رسالةٌ رابعة إلى أمير الشباب المجاهدين «أبي الزبير» حول بناء الدولة وأمور أخرى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى حضرة الأخ المكرم «المختار أبي الزبير» حفظه الله وسدده؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نسأل المولى القدير تبارك وتعالى أن تصلكم رسالتي وأنتم ممتعون بموفور الصحة والعافية ومعانون بالمدد والتوفيق من الرب الجليل ﷻ، وجميع من معكم من إخوانٍ كبارٍ وصغارٍ، أهلِ الجهاد والدعوة إلى الله، أهل الإيمان والصبر والبذل، حفظهم الله ورعاهم سدد خطاهم.

أما بعد:

1 - فأولًا نخبركم بوصول رسالتكم المؤرخة في: (21/صفر/1432هـ - 26/يناير/2011 م)، والتي تضمنت بيعتكم للشيخ أسامة، وسأحولها له وللدكتور أيمن قريبًا بعون الله.

واحتوت مُلحقًا حول العمل في مكافحة الجواسيس، وجزاكم الله خيرًا على فوائدكم ونصائحكم؛ حوَّلتها للمشايخ وللإخوة المختصين للاستفادة منها والاستلهام، والله يكتب أجركم.

ومباركٌ عليكم البيعة؛ نسأل الله العلي القدير أن يتقبل منكم ويبارك فيكم وأن يجعلها في ميزان حسنات الإخوة جميعًا، وأن يجعلها بركة وفتحًا منه تعالى لأهل الإسلام.

أخي العزيز، إن مسألة إعلان البيعة خيارٌ له وجاهةٌ ولم يستبعده المشايخ -بل كان هو رأي الدكتور أيمن-، ولكن رجَّحَ الشيخ أسامة ما ذكره لكم في المرحلة الراهنة؛ إرادةً للتخفيف عليكم وطلبًا للتلطف لكم في أمركم مع أعداء الله، وحتى تتاح فرصة لبعض شرائح الأمة أن يعينوكم بدون أن يكون هناك عائق «قانوني» صريح عند دولهم الكافرة الظالمة حتى حين؛ حتى يفرج الله.. ولهذا فكان من تمام الرأي أن تنشروا خبر البيعة وتؤكدوها شفويًا لإخوانكم وأنصاركم وشعبكم؛ بدون نشر وثائق رسمية، وحيثما ترون التصريح والإعلان مناسبًا وتتأكدون من ذلك فافعلوا، والله معكم.

ص 2211

2 - والملحقات الأخرى «الملفات» التي مع رسالتكم؛ أُخبرتُ من قبل الوسيط أنه استلمها وأنها في طريقها إلينا.

3 - أخي العزيز؛ تتابعون ما يحدث هذه الأيام من ثوراتٍ شعبية عربية، ونحمد إليكم الله تعالى أن منَّ على المسلمين بزوال طاغيتي تونس ثم مصر، ثم ها هو الطاغوت القذافي يترنَّحُ وحكمه في تلاشٍ والحمد لله؛ رغم ما حصل من مآسٍ ورغم أنه -أخزاه الله- أبى أن يغادر حتى يجر جيوش أوليائه الكفار الأصليين الجويّة تحوم في سماء البلد وتقصف وتدمّر، ولكن الله يمكر بهم جميعًا، والعاقبة للمتقين، ونحن نرى فيما جرى ويجري خيرًا كثيرًا للمسلمين إن شاء الله، فليبيا الآن مهيأة لوضع جهاديّ وبحكم موقعها المهم؛ فإنها ستكون ساحة جهادية مفتوحة على الجزائر والصحراء الكبرى وعلى السودان ودارفور وتشاد والعمق الإفريقي بالإضافة إلى انفتاحها على تونس ومصر، وخلال هذه الأيام الجارية بدأت تحركات الشعب في سوريا وكذلك الأردن، واليمن كذلك تشهد ثورة.. ونسأل الله أن يجعلها خيرًا على المجاهدين وعموم المسلمين..

وكنا كتبنا للإخوة في اليمن -أخينا أبي بصير- بأن يتجنبوا أي صراعات جانبية وليست أساسية الآن؛ كالاصطدام بالحوثيين الشيعة ونحو ذلك، وأن يكونوا خيار الشعب اليمني في حال انفلات الأوضاع، وأن يستغلوا هذه الاضطرابات والانفلاتات الأمنية في اغتيال رؤوس الإجرام والفساد والشر، بصمت وهدوء.

4 - أخي العزيز، في ضوء هذه الأحداث فنسألكم: ما خبرُ الصومال والشعب الصومالي الذي هو في مناطق أنتم السلطة فيها والقوة النافذة.. فالشعوب يقتدي بعضها ببعضٍ، فهل رصدتم توجهات معينة شعبية؟ وهل احتسبتم لاحتمال تحريك بعض القوى للجماهير للتحرك في مظاهرات أو نحو ذلك؟ ورأيي المبدئي أنه إن قُدّر حصول شيء من ذلك فغير ممكن إعمالُ القوة والسلاح مع الشعب أو التورط في إراقة دماءٍ مهما كان، وإنما تتركون لهم المجال وترجعون إلى كونكم حركةً إسلاميةً مجاهدةً من جديدة لها دورها السياسي والاجتماعي في المجتمع والبلد، ويقال للقوى الشعبية: دونكم الأمر فتولّوه، وما لم تخرجوا عن دين الله الخروج المبيح لقتالكم فنحن صابرون ومقتصرون على النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي يقرره الفقه.

ص 2212

إنما كتبتُ هذا استباقًا وهو رأيي الشخصيّ لأننا لا ندري أي ابتلاء يحصل وأي محكٍّ نوضع فيه.

وانظروا كيف ابتُليت حركة حماس الإخوانية في غزة، فرسبت في الامتحان في عدة موادّ: قضية تحكيم الشريعة وإقامة الدين الحق، قضية التعامل مع خصومها من المسلمين المجاهدين والدعاة، وحتى أخيرًا قضية الحريات والتعامل مع الصحفيين ومع المعارضين ومع الشباب المتظاهرين..! فعلى المستويين الديني الإسلاميّ، والإنساني «المدنيّ» كما يتشدّقون فشلوا! ففي الحقيقة كانوا مثالًا سيئًا، لولا أن الشعب خياراته قليلة والوضع الجهادي مع اليهود يوفر لهم نوع شرعيةٍ واستنادهم إلى «منظومة الإخوان المسلمين العالمية» لكانوا سقطوا بسرعة.. وهذه أمور فيها عبرةٌ ومجال للتأمل من أجل أن تعرّف أسباب الصلاح والفساد، وبالله المستعان.

5 - وفي هذا الإطار أضع لكم فقرة من رسائل الشيخ أسامة للفائدة، وإذا كان عندكم تعليق عليها ومناقشة فحبذا لإثراء الأفكار -أجعلها في الخاتمة ملحقًا-..

6 - بخصوص التعليق على المنهج أو الميثاق؛ فسنرسله لكم بعون الله في مراسلة لاحقة.

7 - أخي العزيز، فيما يتعلق ببناء الدولة وهياكلها ومؤسساتها، وما يهيئها للقيام بوظائفها، وهل يناسب أن يوضع دستورٌ، وكيفية وضعه؛ فأنا أعتقد أن في رجالكم وطاقاتكم الصومالية ما يكفي وما فيه خيرٌ وبركة لكي تنتجوا شيئًا طيبًا، ولا أعتقد أننا أخبر منكم أو أعرف حتى نفيدكم بشيء كبير، ولكننا لن نضن عليكم بما لدينا من أفكار وتأملات وفوائد بإذن الله تعالى.

وأهم شيء أراه هو: أن يكون لدى الإخوة عندكم، وأعني بالتحديد الطبقة القيادية والنُّخب المثقفة -القيادات العلمية والفكرية والأدبية- أن يكون لديهم التصور الصحيح الناضج المتكامل للدولة المنضبط بشريعتنا المطهرة، المستقل المتحرر من هيمنة الفكر الغربي والمعتزِّ بإسلامه وثقافته غير الخاضع لثقافة الغرب أو المنهزم أمامها.

وقد كُتب في مجال «الدولة» من قِبل الإسلاميين المعاصرين كتابات عديدة يمكن أن يقرأها الإخوة -بل لا بد أن يقرأوها -بعضها على الأقل- لزامًا-.

ومن تلك الكتب:

ص 2213

- بعض كتب حزب التحرير على ما فيها من ملاحظات طبعًا.

- كتب الدكتور عبد الله النفيسي.

- بعض كتب الشيخ محمد أبو زهرة.

- كتب عبد الكريم مطبع الحمداوي «المغربي».

وغيرها..

8 - وكنا ركزنا معكم في النصح -كما لاحظتم- على أهميةِ الاعتبار بالحقيقة والواقع على الأرض دون الشعارات واللافتات والإعلانات والتمظهرات؛ فإنها لا تغني شيئًا كثيرًا لا سيما في مثل المرحلة التي نحن فيها الآن «مرحلة عدم التمكن الكامل المطمئن»، ولأن لها تكاليف وتضع صاحبها تحت طائلة المطالبة بالوفاء بالتزاماته الضمنية المتضمنة في تلك الشعارات واللافتات والعناوين الكبيرة؛ بل قد تجعلُهُ مثارًا للسخرية من الناس، والخُصوم المتربِّصون لا يقصِّرون في ثلبنا وتوظيف أي شيء ضدنا، وهذا مؤسفٌ لو حصل وضارٌّ جدًا!

9 - وأن تلك النخب من قيادات المجاهدين لا بد أن ترقي باستمرار مستواها الفقهي والفكري، وأن تكون مستوعبة لفكرة أننا في واقع وفي مرحلة من «حالة» الأمة يصعُبُ فيها نشدان الكمالات في أمورنا، وأن علينا أن نحقق ما نستطيع من الخير ومن الصلاح، ويصعب تحقيقُ كلِّه.

وفي هذا الإطار عليهم مراجعة سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وسير المصلحين في الأمة وأعصارها عبر التاريخ.

10 - ثم نؤكد على ضرورة الاهتمام بالشعب وقطاعاته وشرائحه وقواه وطاقاته وأهمية استيعابها واكتسابها إلى جانبنا واصطناعها وتوجيهها.. ومنحهم الفرصة الحقيقية للمشاركة في بناء دولتكم، والتغاضي عن النقص والقصور والصبر على إصلاحه وتحمّله.

ص 2214

وبجانب الحزم والقوة والفروسية لمجاهدينا الأبطال؛ لا بد من إظهار التسامح والإكثار من استعمال الإغضاء والتغافل والتغابي والعفو للناس المسلمين -عموم الشعب-، وعدم الاستعجال في عقوبات وجزاءات؛ بل تكون على التدريج ومقتصرة في هذه المراحل على الظاهر منها الجليّ والذي يُتأكد ويتثبّت -على الحقيقة وليس بمجرد ما يبدو للوهلة الأولى- أنه لا يؤدي تطبيقه وإنفاذه إلى مفسدة أكبر.

11 - إن إشراك القوى الشعبية في إدارة البلد ضروري لا يحتاج إلى توصية، بل وإيكال الأمور إليهم في كثير من القطاعات وتقتصر قيادات الحركة -الدولة- على الإشراف والمتابعة الحسنة الطيبة، مع التفتيش عن الطيبين الصالحين وتوظيفهم وتكثير سوادهم.. لأن تجشَّمَ المجاهدين حمل أعباء الإدارة قد يكون مُستهلكًا لطاقاتهم في هذه المرحلة، وما زال أمامهم جهادٌ طويلٌ مستمر.

فحتى القضاء مثلًا، وهو جهاز ونظام كبير ومهم جدًا في الدولة؛ يمكن إيكاله إلى علماء البلد «المقاربين في حالهم وموقفهم» وتأطيره لهم بشكل مبسط إلى حين يترقى مع الوقت.

وبطبيعة الحال، نحن تصوّرنا للواقع هناك ضعيف، ولكن هي أفكار عامة يُستفاد منها..

12 - بشكل مبدئي فإن المسألة «الفلسفية» والتصوّرية المهمة هي: في مثل مرحلتنا وظروفنا التي لا تخفى -تمكّن غير كامل وبلد وشعب منقسم، أعداء أقوياء متربصون بل محاربون بالفعل، مخاوف أخرى، وظروف عالمية تُلقي بظلالها، مستوى شعوبنا المسكينة، مستوياتنا نحن أيضًا المتواضعة..-؛ فإن المسألة هي: كيف نوازن بين حالة «الحركة والتنظيم» وحالة «الدولة»؟

وفي حال شرعنا في التحوّل إلى حالة الدولة فما القدر الذي نعطيه من طاقاتنا الحركية والتنظيمية لمتطلبات الدولة؟ وهل يناسبنا أن نكون دولةً أصلًا؟ ألا يمكن أن نبقى تنظيمًا وحركةً ونترك الدولة للشعب يُديرونها بالمعروف مع إلقائنا بثقلنا التوجيهي عليهم من خلال قوتنا الفعلية، ونبقى نحن موفِّرين قوتنا للجهاد ومقارعة الأعداء؛ فإننا إذا تحوّلنا إلى «دولة» فإن ذلك سيتطلب من الناحية العسكرية دخول أية مواجهة بشكل «نظامي» في حين أننا لا نملك مقومات ذلك ولا طاقة لنا به، إذ لا مكافأة بيننا وبين أعدائنا لا في سلاحٍ ولا تجهيزٍ ولا أية وسائل، إنما الذي يناسبنا -إلى أن يشاء الله- هو أن نكون «عصابات» وأن نكون بحيث لا يستطيع العدو أن يحاربنا بوسائله المتطورة.

ص 2215

إنها عندي مسألة شائكة، ومازلتُ مُتحيرًا فيها؛ لكن قلتُ: أكتبُ ما عندي وأضعه أمامكم للتفكير والتأمل، ولا يضركم، ويمكن إطلاع الإخوة الثقات أهل الكمالات العلمية والعقلية والأدبية عليها للتفكير والتأمل.. واعلموا أن التوفيق بيد الله وحده كما حكى الله عن سيدنا شعيب أنه قال ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ [هود: 88] فليطب منه سبحانه ولذا قال بعده ﴿عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠﴾ [هود: 88]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 126].

13 - من الأفكار التي ألفتُ نظر إخوتي إليها وهي فكرة عملية استفدناها من بعض الشركات والمؤسسات في العالم اليوم، وخاصةً عند الغرب يعملون بها ويُعطونها أهمية كبرى، وهذا من الحكمة التي تؤخذ من كل أحدٍ، وهذه الفكرة هي: صناعة الأفكار، واقتناصها وتطويرها وتوظيفها، لدرجة أن بعض المؤسسات والشركات في الغرب كما أخبرني بعض الإخوة المثقفين ممن عاشوا في الغرب ورأوا هذا بأنفسهم؛ يعطون مرتباتٍ باهظة لأناسٍ شغلهم الوحيد معهم هو: صناعة الأفكار وإعطاء الأفكار والإفادة بالأفكار في تطوير الشركة أو المؤسسة وغيرها.

وفي هذا الإطار هم يهتمون دائمًا بالاستبيانات والاستمارات التي يضعون فيها أسئلة بسيطة ويطلبون فيها الآراء والأفكار والمقترحات..

وتعرفون أهمية مراكز الدراسات والبحوث عندهم، والشركات الاستشارية وغير ذلك.

فالحاصل: أقترح أن تخصصوا مجموعة من الإخوة من المثقفين وأهل الذكاء والرأي، وطلبة العلم، وربما يكونون متنوّعي المشارب، لا بأس، ويكونون أو بعضهم من الطاقات الشعبية العادية، وتعطونهم بعض الإمكانيات والمكافآت بحسب ما ترون مناسبًا لبيئتكم وتجعلونهم كلجنة أو مجموعة وظيفتها: إنتاج الأفكار التي تطور العمل والبناء والاقتراحات والحلول لكل المشكلات.. إلخ. وتتعهّدونهم بالتوجيه المعنوي وبيان أهمية عملهم وضرورة الإخلاص والاحتساب والصدق..

ولا بأس أن يُعطى لهم بعض التوجيهات المبدئية، منها: ضرورة أن يقرأوا الكتب المعاصرة المشار إليها وغيرها، وبعض كتب علمائنا القديمة في السياسة الشرعية، وفي سياسة الدول والملوك، وفي التاريخ -مثلًا: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ومقدمة ابن خلدون؛ لا بد.. وهكذا- خلال ثلاثة أشهر مثلًا، لا بد أن يُكملوا قراءة حوالي عشرين كتابًا، ثم يبدأوا في تسجيل أفكارهم لكم في كيفية بناء الدولة بحسب واقعكم وحالكم وظرفكم وظرف الأمة عمومًا، وكيفية تطويرها.. إلخ، والله الموفق.

ص 2216

14 - أرى أنه من الجيد قراءة نقد الخصوم والأعداء والاستفادة منه، ويمكن أن يخصص إخوة لذلك.. فمثلًا: الخصوم على النت لهم عدة تحليلات ونقد لحركة الشباب المجاهدين وتصرفاتها؛ من المهم قراءة هذه النقود والتحليلات للاستفادة منها، فإنهم يُهدون إلينا عيوبنا، ربما وهم لا يشعرون، وهم لا يحتسبون، والله أعلم بحالهم.

ألاحظ أنهم يركزون على أن حركة الشباب لا تمثل «المجتمع الصومالي» وأنها كأنها شيءٌ منفصلٌ عنه، وكأنها تفتقد إلى ما يسمّونه «الأصالة» والانسجام مع المجتمع وثقافته..

كما يركزون على فكر الحركة الصداميّ و«الاستئصالي»، وفكر الغلوّ وما شابه، كما يركزون على انقطاعها عن علماء الصومال ومدارسه وجذوره العلمية.

فهذه لا يبعُد أن يكون فيها بعضُ الحق، فعلينا أن نَنقُدَ أنفسنا ونفتش عن حالنا ونناقش ونعالج المسائل بحرية وشفافية وقوة نفس.. نسأل الله تعالى التوفيق والهدى والسداد.

15 - أخي العزيز أبا الزبير: بخصوص موضوع المبلغ «الواحد مليون»؛ فأنا أحاول الترتيب للموضوع، ولكن عاقتنا بعض الأمور، وتعثُر اتصالاتنا، وظروف أمنية لبعض منسقينا، ولهذا فإن رأيتم أننا تأخرنا فلكم الخيار أن تسحبوا المبلغ إن شئتم وتحرزوه، ونسأل الله أن يتقبل منكم.. وكما قلتُ؛ فإني ساعٍ لترتيب الأمر وإفادتكم بالمعلومات المطلوبة.. والله الموفق.

16 - موضوع إعانتكم بالسلاح، فهذا ممكن وإنما يحتاج إلى أن نرتب الطريق البحريّ بيننا، وأنتم أخي أبا الزبير أهل بحرٍ، ونحن لا خبرة لنا بالبحر، مع أننا نحاول من مدة أن نكوِّن مجموعة بحرية من جهتنا، وتعوقنا أشياء في كل مرة، والله المستعان.

والحاصل أننا نطلب منكم أن تعينونا في موضوع البحر لأسباب: للاتصال والارتباط بكم -وقد كتبتُ لكم في هذا من قبل بشكل مختصر- وحتى يكون عندنا خطٌّ للتواصل معكم في أيدينا في حالة ذهاب أو مجيء رجال وكوادر مثلًا بيننا وبينكم، ولتوصيل سلاح ونحوه.. ثم وهو غرضٌ جهاديٌ عسكري أن نستفيد منكم في تطوير «سرية بحرية» تتحرك في البحر وتكون نواة لجهاد البحر، وعندنا آمالٌ أن نستفيد من البحر ونرتبط بإخوتنا أهل البحار والقرصنة في جنوب شرقي آسيا وغيرهم..

وهذا لن يؤثر عليكم في الصومال مزيد تأثير بإذن الله حين نُديرُ الأمر بشكل مناسب بحيث نجعل إدارته مثلًا تبدو من جهتنا أو من جهة جنوب شرقي آسيا «ماليزيا وأندونيسيا وغيرها».

ص 2217

وأرجع إلى موضوع السلاح؛ فنحن مستعدون لتوفير أسلحة وذخائر تقليدية لكم -ذخائر الكلاشن کوف، والبيكا، والدشكا، والزوكياك، والآربي جي، والهاون، وصواريخ البي إم يك- ونحو ذلك بكميات متوسطة.. ولكن كيف الاستلام؟ ثم إنَّا إن شاء الله سنحاول البحث عن تاجر مهرب؛ يمكنه أن يهرب أسلحة وذخائر إلى الخارج وحينها سنخبركم ونربطه بكم، فأنتم من جهتكم هيئوا ما لا بد منه للتسلم والارتباط وهكذا.. والله معكم.

17 - أخي العزيز، وفي نفس الموضوع تقريبًا؛ فنحن نريد منكم بشكلٍ عاجلٍ أرقام هواتف -أكثر من واحد- وتكون بعضها ثابتة وبعضها نقال «موبايل»، كما نريد منكم عناوين أرضية -أكثر من واحد- عامة وخاصة، لكي نعطيها لبعض الإخوة الذين يريدون المجيء إليكم، وذلك أن عندنا إخوة بالفعل قد رتبوا بطريقٍ بحريٍّ ويريدون الوصول إليكم، وهم إخوة موثوقون وكوادر نافعة، وقد كلموني قبل أيام؛ فنطلب منكم إفادتنا بالارتباطات -عناوين، وتلفونات، وحتى إيميلات للاحتياط أيضًا- لكي نعطيها لهم يستعملونها للوصول إليكم.

وأي معلومات مفيدة وضرورية لمن يريد الوصول إليكم، عبر البحر؛ على أي شاطئ ينزل أو أي ميناء، أظن أن «كيسمايو» هي الميناء المتاح أو كيف؟ وأين يتجه؟ وماذا يطلب؟ وماذا يقول؟.. وهكذا.. على كلٍ إذا يسّر الله لهؤلاء الإخوة أن يصلوا إليكم بأن دبَّروا حالهم قبل مجيء المعلومات منكم، فإن فيهم أخًا اسمه «بشير الـ..» -وسيكمل لك هو الاسم بما يقع به الاطمئنان-، مع ملاحظة أنه قد لا يعطيكم ابتداءً هذا الاسم، كما هي عادة الإخوة، لكن تتلطفون في سؤالهم.

ص 2218

18 - ثم إني كنتُ طلبت منكم إيميلات خاصة تكون بيننا وبينكم للمراسلة المباشرة؛ بحيث نستغني عن الوسيط، ويبقى الوسيط للاتصالات الاحتياطية أو التي تحتاج إلى تحويل ملفاتٍ كبيرة الحجم -المرفقات تحول عبر الوسطاء- والسبب أننا من الجهات القريبة منا؛ فإن الانترنت ضعيف جدًا، فلا يناسب أي مستوى من «الأبلوود ولا الداونلوود»، ولكن بإمكاننا إرسال رسائل وملفات مرفقة صغيرة الحجم، ونحن عندنا إخوة مكلفون بالتواصل والمراسلة أمناء، لهم خبرة، ويستعملون «بروكسيات» وطرق تجاوز واختفاء، والحمد لله في العموم أمورهم جيدة، لكن بسبب ضعف النت فالأمر كما قلت لكم، ولهذا فالملفات كبيرة الحجم ترسلونها على الوسيط بشكل عادي كما تفعلون؛ لأن عندنا ترتيبًا آخر لها، ولكن نريد أن نضع لها كلمة سر بيننا، بحيث أي ملفات مرفقة ترسلونها تكون مضغوطة ومغلقة بكلمة السر، ولتكن كلمة السر هي ما بين الخطين الآتيين:

-لا مانع لما أعطى وهو الفتاح العليم-

ثم إني أبادر وأعطيكم إيميلًا تراسلونا عليه على بركة الله وهو: Fidaa22@yahoo. com

-ملاحظة: لمزيد التعمية والاحتياط، فأرجو إبلاغ الإخوة المسؤولين على الإرسال من عندكم أنه بإمكانهم تغيير امتداد الملفات المرفقة التي يرسلونها -والتي هي مشفرة ببرنامج أسرار- إلى أي امتداد صوتي أو فيديو مثل: «إم بي ثري، أو «وويف» أو امتداد صورة أو غيرها مما يحبون، ويسمونها بأسماء لا تدل على الجهة، وهذا أمرٌ اختياريٌّ-.

19 - فيما يتعلق بالأخ القاري حنظلة «صهر عبد الثواب»؛ فأنا وجهتُ السؤال لبعض الإخوة ليبحثوا عما يمكن أن يتوفر من معلومات عنه، وقبل مدة خرج من «باغرام» أخ أفغاني صاحب لنا، وأتى ببعض الأخبار عن الإخوة في سجن «باغرام»؛ فسوف نطلب من الإخوة أن يسألوه عن حنظلة لعل عنده خبرًا، ونسأل الله أن يظهر لنا أخباره وأن يكون بخيرٍ وأن يثبته الله ويتولاه، نِعم الأخُ هو، ليّ به معرفة بسيطة.

وما أخبار الشيخ عبد الثواب؛ أظنه في «جوانتانامو» أو أنه استشهد؟

وبالمناسبة فإني أريد أن أسألكم عن الأخ أبي محمد الصومالي المقيم في السعودية -جدة على ما أظن- «أظنه عنده جنسية سعودية» والذي كان قديمًا في الجهاد الأفغاني وكان مدربًا في معسكر الصديق «قرب جهاد وال» ثم إنه في السنين الماضية قبل أحداث سبتمبر كان يشتغل مع مؤسسة الوفاء للإغاثة، وجاء إلى كابول والتقيت به عدة مرات؛ حيث كانت بينتا صداقة وصحبة من قديم أيام «جهاد وال»؛ فهل من أخبارٍ عنه؟ هو رجل نشط وصاحب علاقات -قل لي: أيُّ صوماليّ ليس كذلك؟!!- وصديق قديم «سويدي الجنسية» كان في الجهاد الأفغاني الأول كنيته أبو حذيفة، هذا تعريف ناقص ولكن قلت: لعل وعسى؟

وبالمناسبة أيضًا أريد أن أسألكم عن الأخ عبد الرحمن الذي كان أُسِر في السودان قبل ثلاث سنين تقريبًا، وكان الإخوة قالوا لنا إنه كان في طريقه إلينا، هل خرج من السجن وما أخباره؟

الأخبار يجيب بعضها بعضًا.. والله المستعان، ونسأل الله أن يتقبل جهاد الإخوة وتضحياتهم جميعًا، وأن يبارك فيها بمنِّه وكرمه.

20 - موضوع الأسير الفرنسي «ضابط الأمن»؛ فليت أن عندي فرصة أطول لنشاور إخواننا وربما المشايخ القيادات، ولكن أقول رأيي: فإن كان لا يضر بكم -لا يعرضكم لمزيد من الضغوط لا داعي لها الآن- فطبعًا لا شك أن التوحَّد لمطلبكم ودعواكم مع مطلبنا ودعوانا ومطلب الإخوة في المغرب الإسلامي -أعني المطالبة بانسحاب القوات الفرنسية من أفغانستان- هو في حد ذاته مصلحة، ولكن لا بد من النظر في ما يقابله من مفسدة محتملة أو هل تفوِّت صلاحًا أكثر؟

فأنا أميل إلى أن هذا غير مناسب لكم، وسيثير عليكم ضغوطًا وجدلًا، يمكن بل من المفضل أن تستغنوا عنه الآن، ويكفي ما عندنا من جهود مع إخواننا في المغرب الإسلامي.. وهذا الميل مني منسجم مع فكرة الشيخ أبي عبد الله -أظن-؛ حيث لاحظنا أنه يميل إلى أنكم تتلطفون وتتخففون قدر المستطاع من الضغوط والتآلب والتكالب الدولي على حركتكم ومشروعكم ودولتكم الناشئة.

وبالمناسبة: هل رفض الفرنسيون كل عروض إطلاق سراح إخوة سجناء؟

وهل بالإمكان أن تطالبوا بإخوة سجناء في فرنسا -إخوة لنا: بعض الإخوة من تونس، ومن المغرب وغيرها مسجونون في فرنسا- تطلبون منهم إطلاق سراحهم مقابل هؤلاء الإخوة «نذكر لكم أسماءهم فيما بعد» ويُرسلونهم إليكم، لا بد أن يُرسلوهم إليكم، وفي مقابله تطلقون أنتم هذا الخبيث.. والله إن إنقاذ مسلم واحد لهو خيرٌ كثيرٌ وبركة.

والآن أعطيكم اسمين من أسماء الإخوة التوانسة -من تونس- المعتقلين في فرنسا، وأرفق؛ فهذا المتوفر عندي الآن، لكن ما زال عندنا أسماء أخرى نعطيها لكم -أنتم تطالبون بعددٍ من المسلمين المسجونين في فرنسا، تقولون: خمسة مثلًا أو سبعة، انظروا العدد المناسب، وتعطونهم الآن اسمين وتقولون: سنقدم لكم بقية الأسماء، ريثما نحن نستحضر الأسماء ونرسلها لكم- وهم إخوة مهمُّون وكوادر، ولو يسَّر الله فك أسرهم على أيديكم؛ فإنهم يكونون عونًا لكم وطاقات تستفيدون منها بعون الله:

ص 2219

الأول: طاهر يوسف قمير/تونسي «وعنده جنسية سويدية».

الثاني: أيوب الصفاقسي/ تونسي، لاجئ سياسي في فرنسا.

أسأل الله العلي القدير أن يفتح على أيدكم.

21 - وفي الأخير؛ أرجو تبليغ سلامنا لكل الأحباب عندكم، وإلى اللقاء في مراسلة قادمة أرجو أن تكون قريبة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم المحب: عطية الله

20 ربيع الآخر 1432هـ

•••

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

والآن، وبعد الانتهاء من تجهيز هذه الرسالة إليكم وصلتني الملفات المرفقة منكم عبر الوسيط والتي كانت مُنتظرة كما أشرتُ أعلاه.. فجزاكم الله خيرًا.

ص 2220

وأرجو منكم أخي المختار أبا الزبير أن تهتموا بالمشاورة على إخوة اليمن في ظرف البلاد الحالي، وهم بحمد الله ناضجون نحسبهم كذلك وظننا فيهم حسنٌ، وإنما التشاور مهم دائمًا وأيضًا هناك ميزة للناظر من بعيد فهو دائمًا يكمّل النظر لصاحب الشأن الذي هو ناظر من الداخل؛ لأنَّ البعيد يرصد المسيرة بشكلها البياني المتكامل، والناظر من الداخل -صاحب الشأن- مع اطلاعه على التفاصيل والدقائق وكونه أدرى بشعاب موطنه، لكن أحيانًا يحجُبُه الاستغراق في التفاصيل عن الملاحظة الكلية.. والحاصل فيما يتعلق باليمن أنا رأيي أن البلد كأنه -مع تشبّت هذا الطاغية غير الصالح بالكرسيّ- يتجه إلى وضع انفلات وفوضى ربما، وأظن أن هذا الوضع هو من أحسن الأوضاع للإخوة المجاهدين في هذه المرحلة؛ أعني انهيار السلطة المركزية في البلد، ويبقى الإخوة قوة كبيرة وصعبة في البلد، فإذا وفقهم الله لحسن إدارة المرحلة فإنهم بإمكانهم أن يؤسسوا لسلطة فعلية إسلامية جهادية في البلد، وهذا بالتأكيد هم عظيم على الأمريكان وأذنابهم السعوديين، وهو نصرٌ لكم أنتم في الصومال ولنا جميعًا.. فنحن ننصحهم كما نصحناكم «وأرجو أن تنصحوهم معنا» بأن يبتعدوا عن التصرفات المثيرة والتي لا فائدة كبيرة منها في الواقع، ومن ذلك إعلان إمارات ونحوها، بل المهم أن يكونوا هم بالفعل في الواقع وعلى الأرض هم السلطة وهم الدولة وهم أصحاب القوة والنفوذ ويقيموا دين الله ويرفعوا راية الجهاد وينطلقوا بها إلى الأمام..

وعليهم أن يهتموا بالقبائل ويوكلوا إلى القوى الشعبية الكثير من إدارة أمور مناطقهم، ويشجعوا التجارة ويهتموا بالبحر والتواصل معكم أنتم في الصومال. وكما قلت أعلاه فإن على الإخوة أن يتجنبوا أي صراعات جانبية وليست أساسية الآن كالاصطدام بالحوثيين الشيعة ونحو ذلك، وأن يكونوا خيارَ الشعب اليمني في حال انفلات الأوضاع، وأن يستغلوا هذه الاضطرابات والانفلاتات الأمنية في اغتيال رؤوس الإجرام والفساد والشر، بصمتٍ وهدوء.. والله الموفق.

إن رأيتم هذه الأفكار صحيحةً فأرجو أن تكتبوا للإخوة بها وبغيرها.

أخي أبا الزبير؛ نهنئكم على هذه المنح من الله تعالى «الثورات الشعبية العربية» فإنها بإذن الله فيها خيرٌ كثيرٌ، فليبيا بإذن الله ستكون ساحة جهاد، وقد بدأت المعلومات تصلنا الآن بأن الإخوة هناك بدؤوا بالفعل يرتبون أنفسهم، إخوة الجماعة المقاتلة.. وغيرهم، فالحمد لله، وكذا في تونس أيضًا، والبشائر كثيرة بحمد الله.

أسأل الله أن يتولاكم.. والسلام

22 ربيع الآخر 1432هـ [الموافق: 27 / 3 / 2011م]

•••

[ملحق: فقرات من رسالة مسودة الاستراتيجية للشيخ أبي عبد الله أسامة بن لادن]

ص 2221

«.. وإن من المسائل المهمة أيضًا أن من الأمور الثابتة في شريعتنا أن الأحكام تختلف في حالة القوة عنها في حالة الضعف، وأن الضرورات تبيح المحظورات، فعلى سبيل المثال: الميتة محرمة شرعًا لأنها تجلب الضرر على الإنسان؛ فإذا فقد الإنسان ما يمسك روحه وكان ذلك سيؤدي إلى موته فعندها يقول الفقيه العالم بوجوب أكل الميتة؛ لأن مقصد الشريعة هو حفظ النفس فإن لم يأكل الميتة ورأى هذا تدينًا ورغبة في الثواب يكون لم يحقق مطلب الشريعة بحفظ هذه الروح المسلمة.

وهكذا القياس في كثير من المسائل منها مسألة القتال مع الكفار ومهادنتهم ففي حالة القوة يقاتل المسلمون الكفار فإما أن يسلموا وإما أن يدفعوا الجزية وأما إن كان الوضع خلاف ذلك يكون موقف نبينا محمد ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يوم الأحزاب عندما أراد أن يعطي ثلث ثمار المدينة لغطفان حتى ينفضوا ويرجعوا عن المسلمين؛ فبدلاً من أن نقاتلهم ونغنم أموالهم نحن نعطيهم ثلث اقتصادنا، فالمدينة في ذلك الحين ثمارها هي اقتصادها فالقائد المسلم المحنك يقوم بمثل هذه الأمور ناظرًا لتحقيق أمر الله في نهاية المطاف ولنصرة دينه ولو بعد حين، ومن هذه المواقف أيضًا ما فعله الرسول ﷺ في صلح الحديبية منذ أن فُتح باب الهدنة مع قريش قبل الهدنة إذ كان فيها مصلحة عظيمة للمسلمين.

وهكذا ينبغي أن نسير في طريق الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا فما نريده من إقامة دولة تحكّم شرع الله تعالى متاح بإذن الله إلا أنه تعالى جعل سننًا كونية فلا تقام الدول في عشية وضحاها ولابد من مقومات عدة لنجاحها ومعلوم أن القرآن الكريم كان كاملاً في السماء إلا أنه أُنزل على رسول الله ﷺ منجمًا؛ فآية السيف كانت موجودة في السماء يوم أن كان الأمر كفوا أيديكم ولا شك أن ذلك كان لحكم كثيرة، أحسب أن منها أن الوقت في مكة لم يكن مهيئًا لإقامة الدولة والمحافظة عليها، وكانت إقامة الدولة في المدينة مع أنها كانت معرضة لحروب مزلزلة؛ إلا أن غلبة الظن كانت بإمكانية المدافعة عنها ولا يخفى ما كانت عليه قبائل الأنصار رضي الله عنهم من نصرة لرسول الله ﷺ ومن هنا يظهر أن من المقومات المهمة أخذ ولاءات راسخة لقبائل ذات شوكة مع الانتباه إلى أن الأنصار رضي الله عنهم عندما أرادوا أن يحملوا عبء مناصرة الدعوة؛ قيل لهم: سترميكم العرب عن قوس واحدة، ولم يقل لهم سترميكم الدنيا عن قوس واحدة.

ومما يدل على أهمية توثيق العرى مع القبائل ذات الشوكة والمنعة: أن الله تعالى لم يبعث أنبياءه صلى الله عليهم وسلم -في الغالب- إلا في منعةٍ من أقوامهم وهم المؤيدون من عند الله وأصحاب المعجزات.

فينبغي النظر بدقة وتحرٍّ للتأكد من اكتمال العدة المطلوبة على جميع المحاور المهمة؛ فعِظم مكانة العمل الذي نريد القيام به لا يغير السنن التي جعلها الله في هذه الأرض وقد أمرنا بالأخذ بالأسباب مع التوكل، وسأضرب هنا مثالاً لتوضيح المراد وهو أنه لو أن المجاهدين أرادوا العبور على نهر من الأنهار لفتح ما بعده من البلاد فلا بد لهم من بناء جسر ليعبروا عليه ومتطلبات بناء الجسر حددها المهندسون بأنها مثلاً ألف طن من الحديد، وألف طن من الإسمنت، وألف متر مكعب من الخشب، وألفا طن من الخرسانة، وألفا طن من الرمل ومائتا عامل.. فإذا لم يتوفر لدى المجاهدين اللازم من الحديد والخشب وتوفر لديهم اللازم من الإسمنت والرمل؛ إضافة إلى وجود كثير من المجاهدين الذين يتحرقون لبناء الجسر ونيتهم في بنائه نصرة دين الله عز وجل.

فإن لم ينتبه المجاهدون إلى أن هذه المقومات لا تكفي لتوفير أسباب النجاح لهذا الجسر وبدؤوا ببنائه؛ فإنه سيسقط أثناء البناء وسيفقدون كثيرًا من المقومات التي كانت عندهم أو قد يفقدونها جميعًا؛ بينما لو واصلوا الإعداد ومحاولة توفير المتطلبات لكان الوقت أمامهم أقصر منه بعد تلف ما توفر لديهم.

ص 2222

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ

هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الـمَحَلُّ الثَّانِي١٬٣٧٨قاله: المتنبي، انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 54).

فالدخول في قتال مع الأنظمة المرتدة ومحاولة إسقاطها دون أن تتوفر لدينا إمكانيات إقامة الدولة المسلمة مما يعني في حكم العادة وبحسب الأسباب الظاهرة أنه سيجيء للحكم مرتدٌ آخر قد يكون مخالفًا لمقاصد الشريعة حيث إن الشريعة قائمة على جلب المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها فالدماء التي ستُراق والمحن التي سيُبتلى بها الناس ليس لها كبير هدف وقد تكون مفسدة لا يقابلها مصلحة أرجح لخدمة الدين.

ومن المقومات المهمة لنجاح إقامة دولة في هذه الظروف والمحافظة عليها: إعداد ما يكفي للقيام بشؤون الناس؛ فعندما نقيمها سيحاصرها العدو من كل جانب حيث إنه لا يخفى عليكم أن معظم المجتمعات العربية اليوم تحكمها الدول الحديثة، وقد خرجت منذ زمن عما كان عليه المسلمون قديمًا؛ فقد كانت مهمة الدولة تطبيق أحكام الشرع بين الناس وحفظ الأمن الداخلي وصد الهجوم الخارجي والناس في ظل الأمن تبحث عن أرزاقها بأنفسها، بينما الدولة الحديثة تجعل الناس أسرى لها وتجعل العرف في أذهان الناس عن الدولة أنها ملزمة بتوفير أرزاق ووظائف للناس، وعدم توفيرها من أهم عوامل ثورتهم عليها مع ملاحظة أن كثيرًا من الكماليات في الحياة سابقًا أصبحت من الضروريات حاليًا.

وهذا الفرق فرق جوهري؛ فلم يعد توفير القوة العسكرية الكافية للسيطرة على البلاد والحسم مع العدو المحلي هو العامل الوحيد لحسم الأمر، وإنما لا بد من الأخذ بعين الاعتبار مع وجود العدو الخارجي أن هناك عوامل أخرى مهمة؛ فقد أصبح من الأهمية بمكان أن تتوفر للناس ضروريات حياتهم فهو أمر لا بد من وضعه في الحسابات قبل السيطرة على الدول أو المدن، فالقوة المسيطرة إن كانت تملك تعاطف الغالبية العظمى حينما تسيطر ثم لم توفر للأهالي ضروريات حياتهم؛ تخسر تعاطفهم وتكون في وضع حرج يزداد صعوبة مع كل يوم يمر فالناس لا تطيق أن ترى أبناءها يموتون تبعًا لنقص الغذاء أو الدواء، هذا فضلاً عن توفير ما يلزم للمقاتلين مما يسمى بالدعم اللوجستي فالجوانب الاقتصادية في غاية الأهمية ولو أن الأعداء خاضوا ضد المجاهدين حربًا قد يخسرونها، ولكنهم يملكون أسلحة غير السلاح كسلاح الحصار وهو سلاح قاتل في معظم الدول.

ص 2223

أما فيما يخص أفغانستان والصومال؛ فهما مستثنيتان فالصومال منذ عقدين والشعب لا يكلف أي حكومة مسؤولية توفير ضروريات حياتهم، وإنما كما كان الناس قبل الدول الحديثة يكفون أنفسهم بالرعي والتجارة، وكذلك أفغانستان فعشرون في المائة من السكان رعاة وهي من أكبر النسب في العالم، وقد كان إنفاق الإمارة في أفغانستان في السنة أقل من اثني عشر مليون دولار؛ فمن المستحيل أن يعيش خمسة وعشرون مليون باثني عشر مليون في السنة مما يعني أن للشخص أقل من نصف دولار في السنة.

فالشعب الأفغاني يُعتبر لم يدخل بعد في نظام الدلول الحديثة بخلاف الشعوب في الدول العربية.

ومن الأمثلة التي توضح هذه الفكرة: الجماعة الإسلامية في مصر عندما قتلوا السادات كانت لديهم خطة بأن يسيطروا على مصر ويعلنوا دولة إسلامية، وذلك بأن يقوم أفراد الجماعة في كل منطقة بالسيطرة على المباني الحكومية عندهم بما فيها مباني الإعلام بأنواعه.

فلو قُُدِّر أن الخطة نجحت لكان يحتَملُ أن عمر هذه الدولة أسابيع فقط؛ لأن سكان مصر وقتها ستون مليونًا يحتاجون تقريبًا مئة وخمسين مليون رغيف يوميًا، هذا فقط الخبز، والدولة المسلمة ستكون في حصار عالمي في حين الحكومة المصرية رضيت بأن تكون رهينة لمصدري القمح في العالم خاصةً أمريكا فغيرت أولويات المزارع المصري في الزراعة فلم يعد القمح من الأولويات وصوامع الدولة للطحين ليس فيها إلا ما يكفي لأسبوعين مما يعني أن الدولة المسلمة بعد أيام ستكون أمام ثورة شعبية عارمة سواءً أكان الناس يرغبون في أن يحكموا بالإسلام أو لا يرغبون لأنهم سيتحملون فوق طاقتهم لأن النقص الخطير في الغذاء يعني موتهم وموت أبنائهم أمام أعينهم.

فالإعداد للسيطرة على مصر له مقومات من أهمها أن نكون قد سيطرنا على السودان أولاً وزرعنا ما يكفي مصر من الغذاء ويبقى القمح الذي في صوامع الدولة لمدة أسبوعين هو قوت الناس ريثما ننقل غذاء الناس من السودان إلى مصر ونفس هذا الكلام يمكن أن يقال عن معظم الدول العربية فهي تعيش على استيراد القمح بدرجة كبيرة..» اهـ.

•••

ص 2224

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: رسالةٌ رابعة إلى أمير الشباب المجاهدين «أبي الزبير» حول بناء الدولة وأمور أخرى

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا