إجابة السائل.. عن بعض الأحكام المتعلقة بزواج الأرامل
[مبحثٌ تضمن جواب تسع مسائل يكثر عنها السؤال من أرامل الشهداء، تُنشر لأول مرة ضمن الطبعة الثانية من «المجموع»، استللتُها من الدفعة الخامسة من وثائق «أبوت أباد»، ولم يُؤرخها الشيخ بتاريخٍ معين].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ فهذه أجوبة لأسئلة يكثر طرحها من النساء..
1 - إذا قتل زوج المرأة أو مات؛ فهل الأفضل للمرأة أن تتزوج بزوج آخر أم تصبر ولا تتزوج، خاصةً في مثل أحوالنا؟
2 - وهل يتغير الحكم إذا كان في حجرها أيتام؟
3 - وهل زواجها بآخر يعد عيبًا؟
4 - وهل ينافي الوفاء للزوج الأول؟
5 - وما الحكم لو شرط الزوج على زوجته ألا تتزوج في العقد أو بعده فقبلت؟
6 - وما الحكم لو تعهدت هي له بعدم الزواج بعده؟
7 - وما الحكم لو كان ذلك مؤكدًا بالقسم؟
8 - وما الحكم لو منعها وليها من الزواج وهي راغبة فيه؟
9 - ولمن تكون المرأة في الآخرة إذا تزوجت بأكثر من زوج؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فأقدم بين يدي الجواب تحية إكبار وإجلال إلى أولئك النساء اللواتي هاجرن ثم صبرن على تكاليف الهجرة والجهاد مع أزواجهن؛ ثم ابتلين بفقد أزواجهن وترملهن، وكل هذا وهنَّ بعيدات عن الأهل والأقارب؛ إلا من أيتامٍ هم أحوج منهنَّ إلى المعونة والرعاية؛ فما تغيرن عن الخُلُق الأول وما زادهن ذلك إلا يقينًا وصبرًا، وهن لا يبتغين على ذلك أجرًا إلا من عند الله ﷻ.
فلله درهنَّ من نساء صابرات مجاهدات في زمنٍ قلَّ فيه الصابرون المجاهدون حتى من الرجال؛ فاللهم آجرهن في مصيبتهن واخلفهن خيرًا منها، وتحية أخرى إلى أولئك القائمين على كفالة الأيتام والأرامل برغم شدة الأحوال وجسامة التكاليف؛ فأحرزوا قصب السبق في الجهادين: جهاد العدو الكافر، والقيام على شؤون الأرامل والأيتام، قال النبي ﷺ: (السَّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار) متفق عليه٨١٨صحيح البخاري (5661)، صحيح مسلم (2982).؛ فأجزل الله لهم المثوبة في الدارين: ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥﴾ [البقرة].
وبعد هذه التحية نشرع في الجواب؛ فأقول مستعينًا بالله ولا قوة إلا بالله:
❖❖❖
فأما جواب السؤال الأول: إذا قتل زوج المرأة أو مات؛ فهل الأفضل للمرأة أن تتزوج بزوج آخر؟ أم تصبر ولا تتزوج خاصةً في مثل أحوالنا؟
فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الزواج مسنون ومستحب، والمسنون أو المستحب هو ما ينال الثواب فاعله ولا يأثم تاركه وإنما يفوته الأجر.
لقوله تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 3]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ﴾ [النور: 32].
قال ابن كثير رحمه الله: «فقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ﴾ [النور: 32]؛ هذا أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أخرجاه من حديث ابن مسعود٨١٩صحيح البخاري (4778)، صحيح مسلم (1400) وهذا اللفظُ له..
وجاء في السنن -من غير وجه- أن رسول الله ﷺ قال: (تزوَّجوا، توالدوا، تناسلوا، فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، وفي رواية: (حتى بالسقط)٨٢٠كذا ذكره ابن كثير، وهو بلفظ قريب في: سنن ابن ماجه (1846)، سنن أبي داو د (2050) وأصله صحيح حسنه الألباني وغيره، وقوله (حتى بالسقط) لا يصح من الحديث كما في تحقيق تفسير الثعلبي، د. دار التفسير (19/164).»ا هـ.
ولم يفرق العلماء بين الرجل والمرأة في استحباب الزواج عمومًا، وقرروا أن الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ لأن مصالح النكاح أكثر من مصالح التخلي لنوافل العبادة، لاشتماله على تحصين فرج نفسه وزوجته وحفظها والقيام بها وإيجاد النسل وتكثير الأمة وتحقيق مباهاة النبي ﷺ، وغير ذلك من المصالح الراجح أحدها على نفل العبادة، قال ابن مسعود: «لو لم يبقَ من أجلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها يومًا، ولي طول النكاح فيهن -أي قدرة مالية- لتزوجت مخافة الفتنة»٨٢١المحلى لابن حزم (9/154).، وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: «تزوّج فإنّ خير هذه الأمّة أكثرها نساءً»٨٢٢الطبقات الكبرى (1/320).، وقال أحمد: «ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير التّزوّج فقد دعاك إلى غير الإسلام.. ولو تزوّج بِشرٌ كان قد تم أمره» ٨٢٣المغني لابن قدامة (9/341).؛ يعني بشرًا الحافي المشهور بزهده ولم يكن تزوج فعد أحمد تركه للزواج نقصًا٨٢٤انظر: کشاف القناع عن متن الإقناع: (16/393)، وشرح منتهى الإرادات: (8/313). [المؤلف].
وفي مصنف ابن أبي شيبة٨٢٥مصنف ابن أبي شيبة «235» - «4/126». كتاب النِّكاح في التزويج من كان يأمر به ويحث عليه: عن شداد بن أوس، وكان قد ذهب بصره قال: «زوّجُوني فإن رسول الله ﷺ أوصال أن لا ألقى الله أعزبًا»، وعن الحسن، قال: قال معاذ في مرضه الذي مات فيه: «زوجوني إني أكره أن ألقى الله أعزبًا».
وعن إبراهيم بن ميسرة، قال: «قال ليّ طاووس: لتنكحن، أو لأقولنَّ لك ما قال عمر لأبي الزّوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عَجزٌ، أو فجورٌ».
ويصير الزواج واجبًا على الرجل إذا خشي الوقوع في الزنا، وكذلك المرأة ويقدم حينئذ على الحج الواجب.
ولا فرق في استحباب الزواج بين أن تكون المرأة بكرًا أو ثيبًا، أو أن تكون أرملة بسبب موت زوجها أو طلاقه لها، وذلك لعموم الأدلة في استحباب الزواج.
وبهذا يتبيَّن أن الأفضل والمستحب للأرملة أن تتزوج، ويتأكد هذا في حق الأرامل المهاجرات وذلك للأسباب الآتية:
1 - أنهن يعشن في أرض غربة بعيدًا عن أهلهن وأوليائهن، وهنَّ قد قررن أن يواصلن هجرتهن وتنشئة أولادهن على الجهاد، والمرأة لا بد لها من رجل يرعاها ويحفظها ويؤنسها ومن الخطر أن تبقى وحدها؛ نسأل الله أن يحفظ أخواتنا.
2 - أن بقاءهن بغير زوج يُثقل كاهل المسؤولين ويأخذ من وقتهم وجهدهم وتفکیرهم وعندهم أشغال أخرى كثيرة، وهم مع ذلك قائمون بحقهن ابتغاء الأجر ووفاءً لإخوانهم، وتحتاج المرأة أحيانًا إلى علاج هي وأولادها، وهذا يعني أن تصحبهن امرأة القائم على رعايتهن، وفي هذا مشقة لا تخفى خاصةً إذا كثرن وكثر أولادهن، وأحيانًا تحتاج أن تعرض مشكلتها على المسؤول وتكلم الرجال.. وزواجها يحل هذه المشكلات كلها ويخفف على المجاهدين عبئًا وأحمالًا؛ فيوفرون جهدهم في هذه المعركة الكبيرة، فإذا تزوجت المرأة بِنَيَّة التخفيف على المجاهدين؛ فإنها تكون مشاركة في الجهاد ولها أجرها إن شاء الله.
3 - أن كثيرًا من الأرامل في حجرهن أيتام وهن في غربة؛ فربما يضيع أولادهن حيث لا رجل يُقوِّمهم ويرعاهم؛ فالزواج من رجل صالح يسعد أولادها ويسعدها في الدارين إن شاء الله.
4 - أن المجاهدين راغبون في الزواج ولا يجدون زوجة يسكنون إليها وتعينهم في الغربة والجهاد، وهذا من ضرائب الهجرة والجهاد ومن مظاهر خذلان كثير من المسلمين لهم؛ فقَبول الأرامل للزواج -مع كونهن تمرسن على الصبر والشدة وعرفن الطريق-؛ يحل مشكلاتهم ويؤنس غربتهم، وهم أولى الناس بالمعروف لجهادهم وتضحيتهم، وهم أولى الناس بالقيام بحق الأرامل المهاجرات وأبناء إخوانهم؛ فإذا تزوجت المرأة بهذه النية فلها الأجر الجزيل إن شاء الله.
❖❖❖
وأما جواب السؤال الثاني: هل يتغير الحكم إذا كان في حجرها أيتام؟
فقد تبيَّن من خلال جواب السؤال الأول؛ فإن الأرملة وإن كان عندها أيتام فإن الزواج في حقها أفضل ومستحب لعموم الأدلة في استحبابه.
وأما ما ورد من الأحاديث في فضل المرأة الأيم التي تكفل يتاماها وترعاهم ولا تتزوج؛ كحديث: (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة) وأومأ يزيد بالوسطى والسبابة (امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا)٨٢٦مسند أحمد (24006) ولكن قال فيه الأرنؤوط: حسن لغيره إن شاء الله، بينما ضعفه الألباني في سنن أبي داود (5149)..
وحديث: (أنا أول من يفتح له باب الجنّة إلا أنَّه تأتي امرأةٌ تُبادرني فأقول لها: ما لك ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قَعَدتُ على أيتامٍ ليّ)٨٢٧مسند أبي يعلى (6651) وقال محققه: منكر. وضعفه الألباني في الضعيفة (5374).، وحديث: (أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة)، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى٨٢٨أمالي ابن بشران (869)، وضعفه الألباني في: الجامع الصغير وزيادته (5034)..
فهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا ترد بها السنن الثابتة؛ فضلًا عن أن الأحاديث الصحيحة في فضل كفالة اليتيم جاءت مطلقة غير مقيدة بكون كافل اليتيم أرملة أو متزوجة، أو كون الأيتام أبناء الكافل أوْ لا؛ كما جاء في حديث مسلم عن أبي هريرة h أن النبي ﷺ قال: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)٨٢٩صحيح مسلم (2983).؛ يعني السبابة والوسطى، فدلَّ الحديث بإطلاقه على أنه يمكن تحصيل فضيلة كفالة اليتيم بالزواج وبدونه.
ولو صحت تلك الأحاديث؛ فينبغي أن تُحمل على أفضلية ترك الزواج للأرملة في حالات مخصوصة؛ كتركها للزواج إذا كان زواجها سيضيع أولادها أو يضيع حقوق زوجها لانشغالها بأولادها، ويقيد هذا أيضًا بِأَمنِها من الفتنة بترك الزواج؛ فيدخل هذا في باب تعارض المصالح والمفاسد فحينئذٍ يكون درء المفاسد أولى جلب المصالح أو من باب تزاحم المصالح؛ فيقدم أَولاها وأعلاها، والمقصود: بيان أن الأصل استحباب الزواج للمرأة وإن كانت ذات أيتام؛ إن لم تكن هناك مصلحة راجحة مع الفتنة، والله أعلم.
والمرأة إذا تقدم لخطبتها أحد وخافت أن يضيع یتاماها بزواجها؛ فلتفعل كما فعلت أم سلمة رضي الله عنها لما خطبها النبي صلى الله عيه وسلم؛ ففي مسند أحمد: «قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرّغبة فيّ، ولكنّي امرأةٌ فيَّ غَيرَةٌ شديدةٌ فأخاف أن ترى منّي شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأةٌ قد دخلت في السِّنّ، وأنا ذات عيال، فقال: (أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله ﷻ منك، وأمّا ما ذكرت من السّنّ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأمّا ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي)، قالت: فقد سَلَّمتُ لرسول الله ﷺ، فتزوَّجها رسول الله ﷺ»٨٣٠مسند أحمد (16344) وهو صحيح رجاله ثقات..
فالمرأة إذا استطاعت أن تجمع بين الخيرين الزواج وكفالة الأيتام؛ فلماذا تحرم نفسها من الأجر؟
وإنما الدنيا دار عمل فالفائز مَن أكثر من العمل قبل انتهاء الأجل.
وبالنظر إلى أحوال الأخوات المهاجرات وأحوال المهاجرين عمومًا فإن مصلحة الأيتام ليست في ترك الزواج، وإنما هي بفعل الزواج ولا يحتاج الأمر إلى إيضاح كما بيناه من قبل.
اللهم الطف بنا وبكل المهاجرين والمهاجرات واكلأنا وإياهم بعينك التي لا تنام.
❖❖❖
وأما جواب السؤال الثالث: وهل زواجها بآخر يعد عيبًا؟
فليس فعل الزواج عيبًا، وكيف يكون فعل السنة عيبًا إلا أن ينتكس قلب الإنسان؛ فيرى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؟ نسأل الله العافية.
بل العيب في مثل هذا الزمان: ترك الزواج أو تأخيره لكثرة الفتن والفساد، وربما تصير المرأة محل تهمة ويطعن في عرضها، وما أهون ذلك على الناس وقد قلَّ الدين والورع.
وقد أنزل الله ﷻ قرآنًا بشأن هذه المسألة إنكارًا على من ينكرون على النساء التسرع في الزواج بعد العدة؛ فقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤﴾ [البقرة: 234].
قال ابن عباس في تفسيرها: «إذا طُلقت المرأة أو مات عنها زوجها؛ فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزيَّن وتتصنَّع وتتعرض للتزويج؛ فذلك المعروف، رُوي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ [البقرة: 234]، قال: «هو النكاح الحلال الطيب»٨٣١تفسير عبد الرزاق (1/354)، وعزاه الشيخ عطية الله إلى: تفسير ابن كثير.. وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير٨٣٢التحرير والتنوير: (2/446) الطبعة التونسية.: «وقيده بأن يكون من المعروف نهيًا للمرأة أن تفعل ما ليس من المعروف شرعًا وعادةً، كالإفراط في الحزن المنكر شرعًا وعادةً، أو التظاهر بترك التزوج بعد زوجها، وتغليظًا للذين ينكرون على النساء تسرعهن للتزوج بعد العدة، أو بعد وضع الحمل، كما فعلت سبيعة؛ أي فإن ذلك من المعروف» اهـ.
وفي البخاري: «قُتل زوج سُبيعة الأسلميّة وهي حُبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت فانكحها رسول الله ﷺ»، وفي رواية: «أنَّ سبيعة الأسلميّة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت النّبيّ ﷺ فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت»٨٣٣الرواية الأولى في: صحيح البخاري (4626)، والثانية عند البخاري برقم: (5014)..
وليعلم أن من الميادين التي يخوضها العدو في حربه ضد المسلمين: ميدان الزواج؛ فهم يسعون جاهدين لصرف المسلمين بشتى الأساليب عن الزواج أو لتأخيره على الأقل؛ فسنوا لأجل ذلك القوانين المقيدة، وأشغلوا الذكور والإناث بدرجات ما يسمونه بالتعليم، وفتحوا أبواب الفساد من جهة أخرى؛ فوقع كثير من المسلمين والمسلمات في الشَّرَكِ الذي نصبوه، وما خافوا الله وما رقبوه؛ فلا تسأل عن الفساد المستطير الذي نخر دين الأمة ودنياها، وإنما يفعلون هذا حقدًا على المسلمين ودينهم، وحسدًا أن يتكاثر المسلمون، وهم لا يجد أحدهم إلا جروًا يربيه، ويجعله خيرًا من بنيه ومن أمه وأبيه.
وقد كان الزواج قديمًا سهلًا ميسرًا؛ فلما حصل ما حصل انقلبت الموازين وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؛ فعزف المسلمون عن الزواج، والزواج خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون.
وقد تظنُّ بعض النساء أن الزواج بعد قتل زوجها عيب وذلك لجهلها فينبغي للنساء أن يتفقهن ويسألن عما يصلح دينهن وآخرتهن؛ أشد من سؤالهن عما يصلح دنياهن من الثياب والحلي، ولا ينبغي لذات الدين أن تصغي لمثل هؤلاء الجاهلات الهامزات اللامزات القاطعات طريق الآخرة.
❖❖❖
وأما جواب السؤال الرابع: هل يكون زواجها بالثاني منافيًا لوفائها للزوج الأول؟
فلا شك أن المرأة التي فقدت زوجها ورفيق حياتها قد نزلت بها مصيبة ثقيلة تكسر الظهر وحزن لافح يحرق الصدر، ولكن ديننا العظيم الذي فيه الخير كله لا يحب لنا أن نبقى معطلين عن دورنا في هذه الحياة تعطلنا المصائب والأحزان بحجة الوفاء؛ فنصير مترهبين متبتلين فنبتدع في الدين وفي الوقت نفسه راعی أحوالنا وطبائعنا الضعيفة مع كون جذوة الحزن لا بد أن تنطفئ، وحرارة الحب لا بد أن تخمد أو تقل مع طول الزمن.
ولذلك فإن الله ﷻ قد جعل للمرأة المتوفي عنها زوجها مدة تسمى بالعدة وهي أربعة أشهر وعشر، وهذه المدة لها أحكام خاصة بها كحرمة خطبتها تصريحًا وزواجها، ووجوب ترك الزينة وهو الإحداد، ولزوم البيت، وهناك تفصيلات ليس هذا محل بيانها وإنما المقصود أن هذه المدة هي بمثابة الوفاء للزوج الأول وحفظ لنسبه وإعطاء المرأة مهلة لتحزن على زوجها من غير فعل محرم كاللطم وشق الجيوب وحلق الشعر أو نتفه والتسخط.
فزواج المرأة بعد انتهاء عدتها لا ينافي الوفاء؛ لأنها وفَّت ما عليها وإنما يكون عدم الوفاء إذا فعلت ما نهى الله عنه في العدة.
وقد تنشغل المرأة بالوفاء لزوجها بترك الزواج عن الوفاء لدينها وشرفها؛ فتصير محلًا للتهمة وغرضًا للئام فبئس ما جزت به زوجها حين يقال: زوجة فلان!، وربما يفوتها الوفاء لأولادها إذا كانوا محتاجين إلى رجل صالح مع أمهم يرعاهم ويأخذ بأيديهم إلى الآخرة؛ فيصير وفاؤها لزوجها خيانة لأولاده الذين تركهم أمانة في عنقها.. اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى.
❖❖❖
وأما جواب السؤال الخامس: ما الحكم لو شرط الزوج على زوجته ألا تتزوج في العقد أو بعده فقبلت؟
فقد قال النبي ﷺ: (ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط؛ قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق)٨٣٤رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها (7/356)، (ح: 2023) [المؤلف].
وقال في «مجمع الزوائد»٨٣٥مجمع الزوائد: (1/2760). [المؤلف] قلتُ: وهو في المعجم الكبير للطبراني (25/102)، وحسنه الألباني في: الصحيحة (608): «عن أم مبشر أن النبي ﷺ خطب امرأة البراء بن معرور، فقالت: إنِّي شرطت لزوجي: أن لا أتزوج بعده، فقال النبي ﷺ: (إن ذلك لا يصلح) رواه الطبراني في «الكبير والصغير»، ورجاله رجال الصحيح وحسن إسناده الألباني رحمه الله، وهذا الحديث نص في المسألة.
وقال في «الإنصاف» في مذهب الحنابلة٨٣٦الإنصاف: (12/411). [المؤلف]: «وقال المجد في شرحه: لو شرط أحد الزوجين على الآخر أن لا يتزوج بعده فالشرط باطل في قياس المذهب، ووجهه: أنه ليس في ذلك غرض صحيح بخلاف حال الحياة».
وفي سنن الدارقطني٨٣٧سنن الدارقطني: (7/178) – (ح: 2931). [المؤلف] قلت: ونحوه عند الترمذي (1352) وصححه الألباني.: «عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا)».
فاشتراط ألا تتزوج المرأة بعد زوجها حرَّم حلالًا..
فإذا شرطت المرأة لزوجها ألا تتزوج من بعده؛ فهو شرط لاغٍ باطل وسواء ذلك حين العقد أو بعده، ولا ينبغي أن تفعل المرأة هذا ولا ينبغي لزوجها أن يشترط، ويحجر واسعًا، ولينشغل بما يستقبله من أمر الآخرة، ولا يلتفت إلى ما يخلفه من الدنيا؛ فإن ﴿زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢﴾ [الحج: 1-2]، ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: 34-37].
❖❖❖
وأما جواب السؤال السادس: ما الحكم لو تعهدت هي له بعدم الزواج بعده؟
فهذا جوابه كالذي قبله ولا فرق، وكثير من النساء حبال عهودهن أوهى من خيوط العنكبوت ويكلفن أنفسهن ما لا يطيقه ضعفهن؛ فلا ينبغي للمرأة أن تتعهد بمصادمة فطرتها، ولا ينبغي للرجل العاقل أن يسايرها في هفوتها، وليأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها في الدنيا والآخرة.
❖❖❖
وأما جواب السؤال السابع: ما الحكم لو كان ذلك مؤكدًا بالقسم؟
فهذا جوابه في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١ قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢﴾ [التحريم: 1-2].
وفي التاريخ الكبير للبخاري: «عن أم مبشر الأنصارية عن النبي ﷺ قال لها وهي في بعض حالاتها، وكانت امرأة البراء بن معرور فتوفى عنها، فقال: (إن زيد بن حارثة قد مات أهله، ولن آلو أن أختار له امرأة؛ فقد اخترتك له)، فقالت: یا رسول الله؛ إني حلفت للبراء أن لا أتزوج بعده رجلًا، فقال رسول الله ﷺ: (أترغبين عنه؟) -يعني أسامة- قالت: أفأرغب عنه وقد أنزله الله بالمنزلة منك؟ إنما هي غيرة، قالت: فالأمر إليك، قال: فزوجها من زيد بن حارثة.. الحديث»٨٣٨«التاريخ الكبير: 8/285» - «ح: 3020». [المؤلف] قلت: وصححه الألباني في: الصحيحة (608)..
وفي سنن سعيد بن منصور٨٣٩سنن سعيد بن منصور: (3/103) – (ح 101). [المؤلف]: «جاءت إلى الشعبي امرأة، فقالت: إني حلفت لزوجي أن لا أتزوج بعده بأيمان غليظة، فما ترى؟ قال: أرى أن نبدأ بحلال الله ﷻ قبل حرامکم»؛ يعني أن تحنث في يمينها وتتزوج.
وكثير من النساء حلفن لأزواجهن أو شرطن ألا يتزوجن بعدهم، ثم حنثن ونکثن، وذلك أن داعي الفطرة غلَّاب، وليس عليهن في حنثهن ضير ولا عاب، وإنما حلفهن كالذي يحلف ألا يطعم الطعام ولا يشرب الشراب؛ فما أعجل حنثه وما أسرع نكثه.
وفي فتاوى الشبكة الإسلامية٨٤٠نقلًا عن المكتبة الشاملة: فتاوى الشبكة الإسلامية – معدلة «3/4339» رقم الفتوى: «17555»: النظرة الشرعية لمن عاهدت زوجها أن لا تتزوج بعد موته - تاريخ الفتوى: «29/ ربيع الأول/1423هـ». [المؤلف]: «امرأة تسأل: كان معقود قراني -لم ندخل- على شخص متدين وذي خلق رفيع، وحين كنا نتحدث ذات مرة قال لي: احلفي لي أنني إذا مت لن تتزوجي من بعدي ولشدة إلحاحه وشدة حبي له؛ حلفت بأنني سأخسر دنياي وديني إذا تزوجت من بعده، ولقد توفي رحمه الله في حادث قبل أن يدخل بي، والآن لقد مرَّ 3 سنوات تقدم ليّ الكثير، لكني خائفة من قسمي، فماذا أفعل؟!
«وانظر الجواب في الموقع الذي أشرت إليه!».
وهكذا تورط المرأة نفسها بالحلف وهي في سكرة الحب وربما بأيمان محرمة تبتغي مرضاة زوجها، ثم لا تلبث أن تصحو بعد أن تحس بمرارة الوحشة وضراوة الحياة؛ فإن أدركت نفسها قبل الذبول وإلا فعلى أهلها جنت براقش.
وإن كانت المرأة يصدر منها نحو هذا لضعفها وفرط حبها؛ فما بال الرجل الأريب يتقحم هذا الباب فيوقع المرأة في حيرة واضطراب؟
فخير لهما السكوت.. فمن صمت نجا وليستعينا بالدعاء على كل مطلوب.
ونعود إلى مسألتنا؛ فالمرأة لا ينبغي لها أن تحلف فتحرم على نفسها الحلال فإن فعلت ذلك فالأفضل لها والمستحب لها أن تحنث في يمينها؛ لأنها حلفت على ترك مستحب وعليها كفارة يمين، كما قال النبي ﷺ: (من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خيرٌ وليكفر عن يمينه)، وفي رواية: (فليكفر يمينه وليفعل الذي هو خير)٨٤١صحيح مسلم: (8/448) – (3115). [المؤلف]. قلت: والرواية الأخرى عند مسلم كذلك (1650)..
وفي سنن ابن ماجه ومسند أحمد٨٤٢سنن ابن ماجة: (6/308)، ومسند أحمد (4/392) – (19787). [المؤلف]. وصححه الألباني وغيره.: عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خيرٌ) أو قال: (أتيت الذي هو خيرٌ وكفرت عن يميني)، فيجوز للحالف على ترك الزواج أن يكفر عن يمينه ثم يتزوج أو أن يتزوج ثم يكفر عن يمينه.
وكفارة اليمين هي: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن لم يستطع صام ثلاثة أيام، وقدّر الإطعام خمسة أصواع من البر أو الأرز أو نحو ذلك من قوت البلد لكل مسكين نصف صاع؛ أي ما يساوي كيلو وعشرين جرامًا، ومقدار الكسوة لكل مسكين ثوب يستره في الصلاة.
ولا يُجزئ أن يخرجها مالًا، وإن شاء أعطى كل مسكين نصف صاع من الطعام وإن شاء جمعهم وغداهم أو عشاهم.
فمن لم يجد فيصوم ثلاثة أيام متتابعات.
وكحكم اليمين: النذر؛ كمن نذرت قائلة: لله علي إن رجع زوجي حيًا أن لا أتزوج بعده؛ فيستحب لها أن لا تفي بنذرها وعليها كفارة يمين، أما إذا خشي الحالف أو الناذر الوقوع في الفاحشة فيجب عليه نقض يمينه أو نذره لأن الزواج يصير عليه واجبًا إذ ذاك.
والعاقل يريح نفسه ابتداءً فلا يدخل نفسه فيما يشق عليه فعله أو الخروج منه، فلو قال قائل: إن المرأة التي لم تقحم نفسها في مثل هذه الورطات تقدم على غيرها في الزواج لأن هذا دليل على رجاحة عقلها وبعد نظرها لما أبعد عن الصواب، والتوفيق بيد الله أولًا وآخرًا.
❖❖❖
وأما جواب السؤال الثامن: ما الحكم لو منعها وليها من الزواج وهي راغبةٌ فيه؟
فالمرأة لا يجوز لها أن تتزوج بغير ولي لقوله ﷺ: (لا نكاح إلا بولي) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وهو صحيح٨٤٣سنن الترمذي (1101)، سنن ابن ماجة: (1881)، سنن أبي داود (2085)، وصححه الألباني وغيره.، وقوله: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له) رواه الترمذي وحسنه وأبو داود وابن ماجه٨٤٤سنن الترمذي (1102)، سنن ابن ماجة: (1879)، سنن أبي داود (2083)، وصححه الألباني وغيره..
وأحق الناس بولاية نكاح المرأة الحرة: أبوها ثم أبوه وإن علا وأولي الأجداد أقربهم ثم ابنها وإن سفل ثم أخوها لأبوين ثم لأبيها ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا ثم العم لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك وإن نزلوا، ثم أقرب العصبات على ترتيب الميراث.
ولا يجوز للولي الأبعد أن يزوج مع وجود الأقرب إلا لعذر، ثم إذا منع الولي الأقرب المرأة من الزواج فله حالان:
الأول: أن يمنعها بحق ولعذر مُعتبر ككون الخاطب غير كُفء لها أو كونه فاسقًا ونحو ذلك فلا يكون عاضلًا، ويبقى حق الولاية له، ولا تنتقل الولاية إلى الأبعد؛ فإن زوَّج الأبعد في هذه الحال لم يصح الزواج.
الحال الآخر: أن يمنعها لغير عذر، وهذا يسمى في الشرع عضلًا، والعضل منعها أن تتزوج بكفء إذا طلبت ذلك ورغب كل منهما في صاحبه ولو بدون مهر مثلها، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232].
وعن أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريضٌ) رواه الترمذي٨٤٥سنن الترمذي (1084)، وحسنه الألباني..
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن صور العضل إذا امتنع الخطاب لشدة الولي»٨٤٦المستدرك على مجموع الفتاوى (4/151)..
ومن صور العضل ما ذكره صاحب «المغني» قال: «فإن رغبت في كفء بعينه، وأراد تزويجها لغيره من أكفائها، وامتنع من تزويجها من الذي أرادته، كان عاضلًا لها، فأما إن طلبت التزويج بغير كفئها، فلهُ منعها من ذلك، ولا يكون عاضلًا لها بهذا» ٨٤٧المغني: (14/409). [المؤلف].
وفي هذه الحال إذا أصر الولي الأقرب على العضل تنتقل الولاية إلى الأبعد الذي يليه.
ولكن ما العمل إذا لم يوجد ولي أو كان الأولياء كلهم عاضلين؟
قال في «الإقناع» في فقه الإمام أحمد بن حنبل: «فإن عدم الولي مطلقًا أو عضل؛ زوَّجها ذو سلطان في ذلك المكان كوالي البلد أو كبيره أو أمير القافلة ونحوه؛ فإن تعذر زوجها عدل بإذنها -قال أحمد في دهقان قربة -رئيسها -: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرستاق قاضٍ» ٨٤٨الإقناع: (3/172). [المؤلف].
❖❖❖
وأما جواب السؤال التاسع: لمن تكون المرأة في الآخرة إذا تزوجت بأكثر من زوج؟
فالمرأة لا تخرج عن هذه الحالات في الدنيا؛ فهي:
1 - إما أن تموت قبل أن تتزوج.
2 - وإما أن تموت بعد طلاقها قبل أن تتزوج من آخر.
3 - وأما أن تكون متزوجة، ولكن لا يدخل زوجها معها الجنة -والعياذ بالله-.
4 - وإما أن تموت بعد زواجها.
5 - وإما أن يموت زوجها وتبقى بعده بلا زوج حتى تموت.
6 - وإما أن يموت زوجها فتتزوج بعده غيره.
هذه حالات المرأة في الدنيا، ولكل حالة ما يقابلها في الجنة:
1 - فأما المرأة التي ماتت قبل أن تتزوج فهذه يزوجها الله ﷻ في الجنة من رجال أهل الدنيا؛ لقوله ﷺ: (ما في الجنة أعزب) أخرجه مسلم٨٤٩صحيح مسلم (2834).، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «إذا لم تتزوج -أي المرأة- في الدنيا؛ فإن الله تعالى يزوجها ما تقرُّ به عينها في الجنة.. فالنعيم في الجنة ليس مقصورًا على الذكور، وإنما هو للذكور والإناث ومن جملة النعيم: الزواج»٨٥٠مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: (2/53). [المؤلف].
2 - ومثلها المرأة التي ماتت مطلقة.
3- ومثلها المرأة التي لم يدخل زوجها الجنة. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «فالمرأة إذا كانت من أهل الجنة ولم تتزوج أو كان زوجها ليس من أهل الجنة فإنها إذا دخلت الجنة فهناك من أهل الجنة من لم يتزوجوا من الرجال؛ أي فيتزوجها أحدهم»٨٥١«مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 2/53»..
4 - وأما المرأة التي ماتت بعد زواجها فهي -في الجنة- لزوجها الذي ماتت عنه.
5 - وأما المرأة التي مات عنها زوجها فبقيت بعده لم تتزوج حتى ماتت فهي زوجة له في الجنة.
6 - وأما المرأة التي مات عنها زوجها فتزوجت بعده فالصحيح أنها تكون لآخر أزواجها؛ لقول النبي ﷺ: (المرأة لآخر أزواجها)٨٥٢المعجم الأوسط للطبراني (3130)، السنن الكبرى للبيهقي (13551)، وصححه الألباني في: صحيح الجامع (2704)..
ولكن لا يفهم من هذا الحديث أن الأفضل للمرأة ألا تتزوج، وإنما يؤخذ حكم الزواج من أدلة أخرى قد أشرنا إلى بعضها آنفًا، ومسألة صبر المرأة على ترك الزواج لتكون زوجة لزوجها الأول في الجنة مبنية على رجائها أن تكون هي وزوجها من أهل الجنة وهذا علمه إلى الله تعالى فلا يُشهد لأحد بأنه من أهل الجنة إلا من شهد له القرآن والسنة بأنه من أهل الجنة.
والصبر على ترك الزواج كذلك مربوط بحال المرأة الذي تعيشه وسنها وأمنها من الفتنة والضرر في نفسها، فإن الإنسان إذا ترك الزواج قد تصيبه أمراض في جسده وأعصابه فيعذب نفسه ويعذب من حوله والله غني عن أن يعذب الإنسان نفسه واتباع ما يحبه الله يقر العينين ويسعد الإنسان في الدارين.
ثم إن الإنسان لا يدري أين الخير؛ لأنه لا يعلم الغيب فواجب عليه أن يكل أمره إلى علام الغيوب ويسلم أمره إليه، ويظهر ضعفه بين يديه؛ فما أنجح سعيه إذ ذاك، وقد تظن المرأة أنَّها لن تجد خيرًا من زوجها، ولكن الله يقدِّر لها خيرًا منه إذا سلمت أمرها إليه وقالت موقنة ما علمها إياه رسولنا ﷺ حيث قال: (ما من مسلم تُصيبه مُصيبة فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرا منها) رواه مسلم٨٥٣صحيح مسلم (918)..
ولتستخر الله تعالى، ولتستشر من تثق به؛ فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار؛ فإذا عزمت فلتتوكل على الله تعالى.
ولنورد ها هنا خبر أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها لما فيه من العبر، وكانت رضي الله عنها زوجة أبي سلمة بن عبد الأسد؛ فهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا، ومات أبو سلمة سنة أربع من الهجرة ففي «الطبقات الكبرى لابن سعد»: قالت أم سلمة لأبي سلمة: «بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة ثم لم تزوّج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها فتعال أعاهدك ألا تزوج بعدي ولا أتزوج بعدك، قال: أتطيعيني، قلت: ما استأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك، قال: فإذا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها» ٨٥٤الطبقات الكبرى (10/86)..
وفي صحيح مسلم: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦﴾ اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها)، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول ﷺ فأخلف الله لي خيرًا منه رسول ﷺ»، وفي رواية: «فلما تُوفّي أبو سلمة، قلتُ: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ ثم عزم الله لي فقلتها، قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ»٨٥٥صحيح مسلم: (4/476) – (ح: 1526)..
وفي مسند أبي يعلى: «قالت أم سلمة: فلقا أُصيب أبو سلمة قلت: اللهم عندك أحتسب مصيبتي هذه ولم تطب نفسي أن أقول: اللهم أخلفني منها بخير منها، قلت: مَن خير مِن أبي سلمة أليس وليس، ثم قالت ذلك، فلما انقضت عدتها، أرسل إليها رسول الله ﷺ يخطبها، فقالت... الحديث»٨٥٦مسند أبي يعلى: (6/ 219) – (ح: 69082)..
وقد تزوجت أم سلمة رضي الله عنها النبي ﷺ بعد انتهاء عدتها بليالٍ قليلة٨٥٧تنظر ترجمتها في صفة الصفوة: (1/180) والطبقات الكبرى لابن سعد: (8/86)، وسير أعلام النبلاء: (3/178)..
والمقصود أنَّ أم سلمة رضي الله عنها كانت تظن أنه لا يوجد رجل كأبي سلمة h، ولكنها لمَّا دعت بالدعاء الذي سمعته من رسول الله ﷺ، وسلمت أمر لله أعقبها الله رسول الله ﷺ؛ فلا تسأل عن المنزلة التي ستنزلها في الجنة مع النبي ﷺ يوم القيامة.
فينبغي للمرأة الصالحة أن تدعوَ بهذا الدعاء وتسلم أمرها لله إذا فقدت زوجها ليعقبها الله خيرًا، وليكن همها هو مرضاة الله تعالى ورفعة الدرجات في الآخرة؛ فإذا عوضها الله خيرًا من زوجها فلتبشر بالموعود الآخر الوارد في الحديث وهو الأجر؛ أي لأن الله أخلف عليها بخير من مصيبتها فيُرجى حصول الأجر لها كذلك، ولذلك قالت أم سلمة رضي الله عنها: «فقد عاضني خيرًا من أبي سلمة وأنا أرجو أن يكون الله قد أجرني في مصيبتي».
وفي «تاريخ دمشق» ترجمة عمرو بن عبد الخولاني: «وكان خلف على أم مسلم زوج أبي مسلم الخولاني بعده، وكان من العُبَّاد، فسئلت أم مسلم، فقيل لها: أي الرجلين أفضل؟ فقالت: أما أبو مسلم فإنه لم يكن يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأما عمرو بن عبد فإنه كان ينار عليه في محرابه حتى إني كنت أختدم على ضوء نوره من غير مصباح»، قال عبد الجبار: «وكان عمرو بن عبد من أفاضل المسلمين عند أهل زمانه».
وعن عمير بن هانئ قال: قيل لأم مسلم امرأة أبي مسلم: تزوجت بعد أبي مسلم، وقد كان يقال: المرأة لآخر أزواجها؟ فقالت: «أفترون أن أبا مسلم كان أفضل من عمرو بن عبد، لقد رأيتني وإنه ليقوم من الليل إلى مصلاه فينور به حتى يملأ البيت نوره فأتناول من البيت ما أردت، لا يزال على ذلك حتى يطلع الفجر وربما غزلت على ضوء نوره»٨٥٨لابن عساكر (46/548). [المؤلف].
فلتبادر المرأة الصالحة إلى الزواج من الرجل الصالح والباب الآن مفتوح قبل ذبول زهرة الحياة والشباب.
وإيّاكِ ثم إيّاكِ أن تقولي: إن فلانة وفلانة صابرات فإنما الخير ما كان عليه السلف الصالح وكل نفسٍ بما كسبت رهينة، ويوشك أن تسمعي أنهن قد تزوجن ثم تتلفتين يمينًا وشمالًا فلا تجدين إلا نفسك في طريق الوحشة والعزوبة وقد فاتك القطار ولا ينفعك حينئذٍ الندم، وإنما مثل النساء اللواتي يتصبرن على ترك الزواج وكل واحدة منهن تظن أنها ستصبر على قساوة الحياة وحيدة كمثل جبل الذهب الذي يحسر عنه نهر الفرات في آخر الزمان فيقتتل عليه الناس فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون كل واحد منهم يقول: لعلي أنا أنجو.
فإذا كانت المرأة ستتزوج ولو بعد حين فمن الآن إذًا قبل ضياع الأعمار وذهاب زهرة الشباب وعزوف الخُطّاب، وفقك الله إلى كل خير ووقاك كل شر.
وها هنا وقفة قبل الختام، وهي: أن المرأة قد تحجم عن الزواج إذا تقدم لخطبتها رجل عنده زوجة سابقة، وذلك لما جبلها الله عليه من الغيرة لما له من الحكم العظيمة في ذلك، ولكن مهما كانت المرأة تتأذى بالغيرة؛ فإن هذا الأذى قليل في مقابل المصالح التي تحصل بالزواج من صون عرضها وتكثير المسلمين وغير ذلك من المصالح العظيمة.
والله ﷻ يعلم أن المرأة تغار غيرة شديدة وهو الذي خلقها كذلك لحكمة بالغة ومع ذلك فقد أباح التعدد وهو الحكيم الخبير وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
وقد يزعم البعض أن التعدد سبب في حدوث المشكلات وتشرد البنين والبنات.
والجواب: أن هذا الزعم مما يروج له الإعلام الكافر عن طريق الأفلام الوضيعة والبرامج الهدامة وذلك حسدًا للمسلمين على هذه النعمة التي تُكثّر عددهم وتحفظ أعراضهم وتحسم مادة الفساد.
ولقد طالعت بعض الكتب التي تتحدث عن نسبة العوانس في بلاد المسلمين، وتذكر كلمات للعانسات البائسات فرأيت شيئًا عجبًا يبكي العيون ويشجي القلوب، وتالله لو أن المسلمين اتبعوا دين الله وعدّد رجالهم الزوجات لانحلت هذه المشكلات ولرزقهم الله وفتح عليهم البركات، وفي الحديث: (تزوجوا النساء يأتينكم بالمال)٨٥٩مصنف ابن أبي شيبة (16659) مرسلًا، وأخرجه متصلًا: الحاكم (2679) وقال: على شرط الشيخين. وأقره الذهبي..
ثم إن حدثت مشكلات عائلية كبيرة فإنما هذا بما كسبت أيدي الناس وبسبب ظلمهم وجهلهم لا بسبب حُكم الله الحكيم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
وإذا كانت مشكلات عادية فهذه لا قيمة لها أمام المصالح المتحصلة بالزواج وليس يخلو منها بيت حتى بيوت النبي ﷺ فقد كان بين زوجاته ﷺ ما يحصل بين النساء من الغيرة.
والله ﷻ ما خلقنا إلا لعمارة هذه الأرض بطاعته، فعلى المرأة الصالحة أن تكابد هذه الحياة وتعمرها بطاعة الله تعالى، ولو كان في ذلك مشقة عليها، ولتصبر ولتستعن بالله وتدعوه، وإنما هي أيام معدودات وتنتهي الأعمار ولا يبقى بعد ذلك إلا العمل الصالح.
اللهم احفظ أرامل المجاهدين وذريتهم كما بذلوا أرواحهم لحفظ دينك وأجرهم في مصيبتهم واخلفهم خيرًا منها.. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..
•••
لقد أتممت قراءة كتاب:
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا