🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

محاورة الشيخ أبي يحيى للشيخ عطية الله حول الثورات العربية

محاورة الشيخ أبي يحيى للشيخ عطية الله حول الثورات العربية

محاورة الشيخ أبي يحيى الليبي للشيخ عطية الله حول الثورات العربية

[كلمة مرئية، فيها حوارٌ بين العالمين الشهيدين أبي يحيى الليبي وعطية الله الليبي رحمه الله حول الثورات العربية، مدتها مئة وثمانية وأربعون دقيقة، نشرها: مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي، وقام بتفريغها: نخبة الإعلام الجهادي، نُشـرت في رمضان 1435]

الشيخ أبو يحيى الليبي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

شيخنا الفاضل، أولًا أريد منكم تعزية للأمة الإسلامية في المصاب الكبير الذي ابتليت به وابتلي به المجاهدون أيضًا في استشهاد الشيخ والقائد أبي عبد الله أسامة بن لادن رحمه الله.

الشيخ عطية الله:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

نعزي أنفسنا وأمتنا الإسلامية عامة والمجاهدين خاصة في هذا المصاب الجلل بفقد شيخنا القدوة السيد النبيل المجاهد الشريف البطل المجدد لشعيرة الجهاد في هذا العصر الشيخ «أسامة بن محمد بن لادن» رحمه الله؛ نسأل الله عز وجل أن يتقبله في الشهداء وأن يرفع درجته في عليين، نعزي أهله وعائلته وقومه في جزيرة العرب وسائر المسلمين، ونعزي إخوانه المجاهدين في كل أنحاء الأرض.

ص 1565

وتعزيتنا مقرونة أيضًا بالتهنئة لأنفسنا ولأهله ولإخوانه المجاهدين وللمسلمين عامة، التهنئة لهم بهذا المقتل الشريف مقبلًا غير مدبر، وبهذه الخاتمة الطيبة على طريق الجهاد ثابتًا على طريق الحق والهدى داعيًا إلى الله ﷻ وإلى دينه ناصرًا لحقوق المستضعفين في الأرض رافعًا لراية «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، مناديًا بتطبيق شريعة الله ﷻ، داعيًا إلى رفع الظلم عن أمته، ناصرًا لحقوقهم ومدافعًا عن مطالبهم المشروعة الحقة؛ فلا شك أن هذا المقتل وهذه النهاية نهايةٌ سعيدة وخاتمةٌ مرضية يحبها ويتمناها كل مسلم.

والحمد لله نحن نحمد الله عز وجل على أن قيادات الأمة تموت وتقتل هذه القتلات العالية القدر، هذه القتلات الأبية، هذه القتلات الشريفة، هذه القتلات وهذه النهايات التي تشهد بصحة طريقهم وتشهد على حقية مطالبهم وحقية ما نادوا به في حياتهم وما رفعوه من شعارات وما دعوا إليه من دعوات؛ فهذه الخاتمة خاتمة سعيدة والجميع يترقبها للشيخ ولكل مجاهدٍ في سبيل الله، ليست بدعًا من النهايات والخواتم، ولكنها برهان على صحة طريق الشيخ وزيادة فضيلةٍ يرفع الله عز وجل بها درجته في الدنيا في قلوب أهل الأرض وفي قلوب أهل الإسلام خاصة، ويثبت بها منهجه وينصر بها طريقه وهو طريق الجهاد، طريق البذل في سبيل الله، طريق الدعوة إلى الله، طريق القتال في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا.

فلا شك أن هذه الخاتمة خاتمة سعيدة في ظاهرها وفيما نحسب وفيما نرجو، نسأل الله عز وجل أن يتقبله في الشهداء وأن يبارك على أثره وأن يبارك في طريقه الذي سلكه والذي عليه إخوانه، وأن يبارك في دعوته وفي آثاره فيما كتب أو فيما قال وفيما دعا وفيما أسس وفيما كان فيه قدوة للناس، نسأل الله عز وجل أن يجعل خاتمة الشيخ بدايةَ دفعٍ جديد وانطلاقة كبرى للأمة الإسلامية للبذل والعطاء في جميع ميادين الجهاد، ولا سيما القتال في سبيل الله الذي هو غاية وأعلى درجات الجهاد في سبيل الله قتال أعداء الله من الأمريكان والكفار الأصليين بجميع أصنافهم معتدين على أمتنا والصائلين على حرماتنا ومقدساتنا، وقتال أذنابهم وأعوانهم وعملائهم ووكلائهم من الطواغيت من بني جلدتنا الذين دمروا هذه الأمة ومقدراتها.

والحمد لله، تزامن مقتله مع ثورة هذه الشعوب، ولعل فيها خيرًا كثيرًا، نحن كنا نتمنى أن يكون الشيخ بيننا وأن نزيد من فرحتنا بتحرر شعوبنا من هؤلاء الطواغيت الذين أزالهم الله عنهم قريبًا، ولكن هذه أقدار الله ونعلم أن قدر الله فيه الخير؛ أن قدر الله إذا تحقق نعلم أنه هو الخير.

ص 1566

الحمد لله أن الشيخ صدرت عنه بعض الكلمات ونشرت كلمته الصوتية قريبًا، وتحدَّث وكتب إلينا في موضوع الثورات وفي الفرح بما نالته شعوبنا من الحرية، وتحدثنا في شجون هذه التغيرات الكبيرة وما ينبغي علينا كمسلمين وكدعاة وكمجاهدين من نصرة أمتنا وترشيدها وتوجيهها ونصرة الحق والمساهمة مع أمتنا، وهذا مجال ممكن أتحدث فيه فيما بعد، والحمد لله.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

الأمة أظهرت من التلاحم ومن المحبة والولاء للشيخ رحمه الله ما بهر العدو وتعجب له الصديق.. أيضًا المظاهرات الكبيرة التي خرجت في مصر، في إندونيسيا، في تركيا، في تونس، في غيرها، فكما نعلم هناك قيادات كثيرة جدًّا في الأمة الإسلامية من أهل العلم ومن الدعاة ومن غيرهم يموتون ويذهبون ولكن لا نرى مثلًا هذا التأثر الكبير من قبل الأمة، وبعضهم يموت ولا تسمع به الأمة أصلًا.

فالسؤال: كيف يمكن للمجاهدين أن يستفيدوا من هذا الحدث الذي أظهر ولاء الأمة للشيخ الذي هو يعتبر رمزًا للأمة وللمجاهدين أيضًا؛ كيف يمكن للمجاهدين أن يستفيدوا من هذا الحدث لزيادة الترابط بينهم وبين الأمة الإسلامية وتوطيد العلاقة معها؟

الشيخ عطية الله:

ص 1567

محبة الأمة الإسلامية وجمهورها ولا سيما أهل الخير فيها والصلاح وشبابها المتيقظ؛ محبتهم للشيخ أسامة في الحقيقة هي محبة لما كان عليه الشيخ أسامة من المبادئ ومِمَّا يرفعه من دعوة ومن شعارات، أو يعني ما يدعو إليه من هدى ومن خير ومن صلاح ومن حق ومطالبات شرعية ورفض -أيضًا في المقابل- رفض للغطرسة الأمريكية، للظلم والهيمنة الأمريكية، للغرور الأمريكي، لهذا الاستعمار المباشر والغير مباشر الذي تمارسه أمريكا والغرب على أمتنا الإسلامية، وهذا الصيال وهذا الاعتداء والعدوان والظلم الفظيع الذي يمارس علينا نحن أمة الإسلام في نواحٍ متعددة بشكل مباشر وفي سائر مناحي أمتنا ومقدراتها بشكل غير مباشر؛ فمحبة الجماهير المسلمة في المناطق التي ذكرتموها للشيخ أسامة وتأييدهم له وصلاة الغائب التي حصلت في مواضع متعددة وبكاء الناس عليه وإشادتهم به هي محبة إذًا لمنهج الجهاد ومنهج الدعوة إلى الله عز وجل الذي كان يتبناه الشيخ أسامة، وهي أيضًا كره لأمريكا وبغض لأمريكا والغرب ولإسرائيل ولكل من يقف مع أمريكا من أعداء ديننا وأمتنا.

المجاهدون كيف يوظفون هذا وكيف يستثمرونه؟ طبعًا لا شك أن فيه قدرًا كبيرًا من التعاطف مع الشيخ أسامة والتقدير والمحبة والإعجاب؛ حاولت وسائل الإعلام أن تعتم عليه وأن تكتمه، وإذا أظهرته تظهره بشكلٍ خجول وبشكل باهت لا يعبر عن الحقيقة، ولكن نحن رأينا والحمد لله الآن الإعلام البديل وما يتيحه التواصل عبر الشبكة العالمية وعبر الوسائل الحديثة ما يتيحه من فرص الحصول على المعلومة وعلى الخبر، الحمد لله فوت على وسائل الإعلام ذات الأجندات المتعددة فوت عليها الكثير من قدراتها السلبية؛ فنحن الحمد لله نعلم أن التعاطف كبير وأن هذا التعاطف تعبير عن تعاطف الأمة مع المجاهدين عمومًا، الشيخ أسامة هو الرمز، الشيخ أسامة هو القدوة، الشيخ أسامة هو القيادة، هو الرأس.

تعبير الناس عن تضامنهم مع الشيخ أسامة هو ذو شقين: في شخصية الشيخ أسامة نفسها، وما يعبر عنه الشيخ أسامة وما يرمز إليه وما يمثله من المنهج الجهادي، والفكر الجهادي، والقيام بعبادة الجهاد وشعيرة الجهاد، وطبعًا هما متلازمان وغير منفكين، فالحمد لله هو تعاطف كبير، هذا يعبر عن دعم الأمة للمجاهدين، نحن كمجاهدين إخوان الشيخ أسامة وجنود الشيخ أسامه وأحبابه نتضامن مع الأمة ونتكاتف معها ونشعر أننا كل يوم نكون -إن شاء الله- أقرب إلى الأمة، إلى جماهيرنا المسلمة في آمالها في تطلعاتها في همومها في تفكيرها، فنحن والحمد لله خاصةً بعد هذه التغيرات التي حصلت في العالم العربي وما زالت تحصل الآن؛ يعني الآن الثورة مستمرة في ليبيا وفي اليمن وفي سوريا وغيرها، فالتغييرات الكبيرة التي حصلت هي أيضًا بتقدير من الله عز وجل وبتدبير الله ﷻ جاءت كفرص لنا لمزيد الالتحام مع أمتنا الإسلامية ومزيد من تحقيق الوحدة وتحقيق الاندماج بالفعل مع الكثير.. جمهرة رجالنا ونسائنا في الأمة الإسلامية.

كيف نوظف هذا التعاطف؟

ص 1568

نوظفه بأن نزيد من دعوتنا، نزيد من ممارساتنا الدعوية وجهودنا والبذل الدعوي بالذات، مزيد من التواصل مع الأمة الإسلامية، وهذا دعا إليه الشيخ في رسائله الأخيرة على ضوء الأحداث الكبيرة التي حصلت في أمتنا الإسلامية، الأحداث والتغييرات هذه والثورات العربية.. مزيد من الالتحام مع الأمة، مزيد من التواصل مع الأمة، مزيد من القيام بأدوارنا نحن كمجاهدين كدعاة إلى الله عز وجل في توجيه شبابنا وتوجيه فتياتنا، في تذكير أمتنا الإسلامية وجمهورها بالحق الشرعي بأمجادها بما يستحقونه من العيش الكريم في ظل شريعة الله عز وجل؛ لأن الأمة تتطلع إلى الحرية، الأمة تتطلع إلى الكرامة، لكن قد يغيب عن بعض شبابنا عن بعض فئات من جمهورنا الإسلامي؛ قد يغيب عنه التصورات الإسلامية الصحيحة التي تكفل وتضمن للأمة العيش في كرامة وفي سعادة دنيوية وأخروية، نحن الدعاة والمجاهدين علينا أن نبين هذا للأمة وأن نبرزه وأن نشرحه ونجعله مفهومًا مقبولًا بحسب لغة الناس وبحسب ما يناسب أفهامهم مستغلين الوسائل الحديثة، مستغلين ما أتاحته هذه التغييرات بفضل الله عز وجل من مجال الحرية والدعوة إلى الله ﷻ، إن شاء الله المجال واسع وكبير وطيب، وليس هناك أي تناقض كما يحاول بعض المغرضين وبعض الناس الذين يتربصون للنيل من الفكر الجهادي أو من الدعوة الجهادية والحركة الجهادية.

ليس هناك أي تناقض بين دعوتنا الجهادية وممارستنا الجهادية وما نقوم به من الجهاد وما كان يقوم به الشيخ أسامة وما يستمر عليه الآن المجاهدون من الجهاد في سبيل الله وضرب أمريكا التي هي رأس الكفر العالمي؛ وبين الوقوف مع أمتنا والفرح بفرحها، ويعني مساهمة معها في الوصول إلى أحسن وأفضل أحوال الحرية والسعادة الدنيوية والأخروية بإذن الله ﷻ.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

طيب ننتقل إلى محور آخر أو موضوع آخر وهو مرتبط بشكل أو بآخر مع ما كنا نتحدث عنه وأنتم أشرتم إليه بآخر الجواب عندكم وهو الثورات القائمة الآن في عالمنا العربي.

أولًا: نريد جوابًا إجماليًّا عن نظرتكم لهذه الثورات.

الشيخ عطية الله:

ص 1569

الحمد لله رب العالمين، نحن كمجاهدين سواءً في تنظيم القاعدة أو حسب ما أعلم من كافة المجاهدين بفضل الله عز وجل الذي رأيناه من ردود أفعال المجاهدين جميعًا هو يتلخص في تأييد ثورات شعوبنا العربية على هؤلاء الطواغيت، على هذه الأنظمة الدكتاتورية الشمولية الظالمة الفاسدة القمعية القهرية، لا شك أن التأييد لثورات شعوبنا هو موقفنا المبدئي وموقفنا الثابت الذي لا شك فيه، نحن نؤيد هذه الثورات وندعمها وفرحنا بها كتحرر من الطواغيت كنيل للحرية من قبل شعوبنا كتخلص من هؤلاء الطواغيت من حيث يعني زوال أنظمة القهر والعسف والظلم والإرهاب اللي هي الأنظمة الطاغوتية نظام «شين العابثين بن علي» ونظام «اللامبارك حسني» ونظام «القذافي»، وهكذا نظام «الأسد» إن شاء الله قريبًا يتهاوى، ونظام «علي عبد الله صالح» في اليمن وغيرهم من الطواغيت مرشحين جميعًا إن شاء الله للانهيار والزوال وأن تثور عليهم شعوبنا، نحن موقفنا المبدئي هو الفرح بهذه الثورات، الفرح لشعوبنا أنها نالت الحرية والتخلص من هؤلاء الطواغيت وأتيحت لها فرصة لممارسة حريتها في الدعوة إلى الله عز وجل، ممارسة حريتها في الاختيار.

أما الشق الآخر من هذه الثورات؛ هل حققت الهدف الذي نصبو إليه والذي نأمله ونرجوه ونعمل له؟ لا طبعًا، هذه الثورات فيها تحقيق مطالب جزئية التي هي مطلب الحرية والتخلص من هذه الأنظمة القمعية القهرية الطاغوتية إلى حد ما، طبعًا في انتظار أن يأتي ربما طاغوت آخر أو نظام آخر شمولي أو طاغوتي أو حتى نظام ديموقراطي ولكنه طاغوتي لأنه نظام غير إسلامي غير مبني على الالتزام بدين الله عز وجل، بتوحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وبتطبيق شريعة الله عز وجل، طبعًا ما لم يكن كذلك فهو نظام طاغوتي ولو كان ديموقراطيًّا، ولهذا نحن الثورات هذه ننظر إليها على أساس أنها مرحلة جيدة وأنها خطوة جيدة إلى الأمام، أن فيها رحمة، وفيها لطف من الله عز وجل بشعوبنا أيدناها من هذا الجانب، أيدناها لما تتضمنه من الحرية؛ حرية الكلمة وحرية التعبير التي أتاحته هذه التغييرات، ينطلق الشباب وينطلق الدعاة وينطلق العاملون للإسلام في الدعوة إلى الله عز وجل، وتتاح لشعوبنا فرصة للاستماع للأقوال وللآراء وللخيارات وللأفكار، وتتاح للمسلمين ولدعاتهم الفرصة لتوضيح المنهج الإسلامي، والفكر الإسلامي، والشريعة الإسلامية ومبادئها ومحاسنها؛ فنحن أيدنا الثورات بهذا الاعتبار.

ص 1570

لكن الثورات لها حد معين لا شك أنها لا توفي بالمطالب التي يسعى إليها المجاهدون، حتى لو جاءت هذه الثورات بأنظمة ديموقراطية فليس مسعانا هو النظام الديموقراطي؛ فالنظام الديموقراطي هو نظام غير إسلامي بل هو نظام مصادم للإسلام ومخالف له مخالفة أساسية جوهرية، هو نظام طاغوتي في النهاية، فهي أنظمة طاغوتية حتى الأنظمة الديموقراطية بالمفهوم الإسلامي الذي نعتقده ونؤمن به، لكن نحن نؤيدها ككرامة للناس وانعتاق من سيطرة الطاغوت -الطواغيت الجبريين أو الطواغيت الدكتاتوريين- من طاغوت الأنظمة الشمولية الدكتاتورية القمعية القهرية المتسلطة على رقاب شعوبنا طيلة العقود الماضية لا شك أن هذا خير للناس وهذا رحمة من الله عز وجل للناس، نحن نؤيدها ونطلب الآن من شعوبنا أن تواصل المسير في اتجاه الخير الكامل، الخير المطلق الذي لا يشوبه فسادٌ ولا يشوبه كدر الظلم والظلمات وهو الإسلام وشريعة الإسلام.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

هذه الثورات أو الانتفاضات التي قامت في الدول العربية كما هو معروف ومتداول في وسائل الإعلام توصف بأنها ثورات سلمية يعني يقابلها أن تكون الثورات ثورات مسلحة أو عنفية؛ فهل هذا الوصف صحيح وشامل ودقيق بحيث ينسحب على كل الانتفاضات التي حصلت في العالم العربي؟

الشيخ عطية الله:

أصحاب الفكر السلمي ومن يسمون أنفسهم بالسلميين والذين ينبذون العنف سواءً في الوسط الإسلامي أو غير الإسلامي -وطبعًا هذه دعوات غالبة على الثقافة المعاصرة-، وهي نبذ العنف والعمل السلمي، هم وصفوا هذه الثورات بأنها ثورات سلمية وحاولوا أن يثبتوا هذا الفهم لطبيعة الثورات وهذا التصور وهذه الصورة عن ثورات الشعوب العربية الحالية وحاولوا أن يزيلوا كل شبهة وأن يردوا عن كل منغص ينغص عليهم هذه الفكرة، ولكن أنا رأيي الشخصي أن هذه الثورات فيها شق لا شك أنه سلمي، مثلًا في اليمن الآن؛ نحن نلاحظ مثلًا أن الطاغية «علي عبد الله صالح» يحاول استفزاز الجماهير في الساحات المعتصمين في الساحات والمتظاهرين في الشوارع، ويحاول أن يطلق عليهم النار ويحاول أن يقتل منهم كل يوم حتى يستفزهم ويأتي بهم إلى المواجهة المسلحة-مثلًا-؛ هذا الفهم يتفق عليه جمهرة المحللين والمراقبين ونظنه صحيحًا، وفي نفس الوقت نحن طبعًا نرى أن الشباب أو جمهور الناس المتظاهرين والمعتصمين متمسكون بعدم استعمال السلاح، متمسكون بالتظاهر السلمي؛ فنحن نسلم أنه توجد جوانب لا شك أنها سلمية وأن الناس تريد أن تحقق تغييرًا بشكل سلمي لأن فكرة السلمية ونبذ العنف مؤثرة في الناس، وهي فكرة معاصرة نشرها الفكر المعاصر بجميع قنواته وسيطرت أو كبرت جدًّا جدًّا جدًّا في واقعنا المعاصر، وعلينا أن نتعامل معها بالطريقة الموضوعية وبالطريقة المنضبطة بديننا الإسلامي وبمفاهيمنا الإسلامية.

ص 1571

نحن عندنا فيها تفصيل مجاله وقت آخر لكن من الأسباب قلنا: الفكرة الميل إلى السلمية في فكر الناس عمومًا في أذواقهم في مجتمعنا المعاصر، وأيضًا خوف الناس من السلاح وبُعدهم عن السلاح واستعمال السلاح وظنهم أن استعمال السلاح يؤدي إلى مشكلة -مثلًا الحرب الأهلية أو غيرها- فهذه من الدوافع، كذلك عدم وجود السلاح نفسه في كثير من البلدان -مثلًا تونس ومصر ما في سلاح عند الناس-، لكن إذا نظرنا إلى جوانب أخرى أو زوايا أخرى لا شك أننا نجد أن هذه الثورات حصل فيها مقدار لا بأس به من العنف؛ فلا يستطيع أحد أن ينكر أن هذه الثورات وهؤلاء الشباب وهؤلاء الرجال وهؤلاء المتظاهرون الشعب الذي خرج هائجًا في الشوارع وفي الميادين وفي الساحات أنه مارس ممارسات عنيفة ومقدارًا لا بأس به من استعمال القوة واستعمال السلاح أحيانًا، حرقوا مراكز الشرطة في مصر مثلًا، كذلك قبلها في تونس حرقوا الولايات والمديريات وحرقوا مقرات الحكومة وحرقوا مقرات الشرطة والدرك وغيرها، حصل في تونس ثم انتقل إلى مصر كذلك حرقوا مؤسسات الحزب الوطني، ومقر الحزب الوطني الرئيسي في القاهرة قريب من ساحات الاعتصام الكبرى «التحرير» وغيرها، وحرقوا مقرات الأمن المركزي أو أمن الدولة، وحرقوا مقرات الشرطة بشكل يعني في جمعة الغضب وما بعدها من أيام حرقوا مقرات الشرطة بشكل متزامن وبشكل عمومي في البلد كلها يعني هناك عنف، أيضًا قتلوا بعض الناس ورفسوا بعض من الشرطة وغيرها وحصلت مواجهات والرمي بالحجارة وتحريق السيارات وغيرها يعني كانت فيه ممارسات عنفية فما يستطيع دعاة اللاعنف ودعاة السلم أنهم يقولوا أنه ما في عندنا عنف؛ هذا إنكار للحقائق هنا نحن نضعهم أمام حقائق، فينبغي أن يكونوا منصفين وأن يكون حوارنا حوار إنصاف مبني على قواعد العدل والإنصاف، العنف مارسته الشعوب لكن هذا مقدارها وهذه استطاعتها من العنف، ربما لو كانت الشعوب مسلحة مؤطرة منظمة لكانت تخرج بالسلاح.

ص 1572

ثم عندنا ثورة ليبيا، وثورة ليبيا في الحقيقة يحاولون أن يقولوا في الإعلام؛ جميع أو معظم أو أكثر المتحدثين يحاولون أن يقولوا أنها بدأت سلمية والشعب خرج سلميًّا ويهتف بهتافات سلمية ثم اضطرهم النظام الطاغوتي نظام القذافي وكتائب القذافي إلى أن يحملوا السلاح لأنه خرج عليهم بالـ(م ط) وبالأسلحة المضادة للطيران أصلًا والأسلحة الرشاشة الكبيرة وبدأ يرش في الناس، ولكن أنا رأيي الشخصي أنها ربما من اليوم الأول كانت عنفية ومسلحة، الناس ممكن نقول إلى حد ما حاولوا أن يتظاهروا في الأيام الأولى سلميًّا ولكن يوجد ميل من الناس إلى الهجوم على كتائب القذافي وعلى الشرطة وعلى الأمن وغيرهم، وبالفعل هجموا وشهادات الناس موجودة، ونحن رأينا بعضها واتصالاتنا تتيح لنا قدرًا من المعلومات، والذي يعطينا هذه الصورة أن من الأيام الأولى كان يوجد توجه من الناس وخاصةً من الشباب إلى استعمال القوة ضد قوة القذافي المنتظرة، والمنتظر أنه يستعملها في أقسى صورها، القذافي رجل دموي، رجل قليل مثيله في الدموية وفي العنف -والعياذ بالله- وفي قلة الرحمة والشفقة على الشعب؛ فالناس كانت فاهمة القذافي وعارفة القذافي وأنه لا يوجد حل، وأن الحلول السلمية لا تنفع معه؛ فمن البداية كان فيه ميل عند الناس، وبالفعل من الأيام الأولى، خلينا نقول لو بعض الأيام الأولى يومين ثلاثة أربعة ربما كانت إلى حدٍّ ما يغلب عليها السلمية، بعدها تحولت مباشرةً إلى ثورة مسلحة والناس هجمت على المعسكرات وأخذت الأسلحة وبدأت تجاهد، إذًا على كل حال سواءً بدأت سلمية أو عنفية مسلحة وصلوا إلى نقطة معينة واقتنعوا أنه لا حل إلا باستعمال السلاح؛ لأن العدو اللي قدامك -الطرف المقابل- لأن الطاغوت لا ينفع معه إلا لغة السلاح، معناها جاؤوا هم إلى فكر «القاعدة»، جاؤوا إلى النقطة اللي هي لا بد فيها من استعمال السلاح.

فإذًا كون الثورات سلمية أو عنفية أظن أن فيها هذا وفيها هذا، وإن كان ربما في بعض الأماكن غلب عليها اختيار الناحية السلمية والاعتماد على الحشد الجماهيري، الاعتماد على كثرة الجماهير المشاركة في الثورات في الاعتصامات، يوجد -أيضًا- العصيان المدني والإضرابات اللي كانت مصاحبة للمظاهرات والاعتصامات؛ فيعني هذا فيه شيء من التفصيل، ولكن مثل ما قلنا نموذج ليبيا.. وربما يحصل هذا كذلك في اليمن؛ ربما يصل الشعب أحيانًا أو الجماهير تصل إلى نقطة ترى أنه ما فيه حل إلا السلاح، إذًا كونها سلمية أو عنفية أو المفاضلة بين السلم وبين العنف وكذا ينبغي أن تكون موضوعية وينبغي أن تكون على أسس صحيحة، نحن كمسلمين وكمجاهدين عندنا منطلقاتنا الإسلامية التي نتمسك بها ومبادئنا وعندنا -الحمد لله- إجابات مفصلة على الصور المختلفة، ولهذا أيَّدنا المظاهرات، ودعونا من زمان ودعى قادتنا إلى أن تتظاهر الشعوب وأن تخرج ولو سلميًّا، وأن تقاوم الطواغيت والأنظمة الدكتاتورية القهرية القمعية بشتى الوسائل الممكنة التي يستطيعونها، هذا دعونا إليه ودعا إليه الشيخ أسامة، والدكتور أيمن، في أدبياتنا هذا موجود.

ولكن متى ينبغي استعمال السلاح ومتى يكون السلاح لا بد منه؟ هذا نحن عندنا فيه تفصيل كما ذكرنا، وفي العموم نعتقد أن الشعوب لا بد أن تتسلح، وأن لا يمكن إحقاق الحق في النهاية إلا بالقوة المسلحة بالجهاد في سبيل الله الذي نعبر عنه نحن أهل الإسلام وأهل الجهاد وأهل الشريعة بالجهاد في سبيل الله والقتال في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

ما هو دور الدول الغربية في هذه الثورات في تأييد أو توجيه هذه الثورات؟

الشيخ عطية الله:

دول الغرب ما لها دور في هذه الثورات، كان لها دور في قمع هذه الثورات ومنع هذه الثورات، دورها البارز والذي يسلِّم به الجميع بدون نكارة هو دعم هؤلاء الطواغيت، تثبيت هؤلاء الطواغيت الحاكمين على شعوب أمتنا.

مداخلة من الشيخ أبي يحيى الليبي:

ولكن هذا ألا يتناقض مثلًا مع ما يقومون به الآن من دعم قوي جدًّا عسكري واقتصادي للثوار الليبيين ضد القذافي؟

الشيخ عطية الله:

لا، هذا ما يتناقض؛ لأنه في لحظة معينة كان لا بد أن يدركوا بطبيعة الأشياء وبطبيعة الأحوال أن الخيار الصحيح هو الوقوف مع الشعوب، فيعني بالنسبة لليبيا؛ حالة ليبيا على وجه الخصوص وتدخل الناتو طبعًا كان بطلب من ممثلي الشعب الليبي إلى حدٍّ ما وكانت الظروف تضطر الناس وتعذرهم في طلب المساعدة من أي طرف كان، يعني يساعدهم حتى يضرب قوات القذافي اللي كانت خلاص لو تركوه كان ممكن يكون هاجم على المناطق الشرقية وعلى بنغازي ويحدث فيها من المجازر ومن إسالة الدماء شيء مهول لو أردنا أن نتخيله -نسأل الله العفو والعافية- وكان الناس إذًا مضطرين إلى حدٍّ ما إلى طلب النجدة من قوات أجنبية كان الأفضل أن تكون إسلامية وعربية طبعًا ولكن وين العرب ووين المسلمين؛ فالقوة الجاهزة الفعالة وسريعة الحركة واللي بيدها زمام الأمور الآن هي القوة الغربية أمريكا والناتو وأوروبا، فالتدخل جاء بطلب من ممثلي الشعب الليبي ومن الشعب الليبي إلى حدٍّ ما خلينا نقول، والظرف كان ظرف قناعة خلاص قناعة غربية بأنه لا بد أن يوقفوا مع الشعوب، حرج غربي في ترك طاغوت زي القذافي أن يسيل أنهار الدماء من شعب أعزل كان فيه طبعًا محاولة أو حركة نفسية ممكن نسميها من قيادات الدول الغربية لتدارك الخطأ الذي وقع في البداية، الذي وقع خاصةً في تونس عندما أرادت وزارة الخارجية الفرنسية في رأسها كانت طبعًا المرأة وزيرة الخارجية اللي كانت ثم أقيلت، التي كانت بصدد إرسال قوات خاصة ومعدات وتجهيزات لابن علي لقمع الثورة التونسية وقمع الشعب التونسي الثائر على الطاغية، فكان فيه خطأ، كان تأخرهم أيضًا.. كان الخطأ التاريخي المتراكم الذي هو عبر عقود وهم يدعمون هؤلاء الطواغيت ويثبتونهم ويرضون بأنظمتهم الشمولية القمعية القهرية الدكتاتورية رغم تشدقهم هم في بلدانهم ورغم ملئهم الدنيا ضجيجًا بالكلام عن الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان وغيرها؛ فكان فيه إذًا محاولة لتصحيح هذه التراكمات الخاطئة، محاولة للقول للشعوب الإسلامية: نحن معكم ونحن ندعم؛ لأنه ما لهم خيار إلا هذا، ليس لهم خيار الآن إلا هذا من الناحية الميكانيكية، من الناحية التدبيرية المحضة.

ص 1573

أما هم هل مرادهم خير بالشعوب؟ نحن ظنُّنَا فيهم سـيئ هؤلاء الكفرة لا يريدون إلا مصالحهم، ولكن طبعًا في عالمنا المعاصر في الثقافة المعاصرة في هذا الواقع المعاصر الذي حصل فيه تداخل شديد بين الثقافات، تواصل شديد بين الناس وبين الأمم وبين الشعوب وبين مكوِّنات المجتمعات المختلفة، حصل فيه نوع من الضغط الذاتي الذي هو عضوي ناشئ من التلاوم الاجتماعي ومن الضمير الجمعي الإنساني يخلي هؤلاء ما يستطيعون إلا هذا، لا بد أن يقفوا مع الشعوب ولا بد أن يحاولوا أن يبرروا بعض تصرفاتهم السابقة بأنهم كانوا مثلًا كذا وأنهم كانوا كذا، وأنهم الآن أدركوا أن التغيير لا بد منه، وأنهم خيارهم أن يقفوا مع الشعوب، وأنهم مخزيون ومحرجون من أن يقفوا موقف المتفرج وألا يحموا المدنيين مثلًا في ليبيا، لأنه حتى عنوان «التدخل الدولي الغربي» كان عنوانه هو حماية المدنيين، هذا كله دافعه وكله ناتج تحت ضغط التلاوم الإنساني والضمير الإنساني الجمعي والثقافة المعاصرة الضاغطة والضمير والشعور والإحساس الجمعي المعاصر الضاغط في اتجاه نصرة المستضعفين والوقوف مع المدنيين، حماية المدنيين، حماية حقوق الإنسان، كيف تقف موقف المتفرج وأنت الدولة الكبرى وأنت القوة الكبرى المرجو منك أن تنصر المستضعفين؟ فهم محرجون، يعني دافعهم ليس تقوى الله عز وجل لأنهم كفار ولا ينظرون إلى الآخرة ولا إلى الله ﷻ، ولكن دوافع إنسانية ربما تكون لا بأس أن نقول هناك دوافع إنسانية أو ضمير إنساني يعني حتى عند الكفار، الكفار قد يكون فيهم رحمة.

مداخلة من الشيخ أبي يحيى الليبي:

لكن هذا يتصور عند أمريكا وعند فرنسا وعند بريطانيا؟

الشيخ عطية الله:

ص 1574

قد يتصور لأن أمريكا ليست مجرد شخص أو قيادة «أوباما» أو قيادة «الكونغرس» فقط، أمريكا هي دولة كبيرة فيها مؤسسات، فيها مؤسسات المجتمع المدني مثلًا، ما يعبر عنه بالرأي العام في أمريكا داخل أمريكا وضغطه على الإدارة الأمريكية وعلى «الكونغرس» في اتجاه أن يتخذوا قرارًا أن يساعدوا، وأن يدعوا القذافي إلى الرحيل، وأن يدعوا مبارك قبله إلى الرحيل، وأن يقفوا مع خيار الشعب، هذا موجود، وطبعًا هذا لا شك أنه يكون فيه نوع من الرحمة عند النصارى، ضمير عند النصارى موجود، نحن لماذا ننكر الحقائق؟ يعني قد يكون شيء من هذا موجودًا لكن هل هو الدافع الكبير وهو الدافع الرئيسي؟ مصالحهم دائمًا هي الأساس، الآن مصلحتهم في ليبيا مثلًا أن القذافي يزول وأن تأتي حكومة أخرى تكون تحت السيطرة، وأن يعمدوها هم ويوجهوها، وأن تكون على ودية معهم وعلى تحابب وتواصل وسلام ووئام وتقبل منهم وتحت مظلة «المجتمع الدولي» الذين هم قيادته وهم رؤساؤه وماشية معاهم تمام التمام، هذا هدفهم الآن ومصلحتهم في ليبيا هي هذا الاستقرار في ليبيا تحت ظل حكومة ديموقراطية طبعًا، لأن الدعوى الآن كلها ديموقراطية وهي التي يريدونها ولا بد أن يحاولوا يظهروا بمظهر أنهم ينصرون الخيار الديموقراطي وخيار حرية الشعوب وكذا، ولكن أن تكون هذه الحكومة خاضعة لهم وتابعة لهم وذيلًا لهم هذا الآن هو خيارهم وهذه مصلحتهم، طبعًا مصالح النفط والمصالح الاقتصادية، المصالح على المدى البعيد الذي هو مصلحة مثلًا أن يكون هناك نظام يضمن الاستقرار في المنطقة ويمنع مثلًا تمدد ما يسمونه الإرهاب وهو الجهاد في سبيل الله، هذه المصالح التي هم يسعون إليها الآن، كان لا بد أن يتدخلوا من أجل هذه المصالح وينصروا النظام الذي بدأ يتأسس أو ينشأ من جديد أو يحاولوا هم أن يدعموه حتى يسبقوا حتى يتفادوا الخطر الإسلامي والخطر الجهادي، ونسأل الله عز وجل أن لا يوفقهم، نسأل الله ﷻ أن يوقعهم في شر أعمالهم وأن يخزيهم لأنهم أشرار ينصرون الشر ولا شك أنهم لا يهمهم دين الله ولا عبادة الله ولا يهمهم شيء إلا أهواؤهم وإلا مصالحهم الدنيوية وإلا أن يكونوا هم الذين بيدهم الأمر وبيدهم المكنة وبيدهم السلطان، وشعوبنا في النهاية إذا اهتموا بها فإنما يهتموا بها تحت مظلة مصالحهم التي تكلمنا عليها.

ص 1575

فأنا أظن -والله أعلم- أنه بالنسبة للغرب لم يكن له دور في هذه الثورات؛ بل دوره كان هو محاولة منع هذه الثورات ثم محاولة التقليل من شأنها، لكن لما وجدوا أنها لا بد منها والتغيير والعاصفة ستقتلع الجميع كان خيارهم الطبيعي والمتوقع والذي ما فيه أي غرابة ولا مفاجأة هو أن يقولوا: نحن مع الشعوب ومع التغيير، ثم تكون ردود أفعالهم تأتي تباعًا، وما زلنا نرصد ردود أفعالهم طبعًا، وأن يسارعوا لاحتضان التكوينات السياسية الجديدة وتوجيهها وجعلها تمام التمام معهم منسجمة معهم، وطبعًا في الخلفية دائمًا الخوف على «إسرائيل» حليفتهم في المنطقة وربيبتهم، وفي الخلفية طبعًا دائمًا الذي هو الخوف من المد الجهادي والمد الإسلامي عمومًا يعني حتى «الإخوان المسلمين» الخوف من الإخوان المسلمين ومن وصول الإسلاميين عمومًا يعني إلى السلطة في مصر أو غيرها؛ فهذه ردود أفعالهم السريعة ولا شك أن دهاقنتهم يفكرون لبرنامج طويل المدى كرد على هذه التغيرات الكبيرة في عالمنا العربي والإسلامي.

الغرب ضد هذه الشعوب وليس مؤيدًا للشعوب وضد هذه الثورات وإنما يؤيد مصلحته.. هذا هو المختصر المفيد.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

الآن هناك موقف مزدوج من الغرب مع قضيتين متشابهتين أو شبه متطابقتين: ما حدث في ليبيا والدعم العسكري والسريع من قبل الدول الغربية ودعم الثوار وضرب القذافي، وما يحصل الآن في اليمن، اليمن نظام «علي عبد الله صالح» قتل وقصف وأباد عددًا كبيرًا من الناس ومن عوام الناس ولكن لا يزال موقف الغرب موقفًا باهتًا أو ضعيفًا مماطلًا، يعني لا مبالاة، فما هو سبب هذه الازدواجية في الموقف؟

الشيخ عطية الله:

الله أعلم أن «القاعدة» في الخلفية، المجاهدون، اليمن باعتبار وجود الإخوة المجاهدين في اليمن بشكل قوي وبشكل متجذر أيضًا لهم مجال كبير للحركة والمناورة والامتداد في الوسط الشعبي والوسط القبلي اليمني، هذا ليس موجودًا في ليبيا بشكل كبير، يعني هذا فرق واضح، مصالحهم اقتضت في ليبيا -كما قلنا- أن يدخلوا مع الشعب وأن يطالبوا برحيل القذافي ويضربوا القذافي وأن يحموا المدنيين وهكذا، لكن في اليمن؛ أولًا المظاهرات والاعتصامات والجماهير والحركة إلى حد الآن ما زالت مصرة على الخيار السلمي وعدم المواجهة، الشيء الآخر كان فيه تردد أيضًا في قوة هذه المظاهرات وقوة الثورة، قوة الانتفاضة وقوة الثورة، وهل هي قادرة بالفعل ووصلت إلى الحدود التي لا يمكن أن يبقى معها علي عبد الله صالح أو ما زالت لم تصل إلى هذا الحد، أظن كان فيه تردد عندهم.

ص 1576

في الأيام الأخيرة بدأنا نلاحظ أنهم صاروا أكثر قناعة، طبعًا اليومين الأخيرين هم طالبوا علي عبد الله صالح بنقل سلمي للسلطة، هكذا عبروا هذا كلام أوباما وأمريكا، فإذًا تغيروا الآن، الأيام الأخيرة فقط، والآن صاروا مقتنعين معناها أن علي عبد الله صالح لا يمكن أن يستمر، ولكن لا بد أنهم الآن منهمكون في محاولات ليل نهار حثيثة وجادة وقوية ودؤوبة لضمان أن لا تتعرض مصالحهم في اليمن وفي المنطقة، لا تنسَ أن اليمن يعني جزيرة العرب السعودية والبحر كذلك وباب المندب وهكذا.. الموقع خطير واستراتيجي جدًّا وفي غاية الخطورة، منهمكون الآن في محاولة ضمان أن لا يكون هناك خطر عليهم من خلال مثلًا استيلاء المجاهدين على السلطة في اليمن وامتداد المد الجهادي أو يحصل امتداد في المد الجهادي وأن يحصل تمكن المجاهدين في المنطقة، حريصون على هذا وسيبذلوا فيها ما ندري إلى أي مدى يصل شرهم وغطرستهم وغرورهم وجبروتهم، لا ندري، نسأل الله عز وجل أن يكف بأسهم عنا وعن المسلمين وعن المستضعفين في كل مكان وأن يكفينا إياهم، نسأل الله ﷻ أن يجعل تدبيرهم تدميرهم لأن هؤلاء القوم مجرمون دمويون لا تهمهم إلا مصالحهم ومستعدين أن يستعملوا كل الوسائل القذرة، يعني هم يتظاهرون بالإنسانية وبالرحمة يتظاهرون بأنهم ينصرون الخير وينصرون حقوق الناس وحقوق الإنسان وغيرها ولكن كل هذا مشروط بأن تكون السلطة لهم والتمكن لهم وتكون يدهم هي العليا وأن تكون الشعوب الأخرى تحتهم وأن يكون هواهم هو النافذ على الناس أجمعين؛ فإذا شعروا بأن الشعوب الإسلامية تخرج من ربقتهم فإنهم مستعدون لاستعمال أشد أنواع القذارة في الحروب، من الممكن أن يستعملوا أشياء وفظاعات ما يعلمها إلا الله عز وجل، نسأل الله أن يعافينا والمسلمين جميعًا.

ولكن الآن هم -كما قلت لك- منهمكون في محاولة ضمان أن تكون السلطة المستقبلية التي تمسك من علي عبد الله صالح أو الوضع الجديد أن يكون تحت السيطرة وتحت أيديهم، وضمان عدم انتقال الضرر أيضًا إلى السعودية -الضرر بالنسبة لهم- إلى السعودية ومنطقة الخليج وما حولها، فالوضع مختلف أظن بين ليبيا واليمن في عدة نقاط.

الشيخ أبو يحيى الليبي:

جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم ونسأل الله أن ينفع بهذا اللقاء، ولعله يكون لنا لقاء آخر أو حلقة أخرى نتناول فيها بعض المواضيع الأخرى. والسلام عليكم.

الشيخ عطية الله:

جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم.

•••

ص 1577

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: محاورة الشيخ أبي يحيى الليبي للشيخ عطية الله حول الثورات العربية

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا