباشر، طبعًا من المتوقع أن ذلك قد تصنَّت عليه الأمريكان.
في هذه المرحلة استطاع أخونا أبو حفص أن يرتب لكثير من شباب الجزيرة -السعودية وغيرها- أن يسافروا ويرجعوا إلى بلدانهم أو يمشوا إلى بلدان أخرى مثل سوريا وغيرها، وكانت المخابرات الإيرانية متعاونين جدًا، ويساعدون في تسفير أي أخ يريد السفر.
ثم فجأة عمل الإيرانيون حملة مداهمة وقبضوا على الإخوة بدون سابق إنذار، وقبضوا على الكثيرين جدًا، من «القاعدة» وغيرها؛ كثيرٌ منهم شباب عاديون من المجاهدين من شباب الجزيرة والكويت وغيرها ومن بلدان المغرب العربي، وقليل من القاعدة من القدامى المعروفين.
ونجا بعض الإخوة من الحملة ممن كانوا في بيوت غير معروفة، واستطاعوا أن يلتزموا السرية والكتمان والاحتياط، أو كانوا ساعة الحملة خارج البيوت.
كانت هذه أول حملة يشنها الإيرانيون على الإخوة في «زاهدان».. وبعدها تغير كل شيء..!
كان الإخوة في البداية يتصرفون في «زاهدان» كأنهم في بيشاور أيام تسعة وثمانية وتسعين..!!
وبعد هذه الحملة تغير كل شيء، وعرف الإخوة أنهم في القبضة، وأنه لا يجدي إلا السرية والاختفاء تمامًا... إلخ.
الإيرانيون برَّروا الحملة بعد ذلك بأن الإخوة فوضويون -وهذا فيه شيء من الحق للأسف- وأنهم لم يلتزموا بالشروط والعهود! وأيضًا هذا فيه شيء أو ربما حتى الكثير من الحق للأسف..!!
وقالوا -الإيرانيون-: إن الأمريكان قد سجلوا الكثير من اتصالاتكم -اتصالات الإخوة- وأتوا بها إلينا واحتجوا بها علينا، وأننا نؤوي الإرهابيين.. إلخ، والآن أخباركم طلعت وفشت، وهذا خطر علينا، ونحن شرطنا عليكم شروطنا من البداية، وأنتم لم تلتزموا.. إلخ، قالوا هذا للإخوة في السجن.
أنا دخلت إلى إيران هنا، في هذا الوقت؛ أي بعد هذه الحملة المشار إليها، وجئت إلى «زاهدان»، والأخبار لا تزال طازجة عن الحملة، ولكنَّ الأمور قد تغيرت تمامًا وصار كل من يوجد في إيران، سواء في «زاهدان» أو غيرها مختفيًا يكتم نفسه، وتفرَّق الإخوة شيئًا فشيئًا في المدن الإيرانية: العاصمة طهران قصدها كثيرون؛ منهم أنا وكثير من دفعتي، و«أصفهان» وشيراز ومشهد وبندر عباس وغيرها.
وصار الجميع يؤجرون بيوتًا عن طريق إخواننا الموثوقين من أهل السنة ممن هبَّ كثيرٌ منهم جزاهم الله خيرًا لخدمة إخوانهم المجاهدين، وحثَّهم على ذلك علماؤهم الصالحون ومشايخهم أهل الخير من المحبين لطالبان وللقاعدة المناصرين لهم؛ فكان كل مجموعة تدبر لها بعض الإخوة البلوش أهل السنة أو الأكراد، ويشتغلون معهم في تأجير البيوت للعوائل وللعزابة، وهكذا.
وكان الإخوة يزوِّرون الوثائق في كثير من الحالات لهؤلاء الإخوة الأنصار البلوش أو الأكراد، ويؤجرون البيوت ببطاقات وأوراق هوية مزورة، والأمر بسيط جدًا في إيران؛ المهم أن يكون الشخص من أهل البلد، والباقي -الأوراق- أمرها سهل.
فحتى لو «انحرق» البيت كما نعبِّر نحن؛ فلا يُعرف الأخ الذي قام بتأجيره.. وهكذا، كل الناس، كل المجموعات تفعل هكذا تقريبًا.
والذين سافروا؛ سافروا.. وهم كثيرون جدًا من الإخوة السعوديين وغيرهم، والذين قبض عليهم الإيرانيون في الحملة المشار إليها كلهم سَفَّروهم، بدون استثناء، جميعًا.
وكانوا يخيرون الأخ: أين تريد أن تسافر؟، هيا بسرعة اختر مكانًا تسافر إليه، وجهز نفسك، وإذا لم يكن عنده أوراق -جواز سفر- كانوا هم -الاستخبارات الإيرانية- يدبرون له جواز سفر، أو يقولون له دبر لنفسك جوازًا: اذهب إلى الزنقة الفلانية في طهران واشتر جوازًا -زنقة مشهورة في وسط العاصمة طهران معروفة بأنها مأوى التزوير والمزوِّرين للجوازات والبطاقات وكل الأوراق..!-، وهذا كله الذي أقوله لكم ثابت صحيح؛ مِن شِفاه من قيل لهم ذلك، لأن الكثير منهم خرجوا ثم عادوا، كما سأوضح إن شاء الله. كان أحسن خيارات الإيرانيين هو: إما بلدك، أو باكستان، أو العراق، أو ماليزيا، وكانت تركيا أيضًا خيارًا لا بأس به.
وأوروبا كانت الأصعب؛ لم يستطع الذهاب إلى أوروبا إلا بضعة إخوة قليلين، أعرف منهم شخصيًا اثنين من أصحابي الليبيين، خرجوا من المطار بمساعدة الاستخبارات وبعض المعارف الإيرانيين.. ويد الاستخبارات واضحة.
طيب؛ المعارف هؤلاء ما هم وكيف يكون للإخوة معارف إيرانيون رافضة؟
هذه الأشياء عندنا نحن عادية وبسيطة؛ لأن الإنسان عندما يعيش وقائع السياسة والحروب وغيرها، تمر به تناقضات عجيبة، وقد يجد نفسه أحيانًا داخل شبكة معقدة من الصداقات والعداوات، لكن الأخ البعيد الذي لم يخض هذه الأمور قد يستغربها.
سأحاول هنا تقريب الصورة قليلًا، فهذا أشبه بالاستطراد، ثم بعده سنرجع إلى إكمال السيرة:
في السنين العجاف كما نسمِّيها، وهي السنين التي تلت الانتكاسة التي حصلت للحركة الجهادية في الجزائر، بسبب ما تعرفون من سيطرة مجموعة فاسدة منحرفة على قيادة «الجماعة الإسلامية المسلحة» وهي التنظيم الأكبر للمجاهدين هناك، وانحرافهم وضلالهم مما نشأ عنه تفكك الجماعة وانهيارها وتفتتها، وما كان في غضون ذلك من مآسٍ ومجازر ارتكبها الخوارج «التكفيريون» قاتلهم الله.. إلخ، وانضاف إلى هذا الانكسار والإحباط أيضًا انكسار الحركة الجهادية التي قادتها الجماعة المقاتلة في ليبيا ضد نظام الطاغوت القذافي، بين أواسط سنة خمسة وتسعين، إلى أواسط سنة سبعة وتسعين -على مدار سنتين تقريبًا-؛ مما زاد الإحباط وزاد الضغوط أيضًا على الحركة الإسلامية الجهادية في كل مكان..
تقاربت هذه الإحباطات زمنيًا أو ترافقت تقريبًا مع عدة أحداث كبيرة أخرى؛ منها: طرد حكومة السودان للإخوة من بلدها، على رأسهم الشيخ أسامة وجماعته والجماعة الليبية المقاتلة وغيرهم.
ومنها: بدء الحرب الثانية في الشيشان بدخول خطاب لداغستان.
ومنها: بدء ظهور طالبان في أفغانستان، وكان الإخوة في البداية مترددين في تأييدهم بسبب عدم التعرف عليهم بعد.
ومنها: بدء حملات أمنية كبيرة في عدد من الدول المرتدة وتنسيقات أمنية غير مسبوقة؛ حيث قامت السعودية بتسليم حوالي سبعة عشرة أخًا من طلاب العلم الليبيين إلى الزنديق القذافي، وكذلك الإمارات سلمت إخوة مصريين وغيرهم، وغيرها من الدول، مثل الأردن.. وغيرها، ووقعت حملات شديدة جدًا، ثم بعد انتقال الشيخ أسامة وصحبه من السودان إلى أفغانستان -استقر أولًا في جلال آباد، ثم انتقل إلى قندهار بعدما تعرّف على طالبان جيدًا واطمأن إليهم ووثق فيهم ورحبوا به وأحبوه-، ثم جاءت بعدها ضربات «نيروبي» و«دار السلام»، وكانت أمريكا قبل ذلك بدأت في ملاحقة الشيخ أسامة وجماعته -القاعدة- وكل من يتعاون معها بعد أحداث الصومال في المرة الأولى؛ حيث ساهم الإخوة انطلاقًا من قواعدهم الخلفية في السودان وفي كينيا وأوجادين، في ضرب القوات الأمريكية -ما سماه الأمريكان بحملة «إعادة الأمل»- واضطر الأمريكان إلى الهروب من الصومان خاسئين، وكان ذلك في عهد «كلنتون»، كانت هذه هي النقطة الأساسية والبداية الرسمية لملاحقة الأمريكان للشيخ أسامة وجماعته وزيادة الضغط عليهم وعلى كل من يتعاون معهم أو يقاربهم من الجماعات والأشخاص.
ونتيجة الضغط الشديد الذي مارسه الأمريكان ومعهم عملاؤهم في الدول المرتدة؛ حصل ما حصل مِمَّا أشرتُ إلى بعضه من طرد الشيخ والقاعدة، ثم عمليات القبض والتتبع للإخوة في كل مكان، والتسليم والتعاون الأمني الذي كان ثمرة اجتماعات ومؤتمرات واتفاقات أمنية بين دول الردة في تونس وغيرها؛ كل ذلك بإشراف أمريكي ومتابعة وضغوط.
المقصود أن هذه الفترة، وهي على وجه التقريبِ سنوات: سبعة وتسعين، وثمانية وتسعين، وتسعة وتسعين، إلى سنة ألفين أيضًا؛ كانت شديدة على الإخوة جدًا من كل الجماعات الجهادية العربية، خصوصًا قبل التعرف على طالبان ولجوء الأكثرين إليها.
اضطرت الكثير من هذه الجماعات أن تفكر في ملاذات لأفرادها وملاجئ؛ بعد السودان الذي طرد الجميع تقريبًا، والسعودية ودول الخليج تتبَّعتهم وسلَّمتهم، وتركيا كذلك سلَّمت الكثيرين إلى ليبيا وغيرها، والأردن سلمت مجموعة لا بأس بها إلى ليبيا ومصر وغيرها، وأنا شخصيا عشتُ في هذين البلدين عدة شهور في كل منهما بعد خروجي من الجزائر، أعني في تركيا والأردن، وكانت الحياة حياة تخفي وصعبة جدًا؛ تحت ملاحقة الاستخبارات، وقد قبضوا على عدد من الإخوة في البلدين، والحمد لله رب العالمين، نسأل الله دوام العافية واللطف والسلامة.
أقول: حاولت الكثير من الجماعات إيجاد ملاذات وملاجئ لقياداتها ولأفرادها والعوائل التي معهم؛ فكان التفكير في عدة دول، منها إيران، وقد سبق إليها الإخوة المصريون من الجماعة الإسلامية؛ فذهبوا إلى إيران واستوطنوها، ولكي يرتاحوا ويكونوا قادرين على العيش بشكل هانئ نوعًا ما، ويمارسوا بعض ما يمكنهم من العمل لبلدهم وقومهم، تكلموا مع الدولة الإيرانية وتفاهموا معها على الإقامة عندهم بشكل رسمي مستغلِّين التناقض والتنافر بين دولتي إيران ومصر، وكانت لهم تجربة في ذلك، قالوا عنها فيما بعد -أعني إخوة الجماعة الإسلامية مثل الشيخ محمد شوقي الإسلامبولي، وأبي حازم مصطفى حمزة، وأبي ياسر وغيرهم- قالوا عنها: إنها تجربة فاشلة ومريرة!! وسبب الفشل والمرارة أنك اضطرتك الظروف والصعوبات أن تتعامل مع ناس ليسوا مرتدين فقط؛ بل رافضة يسبون مقدساتك ويطعنون في عرض نبيك ﷺ وأزواجه وصحابته..!!
وزد على ذلك أنهم لا يعطونك شيئًا إلا يأخذون منك -أو يحاولون ويضغطون أن يأخذوا- أكثر منه؛ فكانوا يحاولون أن يعرفوا أدق التفاصيل عن عمل الإخوة في الجماعة الإسلامية، حتى كان الإخوة يتضايقون منهم كثيرًا، وحتى وصلوا معهم في بعض المرات إلى شبه مفاصلة تامة!
وبالفعل ما إن وجد الإخوة ملاذًا عند طالبان حتى هرب کثیر منهم إليها وتركوا إيران، ولم يبقَ منهم في إيران إلا أنفار قليلون جدًا، ثم ضغط عليهم الإيرانيون بعد ذلك وسفَّروهم، وكان من آخرهم أبو حازم وأبو ياسر «رفاعي طه»، وقيل إنهم سفَّروهم ثم وشوا بهم لدى الطرف المستقبل ليقبضوا عليهم، أو على الأقل هكذا يظن الإخوة، والله أعلم طبعًا بالحقيقة.
ممن فكروا في إقامة علاقة أيضًا و«تعامل» مع النظام الرافضي الإيراني: الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، وكان رأي الأخ أبي عبد الله الصادق وجماعة من القيادات هو الإقدام على ذلك للحاجة الشديدة، ولأن النظام الإيراني علاقاته سيئة بنظام القذافي كما هي سيئة بالنظام المصري، لكن كان رأي اللجنة الشرعية وعلى رأسها الشيخ أبو المنذر ومعه الشيخ أبو يحيى وغيرهما؛ عدم جواز ذلك إلا في حال الضرورة، ولم نصل إلى حال الضرورة بعد، مع أن أبا عبد الله الصادق وغيره يقولون: إنها ضرورة أو تقترب من الضرورة لو فعلناها!
فلم تَقم علاقات بين الجماعة المقاتلة وبين النظام الإيراني بسبب معارضة اللجنة الشرعية.
ولكن الجماعة أيام كانت قيادتها متمركزة في تركيا -سنة ثمانية وتسعين، وتسعة وتسعين- بعثت بعض الإخوة إلى إيران أحدهم من القيادات لاستطلاع إيران، وهو أخ أعرفه جيدًا من أحبابي، وهذا الأخ من الكوادر الموهوبة اجتماعيًا ودبلوماسيًا لو بعثته لأي مكان لفعل فيه الأعاجيب، حتى ليتذكر المرء قول الصحابي في عبد الرحمن بن عوف: «لو تاجر في التراب لربح»، بعد دعاء النبي ﷺ له.
هذا الأخ استطاع أن يكوِّن بعض العلاقات في إيران، حتى إنه دخل مدينة «قم»، بدعوى أنه يريد تقديم أوراقه للدراسة هناك -دراسة الأدب الفارسي على ما أظن، بهذا العنوان-، وتعرَّف على بعض العرب هناك؛ منهم جزائريون وتونسيون وغيرهم ممن يدرس هناك وممن تشيعوا ويعيشون في إيران من زمن، وكوَّن معهم صدقات، وكان له معهم حوارات، وكان يناقشهم ويناظرهم، لكن هذا الأخ له ميزات معينة؛ فمع كل المناقشات والمناظرات كان يكسب الأصدقاء ويستفيد من خدماتهم، فخدموه فعلًا ووفروا له إمكانية الدراسة والسكن وعرَّفوه على بعض الكبراء، بالإضافة إلى تعرَّف أخينا هذا، وإخوة آخرين ممن دخلوا إيران أيضًا، من الليبيين والمصريين وغيرهم، أقول: تعرُّفهم على ناس من حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيين؛ ممن يقيمون في إيران، والمعارف والعلاقات يجر بعضها إلى بعض.
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
وَمِنْ نَـكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَن يَرَى | عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ١٬٣٦١قاله: المتنبي، انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 32). |
وكما قلت لكم؛ فإن النظام الإيراني الرافضي الزنديق، هو براغماتي أيضًا إلى أبعد الحدود، وعندهم مرونة في التعامل والتعاون؛ لتحقيق ما يظنون أن فيه مصلحة لهم، ولو مؤقتة، إلى أبعد الحدود، فلا بد أن تستحضروا هذا جيدًا.
نرجع إلى إكمال سيرة الإخوة مع الإيرانيين بعد تلك «الحملة الزاهدانية» الكبيرة الأولى.
الآن سأتكلم في نقاط:
- كيف عامل الإيرانيون الإخوة الذين قبضوا عليهم؟ وكيف سفَّروهم؟
- ماذا فعل الإخوة بعد ذلك ممن سافروا خارج إيران؟
- ماذا فعل بقية الإخوة الذين بقوا في إيران ممن نجوا من تلك الحملة أو ممن دخلوا بعدها؟
أما كيف عامل الإيرانيون الإخوة الذين قبضوا عليهم؟ وكيف سفَّروهم؟
فالمعاملة منهم كانت حسنة جدًا وفي غاية الاحترام؛ فكانوا عندما يقبضون على الإخوة يعاملونهم كإخوة محترمين؛ لدرجة أنهم يعتذرون للإخوة ويقولون لهم دائمًا: نحن مضطرون للقبض عليكم لمصلحتنا ولمصلحتكم، ونحن نعاني من ضغوط كبيرة جدًا، كما تعرفون، ونحن نحبكم، وغير ذلك!!
وكانت المعاملة محترمة جدًا؛ لا ضرب ولا إهانة ولا كلمة تُوجع، ولا غير ذلك، اللهم إلا شيئًا نادرًا.
ولم يحققوا مع الإخوة -أو مع معظمهم- أي شيء يسمَّى تحقيقًا؛ كانوا فقط يجلسون مع كل أخ جلسة يعملون له ملفًا ويسألونه عن اسمه وبلده وعمره والمعلومات العامة، وكل ما يقوله لهم الأخ يسجلونه، ولا يقولون له: أنت تكذب ولا شيء، ومعظم الإخوة طبعًا كان يعطي أكثر المعلومات بشكل غير حقيقي.
ووضعوهم في سجون محترمة إلى حدٍ ما، بل في بعض الدفعات الأولى وضعوا الإخوة في فنادق، يعني شبه إقامة جبرية فقط، حتى يسفِّروهم، وقع هذا البداية مع بعض الدفعات الأولى التي أمسكوا بها، منهم إخوة ليبيون وغيرهم، وبعضهم من معارفي الشخصيين.
ويقدمون لهم أكلًا جيدًا، ولم يعتدوا على أحد، ولا أخذوا أموالًا من أحد؛ إلا الأموال التي يجدونها مخزنة في البيوت عندما يقتحمون البيوت، كانوا يأخذونها، وعندما طالب بها الإخوة كانوا يقولون لهم: هذه نصرف عليكم منها، ألستم تصرفون منها على أنفسكم؟!! ولا شك أنهم ظالمون معتدون في أخذها، أما الأموال التي توجد في جيب الأخ؛ فلم يأخذوا من أحد شيئًا حسب علمي، كما أخبرني أكثر من أخ من أكثر من دفعة ممن سُجِنوا ثم سُفِّروا.
بالجملة كانوا يحترمون الإخوة جدًا، ويعاملونهم معاملة حسنة للغاية، ويعتذرون عن سجنهم وإبعادهم عن البلد.
وسأدخل الآن في تفاصيل تسفير الإخوة، وذلك مرّ عبر أكثر من مرحلة، أو لنقل عبر مرحلتين رئيستين:
كما قلتُ، كانوا في الدفعات الأولى -دفعة زاهدان التي أشرت إليها: الحملة الأولى- وما قاربها وبعدها بقليل على امتداد سنة ألفين واثنتين، وحتى تقريبًا الشهرين أو الثلاث الأولى من سنة ألفين وثلاثة -إلى قرابة حصول الغزو الأمريكي للعراق-.. كانوا عندما يقبضون على الإخوة يضعونهم في السجن، ويعاملونهم المعاملة الحسنة كما ذكرت، ثم يسفّرونهم كالآتي:
يعرضون على الإخوة؛ كل إنسان ما يناسبه من عدة خيارات متاحة بالنسبة لهم، أو على الأقل بحسب ما يدَّعون هم، وهي الخيارات الآتية:
- بلد الشخص: إن كان من السعوديين ونحوهم ممن يقدرون على السفر إلى بلدهم، ومعظم السعوديين والكويتيين وأهل الخليج عمومًا من البداية سفَّروهم إما بالتعاون مع سفارة السعودية في طهران، أو بدون ذلك، وسافروا جميعهم تقريبًا، ولم يبقَ أحدٌ بعد الدفعات الأولى.. بالجملة أهل الجزيرة كانوا إما سافروا بأنفسهم بالاتصال بسفارة بلدهم والرجوع إلى السعودية وغيرها، أو قبض عليهم الإيرانيون وسفَّروهم، ولم يبقَ منهم أحد لمدة طويلة؛ سافروا من البداية كلهم.
وهنا بالنسبة للإخوة السعوديين بشكل خاص فقد عرضوا على بعضهم -نفر قليل جدًا منهم- ممن رأوا فيه مرونة معهم وليونة ولاحظوا أنهم شباب جدد، ما ذكرته لكم من استعدادهم لدعمهم وتدريبهم إذا شاءوا في معسكرات حزب الله في لبنان ومساعدتهم بالمال وغيره إذا أرادوا أن يشتغلوا في ضرب الأهداف الأمريكية في السعودية والخليج؛ فقط هذا الذي صحّ عندنا أنه عرضوه على بعض الإخوة السعوديين، ولم يبلغني أنهم عرضوا على أحد مثلًا ضرب الحكومات المحلية كحكومة آل سعود مثلًا، ولا غيرها، كما لا أعلم أن أحدًا من الإخوة قبل منهم شيئًا من تلك العروض، ولم يحصل هذا العرض والإغراء إلا مع الإخوة العاديين والجدد وممَّن ظن فيه الإيرانيون أنه قد يقبل عرضهم مثلًا، وأما الإخوة المعروفون والقدامى فلم يعرضوا على أحدٍ شيئًا من هذا، على حدِّ علمي.
- العراق: وقد اختارها وذهب إليها عدد كبير من الإخوة من سائر الدفعات، ومن آخرهم الشيخ الزرقاوي رحمه الله، وقبله «أبو عبد الله الصادق» أمير الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، وغيرهم كثير، لكن عبد الله الصادق يقي فيها أشهرًا ثم سافر منها إلى بلد آسيوي ثم أُسر، نسأل الله أن يفرج عنه.
- باكستان: وذلك بأن يضعوا الأخ على الحدود -داخل الأراضي الباكستانية- ويقولون له: اذهب..! وقد اختارها أكثر الإخوة وخاصةً من الدفعات الأولى، ومنهم قيادات من القاعدة، منهم الحيّ الآن، ومنهم الذي قضى نحبه، منهم: أبو عبد الرحمن المهاجر، والشيخ: أبو عبد الرحمن المعروف بالـ «بي إم»، وغيرهم كثير.. وبعض الإخوة ممن مُسكوا في الدفعات الأولى وسفَّروهم إلى باكستان -وضعوهم على الحدود في منطقة تفتان، حتى يدخلوا إلى باكستان- دخلوا ثم رجعوا متسللين مرة أخرى إلى إيران، ومن هؤلاء من أعاد الإيرانيون القبض عليهم في مداهمات أخرى بعد ذلك.
- ماليزيا: كانت ظروف السفر إليها جيدة ومتاحة للأكثرين، لكن الإخوة كان أكثرهم يجتنبها بسبب غلاء المعيشة هناك وغير ذلك، وإنما اختارها وذهب إليها بعض الإخوة ليعبر منها إلى غيرها.
- تركيا: في البداية عرضوا على بعض الإخوة التسفير إلى تركيا أيضًا بأن يضعوه في الحدود، ويمشي بعد ذلك بنفسه -يعني تهريب-.
هذه أهم الجهات التي كانوا يسفرون الإخوة إليها.. وهذه كانت هي المرحلة الأولى في تعامل الإيرانيين مع إخواننا الداخلين إلى إيران.
ثم أتت بعد ذلك مرحلة أخرى: وهي التي تغيَّرت فيها فكرة الإيرانيين وسياستهم، فصاروا إذا قبضوا على الإخوة العرب من القاعدة وغيرها -كالليبيين من الجماعة المقاتلة، والمصريين من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية- يحتفظون بهم في السجن، وهي المرحلة المستمرة إلى الآن.
وهذه المرحلة بدأت تقريبًا مع بدء الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام؛ فكانت آخر دفعة كبيرة مسكوهم من الإخوة مجموعتان في طهران كبيرتان ومجموعة في مشهد، يعني: ثلاث مجموعات، فيها عدد كبير لا بأس به من الإخوة مع عوائلهم ومنهم بعض القيادات في القاعدة وفي غيرها من الجماعات.
طبعًا الإيرانيون أخذوا فترة وهم يتابعون هذه المجموعات ويجمعون عنها المعلومات ويتتبعون الإخوة؛ فوصلوا إلى معظم البيوت سواء بيوت العوائل أو بيوت العزَّابة، وعملوا عليهم كبسة -حملة اعتقال- في يومٍ واحدٍ تقريبًا -العدد الأكبر-، أو يومين أو ثلاثة متوالية -التكميلات-.
كان هذا مع مطلع سنة ألفين وثلاثة، ونحن نتابع الاستعدادات الأمريكية لغزو العراق..!
هذه آخر دفعة من المسجونين يعرضون عليهم التسفير.. فسفَّروا منهم أعدادًا، ثم في منتصف عملية التسفير تقريبًا، توقفوا وغيّروا رأيهم.
ممن سُفّر من أهل هذه الدفعة الشيخ: أبو المنذر الساعدي فرج الله عنه، ومنهم الزرقاوي وجماعة من أصحابه، وغيرهم.
وكانوا يريدون -كالعادة- تسفير الجميع؛ حتى إنهم عرضوا على بعض الإخوة الليبيين مثلًا التسفير إلى ماليزيا حالًا الآن، فرفض وطلب التسفير إلى تركيا -لأنه عنده في تركيا معارف وأين يذهب ويدبر حاله، بخلاف ماليزيا- فوعدوه بأن يسعوا في تسفيره إلى تركيا، وكان هو في السجن عندهم وزوجته في الخارج كانت على اتصال به بواسطتهم -أعني المخابرات الإيرانية-، وهي على اتصال بنا بشكل سري وتأتينا بالتفاصيل كل كذا يومًا، وفجأة غيَّر الإيرانيون رأيهم وسياستهم وجاءتهم تعليمات من القيادة العليا لهم بأن يوقفوا كل عمليات التسفير!
ومع ذلك ظللنا نأمل في تغير رأيهم، وقلنا: لعله أمر مؤقت!، مع توقُّعنا أنها سياسة جديدة أيضًا؛ لأنهم قاتلهم الله كانوا يعللون هذا التوقيف للتسفير والاحتفاظ بالإخوة، بخوفهم من الأمريكان، وبأن معلومات عن هؤلاء الإخوة تسرّبت إلى الأمريكان.. وغير ذلك، وكل هذا كان يأتينا بواسطة بعض المعارف، أو بواسطة النساء اللاتي كان أزواجهن في السجن وكنا نتابع نحن -الذين في الخارج- أمورهم ونتصل بهن، وهنَّ مسكينات كنَّ يضغطن ويلححن على مكاتب الاستخبارات الإيرانية؛ بتسفيرهن مع أزواجهن ويتابعن شأن أزواجهن، وكانوا قد جمعوا النساء -اللاتي أزواجهن في السجن- في بيتين خاصين وتركوهم بلا حراسة ولا شيء، إنما يمرون عليهم يوميًا لطلباتهم ونحو ذلك، وكانوا يأتون بنساء للتعامل معهنَّ، وبعضهن يتكلمن العربية.
وأغلب نساء الإخوة طبعًا كان لهم أطفال وبعضهم قاربوا البلوغ، والأكثرون لهم أطفال صغار، الذي عنده واحد أو اثنان، والذي عنده ثلاث وأربع وحتى خمس.
مرت الشهور ثم سنة وسنتان وثلاث، ولم يغير الإيرانيون سياستهم، بل استمروا في الاحتفاظ بهؤلاء الإخوة في السجون، وجمعوا الإخوة مع عوائلهم في سجون هي كالإقامات الجبرية، مباني سكنية في مجمَّع من مجمَّعاتهم الأمنية المحصنة، وما زال الأمر بهذا الشكل منذ ثلاث سنوات.
هرب من السجن قبل حوالي عامين اثنان من الإخوة أحدهم ليبي وهو الشيخ عبد الله السعيد من الجماعة الإسلامية المقاتلة، ومعه أخ آخر مغربيّ.
كان هروبهما في عملية ظريفة وبسيطة استغلوا فيها ربكة زيارة النساء لأزواجهن في المجمع، وذلك قبل جمع الإخوة مع عوائلهم بقليل؛ بل كانوا شرعوا في جمع الإخوة مع عوائلهم وجمعوا البعض وما زال البعض ينتظر دوره، وكانوا يجهِّزون لهم الإنشاءات السكنية، في تلك المرحلة كان معظم النساء والعوائل ما زالوا في الخارج -في البيتين المذكورين-، وكانوا يُزورونهن أزواجهم كل مدة معينة، بواسطة حافلة تأتيهم وتأخذهم إلى المجمع -الذي فيه الإخوة- ساعة من زمان ثم يرجعونهن.
المقصود؛ أن الأخ عبد الله السعيد وصاحبه استغلوا هذه الربكة، وخرجوا مع النساء في الحافلة في حركة لطيفة جدًا، ولم يشعروا بهم، حتى وصلوا إلى الخارج ونزلوا وهربوا وأخذوا أزواجهم معهم، وهكذا الهروبات من السجون وقصصها، وما أكثرها!
الذي تيقَّنَّاه ولا نشك فيه؛ أن الإيرانيين مع غزو الأمريكان للعراق وسقوط نظام صدام وبدء الجهاد والمقاومة هناك، وبروز الزرقاوي واسم القاعدة بسرعة وتسارع الأحداث، قرروا الاحتفاظ بإخواننا كورقة عندهم..!
هذا هو الأمر كما يظهر لنا بوضوح، والله أعلم.
ولم يطلقوا من كل تلك الدفعات ولا مَن بعدهم -لأنهم قبضوا بعدهم على عدة أشخاص في دفعات قليلة- إلا ثلاثة إخوة ليبيين صغار شباب أطلقوهم وسافروا؛ لأن أوراقهم أعني جوازاتهم كانت جيدة وكانوا دخلوا بطريقة قانونية لإيران، واثنان منهم يحملان جوازات أوروبية، أهلهم مقيمون في أوروبا، جاءوا بغرض الالتحاق بالإخوة في وزيرستان، فأُلقي القبض عليهم في دفعة متأخرة، فأطلقوهم، وسافروا، ولم يطلقوا من معهم في نفس الدفعة وفي نفس البيت من الإخوة القدامى الداخلين من باكستان ممن ليس عندهم أوراق ولا تأشيرة ولا شيء.
وكذلك أطلقوا أحد الإخوة المصريين لحالة إنسانية كما قالوا؛ لأن زوجته مريضة جدًا توشك على الهلاك، ولحد الآن هي تتعالج في بعض المستشفيات.
فهذا عرض موجز أرجو أنه واضح لمراحل تعامل الإيرانيين مع إخواننا.. والله المستعان.
وأما ماذا فعل الإخوة بعد ذلك ممن سافروا خارج إيران؟
فأظن أنه تبيَّن من كلامي السابق، وخلاصته: أن الأكثرين ذهبوا إلى بلدان أخرى، فالذين وُضِعوا على حدود باكستان معظمهم دخلوا باكستان بالفعل والتحقوا بإخوانهم في وزيرستان، ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر كما قلتُ، وبعضهم سافر إلى بلدان أخرى كماليزيا ومنها انتقل إلى بلدان أخرى، ولا أعرف أحدًا سافر إلى ماليزيا وبقي فيها مقيمًا تقريبًا، بسبب شكوى الإخوة جميعًا من غلاء المعيشة فيها وصعوبتها، مع ما فيها من فساد، والله المستعان.
والذين ذهبوا إلى العراق أكثرهم كذلك بقوا فيها، ومنهم مَنْ مَنَّ الله عليهم بالجهاد هناك، وصار له شأن، وعلى رأس هؤلاء الشيخ الزرقاوي رحمه الله.
ومنهم من بقي فيها أشهرًا ثم خرج قبل الحرب، وهكذا.
وأما: ماذا فعل بقية الإخوة الذي بقوا في إيران ممن نجوا من تلك الحملة أو ممن دخلوا بعدها؟
فقد اعتمد الإخوة الذي بقوا بعد ذلك خططًا أخرى أكثر صرامة في الاختفاء والأمنيات، وصاروا متفرقين متباعدين ممتنعين عن زيارة بعضهم بعضًا إلا ما ندر، وحتى في بعض حالات الحاجة إلى اللقاء يلتقون في الخارج؛ لا يعرف بعضهم بيوت بعض، وقللوا العلاقات جدًا مع أهل البلد -إخواننا من أهل السنة الإيرانيين- لأن كثيرًا من النقص الأمني يدخل منهم؛ لأنهم إما بسبب علاقاتهم يتكلمون فيخرج خبرك وسرك، أو يكونون متابعين من قبل الاستخبارات الإيرانية فيرصدونهم شهورًا حتى يجمعوا أكبر قدر من المعلومات ثم يقومون بالحملة.
وكذلك امتنع أكثرهم عن استعمال الموبايلات، إلا في حالات ضيقة جدًا، ومع اتخاذ الاحتياطات الكثيرة الأمنية؛ لما عرفنا من أنها سبب مباشر من أسباب تتبع الإخوة والقبض عليهم، وقللوا من استعمال الانترنت، وغير ذلك.
فالآن لم يبقَ في إيران من إخواننا إلا نفرٌ قليل جدًا بهذا الشكل الذي وصفت.
ووجود بعضهم ضروري من أجل الطريق والترتيبات للإخوة في جهة أفغانستان ووزيرستان.
وهذا مُلخص ما جرى بين إخواننا المجاهدين من القاعدة وغيرها وبين الإيرانيين.
وما سوى ذلك فلا أعرف أبدًا أنه حصل أي تعامل من إخواننا مع الرافضة في إيران ولا في غيرها، من قبل ولا من بعد.
فهذا معظم المهم في هذا المحور.. وأسأل الله أن يجعله نافعًا.
وإنما قلناه وكتبناه للضرورة، وهو في غاية السرية كما لا يخفى!!
* المحور الثالث: في بيان ما أعرفه شخصيًا من فكرة إخواننا حول الرافضة وإيران والتعامل معها، وغير ذلك.
فأقول وبالله التوفيق وبه وحده أستعين: لا أحتاج إلى أن أطوِّل المقامَ في بيان معرفة إخواننا التامة إن شاء الله بالرافضة وضلالهم ومروقهم من الدين، وكلام علمائنا فيهم.
والإخوة -بحسب ما أعرف- يختارون في مسألة تكفيرهم المشهور عن علمائنا، وعن شيخ الإسلام وابن القيم على وجه الخصوص من التفصيل فيهم: فأئمتهم وكبراؤهم الغالب أنهم زنادقة، ونحكم عليهم بأنهم كفار، والمختار عند إخواننا أن كفرهم هو كفر ردّة، وهناك من الإخوة من يبحثُ في ذلك، ويظهر احتمال أن كفرهم إذا كفرناهم هو كفر أصليّ.. وأما عوامّهم فهم مسلمون من أهل القبلة على ما فيهم من ضلال بل وكفرٍ، لكن بسبب نشوئهم على هذا المذهب والضلال لا يعرفون غيره، وبسبب الجهل والتلبيس فنحكم على عوامهم وجهلتهم بالإسلام إلا مَن تبيّن كفره بعينه.
هذا هو مجمل رأي إخواننا في الرافضة عمومًا، سواء في أفغانستان أو باكستان أو إيران أو غيرها.
وبالجملة؛ فإن إخواننا على مذهب علمائنا في كل هذه المسائل؛ كما في سائر مسائل الدين والشريعة، والحمد لله رب العالمين، وما بينهم من اختلاف في الرأي والاختيارات فهي مما يسعها الاجتهاد وتسعها مذاهب واختيارات علمائنا رحمهم الله تعالى.
هذا من حيث التأصيل النظري لرؤية إخواننا للرافضة.
بالنسبة للدولة الإيرانية؛ فيراها إخواننا كسائر الدول المنتسبة للإسلام زورًا وبهتانًا، وأنها دولة الروافض المارقين، دولة زنادقة الرفض، وأنها هي الدولة الداعمة لمشروع الرافضة المدمِّر في أمتنا، وأنها عدوّ لنا على المدى البعيد -لعل هذا صار يتغير الآن، وصار هذا العدو يقترب رويدًا، والله أعلم-.
ورؤية إخواننا الحالية والتي لا تزال مستمرة على حسب علمي أنهم يرون إيران عدوًّا مؤجلًا، وأنه ليس بيننا وبينها حربٌ الآن، وأننا نسالمهم ما سالمونا، وأنه قد تتقاطع بعض مصالحنا مع بعض مصالحهم، وعلى رأس ذلك ضرب أمريكا ومعاداتها.
وفكرة الإخوة المستمرة إلى الآن بحسب علمي أيضًا هو المحافظة على الهدوء في إيران، وعدم إحداث أي حدث فيها؛ لما تمثله إيران من ممرّ ومعبر لإخواننا إلى أفغانستان، وساحة دعم وحركة ولوجستيك، وإن كان كل ذلك بشكل مستتر ومتخفي، وإن كان أيضًا هذا صار يتناقص اعتباره في المدة الأخيرة، وصرنا نتوقع أن يغيِّر الإخوة سياستهم كما غيَّر الإيرانيون سياستهم تجاه الإخوة الذين قبضوا عليهم من القاعدة وغيرها.
ويرى الإخوة أنهم يحاولون مع إيران بالطرق الدبلوماسية أن تطلق سراح إخواننا المأسورين عندها، ولعلهم يفعلون ذلك إذا أحسوا بشكل نهائي أن أمريكا ستضربهم، أو إذا بدأت أمريكا في ضربهم بالفعل، من باب النكاية في أمريكا، وأن الجميع سيكون في خندقٍ واحد ضدًا لأمريكا، على الأقل هذا بحسب ما يتوقعون ويطمعون، وهو مقامٌ عند إخواننا فيه شيء من التفصيل..!
الإخوة المأسورون من القاعدة لدى إيران: لا شك أنهم شكلوا عبئًا وتقييدًا لقدرات الإخوة وإعاقة لهم؛ فمثلًا تلاحظون سكوت الشيخ أسامة عن إيران وعن الرافضة، وفي ظني أن من أسباب ذلك مراعاة وجود الإخوة المأسورين في إيران، وهكذا.
أما في العراق مثلًا؛ فالإخوة يرون أن المجاهدين عليهم أن يضربوا الرافضة بلا شك، وهم مؤيدون لما يقوم به إخوانهم المجاهدون هناك، على تفصيل بين العوام المبتعدين عن حربنا وبين قواتهم -كجيش الدجال ومنظمة بدر ونحوها-..
ويقولون عن تصرف أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله وسائر إخوانه هناك في العراق: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ويعرفون أن كل ساحة لها ظروفها ومعطياتهم التي تستوجب أحكامًا وسياسات مناسبة مما يندرج في السياسة الشرعية، والحمد لله رب العالمين.
فهذه تقريبًا أهم النقاط الملخصة لفكرة الإخوة تجاه إيران والرافضة.
وهناك مسائل أخرى تركت الكلام فيها، لعدم مناسبته؛ عن أهل السنة في إيران وما فيهم من جماعات وصفات وغيرها، وما يتعلق بمستقبل أي عمل في إيران..
ولا أدَّعي أنني ممثل رسمي لهم، ولكن حاولت التعبير عما عرفته من أفكارهم ورؤاهم، من أجل تقريب فهم هذا الموضوع لكم.. فهذا كله كلامي بحسب فهمي واطلاعي، والله أعلم وأحكم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محرم من سنة ألف وأربعمائة وثمانٍ وعشرين للهجرة، [الموافق: 1 / 2007م]
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: رسالةٌ بخصوص التعامل مع إيران وطبيعة علاقة تنظيم القاعدة معها
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا