[حكم عرض الهدنة في بعض الجبهات؛ ليقوم الجهاد ويشتد في جبهات أخرى]

في هذه الأيام.. الثغور الإسلامية تتفتح ثغرًا بعد ثغرٍ، ولا نرى شـيئًا يصدها؛ فأصبح الجهاد قائمًا في الشـيشان وأفغانستان والعراق وفلسطيـن وكوسوفا والسودان والصومال والجزيرة والجزائر وإريتريا وكشمير وفلبيـن، وربما غيرها ولكن لا أتذكر.. فإذا كان الجهاد في كل هذه البلاد فرض عيـن؛ فهل على شباب الأمة التوجه إلى كل هذه البلاد وتعطيل العمل في بلادهم؟!..

أنا أجد أن كل هذه الثغور تحتاج إلى ربما مليونيـن من الشباب كي تسد؛ فما رأيك..

ص 144

السؤال.. أليس واجبًا على بعض قادة بعض هذه الجبهات عرض الهدنة أو محاولة تجنب الطرف الآخر وتعطيل الجهاد هناك حتى تقوم شوكة لأهل التوحيد في بلد معيـن، ومنها تنطلق بالترتيب إلى البلاد الأخرى.. أم أن الوضع الحالي هي أفضل بالنسبة لمستقبل الجهاد العالمي؟

[السائل: unidentified]

الجواب:

أولا يا أخي الكريم أنت لماذا «تريد» أن ترى شـيئا يصدّها؟! -ابتسامة-، هذا لملاطفتك، لأن عبارتك هذا معطاها الاستعماليّ.! وأنت لا تقصد ذلك إن شاء الله.

المهم: أن فكرة المجاهديـن اليوم هي توسـيع رقعة الجهاد والمواجهة مع العدوّ، الذي هو كما قلنا: عدوٌّ واحد: أمريكا وأذنابها؛ فهذا عيـن المصلحة.! لأنه في صالحنا، وضـرره على العدو واضح لكل عاقل، ومن مقاصد المجاهديـن إشعال الجهاد في كل مكان.

نعم، ذلك بحسب الإمكان وبحسب الاستعداد والتهيؤ وعلى حسب ما تفيده الدراسة الواعية في كل حالة ومكان ووقت، لكن هناك مناطق مما ذكرت الجهادُ فيها والنزاع قديم، أو لا دخل للمجاهديـن المعاصـريـن في إنشائه، أو له أسباب خاصة، مثل فلسطيـن، وكوسوفا، وكشمير، مع أنه أو بعضه مهم الاستمرار فيه وعدم التوقف.

واستشكالك أنه إذا كان الجهاد فرض عيـن في كل هذه الساحات فهل على شباب الأمة ورجالها أن يتوجهوا إليها كلها ويعطلوا العمل في بلادهم؟! سأوضّحه إن شاء الله في محور آخر.

لكن باختصار هنا أقول: أي عمل تقصد الذي يعطّلونه في بلادهم؟ فإن كانت أشغال الدنيا فهناك من يكفي أن لا تضـيعوا من تعولون.

ونحن عندما نقول إن الجهاد فرض عيـن، فإننا نجعل لذلك غاية هي: أن تحصل الكفاية من الرجال النافريـن، فمهما نفر من الأمة حتى تحصل الكفاية؛ فلا خوف على أشغالهم من خلفهم في بلادهم أن تتعطل أو تضـيع، بل هناك من يقوم بها ويكفيهم إياها، ولا يضـيع من تعولون من أطفالكم ونسائكم وضعفائكم، إن شاء الله أبدًا.. فلماذا الخوف من أن تتعطل دنيانا؟ ولماذا نفترض مثل هذه الافتراضات منازعة لأمر الله تعالى، وتقديما بيـن يدي الله ورسوله؟!! وفي الأخير.. فلتتعطل يا أخي..!! نحن لم نخلق للدنيا.. نحن خلقنا لنمر فيها مرورًا ونعبُرها إلى هناك، إلى فوق..!!

ما رأيك في قول علمائنا:

ص 145

- القاضـي أبي بكر بن العربي رحمه الله: «.. إلا أن يكونوا أسـراء مستضعفيـن؛ فإن الولاية معهم قائمة والنصـرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عيـن تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسـر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد»٥٣أحكام القرآن (2 / 440). اهـ بواسطة تفسـير القرطبي٥٤الجامع لأحكام القرآن (8 / 57). عند قوله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ﴾ [الأنفال: 72].

- الشـيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: «إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر؛ فقد ذكر الله في كتابه: أن الكفر أكبر من القتل، قال تعالى: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217] وقال: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191] والفتنة هي الكفر؛ فلو اقتتلت البادية والحاضـرة، حتى يذهبوا لكان أهون من أن يـنصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شـريعة الإسلام، التي بعث بها رسول الله ﷺ»٥٥الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10 / 510). اهـ، نقلا عن كتاب «الإعلام بشـرح نواقض الإسلام» ٥٦الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام (ص 44، 45). للشـيخ «الطريفي».

ص 146

وهذا المعنى الذي ذكره هذان العالمان، هو قول سائر العلماء من السلف؛ لعله مما لا خلاف فيه إن شاء الله، ولا يـنبغي فيه خلاف، وإنما نحن في أزمنتنا هذه نحتاج إلى النصوص في كل شـيء، نحتاج إلى من يـنصّ لنا على هذا المعنى حتى نطمئن ونرتاح، ونظل نحتج به ونتأسّى..! وإلا فهذه المعاني كلُّ العلماء يقولونها، وليس معنى نسبتها إلى القرطبيِّ أو ابن العربي أو ابن سحمان أو غيرهم أنهم تفرّدوا بذلك، لا.. بل كل ما في الأمر أن هؤلاء تكلموا في المسألة وصاغوها لسبب من الأسباب كان، ونحن عثرنا على كلامهم ونصّهم فأظهرناه واستخدمناه واستأنسنا به، وإلا فكتاب الله تعالى وسنة نبيّه ﷺ مملوءان بالدلالة على هذا المعنى وترسـيخه، ويكفي فيه مثل قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨﴾ [الذاريات]، ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191]، ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢﴾ [آل عمران]، ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢﴾ [طه]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧﴾ [النساء]، ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦ كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠ وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١ ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢﴾ [العنكبوت] وغيرها كثير..

ومن السنة: سائر أحاديث الهجرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذم الدنيا والتزهيد فيها والأمر بالنظر إلى الآخرة وأنها هي دار القرار، وأحاديث الفتن، والصبر على الإيمان والفرار بالديـن من الفتن، والثبات على الحق..!

والمقصود: أن الكتاب والسنة دالَّان بما لا مزيد عليه على أننا إنما خلقنا الله تعالى لنعبده ونوحّده ونعمل بطاعته، وأن هذا هو الامتحان والابتلاء والتكليف الذي هو الغاية من إيجاد الله تعالى لنا، وأن النجاح فيه وعبوره بسلام وتوفيق هو الفلاح حقا والفوز حقا وهو النجاة، وأن الله تعالى من لطفه ورحمته وسَّع عليـنا في المباحات وفي الأخذ من الدنيا بما يصلح نفوسنا ويسايسها ولا يـنفّرها ولا يشق عليها، وأنه إذا تعارض نصـيب الدنيا مع نصـيب الآخرة؛ فإن قانون النجاح ودستور الفلاح عند الله تعالى يقضـي بوجوب تقديم الآخرة على الدنيا، وأن الكفر والشـرك بالله تعالى هو الظلم العظيم وهو الفتنة الكبرى وهو المصـيبة العظمى التي لا يـنفع صاحبها شـيء معها، وأنه من أجل ذلك ابتلانا الله تعالى بفرض الجهاد وبذل دمائنا وإزهاق أرواحنا والتعرض للتلف والعطب والأخطار والمشاق، لنحفظ ديـننا وليستمرّ بقاؤنا على توحيده ﷻ والعمل بطاعته..! والله المستعان.

الحاصل: أننا مهما دعونا للجهاد وحرّضنا عليه؛ فإن النافريـن على الأغلب لن يسدّوا الحاجة، فإن سدّوها في محل فالغالب أنها لا تسدّ في كل المحالّ.

ص 147

أيـن هم النافرون للجهاد في مقابل القاعديـن الخاذليـن والمُـخلديـن إلى الأرض؟ تقول إن هذه الجبهات تحتاج إلى مليونيـن.. طيب.. ولماذا لا نعطيها مليونيـن من مجموع أزيد من مليار مسلم؟ ربعهم على الأقل قادرون على النفير، شباب ورجال أقوياء أصحاء..! يعني: أزيد من مائتيـن وخمسـيـن مليونًا؛ لو أخذنا منه اثنيـن (مليونيـن) نفروا إلى الجهاد.. ما المشكلة؟ هل ستضـيع عوائلنا وأطفالنا وشـيوخنا العجزة في بلادنا؟ لا.. انظر إلى البطالة والضـياع في عالمنا العربي والإسلامي اليوم واعتبر وتأمل.!

مع أننا لا نطلب مليونيـن، بل يكفي عشـرها إن شاء الله، أي مئتا ألفٍ، من النافريـن للجهاد المهاجريـن، غير أهل كل بلدٍ من البلاد التي فيها جهاد.

ثم إننا عندما ندعو إلى الجهاد ونحرّض عليه، نريد من كل مسلم أن يلحَـقَ بالقافلة؛ فإذا استجاب لأمر الله تعالى، ولحِـق بالقافلة، وانضم إليها؛ فإنه قد يكون في الساقة وقد يكون في الحراسة وقد يُؤمَـر أن يبقى في محله لشغل هناك للإسلام والمسلميـن.

والحاصل أنه لا يهولَنَّك تخيّل أن يـنفرَ كلُّ المسلميـن ولا أكثرهم ولا حتى عشـر العشـر منهم؛ لأن النفير المأمور به معناه ما أشـرنا إليه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

وسؤالك عن عرض المجاهديـن هدنة مع العدو في بعض الأماكن حتى يحشد المسلمون قوتهم في مكان ما ثم يـنطلقوا منه.. فعقد الهدنة هذه مسألة أخرى، وهي في كل مكان وزمان بحسبها، بحسب حاجة المسلميـن إلى ذلك، فقد يكون ما ذكرته أنت له تأثير وقد لا يكون، بحسب كل حالة.

والمجاهدون لو رأوا ذلك.. فمن حيث الأصل لا مانع، ولكن هذا كما قلت لك يُدرَس في كل حالة على حدة وبحسبها؛ لأن مقصد توسـيع رقعة الجهاد ونشـره في أوسع نطاق، هو مقصد معتبر ومطلوب تحقيقه، وأيضًا أحيانًا يكون التعدد للساحات خادما بعضه لبعض.. بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة تتداخل؛ فهذا كله يـنظر فيه على وجه التكامل والشمول ويُرى ما هو المناسب.. والله الموفق.. أرجو أنني فهمت سؤالك على مرادك؛ فإن لم يكن فالعذر مرجوٌّ منك ومن كل أخ، وليكن ما قلناه من قبيل المناسبة وتوارد الأفكار، وفي ذلك خيرٌ إن شاء الله.

•••