۞ في خُرَاسَان آخر الثمانينات:
فِي أَوَاخِرِ عَامِ 1409 المُوَافِقُ: 1989م أَيَّامَ الاحْتِلَالِ السُّوفْيِيتِّي وصلنا إلى «إسلام آباد» وكان في استقبالنا الأخوان القائدان: «يوسف البخاري؛ ذبيح الله» والأخ «عبد الرحمن حطاب» وهما من أفضل الإخوة والقادة؛ سافرَا من «بيشاور» لاستقبالنا وفرحا بنا وفرحنا بهما، حتى وصلنا «بيشاور» وذهبنا إلى مضافة الليبيين، وكان اسم «عطية الله» هناك: «أسامة» أو «أبو أسامة الليبي»، حتى ذهبنا إلى معسكر «جَاوَرْ» فِي منطِقةٍ حدودِية بِالقربِ مِنْ «خُوسْت» فِي أَفْغَانِسْتَانَ -وليس في معسكر «جَاجِيْ» - وكان معسكرا عاما لجميع الإخوة وهنا بدأ يلمع نجم «عطية الله» حيث بدأ في إلقاء الدروس والنهل من طلبة العلم هناك، وبعد المعسكر ذهبنا لمنطقة «كاما» في «جلال أباد»، وفي الأيام الأولى من مكوثنا في مراكز المجاهدين في «كاما» حصلت حادثة غيرت مجرى حياتنا جميعا -بما فينا «عطية الله» - حيث قتل خمسة من خيرة شبابنا غدرا من قبل عصابة من المجرمين المنتسبين للمجاهدين؛ قتلوهم ليأخذوا سلاحهم، وكان منهم «قاسم قرجي أبو حفص» رفيق درب «عطية الله»، وتعبنا جدا حتى توصلنا للمجرمين وتم القصاص منهم، ومن أقدار الله أننا في ذلك اليوم الذي ذهب فيه الإخوة لزيارة هؤلاء الذين غدروا بهم جاءني «عطية» واستأذن ليذهب معهم فرفضت ذلك فحزن ولكن لم يتكلم.. فأنجاه الله بقدره وادخره لما هو خيرٌ.
رجعنا إلى «بيشاور» بعد هذا الابتلاء الشديد، وعُرض على «عطية الله» الدخول لـ«القاعدة» في تلك الفترة؛ فقرَّرَ الدخول مع الإخوة بقيادة الشَّـيْخِ الإِمَامِ: «أُسَامَةَ بن لَادِن» رحمه الله، خاصةً أننا في «الجماعة الإسلامية المقاتلة» لم تتبلور الأمور عندنا بصورة جيدة وإمكانياتنا ضعيفة، مع ما في «بيشاور» من أفكار غريبة عجيبة؛ فدخول أخ لـ«القاعدة» لا يحزننا بل يفرحنا لأننا نأمن عليه من الضياع في زحمة أفكار «بيشاور» وتخبط الجماعات فيها.
استفاد «عطية الله» من إمكانيات «القاعدة» ومن المعاهد والدورات الشرعية التي كانت تتنافس الجماعات الجهادية فيها وتتعاون كذلك، فَتعلًّم وعَلَّم، ومن أكثر من استفاد منهم في هذه المرحلة: «قاري سعيد الجزائري» فقد أحبه كثيرا، وكذلك استفاد من غيره من أهل العلم والفضل.
وخلال وجودنا فِي أَفْغانِستَانَ شارك «عَطِيَّةُ» رحمه الله فِي بعض العملياتِ الكبرى هُناك مِثْل: عملية فتح «خوست»، وكان قد تخصص في سلاح الهاون «الْغرْنَايْ»، وقد ذكر بأنه رمى به في أكثر من عملية، من ضمنها تلك العملية، وكذلك فقد كان رحمه الله متخصصا في المتفجرات.
قال الشيخ أبو حفص الموريتاني١٣كل ما سأنقله من كلام الشيخ أبي حفص -محفوظ ولد الوالد- فهو مستفادٌ من محاضرةٍ له بعنوان: «كلمات في سيرة الشيخ أبي عبد الرحمن عطية الله»، نُشرت في: ذي القعدة 1437هـ، وقامت مؤسسة «البشريات الإعلامية» بتفريغها، وحيثُ غنها نُشرت بعد نشر «المجموع» في طبعته الأولى؛ فكل ما أذكره هنا من كلام الشيخ أبي حفص فهو ضمن الطبعة الثانية فقط.: «كان لي الشرف حقيقة في التعرِّف على الشيخ الفاضل والأخ العزيز الشيخ عطيَّةِ الله الليبي.
وكان أول لقاء لي مع الشيخ عطيَّة الله الليبي في بيشاور سنة 1991م؛ تعارفنا هناك وكنت وقتها لم أنضم بعد إلى تنظيم القاعدة، وتعرَّفت عليه في مضافات تابعة للقاعدة، ثم بعد ذلك كانت لنا مسيرة مشتركة في العمل الدعوي والعمل التعليمي، استمرّت عدَّة سنوات بعد ذلك.
ولما التحقتُ بتنظيم القاعدة في بيشاور في سنة 1991م كان هو عضوًا في التنظيم، وكان معه إخوة آخرون أيضًا من ليبيا ومن غيرها؛ ضممناهم إلى اللجنة الشرعية في التنظيم.
وكان الشيخ عطيَّةُ وقتها في مرحلة التحصيل، ولكنه حقيقةً كان متميّزًا في ذكائه وقدرته على التحصيل واتِّزَانه واعتداله في أخذه للأمور كلِّها؛ سواء كانت أمورًا علمية أو كانت أمورًا فكرية، أو حتى أمورًا تنظيمية أو غيرها.
وكان الشيخ عطيَّةُ يرافقني في بعض الأسفار من بيشاور إلى معسْكَرات «تنظيم القاعدة» في الداخل، وجبهات التنظيم أيضًا في جلال آباد لتطبيق البرنامج الشرعي والتربوي والدعوي الذي أقرَّته اللجنة الشرعية في ذلك الوقت.
ولما سقطت كابل بأيدي المجاهدين وبدأ الاقتتال بين «الحزب الإسلامي» و«أحمد شاه مسعود» وقرَّرت القاعدة الخروج من السّاحة الأفغانية والانتقال إلى السودان، كان أخونا عطيَّة الله -رحمة الله عليه- مع مجموعة من الإخوة آخرين قرَّرت القاعدة أن ترسلهم لطلب العلم الشرعي في موريتانيا» اهـ.
إذًا؛ بعدما فُتِحَت أَفغَانِستَانُ وتحررت مِنَ الشُّـيُوعِيِّينَ حَصَل قتال بين الأحزاب الإسلامية، مما دفع «القاعدة» و«المقاتلة» و«جماعة الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» وغيرهم للتوجه إلى «السودان» مضطرين.. وتوجه الشيخ عطية الله وبعض طلبة العلم إلى موريتانيا لطلب العلم.
ومِمَّا ميز مرحلة «السودان» أن الجماعات الجهادية تقاربت من بعضها وأصبح عندها وقت أكثر للتلاقي والتشاور والمناقشة.