بشائر النصـر في شهر الصبر

[كلمة صوتية: مدتها ثلاثون دقيقة، نشـرتها «مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي»، وقام بتفريغها الإخوة في «نخبة الإعلام الجهادي»، نُشـرت في رمضان 1432]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمدٍ وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إلى إخواني وأحبابي المهاجرين المجاهدين في سبيل الله في أزمنة الغربة، النَّاصرين دين الله بالأنفس التي هي أغلى ما يملك الإنسان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتوجَّه إليكم بهذه التذكرة بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك شهر الخير والبركات والجهاد والفتوحات وموسم الأفضال من الله والرحمات، وقد ورد عن النبي ﷺ فيما رواه أحمد والنسائي والبيهقي، أنه كان يبشـر أصحابه بقدومه ويقول: (أتاكم رمضان شهرٌ مبارك فرض الله عليكم صـيامه، تُفتَّح فيه أبواب السماء وتُغلَّق فيه أبواب الجحيم وتُغلَّ فيه مردة الشـياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر من حُرِم خيرها فقد حُرِم)١٬١٤٢سنن النسائي (2106) وصححه الألباني، مسند أحمد (7148، 8991، 9497) فضائل الأوقات للبيهقي (34)..

وكان سلفنا الصالحون يترقَّبون مجيء شهر رمضان ويستبشـرون به ويدعون الله أن يُبلِّغهم رمضان وأن يسلِّمهم لرمضان وأن يسلِّم رمضان لهم، لما استقر في علمهم وفقههم من أنه موسمٌ عظيمٌ للخيرات والباقيات الصالحات من أنواع العبادات مع الصوم من الصلاة والقيام وذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن والصدقات وصلة الأرحام وغيرها، وأنه تضاعف فيه الأجور، ولعلمهم بما جاء في حديث أبي هريرة h أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفِّدت الشـياطين) رواه مسلم١٬١٤٣صحيح مسلم (1079)..

ص 1544

وأما أهل الجهاد -المجاهدون- فإنهم مع اشتراكهم مع سائر المسلمين في ذلك يحِنُّون إلى رمضان ويرجون رحمة الله عليهم وبركاته فيه بالفتوحات والنصر، ولأجل ما يعلمون من فضله وفضل العمل الصالح فيه يحرصون على التزوُّد من معينه صبرًا وإصرارًا وثباتًا؛ فإنَّ رمضان شهر الصبر، بذا سمَّاه رسول الله ﷺ.

ويندفعون إلى مزيدٍ من البذل في قتال أعداء الله ﷻ في رمضان، ويتقدَّمون للنكاية والإثخان في الكفرة ويتفنَّنون في ذلك ويتعرَّضون لنيل الشهادة فيه، إنَّ رمضان موسمٌ بحقٍ لا يُفوَّت.

أيها الإخوة؛ لقد منَّ الله علينا بنعمٍ كثيرةٍ جليلة تستدعي مزيد الشكر للمولى الجليل الكريم سبحانه، فهذا رمضان فرصةٌ أخرى بعد الفرصة لشكر الله على ما أولانا من نعمه السابغة الوافرة التي لا نستطيع أن نحصـيها ولا أن نؤدي شكرها مهما عملنا، لكن الله يغفر ويعفو ويقبل من عبده المؤمن القليل ويزكِّيه ويربيه ويثيبه عليه من فضله ورحمته أعظم الثواب.

ومن خصوص نِعم الله علينا هذه النعمة بأن هدانا لطريق الجهاد في سبيله ولإقامة دينه وإعلاء كلمته في هذه الأزمان، واستعملنا في قتال أعدائه الكفرة المجرمين العاثين في الأرض بالفساد والعدوان والظلم والطغيان، وجمع لنا ﷻ بين عددٍ من الأعمال الصالحة الجليلة وأدخلنا من فضله ورحمته في دواوين كبيرة عالية القدر عنده: الهجرة، والغربة، والجهاد، والرباط، والصبر، والدعوة إلى الله عز وجل، ونصـر دينه والدفاع عنه.

إخواني؛ إنَّ طريق الجهاد طويلٌ وشاقٌّ، ولكنه حلوٌ لمن ذاق حلاوة الإيمان، ونحسبكم إن شاء الله كذلك ذقتم حلاوته وعرفتم لذته.

وفي هذا الطريق غالب أنواع الأحوال التي يمكن أن يمرَّ بها الإنسان في الدنيا ولهذا يكبر الإنسان فيه في عقله وتجربته ما لا يكبر في غيره، وهو متضمنٌ للأسفار والاغتراب الذين حثَّ الحكماء عليهما لتعلم الحكمة ونيل التجربة والحنكة، ومتضمنٌ للسـياسات ومعاناة القيادة وأحوال أهل الملك والسـيادة، ومتضمنٌ لأحوال الشدة واللين والرحمة والقسوة والحلو والمر والفرح والترح، وفيه من لذائذ الروح وكمالاتها ما لا يوجد في غيره، جمع الله فيه لأهله استخراج العبودية له سبحانه من عبده والإخلاص له، إذ دواعي الإخلاص في الجهاد أوفر لمن رُزِق التوفيق لقرب الإنسان من الموت على الدوام مع حظوظ النفس بتكميل فضائلها وقوتها ولذَّاتها من الحرية والكرامة والعزة والطمأنينة وراحة البال وغير ذلك، فما أجمله من حظٍ وافق حقًا.

ص 1545

وإنَّ من شكرنا لله ﷻ أن نقرَّ ونعترف له سبحانه بهذا الفضل وهذه النعمة، ونعرف أنها من محض منِّه علينا وحده لا شـريك له، وننسبها إليه ونثني عليه بألسنتنا ونحمده، وأن نستمر على طريق الجهاد ونبذل فيه وسعنا ونجتهد في طاعة الله عز وجل وتطبيق شـريعته ﷻ على أنفسنا وعلى من تحت مسؤوليتنا حسب الإمكان، فإنَّ من جاهد بنفسه عن الدين أحق الناس بالتزام أحكام الدين، ولهذا أيضًا أمرنا الله عز وجل بالصبر والمصابرة وبالثبات وبمداومة الجهاد ما استطعنا، قال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران]، وقال ﷻ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥﴾ [الأنفال]، ونهانا عن الفرار من الزحف كما هو معلوم، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ﴾ [النساء: 104] الآية، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران].

وإنَّ هذا الجهاد -أيُّها الإخوة- لا يتم ولا يقوم على ساقه ولا يؤتي ثمرته إلا باجتماع المجاهدين وألفتهم وإلا بالجماعة، ولا جماعة إلا بسمعٍ وطاعةٍ وانتظامٍ وانضباطٍ بالأصول الشـرعية والآداب المرعيَّة والحكم التي دلت عليها الشـرائع والعقول والتجارب من آداب وفقه العمل الجماعي المنظَّم، فإنه بذلك يكون المؤمنون المجاهدون في سبيل الله صفًا كأنهم بنيانٌ مرصوص، كما يحب الله، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤﴾ [الصف].

وإننا -أيها الإخوة- في هذه الأوقات في مرحلةٍ من مراحل حربنا مع العدو تتطلب مزيد الانضباط، ويعظم فيها خطر المعصـية والتصرفات الفردية.

والتصرفات الفردية -أيها الإخوة- نوعان:

أعمالٌ جهاديةٌ فردية مندرجةٌ تحت الخطة العامة للمجاهدين تخدمها وتقويها وتنسجم معها، مأذونٌ فيها إذنًا عامًا أو خاصًا وتؤدي دورًا لا يمكن للجماعة أن تؤديه فتسد ثغرًا وتحقق نصرًا، فهذه أعمالٌ جهاديةٌ شـرعية ندعو إليها ونعتقد أنَّ الله يحبها ويرضاها ويأمر بها.

والنوع الآخر: أعمالٌ فرديةٌ ليست مندرجةً تحت خطة المجاهدين ولا تخدمها ولا تقوِّيها ولا تنسجم معها، بل تضعفها وتتعارض معها، وينشأ عنها فسادٌ أكثر مما يمكن أن ينشأ عنها من نفع، من التفرق والتنازع وغيره؛ فهذه التي ننهى عنها ونظن أنها لا ترضـي الله، فعلامتها واضحة، والفرق بين الاثنين بينٌ والحمد لله.

ص 1546

وأعود فأقول: إنَّ المرحلة التي نحن فيها تتطلب منا جميعًا أكبر قدر من الطاعة والانضباط والصبر، وأن نتحاشـى جهدنا عن المعاصـي سواءٌ منها ما كان معصـية لله عز وجل محضة أو ما كان معصـيةً للأمير وهي بذلك معصـيةٌ لله ﷻ؛ فإن شؤم معصـية المجاهدين لأمرائهم خطيرٌ ومبير، ويكفي فيه ما ذكره الله ﷻ لنا في القرآن في قصة أحد وجعله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة تذكرةً للمتقين وتحذيرًا للعابدين، ذكر الله ﷻ ذلك في سورةٍ من أعظم سور القرآن -سورة آل عمران- في سـياق حكاية قصة أحد وبيان ما حصل من معصـية بعض المسلمين، وهي معصـية الرماة أمر رسول الله ﷺ الذي أمرهم بأن يلزموا أماكنهم ولا يبرحوها، قال: (ولو رأيتمونا تخطَّفنا الطير)١٬١٤٤صحيح البخاري (3039). فلما رأوا بعض ما ظنُّوا أنَّ المعركة انتهت به لصالح المسلمين، وأنَّ المشـركين قد ولَّوا منهزمين، اجتهدوا اجتهادًا على خلاف النص، وتأوَّلوا في ترك تطبيق الأمر الواضح، وتركوا أماكنهم ونزلوا على رغم مناشدة أميرهم لهم بعدم النزول وإباء الأمير وبعضٍ من إخوانهم النزول، فأنزل الله في ذلك هذه الآيات وسمَّى فعلهم معصـية ونسبه لجماعة المسلمين وأخبر أنها كانت سبب ما نال المسلمين من الكسـرة يومئذٍ ولله الأمر من قبل ومن بعد ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِمَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢ ۞إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣﴾ [آل عمران].. الآيات.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في الفوائد المستفادة من قصة أحد: «فمنها تعريفهم سوء عاقبة المعصـية والفشل والتنازع، وأنَّ الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ﴾.. الآية، فلما ذاقوا عاقبة معصـيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظةً وتحرُّزًا من أسباب الخذلان»، قال: «ومنها أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسـرة والهزيمة ذلوا وانكسـروا وخضعوا، فاستوجبوا منه العز والنصر؛ فإن خُلعة النصـر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ [التوبة: 25]؛ فهو سبحانه إذا أراد أن يعزَّ عبده ويجبره وينصره كَسـره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره»١٬١٤٥زاد المعاد (3 / 196). انتهى كلامه رحمه الله.

ص 1547

أيها الإخوة: والذي يتضح من كلام علمائنا أنَّ معصـية الرماة هنا للنبي ﷺ كانت معصـيةً له باعتباره قائدًا وأميرًا وإمامًا، فإن تصرفات النبي ﷺ -بأبي هو وأمي- لها عدة اعتبارات، فهو ﷺ يتصرف باعتباره نبيًا رسولًا مبلِّغًا عن الله ﷻ شـرعه، ويتصرف باعتباره إمامًا وقائدًا للمسلمين، ويتصرف باعتباره قاضيًا.. وهكذا.

والمقصود أنَّ معصـية من نزل من الرماة في أحدٍ كانت من نوع معصـية أمر الأمير وقد عفى الله ﷻ عنهم رضي الله عنهم وأرضاهم، فهذا يبين لنا عظم خطر معصـية أوامر الأمير.

وقال الله عز وجل: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨﴾ [الحج] فبقدر إيماننا وكماله وقوته تكون مدافعة الله عنَّا، والله يحب المؤمنين ويحب المتقين ويحب المحسنين وهو معهم بنصره وتأييده وإمداده، فبقدر حسن الطاعة والاستقامة والإيمان والتقوى والعمل الصالح يكون نصـر الله عز وجل لنا، ولعله -والله أعلم- أن يكون تذييل الآية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨﴾ إيماءً إلى أن الخيانة والكفر -ومنه كفر النعمة والكفر الأصغر وهي المعاصـي- تنافي وتناقض موجبات دفع الله عز وجل ومدافعته عن عبده؛ ففيهما تحذيرٌ من المعاصـي فإنها تعرِّض المؤمن إلى أن يخسـر دفاع الله عنه؛ لأنه إذا كان الله لا يحب كل خوانٍ كفور ومن أجل ذلك يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم فإن في هذا تنبيهًا للمؤمن أن يجانب صفة الخوَّان الكفور ولا يقاربها، وهكذا في الشهادة فإن الظلم والمعاصـي قد تمنع منها والله أعلم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠﴾ [آل عمران].

وإنَّ مما يُطاع فيه الأمير ما يتعلق بالأمور الجامعة التي تمسُّ شأن الجهاد والمجاهدين بوصفهم الاجتماعي كالأوامر المتعلقة بالحركة والاتصالات وغيرها، كل هذا مما يدخل دخولًا واضحًا لا إشكال فيه فيما يجب أن يُطاع فيه الأمير، والمعصـية فيه معصـية، والله يعاقب على المعصـية وقد يتخلف النصـر ويُبطئ الفرج بسببها، فلتنتقِ الله جميعًا ولنجعل من رمضان فرصةً لتجديد الطاعات كلها والاجتهاد فيها والتوبة لله تبارك وتعالى.

ص 1548

أيها الإخوة والأخوات المؤمنون المجاهدون: إنَّ بشائر نصـر الله عز وجل لهذه الأمة ولمجاهديها كثيرة تُفرح القلوب وتدعو إلى مزيد الثبات ومزيد العطاء، ففي أفغانستان بدأ أعداء الله الغزاة المعتدون -الأمريكان والأوربيون- بدأوا ينسحبون رويدًا خائبين خاسـرين، وإنما زوَّروا على الناس وزوَّقوا انسحابهم بخططٍ تدريجية وجداول زمنية -زعموا- وبرامج وترتيباتٍ فاشلة مع عملائهم المرتدين ليخفوا فشلهم وهزيمتهم والحمد لله رب العالمين، فإن انسحابهم فرصةٌ لمجاهدي الإمارة الإسلامية للتقدم ومزيد الفتوح بإذن الله، وانسحابهم هو بدايةٌ فعليةٌ لانفراط عقد تحالفهم الكافر وتشتُّت شملهم بإذن الله، والدعم الشعبي والمدد الجهادي من الشعب الأفغاني للمجاهدين متواصلٌ متدفقٌ بحمد الله بل ومتزايد، وأعداء الله يعانون أشدَّ المعاناة في أفغانستان كما يعاني وكلاؤهم، ونكايات المجاهدين فيهم تتضاعف وتقوى، وهم يُعتِّمون على الأخبار ويجتهدون في إخفاء خسائرهم حتى وصل بهم الأمر إلى استصدار قوانين في ذلك خوفًا من انتشار أخبار عمليات المجاهدين، وحرصًا أن لا يسمع الناس بما يذيقهم المجاهدون كل يوم من كؤوس المنايا وعذاب الجراح ومرارات الثكل.

وكم من العمليات النوعية الناجحة للمجاهدين أخفاها أعداء الله وأبواقهم وكتموها وزوَّروا الأخبار حولها، هل سمعتم بعملية «ميدان وردك» في هذا الشهر شعبان؟

كما أنَّ أعداء الله يعانون ويُقاسون مما يُسلِّطه الله عليهم من جنوده التي لا يعلمها إلا هو، ولله جنود السماوات والأرض، ومن أهمها مشاكلهم الاقتصادية والمالية، فهم في خساراتٍ وانهياراتٍ دائمة بسبب كفرهم وفجورهم واستكبارهم وتمرُّدهم على الله وأخذهم الأموال بغير حقٍ من غير حلِّها، وإهلاكها في الباطل وفي نصـر الكفر وعداوة الله عز وجل ورسوله ودينه وأوليائه.

والآن نحن في نعمة الله علينا نتابع ونترقَّب وشك عذاب الله لهم بأزمة الديون الأمريكية والأزمات المالية في اليونان ودولٍ أوروبيةٍ أخرى وما قد ينشأ عن هذا وهذا من قوارع تصـيبهم بإذن الله وحوله وقوته، كما قال عز وجل: ﴿وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ﴾ [التوبة: 52]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١﴾ [الرعد].

مع ما يُفتح على أمريكا من أبواب شـر في كل اتجاه ومن جبهات حربٍ وعداوة في كل ناحية فلنجتهد في الدعاء عليهم في هذا الشهر وفي كل وقت، ولنتحين للدعاء أوقات الإجابة وأحوال الصفاء ولحظات الخشوع، ولنوصِ به المستضعفين من النساء والولدان والضعفة من المسلمين.

وفتوحات الله على المسلمين في ساحاتٍ متعددة في العراق واليمن والصومال والمغرب الإسلامي وغيرها كثيرةٌ مبشـرةٌ بحمد الله وهي تُراكِم المصائبَ على أعداء الله وتعجِّل بانكسارهم بعون الله، فأعداء الله في تراجعٍ ويحيط بهم غضب الله، وأمة الإسلام ومجاهدوها في تقدمٍ وازديادٍ ترعاهم عناية الله ولطفه ويحدوهم وعد الله.

وهذه الانتفاضات الشعبية العربية إذ كسـرت الشعوب العربية المسلمة حاجز الخوف بحمد الله وفضله ثم بجهاد المجاهدين وصبر الصابرين، فهي نعمةٌ كبيرة وفيها خيرٌ كثير وإن لم تكن صورتها الحالية هي الشـيء المطلوب المأمول بلا شك، لكن فيها خير وهي مرحلةٌ وخطوةٌ وفرصةٌ ومعونةٌ من الله الكريم، نرجو الله أن يجعل عاقبتها خيرًا للإسلام وأهله، وأن يصلح شباب الأمة ويأخذ بأيديهم إلى الخير.

فأبشـروا بنصـر الله القريب؛ فحاشا لدماء الشهداء وصدق الصادقين وإخلاص المخلصـين المخبتين المنكسـرين لله أن تذهب هباءً، وحاشا لدعاء المستضعفين في أنحاء الأرض أن يُردَّ، وإنما لكل أجلٍ كتاب ولله الحكمة التامة والحجة البالغة على خلقه وهو الحكيم العليم.

ولا يغرَّنَّكم تقلب الأعداء في البلاد، وما وصلوا إليه من أدوات ووسائل الدمار والخراب، وما يرتكبون من فظائع وبشاعات، ولا يوهننَّ من عزائمنا كثرة ما وقع ويقع من القتل في صفوف المسلمين من المجاهدين وغيرهم فإنها شهادة والشهادة خيرٌ وبركة، وكلما تمرَّد أعداء الله وطغوا وتفرعنوا وعتوا فإنَّ ذلك مؤذنٌ بقرب هلاكهم وإدالة الله عباده المؤمنين عليهم؛ فإن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيَّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحَّص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكم.

إنَّ دم الشـيخ «أسامة» رحمه الله ودماء الشهداء الصالحين في أنحاء الأرض شـرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا - رحمهم الله جميعًا وتقبلهم- لهي سقيا لشجرة الجهاد وفألٌ بقرب النصـر بإذن الله ﷻ، والله سبحانه يبارك عليها ويرى الناس بعد حينٍ آثار بركة الله ورحماته.

أيها الإخوة؛ كيف يمكن أن ينتصـر أعداء الله الكفرة الملحدون الفجرة الفسقة أهل الرجس والنجاسة والقذارة ورذائل الأخلاق، أهل البخل والحسد والكبر والشـرك وسائر ما يُتصور من أمراض القلوب ومفاسد النفوس، كيف يمكن أن ينتصروا على أهل التوحيد لله ﷻ، أهل الإخلاص والنية الحسنة وإرادة الخير الساعين في محاب الله والطالبين رضوانه، أهل الوضوء والطهارة والعفة والتقوى وصلة الأرحام، أهل العبادة لله تبارك وتعالى والانكسار إليه والتوبة والإنابة والشكر والصبر والخوف والرجاء والمحبة والطاعة باطنًا وظاهرًا، هذا لا يكون بإذن الله.

ص 1549

كيف يمكن أن ينتصـر من يريدون العلو في الأرض والفساد، ويبغون رفع راية الكفر والصليب والأوثان، وينشـرون الرذيلة والفجور ويعبِّدون الناس للشهوات والدنيا والشـيطان ويخرجونهم من النور إلى الظلمات، كيف يمكن أن ينتصروا على الذين قال الله فيهم: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١﴾ [الحج]، ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦﴾ [النساء]، ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧﴾ [البقرة]، ﴿۞وَيَٰقَوۡمِ مَالِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١ تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣ فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥﴾ [غافر].

فإن رأينا للكفار غلبةً وظهورًا فهو شـيءٌ مؤقتٌ زائل اقتضته حكمة العزيز الحكيم اللطيف الخبير في مداولة الأيام بين الناس، ولكن العاقبة في الدنيا والآخرة للمؤمنين بلا ريب، والنصـر الحقيقي هو انتصار المؤمن التقي سواءٌ كان انتصارًا دنيويًا وأخرويًّا، أو أخرويًا محضًا ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١﴾ [غافر].

ولأجل ذلك أوصـي نفسـي وإخواني جميعًا بأن نحسن الظن بالله سبحانه، وأن نعظِّم رجاءنا فيه ﷻ، ولنجتهد في الذكر والدعاء والعبادة، ونجتهد في تحصـيل شـروط النصـر والأخذ بأسبابه، وجماعها أن نكون أنصارًا لله عز وجل وذلك بالإيمان والتقوى والعمل الصالح والاجتهاد في الحذر عن المعاصـي بكل أشكالها: الفردية والاجتماعية الظاهرة والخفية الصغيرة والكبيرة، كما قال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [محمد]، أحذِّركم ونفسـي من الاستهانة بالمعاصـي أيها الإخوة أو احتقار صغارها، فإيَّاكم ومحقرات الذنوب فإنها تؤدي إلى هتك أستار الخشـية والمراقبة وتجرُّ إلى كبارها، ثم إنَّ الإصرار عليها قد ينزِّلها منزلة الكبار منها.

أُوصـي نفسـي وإخواني بحفظ اللسان والاجتناب عن آفات اللسان -وما أكثرها-، وأن نقرأ في هذا ونتفقه ونكثر من المذاكرة فيه، وأن نجتهد أن تكون لنا عباداتٌ في السـر من صلاةٍ وصدقةٍ وصلةٍ وغيرها، وأن نحافظ على اجتماع المسلمين وألفتهم ووحدتهم ونقوِّيها ونحذر من الفرقة والاختلاف فإنها شؤمٌ ومن الأسباب القوية لتخلف النصر.

ص 1550

وإلى إخواني في المواجهات حيث كانوا-وكل المجاهدين في المواجهة-، توَّكلوا على الله واعتصموا به ﴿وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١﴾ [آل عمران]، وأشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظفر كما قال بعض شجعان المتقدمين، وأكثروا ذكر الضغائن -يعني ما يثير الحقد والضغينة على العدو- فإنها تبعث على الإقدام، فتذكَّروا ما يفعل أعداء الله من الكفر ومحاربة الله عز وجل ودينه والاستهزاء برسوله ﷺ ومن الطغيان والفساد في الأرض ومن الظلم والعدوان على إخواننا المسلمين في كل مكان، وتذكروا إخواننا وأخواتنا الأسـرى المعذبين، ثم استعينوا بالله وخذوا بأسباب الاحتياط من قصف العدو؛ فإنَّ أعداء الله ليس لهم سلاحٌ ينتفشون به على المسلمين إلا هذه القصوف بالطائرات والصواريخ وبإنفاقهم الأموال على أوليائهم الجواسـيس، فاحترسوا منهم معتمدين على الله واثقين بنصره، وخذوا حذركم وانتشـروا بما يناسب، واجتنبوا كثرة الظهور والبروز، ولا تعطوا العدو الفرصة من أنفسكم فإنَّ الله ممتحنكم بذلك وسائلكم عن ذلك، ولكل إنسانٍ من عباد الله تكليفه وابتلاؤه الذي قسمه الله له، واصبروا فإنها معركة الصبر والله معكم.

وأختم بذكر وصـية سـيدنا عمر بن الخطاب h لأجناده، فقد روي في السـير أنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص h: «أما بعد، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصـي منكم من عدوكم، فإنَّ ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصـر المسلمون بمعصـية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأنَّ عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصـية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا نُنصـر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أنَّ عليكم في سـيركم حفظةً من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصـي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إنَّ عدونا شـر منا فلن يُسلَّط علينا، فرب قومٍ سُلِّط عليهم شـر منهم كما سُلِّط على بني إسـرائيل لما عملوا بالمعاصـي كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصـر على عدوكم أسأل الله عز وجل ذلك لي ولكم»١٬١٤٦العقد الفريد (1 / 117). اهـ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

•••

ص 1551

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: بشائر النصـر في شهر الصبر

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا