۞ التنبيه على أخطاء شائعة في ضبط ألفاظٍ من الحديث النبوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن اهتدى بهداه، وبعد:

فهذه تنبيهات لطيفة على أخطاء شائعة في ضبطِ ألفاظٍ من الحديث النبوي الشريف يقع فيها بعضُ طلبة العلم وغيرهم.

1- قول النبي ﷺ: (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخَرَ)١٬٠٣١صحيح مسلم (1469)..

يَضبِطونَه: (يفرُك) بضم الراء، وهو خطأٌ مُفسِد للمعنى، والصَّواب: (يَفْرَك) بفتح الراء، ومعناه: يُبْغِض، يقال: فَرِكَ الرجلُ امرأتَه يَفْرَكُها: إذا أبغَضَها. وأكثرُ ما يُستعمَل هذا الفعلُ في بِغْضَة الزوجين، أي: بُغْض الرجل زوجتَه، أو بُغْضها إياه. وأما (يَفْرُك) فمعناه: يدلُك ويَحُتُّ١٬٠٣٢قال النووي في: شرح مسلم (10/ 58): «يَفْرَكُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَيْنَهُمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فَرِكَهُ بِكَسْرِ الراء يفركه بفتحها إِذَا أَبْغَضَهُ وَالْفَرْكُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْبُغْضُ»..

2- قوله ﷺ: (الحبَّةُ السوداءُ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّامَ)١٬٠٣٣صحيح البخاري (5687، 5688)، صحيح مسلم (2215)..

يَضبِطونه: (إلا السَّامَّ) بتشديد الميم؛ ظنًّا منهم أن المُرادَ بها: ما فيه السَّمُّ «من مادة س م م»، والصَّواب فيها أنها مخفَّفةُ الميم، أي: (إلا السَّامَ) وهو: الموت «من مادة س وم»، والألفُ فيها منقلبةٌ عن واوٍ.

ص 1284

3ـ قوله ﷺ: (إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوْعي؛ أن نَفْسًا لن تموتَ حتى تَسْتكمِلَ رزقَها؛ فاتَّقوا الله، وأَجْمِلوا في الطَّلَب)١٬٠٣٤شعب الإيمان (1141، 9891)، وصححه الألباني في: صحيح الجامع الصغير (3848)..

يَضبِطونَه: (في رَوْعي) بفتح الراء، وهو ضبطٌ مفسدٌ للمعنى، والصواب: ضمُّ الراء (في رُوْعي)؛ لأن الرُّوْع هو القلبُ والنفْسُ والذِّهنُ والعَقلُ. والمراد: أن رُوحَ القُدُس -وهو جبريلُ عليه السلام- نَفَثَ، أي نفخَ -وَحْيًا وإلهامًا- في قلب النبيِّ ﷺ ونفْسِه بالأمر المذكور.

وأما الرَّوْع بالفتح فهو: الفَزَعُ والخَوفُ، وهو غيرُ مرادٍ هنا.

4 - قوله ﷺ: (فَوَاللَّهِ، لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)١٬٠٣٥صحيح البخاري (2942)، صحيح مسلم (2406)..

يَضبِطونَه: (النِّعَم) بكسر النون؛ لتوهُّمِهم أنها جمعُ نِعْمَة، والصواب (النَّعَم) بفتح النون، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظِه، يُطلَق على جماعة الإبِلِ والبَقَر والغَنَم، وأكثرُ ما يُطلَق على الإبِلِ خاصَّة، والمراد بحُمْر النَّعَم: كرائمُها وخِيارُها، وفي المصباح المنير: «وهو مَثَلٌ في كلِّ نفيس»١٬٠٣٦المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ص 150). اهـ.

5 - قوله ﷺ: (اللهُمَّ لا سَهْلَ إلا ما جَعَلتَهُ سَهْلًا، وأنت تَجعَلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سَهْلًا)١٬٠٣٧صحيح ابن حبان (974)، وصحح إسناده الأرنؤوط في تخريجه لابن حبان، وصححه الألباني في: الصحيحة (2886)..

يضبطونها: الحَزَن -بفتح الحاء والزاي-، فيُحيلون المعنى عن وجهه المراد؛ لأن الحَزَن كالحُزْن، وهو: الهَمُّ والغَمُّ، والصواب: (الحَزْنَ) بسكون الزاي، ومعناه: كلُّ أمر شاقٍّ وَعْر مُتَصَعِّب، وهو عكسُ السَّهْل الهيِّن، وأصله ما غَلُظَ من الأرض وخَشُنَ وارتَفَع.

6 - قوله ﷺ: (مَطْلُ الغَنيِّ ظُلمٌ)١٬٠٣٨صحيح البخاري (2287)، صحيح مسلم (1564)..

يقولون: مُطْل -بضم الميم-، والصواب: (مَطْل) -بفتح الميم-، وهو تأجيلُ مَوعِد الوَفاء بالحقِّ وتَسويفُه مرَّة بعد أُخرى.

7 - قوله ﷺ: (لا رُقْيَةَ إلاَّ مِن عَينٍ أو حُمَة)١٬٠٣٩صحيح مسلم (220)..

ص 1285

يضبطونها: حُمَّة -بتشديد الميم-، والحُمَّةُ والحُمَّى بمعنًى واحد، وهو ارتفاعُ حرارة الجسم من مَرَضٍ وعِلَّة (من مادة ح م م)، وليس هذا المرادَ هنا، والصوابُ فيها تخفيفُ الميم، (حُمَة) -من مادة: ح م ي-، وهي: سَمُّ كلِّ ما يَلدَغُ ويَلسَعُ، وتُطلَق أيضًا على الإبْرَة التي بها يُلدَغ ويُلسَع.

8 - قوله ﷺ: (المؤمنُ القَويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله منَ المؤمن الضَّعيف، وفي كُلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفَعُك، واستعِنْ بالله ولا تَعْجِز..)١٬٠٤٠صحيح مسلم (2664)..

يضبطون الفعل: تَعْجَز -بفتح الجيم-، وهو خطأٌ مخالفٌ لما نصَّ عليه غيرُ إمام من شُرَّاح كتب السنَّة؛ من أنها بكسر الجيم؛ لأن الفعلَ (عَجَزَ) هنا من العَجْز الذي هو الضَّعفُ وانقطاعُ الحيلَة دونَ الأمر، فهو بوزن ضَرَبَ، فهو في المضارع مكسور الجيم (تعجِز).

وأما عَجِزَ يَعْجَزُ -من وزن فَرِحَ- فمعناه كبُرَتْ عَجِيزَتُهُ، وهي مؤخّر الإنسان، والأكثر استعمالها للمرأة، فيقال عَجِزَتْ أي عظُمتْ عجيزَتُها.

9 - قوله ﷺ: (مَنْ بَنى للهِ مَسْجِدًا، ولو كمَفْحَص قَطاةٍ لِبَيْضِها، بَنى اللهُ له بيتًا في الجنَّة)١٬٠٤١مسند أحمد (2156)، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره..

يَضبطونها: مِفْحَص -بكسر الميم-، على وزن اسم الآلة: مِفْعَل، والصَّواب أنها بفتح الميم (مَفْحَص)، بوزن: مَفْعَل؛ لأنها اسمُ مكانٍ من الفعل الثلاثيِّ: فَحَصَ، ومضارعُه: يَفحَصُ -مفتوح العين، وهو الحاء هنا-، وما كان كذلكَ فإن اسم المكان منه يُصاغُ على وزن مَفْعَل.

لخصته وهذَّبته من بحث لـ: أيمن بن أحمد ذو الغنى

[تتمة] ما أورده بعض الإخوة من أن أوجه اللغة واسعة وكثيرة؛ فهذا لا يُعتَرَض به على من يضبط الألفاظ؛ فاللغة واسعة، والأوجه كثيرة، والكلمة الواحدة كثيرًا ما يكون فيها لغات، ولكن الذي يهمك أن تثبت أن الوجه الذي تنطق به اللفظ صحيح.

ثم هذه التصحيحات التي نوردها ويوردها العلماء ليست على درجة واحدة؛ فمنها ما يُجزم بخطأ مقابله ويقال في مثله صوابه كذا، ومنها ما يرجح ترجيحا فيقال فيه: الأصوب كذا، أو الأصح أو الصحيح كذا، ومنها ما يقال: فيه وجهان أو أوجه هي كيت وكيت.

ويكفي من فائدة هذا الموضوع أن يعرف الطالب للفظ ضبطًا موثّقًا منقولًا عن كتب العلماء الضابطين فيستيقنه وإن وُجِد غيره، والله الموفق

ومما ينبه عليه أيضا:

- (سِيفُ البحر)١٬٠٤٢صحيح البخاري (2731)، صحيح مسلم (1935). جاء في حديث العنبر، وتكرر في مواضع من السيرة، وهو بكسر السين، ومعناه ساحل البحر، وليس هو بفتح السين كالسلاح المعروف.

- (قِيدُ)١٬٠٤٣صحيح البخاري (2796)، صحيح مسلم (1612). رُمحٍ، أو قِيد أنملة، ونحوهما، هو بكسر القاف بمعنى قَدر كذا.

- (مِسْعَر حربٍ) جاءت في حديث أبي بصير المشهور: (مسعر حرب لو كان له أحد) أو (لو كان له رجال)١٬٠٤٤لفظ (لو كان له أحد) في: صحيح البخاري (2731)، ولفظ: (.. له رجال) ذكره الدارقطني في: المؤتلف والمختلف (1/ 222).، وهو بصيغة اسم الآلة -بكسر الميم ثم سكون السين ثم فتح العين-، والمِسْعَرُ والمِسْعارُ ما يحمى به النار من عودٍ ونحوه.

وكثيرون ينطقونه مُسْعِر -بصيغة اسم الفاعل- من سَعَرَ النارَ والحربَ، وقد يكون له وجه، ولكن ما قدمتُه هو ما نصّ عليه العلماء في الشروح، كما في الفتح وعون المعبود وقبلهم عند الخطابي١٬٠٤٥انظر: فتح الباري (5/ 350)، عون المعبود (7/ 319)..

•••

ص 1286