السؤال الرابع: [حكم الأخطاء الطبية من أطباء المجاهدين]

حدث أن تقني في الطب «مجاهد» أخطأ في مداواة مجاهد؛ فمات هذا الأخير.. فماذا عليه؟!

الشـيخ عطية الله:

الحمد لله، إذا كان هذا التقنيُّ معروفًا بالطب، يعني أنه طبيبٌ يعالج الناس ويداويهم، ولا يلزم أن يكون طبيبًا متخصصا أو عامّـًا بالمعنى الاصطلاحي المتداول اليوم، بل المقصود أنه بالنسبة لكم -في واقعكم وحالكم- بمنزلة الطبيب الذي يداوي الإخوة ويعالجهم لكونه أحسن الموجود في باب الطب، وقد أخذ حظا من معرفة علم التطبيب، كما تفيده عبارة «تقني في الطب»، وهو باذل جهده ونصحه، وأظن أن هذا هو المنطبق على مسألتكم.

أقول: إذا كان كذلك فلا يخلو الأمر من صورتين:

- إما أنه داوى المريض وطبّبه -عالجه- علاجًا صحيحًا على مقتضى الاجتهاد في باب الطب، فمات المريض، فهذا لا شيء عليه فيه، وهو -أي الطبي، وهو التقني هنا- مجتهدٌ على أصول صحيحة.

- وإما أنه أخطأ خطأ فاحشًا ظاهرًا مخالفًا لأصول الطب المعروفة عند أهله، وتسوّر وتجرأ على ما لا يحسنه، فأدى خطؤه إلى وفاة المريض، فهذا تلزمه الدية، لأنه قتل خطأ.. والله أعلم.

فإذا قلنا إنه قتلُ خطأ وإن عليه الدية، فإن الدية على عاقلته، وعاقلتــُه هنا هي الجند، أي الديوان الذي هو منتمٍ إليه في الجماعة، كذا قاله علماؤنا، وباختصار: ديته على بيت المال.

ص 1006

فإن تـيسّرت الآن فتُدفع لأوليائه، وإن لم تكن متـيسّرة -كما أظن جدا، كيف وأنتم في حال ضرورةٍ وشدة بالغة- فتؤخّر حتى يفتح الله، ولو طال الزمن، لكنها مستحَقة لأولياء الميت على بيت المال، والله أعلم.

روى أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن)، وحسّنه الشيخ الألباني٧٥١سنن أبي داود (4586)، سنن النسائي (4830)، سنن ابن ماجه (3466)..

قال في عون المعبود: «(من تطبب): بتشديد الموحدة الأولى أي تعاطى علم الطب وعالج مريضا، (ولا يعلم منه طب): أي معالجة صحيحة غالبة على الخطأ؛ فأخطأ في طبه وأتلف شيئا من المريض، (فهو ضامن): لأنه تولد من فعله الهلاك وهو متعد فيه إذ لا يعرف ذلك فتكون جنايته مضمونة على عاقلته. قال الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف المريض كان ضامنا والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية وسقط القود عنه لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض. وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته. انتهى»٧٥٢عون المعبود (12/ 215). اهـ.

والمسألة عند الفقهاء معروفة مشهورة، ويذكرونها في باب «الضمان» وفي باب «التعزير» أو غيرهما من الأبواب:

قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: «باب التعزيز: وعزّر الإمامُ لمعصية الله، أو لحقِّ آدميّ، حبسـًا، ولومًا، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضربٍ بسوط، أو غيره، وإن زاد على الحد أو أتى على النفس، وضمن ما سرى كطبيبٍ جهل أو قصر أو بلا إذن معتبر ولو إذن عبدٍ، بفصد أو حجامة، أو ختان..»٧٥٣مختصر خليل (ص 246)، منح الجليل شرح مختصر خليل (9/ 355)، شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (8/ 200). اهـ، وانظر شروحه..

ص 1007

ومنها ما قاله الشيخ علّيش في منح الجليل: «وسواء سلِم المعزَّرُ «أو أتى» تعزيره «على النفس» بأن مات منه، إن ظن الإمام سلامته «و» إلا «ضمن» الإمامُ «ما سرى» أي ترتب على تعزيره؛ فإن مات ضمن ديته وإن تلفت له منفعة ضمن ديتها. ابن عرفة: الشيخ في المجموعة: الإمام مالك رحمه الله: معلمُ الكتاب والصنعة إن ضرب صبيا ما يعلم الأمن منه لأدبه فمات فلا يضمن، وإن جاوز به الأدب ضمن ما أصابه. عج: المسائلُ ثلاثة:

الأولى: أن يفعل مع ظن السلامة وينشأ عنه هلاك أو نقص، وفي هذه الحالة يجوز الإقدام على الفعل.. واختلف في ضمانه فقيل لا يضمن سواء قال أهل المعرفة ينشأ عن فعله هلاك أو عيب أو لا، وهذا يفيده ما في النوادر والعتبية، وعزاه الموضح للجمهور.

الثانية: أن يفعل مع ظنه عدم سلامته وينشأ عنه هلاك أو عيب فلا يجوز له الإقدام على الفعل، ويقتص منه سواء قال أهل المعرفة ينشأ هلاك أو عيب أو لا، كما يفيده كلام ابن مرزوق.

الثالثة: أن يفعل مع شكه في سلامته وعدمها، وينشأ عنه هلاك أو عيب، فلا قصاص عليه والدية على عاقلته» ٧٥٤منح الجليل (9/ 358، 361). اهـ.

وانظر تمام كلامه؛ ففيه فوائد تجمع لك المسألة وفقهها.

❖❖❖