في بيان حكم التصوير
[وصلتنا هذه الرسالة من أحد طلاب الشيخ الملتصقين به جزاهم الله خيرًا، وقد كتبه الشيخ في ربيع الأول 1427، وهي جوابٌ على سؤال تضمن إشكالات في حكم «التصوير» وطلب تعليقات على كتاب «الفيديو الإسلامي» للشيخ: ناصر الفهد، وقد ألحقنا تعليق الشيخ رحمه الله على كتاب «الفيديو الإسلامي» بعد هذه الرسالة؛ ليكتمل الجواب، والله الموفق]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد/
أيها الأخ العزيز والشيخ الفاضل «نور الدين»، وفقكم الله ورعاكم؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الله ﷻ المسؤول أن يحفظكم من كل سوء، وأن يبارك في عملكم وسعيكم ويسددكم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح العمل ويتجاوز برحمته عن السيئات.. آمين.
لقد قرأت رسالتك الاستشارية في «مسألة التصوير»، جزاك الله خيرا على حسن ظنك بأخيك، ونسأل الله أن يغفر لنا ولكم ويعفو عنا جميعا..
واطلعتُ على الهمّ.. أزال الله عنا وعنكم كل همّ.
وفرحتُ والله بما اشتملت عليه من نفائس الأفكار والفُهوم المليحة الأبكار، بارك الله فيكم، مما جاء عفوًا واستطرادًا، ومما قد لا يوجَد في موضع آخر؛ فنسأل الله أن يثبّتنا وإياكم على دينه الحق ويرزقنا الهدى والسداد.
واعلم -يا أخي العزيز- أنني والله أقصر وأقل من ذلك؛ فهذه المسائل حقها أن تُعرَض على مشايخ الإسلام ومفتي الأنام من العلماء الكبار المحققين..!
ولكن ما الحيلة وقد عدم النصير وقلّ المساعِد؟
وقد أشرتم في صدر رسالتكم إلى تلك المسؤولية، مع أني أنظر إليها شزرًا، وأخشى أن تكون حيلة شيطانية -غير مقصودة طبعا، حاشاكم- لإيقاعنا نحن طلبة العلم فيما لا يحسُن، واتخاذنا جسرًا.. فالله المستعان، ونحن نلجأ إلى الله تعالى ونستجير به ونعتصم، ونتوكل عليه، لا حول ولا قوة إلا به.
وأنت يا أخي تطلب مني تحرير المسألة وذكر الأدلة و.. الخ فهذا -يا أخي- يستغرق الأوقات ويستنفذ الطاقات، مع ما عندنا من البضاعة المزجاة، وإلى الله المشتكى، وهؤلاء إخوة في البلد يطلبون مني أن أحرر لهم مسألة «العذر بالجهل»، وهؤلاء أناس آخرون يطلبون تحرير مسائل أخرى.. ونحن والله يصعب علينا ذلك، أي التحرير بمعنى أن نصنّف كتابًا أو رسالة وبحثا فيه تحرير كامل للمسألة وذكر ما شذ وفذ من فروعها وأصولها، والخروج فيها بقول فصل، فهذا يحتاج وقتا وكتبا ومعاونين ربما، وغير ذلك، هذا بالإضافة إلى مسألة الأولويات عندنا.!
ولكن في كثير من أحوالنا نحن نكتفي بالفتوى أو الدلالة للإخوان والمشاورة عليهم بما نعرف مما اطمأننا إليه ورأيناه صوابا، ونعينهم في فهم المسائل ونشرح لهم بعض ما خفي عليهم، ونذكّرهم.. وهكذا.. والله الموفق، ونسأله تعالى أن يفرّج الكروب، ويصلح الأحوال.
والحاصل: أنه بعد التفكير والتأمل، رأيت من واجبي أن أشير على أخي وأعينه بما أعرف، فهي إذن مشورة أذكر فيها ما بدا لي من الصواب وما ترجح عندي وما فهمته مما يفيدك إن شاء الله ويعينك، والله المستعان:
فأقول وبالله أستعين:
لقد قرأت رسالتكم وما أوردتموه عن الشيخ «الفهد» -فرّج الله عنه-، وعن الشيخ عبد الخالق، ثم راجعت بعض ما أمكنني من المراجع في المسألة، وبحثت عن مناقشات وأبحاث وفتاوى منشورة على النت، ولم أكتفِ بمجرد ما عندي من خلفية ورأي، وبحثت عن بحث الشيخ «الفهد» في النت فوجدته وقرأته كاملا وعلقتُ عليه كما ستراه مرفقا إن شاء الله، وتحصل عندي ما يأتي:
الراجح إلى الآن -والله أعلم- هو جواز التصوير بالفيديو ومشاهدته ونشره حيث لا مانع؛ فإن كان لنصر الدين والدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله كما هو الحال محل السؤال فهذا لا أقول إنه جائز ومباح فحسب، بل هو عمل صالح إن شاء الله تعالى، مطلوبٌ: إما في درجة الاستحباب أو الوجوب.
وقولنا «حيث لا مانع» أي حيث لا مانع خارجيًا، ككون الصورة لما لا يجوز تصويره أو نشره وعرضه للناس، كامرأة أجنبية، وككل ما حرُم النظر إليه، ونحو ذلك.
وعليه؛ فلا حرج عليك يا أخي في الاستمرار في مشاريعك الإعلامية الجهادية، بارك الله فيك، ولا تتردد، فهي عمل صالح وقربة إلى الله تعالى إن لم تكن ثبتت عندنا بطريق اليقين فيكفي الظن الغالب.
وإليك الآن أهم مستندات هذا الرأي في نقاط:
* النقطة الأولى: أن الراجح عندي أن التصوير الفوتوغرافي ليس داخلا تحت التصوير المنهي عنه، والله أعلم، وهذا وإن كان هو الراجح عندي لكن ليس هو في قوة رجحان جواز التصوير بالفيديو، فالفيديو أوضح كما سيتبين لك.
وهذا القول (في التصوير الفوتوغرافي) هو قول جماعة كبيرة من العلماء المعاصرين بخلاف ما يحاول البعض إيحاءَه؛ من أن أكثر العلماء على تحريمه وأنه مشمول بنصوص النهي.!!
ووجه ذلك أن التصوير المنهيّ عنه هو الرسم باليد وما شابهه مما يكون للراسم (المصوّر) فيه صنعةٌ وخلقٌ وتصويرٌ.
وأما التصوير الفوتوغرافي فليس فيه ذلك؛ بل هو نقل للصورة، لا غير، وليس تصويرًا؛ لأن التصوير هو جعلُ الشيء وخلقُه على صورة معيّنة، واعتبر باسم الله تعالى «المصوّر».
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
ولَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْـ | ـضُ القومِ يخلُقُ ثم لا يَفْري٩٨٣قاله: زهير بن أبي سلمى، انظر: الشعر والشعراء للدينوري (1/ 139). |
يريدُ أنك أيها الممدوحُ تفعل وتنجزُ ما قدَّرته، بخلاف غيرك ممن يقدِّر ثم لا ينجز.
وقد فهمنا ذلك من جملة أوصافٍ -ذكرت في الأحاديث- للمصوّرين تلك الصورَ التي حرّمها الله وتوعَّدَ أهلها المصوّرين.
فمنها: المضاهاة بخلق الله: (يضاهون بخلق الله)٩٨٤صحيح البخاري (5954)، صحيح مسلم (2107). أي يشابهونه، ويخلقون كخلقه، ويصوّرون كتصويره -واستحضر معنى التصوير-.
ومنها: الخلق كخلقه ﷻ: (.. ذهب يخلق كخلقي)٩٨٥صحيح البخاري (5953)، صحيح مسلم (2111)..
ومنها: أنهم يقال لهم: (أحيوا ما خلقتم)٩٨٦صحيح البخاري (5951)، صحيح مسلم (2107)..
فهذه العبارات وما شابهها تدل على أن الصورة المحرّمة والتصوير المحرم هو الذي يوصف بذلك ويصدق أن يقال فيه ذلك.
فهي إذن قيود في «الصورة» المحرمة المنهي عن تصويرها.
فإن الله ﷻ ورسوله ﷺ نهى عن صورة وصفها ووصف أهلها..
وهذه من جملة الأوصاف، والأوصاف (القيود) أكثر من ذلك:
فمنها: أن تكون لذات روحٍ، حتى يصدُق أن يقال لمصوّريها: أحيوا ما خلقتم، وانفخوا فيها الروح..
ومنها: أن تكون شاملة للرأس، فإن خلت من الرأس، لم يُـنْـهَ عنها (إنما الصورة الرأس)٩٨٧مصنف ابن أبي شيبة (25229)، والإسماعيلي في معجمه، وصححه الألباني في: الصحيحة (1921).، وذلك متفق مع قوله (أحيوا ما خلقتم) و(أن ينفخوا فيها الروح)؛ لأن ما لا رأس له -مقطوع الرأس- لا تمكن فيه حياةٌ.
وهذا يدلّك على اعتبار هذا الوصف المفهوم من قوله (أحيوا ما خلقتم) و«ينفخوا فيها الروح» بحيث إنه حتى لو لم يرد حديث «الصورة الرأس» لأمكننا أن نفهم أن مقطوع الرأس جائز لكونه لا تمكن فيه الحياة كما جرت بذلك سنة الله في خلقة، وإنما ورود الحديث (الصورة الرأس) زيادة تبيين ورحمة ولطف من الله ﷺ، وصلى الله وسلم على محمدٍ عبده ورسوله.
ومنها -في الصورة لا في التصوير- أن لا تكون مُهانة، بمعنى أن تكون محترمة؛ فإن الأدلة دلّت على أنها إن كانت مهانةً غير محترمة فإنه لا ينهى عنها (أي الصورة) أي عن اقتنائها، ولا تمنع دخول الملائكة البيتَ، والله أعلم.
والمقصود أن الصورة المنهيّ عن تصويرها موصوفة (مقيّدة) في أحاديث النبيّ ﷺ، والتصوير معناه في اللغة معروف، وكلامُ الشارع حيث كان مبيّنا في نفس كلام الشارع فذاك، أي نقف على ما أوقفنا عليه من معاني ألفاظه وكلامه، وهو المعبّر عنه بالحقيقة الشرعية.
وحيث لا «حقيقة شرعية» فالمرجع هو اللغة، وهي قسمان:
- محض اللغة، وهي الحقيقة اللغوية.
- واستعمال أهل اللغة (أي في زمن التنزيل)، وهي الحقيقة العُرفية.
لأن أهل اللغة إذا استعملوا لفظا ما في معنى مخصوص، ثم جاء الشرعُ وخاطبهم بلسانهم الذي يعرفونه، فاستعمل ذلك اللفظ، فإننا نحمله على معناه الذي يعرفونه ويستعملونه له.
وهذا الكلام مهم، فاستحضره لتستفيد منه فيما يأتي من مناقشة قول بعضهم.
وهذا ظاهرٌ في ظني، فتأمله.
وفي أقل الأحوال، هو قول محتمَلٌ ووجيه قويّ، وقال به جماعة كبيرة من العلماء.
فمن يحاول أن يسفّهه بمرةٍ، فما أحسَنَ!! والله أعلم.
❖ ❖ ❖
نأتي لمناقشة بعض قول القائلين بتحريم التصوير الفوتوغرافي:
والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه.
قالوا: هي صورة؛ لأننا وإياكم جميعا متفقون على تسميتها صورة، فهي إذن داخلة تحت كل لفظ صورة وردت في الأحاديث.
وكذلك فاعلها هو مصوّر وكلنا نسميه مصورًا، فهو داخل تحت كل حديث جاء في الوعيد للمصورين.
المناقشة: تسميتنا لها صورة، وكذا تسمية الفاعل لها مصوّرا إنما هو عرفنا نحن ولغتنا نحن أهل العصر، أو هو بحسب ما تعطيه اللغة (في خصوص الصورة)، وليس المردُّ إلى ذلك مادام قد بان من ألفاظ الشارع مراده بالتصوير، فعرفنا أن هذه الصور الفوتوغرافية ليست داخلةً في المنهي عنه، لعدم وجود معنى التصوير فيها، كما سبق بيانه وبيان الفرقِ، والله أعلم.
وهذه هي أكبر حجة استند إليها «وليد السعيدان» صاحب البحث المرفق٩٨٨يعني بحثه المسمى: حكم التصوير الفوتوغرافي، وظاهرٌ أن الشيخ قد أرفق بعض الأبحاث مع رسالته هذه؛ منها البحث المذكور. وبنى عليها كتابه كله كما تراه، وهي أيضا أكبر حجج الشيخ «ناصر الفهد»، ولهذا عبّرتُ عنها بأنها بيت القصيد ومربط الفرس.
قالوا: العلة ليست هي المضاهاة فقط، حتى تقولوا إن التصوير الآليّ ليست فيه هذه العلة، بل العلة أعم من ذلك وأكثر..!
المناقشة: العلماءُ أشاروا إلى أن علة التحريم في هذا الباب متعددة، أي مجموع أشياء، منها المضاهاة والاعتداء على صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى وخصائص ربوبيته ﷻ؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: (العزة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته)٩٨٩انظر لفظا قريبًا منها في: سنن أبي داود (4090) وصححه الألباني، وجاء هذا اللفظ تمامًا في: المعجم الصغير للطبراني (331).، ومنها سدّ الذريعة إلى الشرك، وغير ذلك من المفاسد التي أشاروا إليها.
وبكل حال، العلة الكبرى هي المضاهاة والله أعلم.
وما عداه قد يُقال: لا ينهض بنفسه للتحريم مع وجود ما يقابله من المصالح.. والله أعلم.
ولهذا، فمن لم يرَ التصوير الفوتوغرافي والفيديو داخلًا في المنهي عنه، منعوه حيث وجدت العلل الأخرى، دون أن يقابلها ما يرجح عليها.
* النقطة الثانية: إذا تقرر ذلك، فاعلم يا أخي أن التصوير بالفيديو، وصور الفيديو «الصور التلفزيونية» أمرها أسهل وأوضح بكثير..!!
يوضح ذلك لك أن الكثيرين من القائلين بتحريم الصور الفوتوغرافية (صورة على ورقة) وجعل المصور الفوتوغرافي مشمولا بأحاديث الوعيد للمصوّرين، يقولون بأن الفيديو ليس كذلك، بل هو جائز، ومن أشهر هؤلاء الشيخ ابن باز (لكن الروايات عنه اختلفتْ في ذلك).
وليس هذا بدليل على الحق بمجرّده، لكنه مما يُستأنس به..!
وأما الدليل الأصلي عندنا فهو ما تقدم من أن هذا النوع من التصوير (الفوتوغرافي، والفيديو التلفزيوني) ليس داخلا في التصوير المنهي عنه، لأنه ليس تصويرا بالمعنى الذي بيّنه كلام الشارع ولا يدخل تحت الأوصاف التي دلّت الدلائل على اعتبارها في التصوير المنهيّ عنه، ولا هو تصوير بالمعنى اللغوي والعرفي لأهل اللغة زمن التنزيل، والله أعلم.
وأما ما يصرُّ عليه الشيخ «الفهد» من أن الصورة الفوتوغرافية أشد مضاهاةً من الصورة المرسومة باليد؛ فهذا خالفه فيه الكثيرون، والله أعلم.
وكأنهم لاحظوا أن المضاهاة المجعولة علة للنهي هي المضافة إلى الفاعل لا المضافة إلى المفعول، لأنه ﷺ قال: (يضاهون بخلق الله)، (يشبِّهون..)، (يخلُقُ كخلقي)، فأتي بالفعل -الجملة الفعلية- في سائر الأحاديث.. والله أعلم بالصواب.
ولهذا لم يلتفت مثل الشيخ «ابن عثيمين» وغيره من العلماء إلى هذه التي يعبر عنها الشيخ «الفهد» بأنها أشد ما يمكن من المضاهاة.
ولعلك ترى أن كون التصوير بالفيديو ليس داخلا في التصوير المنهي عنه، أكثر وضوحا من عدم دخول التصوير الفوتوغرافي -على الورق- فيه.. وهذا أشبه بالعلم الضروري.
ومجرد معرفته وتصوُّره تغني عن تصويره وتقريره.!! وهي أيضا أشبه شيء بالصورة في المرآة.
* النقطة الثالثة: إذا علمتَ هذا يا أخي العزيز، فأنا أرى لك بقوةٍ أن تستمر على عملك، وتجتهد فيه وتبذل، فإن فيه نصرا عظيما للإسلام والمسلمين، ودعوة عظيمة إلى الله، وإحياءً للأجيال، وجهادًا لأعداء الله لا يخفاك، بل أنت أستاذٌ في ذلك، وقد أشرتَ إلى هذا في رسالتك إشارةً كافية شافية.. فلا تترك هذه المصلحة الظاهرة المحققة العظيمة، وترتكب هذا التَّـرْكَ المفسِدِ المؤدّي إلى نقصٍ عظيم وضعفٍ للإسلام وأهله في مواجهة عدوّهم حتى يتبيّن لنا أمرٌ لا محيد عنه بالكلية، وأما إلى الآن فالمسألة مسألة اجتهادية قابلة للنظر في النهاية، بل لعلّ الراجح فيها ما تقدم بيانه، وعليه أكثر علمائنا (فيما يتعلق بالفيديو خصوصًا).!!
ولذلك فإن الكلام الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة الرجل الذي دعا القوم السكارى الزعّار باستعمال الآلات الموسيقية والسماع، أي دعاهم إلى الله والتوبة بوسيلة محرّمة.. لا ينطبق على حالتنا هنا إن شاء الله.! وهذا واضح جدا..
فمسألتنا إما القول الراجح فيها الجواز.. وهو قول كثير من العلماء.!! وهو الذي يترجّح لي لحد الآن، وخاصة في الفيديو.. أو على الأقل هي اجتهادية متكافئة محل نظر وبحث..!
فلا تُتْرك المصلحة الكبيرة المحققة ونرتكب المفسدة المحققة الكبيرة والمسألة قابلةٌ.! والله أعلم.
أضف إليها أنه حتى على القول بالتحريم فمحتملٌ القول بجوازها لما أنت بصدده من الجهاد ونصر الدين ومقارعة العدوّ، كما أشرتَ إليه أنتَ أخي العزيز في رسالتك بأنه من باب الضرورة، وهكذا يراه بعض العلماء فعلًا؛ فبعض العلماء مع تحريمه للتصوير مطلقا، أجاز التصوير للمجاهدين في الحرب والجهاد، قال: لما فيه من نصر الدين، وجعله من باب ما يجوز في الجهاد مما يُمنع في غيره. قاله الشيخ الخضير فرَّج الله عنه، وغيره.
وبالمناسبة فأحكي لك شيئا: فقد سألت أحد تلاميذ الشيخ ناصر الفهد المقربين منه، وكان هو الذي ينشر له أبحاثه ومقالاته، ووجدته عارفا برأي شيخه وبهذا البحث جدًا، فكان مما قال لي: في إحدى المرات طلب مني الشيخ أن آتيه بسي دي لـ«جماعة الأنصار» فيه تدريبات عسكرية وصور جهادية وحرب، فقلت له: يا شيخ غيرت رأيك أو كيف؟ فقال: لا، بس أريد أعطيه لابني لأحرّضه. انتهى كلامه. فيقول صاحبي: هو يرى التصوير حراما بجميع أشكاله، لكن أجاز أن يُريَ الفلم الجهادي لابنه لما رأى أنه ضروري جدا لتحريضه.
أضف إليها أن الشريعة قد أباحت من الصور -مما فيه المضاهاة اتفاقًا، فكيف بما اختلفنا فيه- ما كان مبتذلًا مهانًا.. وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم.
فهذا إلى حد ما له مدخل فيما نحن بصدده، والله أعلم.
ومع كل ذلك أيضًا، لك أن تحتاط بعضَ الاحتياط مما أشرتم إلى أطرافٍ منه في رسالتكم، بشرط ألا يؤدّي هذا الاحتياط إلى التحريج على نفسك وإخوانك، أو إلى إنقاصٍ وإفسادٍ للمقاصد الإعلامية والجهادية المطلوبة.
* النقطة الرابعة: وأما كلام الشيخ «الفهد» في القُربة وفي البدعة، وكلامه في التشبه، وكلامه في الذرائع، والأضرار، وغير ذلك؛ فالذي يتّضح لي جدًا -والله أعلم- أنه إما باطِلٌ ككلامه في البدعة، أو أنه غير سديد بل مردود (كلامه في القُربة وفي التشبه)، أو هو ضعيفٌ معارَضٌ بغيره وغير مانع من استخدام التصوير بالكامرا والفيديو ونشرها ومشاهدتها (كلامه في الأضرار والذرائع)، وقصاراه أن يُراعَى ذلك، ويُوجِب لنا الاحتياط والتوسط.. وأتركُ هذا للتعليق في وسط كلامه إن شاء الله.
* النقطة الخامسة: أيضًا سيأتيك هناك (في ضمن التعليقات في ثنايا رسالتكم) الكلام على بعض ما يظهر كونه تناقضًا، أو ما شابه ذلك من إشكالات، والكلام على الإعانة على المنكر، وغير ذلك، إن شاء الله ونسأله الإعانة.
* النقطة السادسة: فائدة: اعلم أن من أشهر القائلين بجواز التصوير الفوتوغرافي وأنه غير داخل في التصوير المنهيّ عنه: الشيخ ابن عثيمين؛ لكن لم يخْلُ قوله من إشكالٍ؛ بيانُـهُ: أنه يقول إن التصوير بالآلة «الكمرا» جائز وغير داخل في النهي، [أو ليس مشمولًا بالوعيد الوارد في المصورين] ثم هو يقول: إن الصورة إذا خرجتْ على الورق، فإنها صورةٌ تأخذ كل أحكام الصورة، وتدخل تحت كل أحاديث الصور.! فكان قوله أشبه بالمتدافع..!
واحتج عليه المخالفون بأنه ما دام يقول إنها صورة، فإن يلزم أن يكون صانعها مصوّرًا.
والشيخ فرّق بين التصوير والصورة؛ فقال هنا: الفعل ليس تصويرًا، لكن الصورة صورة عندما تخرج على الورق.. فهذا موضع إشكال..!!
فمن العلماء من التزمَ أن الصورة ليست صورة (أي المنهيّ عنها) أيضا، وهذا مقتضى ما رجّحناه.
ومنهم من نفى الكل، وقال: بل الكل تصوير، والكل صور.. والله أعلم بالصواب.
وسترى في التعليق على كلام الشيخ «الفهد» شيئا يتعلق بهذا الموضع؛ فإنه ألزمهم بأن فاعل الصورة (التي اتفق الجميع على تسميتها صورةً) هو مصوّر، وقال إنه إلزام لا محيد عنه.!
ثم قال في المرآة إن الشخص الواقف مقابلَ المرآة ليس مصوِّرًا، هكذا قال.
مع أن التي في المرآة صورةٌ أيضا عند الجميع.. فراجعه هناك.
وحاصله إمكان الانفكاك بين الصورة والمصوّر.
ولما كانت المسألة محتملة، والظن فيها ليس بالقوي جدًا؛ فالاحتياط متأكدٌ في مثل هذا، وحيث انضمّ إليه موجِب حكمٍ آخر قلنا به، ولا يخفى ما فيها من مفاسد من جهة، مع ما فيها من مصالح في جهة أخرى.. فأرى الاحتياط بعدم اقتنائها إلا لحاجة تظهر فيها المصلحة بوضوح، وبناءً على ذلك ينبغي إذا وجدتْ في البيت أن تخفى مهما أمكن (وهو نوعُ طمسٍ)، وأنهى عن التوسّع في ذلك، لأن الضرورة (الحاجة هنا قريب منها) تقدر بقدرها. والله أعلم وهو الموفق لما فيه الخير والفلاح.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ﷻ وتبارك اسمه وتعالى، وأستغفر اللهَ العظيم من كل ذنبٍ وزلل.. ونسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق والهدى والسداد.. وسامحونا على التقصير.
وأنا أعرف أنك أرسلتَ إليّ مع وجود «أبي يحيى» عندك و«أبي الوليد»؛ لتتعاضد عندك الآراء والمشورة، وربما أردت أيضا تنشيطي وتفعيلي؛ فجزاك الله خيرا على حرصك ونصحك، وإن لم يكن لديك مانع، فإن شئتَ فاعرض كلامي هذا على «أبي يحيى»، ورأيه خيرٌ من رأيي وأفقه، والله المسؤول لنا ولكم التوفيق.
وانظر في المرفقات:
- نفس رسالتك (رسالة السؤال) مضمَّنةً تعليقاتي.
- مرفقات في ملف مضغوط تحتوي على صفحات من النت في مناقشات لطلبة علم في المسائل وتحتوي فتاوى وغيرها، وبحوثًا وجدتها على النت، ومنها بحث وليد بن راشد السعيدان، وربما أعلق عليه في ثناياه أيضا.
- بحث الشيخ ناصر الفهد مع تعليقاتٍ عليه.
وجزاكم الله خيرا، وبارك الله فيكم، وسلامي لكم مكررا ولكل الأحباب
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوك المحب لك الداعي لكم دائمًا: عطية
ربيع الأول 1427هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: في بيان حكم التصوير
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا