درس في التحريض على الجهاد
[كلمة صوتية: مدتها تسع دقائق ونصف، نشـرها «مركز الفجر للإعلام»، وقام بتفريغها الإخوة في «نخبة الإعلام الجهادي»، نُشـرت في محرم 1433، وهي آخر كلمة صوتية تم نشـرها للشـيخ؛ حيث نُشـرت بعد استــشــهـــاده رحمه الله]
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شـرور أنفسنا ومن سـيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شـريك له وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريَّته ومن اهتدى بهديه وسار على سنَّته واتَّبع سبيله بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد..
قال الله ﷻ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١﴾، والجزاء: ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ وَأُخۡرَىٰ﴾ [الصف: 12-13] وشـيءٌ آخر وخصلةٌ أخرى تحبُّونها: ﴿وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣﴾، ويقول الله ﷻ: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١ ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢﴾ [التوبة]، ويقول الله عز وجل: ﴿۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢﴾ [التوبة]، ويقول ربنا ﷻ: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥ دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦﴾ [النساء]، ويقول الله ﷻ: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ [الحديد: 10].
أيها الإخوة: تعظيم الله عز وجل لقدر الجهاد والمجاهدين في الشـريعة الإسلامية وبيان فضلهم -فضل الجهاد وفضل المجاهدين في سبيل الله ﷻ- وفضل الشهادة والشهداء الذين يُستشهدون في سبيل الله، الذين يزهقون أرواحهم ويبذلون أنفسهم ودماءهم، يريقون هذه الدماء التي هي أغلى شـيء عندهم وهذه الروح وهذه النفس، ويهلكون هذا الوجود في هذه الدنيا في سبيل الله ﷻ وسعيًا لتحصـيل ونيل مرضاته عز وجل ونيل الحظوة عنده والأجر العظيم والمكانة الرفيعة التي أعدَّها الله عز وجل لمن قام هذا المقام، بيان الله ﷻ في كتابه وسنة نبيه ﷺ لفضائلهم -فضائل الشهادة والشهداء والمجاهدين والجهاد في سبيله ﷻ- شـيءٌ كبير جدًا جدًا حتى قال العلماء إنه لم يرد في الكتاب والسنة في فضائل الأعمال مثلما ورد في الجهاد وفي الشهادة، لم يرد في شـيء لا في فضائل الصلاة ولا فضائل الصوم ولا الزكاة والصدقة ولا غيرها من الأعمال الصالحة وهي كثيرة -أبوب الخير كثيرة-، لم يرد في شـريعة الله ﷻ في الكتاب وفي السنة في ذكر فضائل الأعمال مثلما ورد في الجهاد، الذي ورد في الجهاد وفي المجاهدين وفضلهم وما أعدَّ الله لهم وفي الشهادة والشهداء شـيءٌ كثيرٌ يفوق الحصـر يصعب حصره ولم يرد مثله أبدًا في أي فضيلة من فضائل الأعمال الصالحة، هذا كلُّه من تعظيم الله ﷻ لهذه المرتبة وهذه المنزلة في الأعمال الصالحة -مرتبة الجهاد ومرتبة الشهادة في سبيله وهي خاتمة الجهاد- ولا شك أنَّ عظمة الجهاد وعظمة الشهادة في سبيل الله ﷻ مستقرَّة في نفوسنا وفي نفوس المسلمين جميعًا بسبب هذا الذي ورد في الكتاب والسنة من ذكر فضلهم ورفع منزلتهم عالية.
لكن أيها الإخوة، الجهاد.. الجهاد الذي هو الجهاد الممدوح أهله.. الممدوح والممدوح أهله، والمشـرف أهله، الذي أحبه الله ورضيه ووعد أهله بالجزاء العظيم كما في هذه الآيات التي تلونا بعضها وفي غيرها كثير من القرآن، ومن السنة مثلًا كقول النبي ﷺ لما «سُئِل عن شـيءٍ يعدل الجهاد قال: (لا أجده، أتستطيع إذا خرج المجاهد في سبيل الله أن تقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟) قال: ومن يستطيع ذلك؟!»١٬١٤٧صحيح البخاري (2785)..
الجهاد الذي قال فيه النبي ﷺ: (إنَّ في الجنة مئة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله)١٬١٤٨صحيح البخاري (2790، 7423)..
الجهاد الذي قال فيه النبي ﷺ: (من جاهد في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)١٬١٤٩سنن الترمذي (1657)، سنن النسائي (3141)، سنن أبي داود (2541) وصححه الألباني. فواق ناقة، ولو لحظة بسـيطة وجبت له الجنة.
الجهاد الذي قال فيه الله عز وجل: ﴿وَالذِينَ قَٰتَلُواْ فِے سَبِيلِ اِ۬للَّهِ فَلَنْ يُّضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْۖ ٥﴾ [محمد] وفي قراءة أخرى ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤﴾ فحفص يقرأ ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، لكن نافع يقرأ: ﴿وَالذِينَ قَٰتَلُواْ﴾.
هذا الجهاد، هذا العمل الصالح العظيم إنما يكون هو كما أراده الله وكما مدحه وشـرفه وعظَّمه وفضَّله ومدح أهله وشـرفهم وعظَّمهم ووعدهم بجزيل الثواب إذا كان على شـريعة الله إذا كان في سبيل الله، هو جهادٌ في سبيل الله هذا هو شـرطه هذا هو قيده هذا هو وصفه، لا بد أن يكون في سبيل الله، وكونه في سبيل الله معناها أنه جامعٌ لخصلتين هما محدِّدا سبيل الله، سبيل الله له حافتان وله ضابطان ومحدِّدان:
الإخلاص لله عز وجل.
والجري على الشـريعة؛ العمل على وَفق الشـريعة المطهَّرة.
هذا هو سبيل الله، سبيل الله هذان ركناه وهذان ضابطاه وحافتاه ومحدِّداه، أن يكون خالصًا لوجه الله عز وجل مرادًا به وجهه ﷻ مرادًا به التقرب إلى الله، نيل رضوان الله عز وجل، مرادًا به الفوز بين يدي الله عز وجل عند لقاء الله، مرادٌ به إذن ما عند الله من الأجر والثواب وحسن المثوبة وحسن الجزاء، نعيم الله عز وجل وفضله ورحمته ورضوانه في الآخرة، هذا معنى إرادة وجه الله عز وجل، أن لا يُنهِض الإنسانَ للجهاد إلا إرادة ما عند الله ﷻ إرادة وجه الله إرادة الله إرادة ثواب الله عز وجل وحسن جزائه، هذا تعبير عن معنًى واحد. لا ينهضه دنيا يريدها ويثمِّرها ويتأثَّل فيها أمواله، ولا ينهضه جاهٌ وطلب رياسة ومنصب، ولا أن يُذكر عند الناس فيُقال شجاعٌ وجريءٌ وبطلٌ وقائدٌ وكومندان ولا شـيء من عرض الدنيا، إنما يريد وجه الله عز وجل هذه نيته، هذا الذي أنهضه وهذا الذي دفعه وهذا الذي أخرجه، «لا يخرجه إلا إيمانٌ بي وجهادٌ في سبيلي» -كما جاء في الحديث- هذا الضابط الأول لمعنى سبيل الله.
الضابط الثاني: أن يكون جهاده على وَفق شـريعة الله عز وجل، فهو يعمل الصالحات يعمل الخير فهو عاملٌ بالحق، داعٍ إلى الحق، آمرٌ بالحق، وناهٍ عمَّا ينهى عنه بالحق، ويقتل بالحق، ويقاتل بالحق، يقاتل ويقتل من أمر الله بقتالهم وقتلهم وأباح الله وشـرع وأجاز قتالهم وقتلهم، لا يفعل شـيئًا في جهاده وفي قتاله إلا أن يكون قد علم أنَّ الله رضيه وشـرعه وأباحه له وجوَّزه وسوَّغه له، وهذا لا يُعرف إلا بالعمل النافع، الفقه في الدين، معرفة الفقه الذي هو متحصَّل من الكتاب والسنة، كما شـرحه علماؤنا وأئمتنا رحمهم الله ورضـي عنهم أجمعين.
فهذان هما الضابطان لطريق الله -سبيل الله-، الجهاد في سبيل الله يعني في طريق الله، جهادٌ في سبيل الله، السبيل هو الطريق، لكن الشـريعة اختارت التعبير هنا بلفظ؛ جرى في لسان الشـرع التعبير بلفظ «سبيل الله» لأن كلمة سبيل فيها نوع من الخصوصـية أكثر من الطريق، كلمة الطريق لعلَّها كلمة استُعمِلت استعمالًا أوسع فجاءت الشـريعة باستخدام هذا اللفظ ليكون له رونق أو نوع من البلاغة.
«جهادٌ في سبيل الله» سبيل الله هو هذا أيها الإخوة، سبيل الله هذا ضابطه وهاتان حافتاه: الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ، المتابعة للشـريعة، العمل على وَفق الشـريعة، فلا يكون الجهاد محمودًا ولا يكون المجاهد مجاهدًا حقًّا وإن سمَّاه الناس مجاهدًا؛ النبي ﷺ قصَّ علينا خبر الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة -حديث أبي هريرة h في صحيح مسلم- قال: (واحد منهم رجلٌ قاتل في سبيل الله فقُتِل -يعني فيما يرى الناس كما جاء في بعض الألفاظ- قاتل في سبيل الله فقُتِل فيؤتى به، يأتي به الله عز وجل يوم القيامة، فيسأله فيعرِّفه نعمه فيعرفها فيقول: فما فعلت فيها؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قُتِلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه في النار -أو كما قال ﷺ- قالوا له: كذبت إنما قاتلت ليُقال جريء)١٬١٥٠صحيح مسلم (1901) بنحوه.، شجاع وتُمدح بالشجاعة وتُذكر بالشجاعة، فهذا أحد الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار؛ فمعناها أنه ليس مجاهدًا في نفس الأمر في الحقيقة، ليس مجاهدًا وإن سمَّاه الناس مجاهدًا، وإن جرينا نحن في لغتنا وفي استعمالنا على أنه مجاهد تسامحًا وتجوُّزًا، لكن المجاهد الحقيقي من هو؟ هذا الحديث فيه عبرة عظيمة.
هذا الحديث كان أبو هريرة h إذا حدَّث به يُغمى عليه -يُغشـى عليه- حتى يُرشَّ عليه الماء فيقوم ويعود له الغشـي أحيانًا يُغشـى عليه أكثر من مرَّة، لأن هؤلاء الناس عملوا أعمالًا صالحةً، هذا قائم آناء الليل وأطراف النهار يقرأ القرآن ويعلِّم الناس القرآن، وهذا مُنفق في سبيل الله وأموال تجري ونفقه كبيرة في سبيل الله، وهذا مجاهد يبذل روحه ودمه في سبيل الله -فيما يرى الناس- ومع هذا عذَّبهم الله وعاقبهم بهذه الأفعال التي ظاهرها أفعال في غاية الصلاح.
هذا الحديث دال على أنَّ ليس كل من نراه مجاهد فهو مجاهد، ولا كل ما نراه جهادًا هو جهاد، علينا أن نبحث ونفتِّش وندقِّق لا بد أن نصـيب الجهاد الذي هو جهادٌ عند الله الممدوح عند الله، حقيقة الجهاد ما هو؟ النبي ﷺ لما عرَّف لنا الجهاد رجع بنا إلى قاعدة أصلية كبيرة جدًا، قال: (والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله) هذا حديث صحيح أيضًا في الترمذي وغيره١٬١٥١سنن الترمذي (1612) وصححه الألباني، مسند أحمد (23966) وقال: حديث صحيح..
إذن معناها ممكن الإنسان يكون مجاهد في الصورة في الظاهر ويكون عمله جهادًا في الظاهر وفي الصورة ولكنه ليس مجاهدًا عند الله وعمله ليس جهادًا عند الله سبحانه، ليس معدودًا جهادًا ولا عمل صالح يكون يوم القيامة هباءً منثورًا ويكون وبالًا عليه يوم القيامة، فمن هنا كان لزامًا علينا نحن المسلمين والمجاهدين في سبيل الله أن نفتِّش عن أنفسنا وجهادنا وأن ننظر هل نحن مجاهدون حقًا أم لا؟ هل الذي نمارسه ونعمله جهاد حقيقي هو الجهاد الذي مدحه الله ورضيه وأحبه وأمر به أم شـيء ثانٍ نحن نسمِّيه جهادًا؟ هذا كله يُعرف أيها الإخوة بالعلم النافع، بمعرفة أحكام الجهاد والمجاهدين وصفة المجاهد ومعرفة ما هو المجاهد على الحقيقة في كلام الله عز وجل وكلام رسوله ﷺ.
ولهذا نكتفي -طبعًا الكلام طويل- ولكن نكتفي في هذا الإطار بمدارسة ومذاكرة حديث من أحاديث النبي ﷺ التي تبيِّن معنى الجهاد في سبيل الله وما يُرى جهادًا ولكنه ليس جهادًا في سبيل الله ﷻ لأنه لم يحقق إما الشـرطين أو أحدهما، شـرط الإخلاص وشـرط المتابعة.
والحديث في السنن في سنن النسائي وغيره وفي مسند الإمام أحمد كذلك، أنَّ النبي ﷺ قال: (الغزو غزوان) الغزو يعني الجهاد غزو الناس يكون على ضـربين ونحوين، قسمان، الغزو غزوان، غزو صفته كذا وغزو صفته كذا حاصلها أنَّ أحدهما ممدوح وهو الغزو الحقيقي والجهاد الحقيقي والثاني لا ليس كذلك.
(الغزو غزوان) ثم فصَّل جاء بفاء التفريع والتفصـيل فقال: (فمن غزى ابتغاء وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسـر الشـريك واجتنب الفساد في الأرض فإنَّ نومه ونبهه أجرٌ كله، ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً وعصـى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف) أو في لفظٍ آخر: (فإنه لم يرجع بالكفاف)١٬١٥٢سنن النسائي (3188، 4195) سنن أبي داود (2515)، وحسنه الألباني، مسند أحمد (22042) وضعفه الأرنؤوط..
(الغزو غزوان) معناها أنَّ الغزو قسمان ونوعان: ممدوحٌ، ومذموم، وسـيأتيكم التفصـيل.
(فمن غزى ابتغاء وجه الله) أولًا: شـرط الإخلاص صاحبه حقق فيه شـرط الإخلاص غزى ابتغاء وجه الله يريد ما عند الله ﷻ، هذا الذي أنهضه وأخرجه وحرَّكه ودفعه للجهاد أنه يريد نصرة دين الله، التقرب إلى الله، دفعته محبة الله والغيرة على دين الله والخشـية من الله والخوف والرهبة من الله أن يلومه وأن يعاقبه ويؤاخذه لو لم يجاهد في سبيله، مريدًا ثواب الله وحسن جزائه وكرامته في الآخرة، مريدًا رضا الله عز وجل، منافسًا في درجات وسُلَّم الكرامات عند الله ﷻ. هذه المعاني كلها متضمَّنة في قولنا (يريد وجه الله).
(فمن غزى ابتغاء) ابتغاء يعني إرادة وجه الله ﷻ؛ «فمن غزى ابتغاء وجه الله وأطاع الإمام» هذه خمسة شـروط ذكرها النبي ﷺ في هذا الحديث للغزو الصالح، للمجاهد الصالح، للجهاد الصالح؛ (فمن غزى ابتغاء وجه الله) إخلاص، إرادة وجه الله ﷻ وحده لا شـريك له.
(وأطاع الإمام)؛ الشـرط الثاني: طاعة الإمام، وهو الأمير الذي عليك، سواءً كان الإمام الأعظم في حال وجوده أو كان نوابه في حال وجوده أيضًا ونوابه هم المباشـرين لك، أو في حال عدم وجوده مثلًا كأحوالنا اليوم.. عدم وجود إمام جامع واحد للمسلمين فيقوم جماعة المسلمين وقياداتهم وأمراؤهم تقوم مقام الإمام في هذا، هذا لا شك فيه، والشـريعة والفقهاء متفقون على أنَّ مثل هذه الجماعات وجماعات المسلمين الصغيرة تقوم مقام الإمام في حال فقده وفي حال شغور الزمان عن الإمام الأعظم في مسائل متعددة ذكروها في الفقه، ومن هذه المسائل مسألة الجهاد اليوم الذي لا بد فيه من جماعةٍ وإمارةٍ وسمعٍ وطاعة لأنه لا يتم الجهاد إلا بها؛ فهذا لا شك في دخوله في هذا دخولًا أوليًا، لا شك في دخوله في هذه المسألة التي هي مسألة ما يقوم مقام الإمام في حالة عدم وجود الإمام؛ أعني أمراء الجهاد.
(وأطاع الإمام) يدخل فيه الأمير: أمير الجهاد، وهو السمع والطاعة الذي لا تكون الجماعة جماعة إلا به؛ لأنه لا جماعة إلا بسمع وطاعة.
وما هي الجماعة وما هي حقيقتها؟
الجماعة قوم مجتمعون لهم رأس يطيعونه لهم رأس يعني أمير، قيادة، قائد، مسؤول عليهم يطيعونه ويأتمرون بأمره.. هذه هي الجماعة.
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَـى لَا سَـرَاةَ لَهُمْ | وَلَا سَـرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا١٬١٥٣قاله: الأفوه الأودي، انظر: ديوانه (ص 66). |
الشـرط الثاني إذن: طاعة الإمام، (وأطاع الإمام)؛ طاعة الإمام في الجهاد، السمع والطاعة والانضباط في كل شـيء والطاعة في كل شـيء إلا إذا خالف الأمر الشـريعة المخالفة الصريحة للشـريعة إذا ارتكب حرامًا أو أمرك بحرام واضح ليس من المسائل الاجتهادية وغيرها لا، الأمر الواضح فحين إذ تقول: (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصـيةِ الخَالِقِ)١٬١٥٤مسند أحمد (1095) بلفظ (.. في معصية الله) وصحح إسناده الأرنؤوط، ولفظ المصنف ورد في: مصنف ابن أبي شيبة (33717) وصححه الألباني في: تحقيق مشكاة المصابيح (3696).، (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)١٬١٥٥صحيح البخاري (4340، 7257)، صحيح مسلم (1840). لا طاعة للإنسان لأمير أو غيره في معصـية الله أبدًا، إذن (وأطاع الإمام) هذا الشـرط الثاني.
(وأنفق الكريمة)؛ يعني أنفق الأموال الكريمة عليه؛ الكريمة على نفسه التي تكرم عليه وتنفس عنده؛ تكون كريمة ونفيسة عنده، وإما يكون المقصود بها (الكريمة) يعني الأموال عمومًا مطلقًا لأنها كل الأموال في الحقيقة هي كريمة على الإنسان نفيسة عنده، المال مطلقًا، وإما أن يكون المقصود أنفق الأموال الكريمة التي هي الأموال الخاصة التي هي تكرم على الإنسان فيكون فيه ترغيب وحثٌّ على إنفاق كرائم الأموال.
فالإنفاق واجب في الجهاد في سبيل الله في مثل حالتنا هذه إذا كان الجهاد متعينًا فالإنسان واجب عليه أن يجاهد بنفسه وماله الجهاد بالنفس لا يغني عن الجهاد بالمال يا إخواننا، نحن كل واحد منا واجب عليه أن يجاهد بنفسه ويجاهد بماله إذا كان عنده مال، طبعًا لا شك نحن معظمنا نحن يعني قليلي المال وما عندنا شـيء كبير، ولكن لو فرض أن إنسانًا غنيًا وجاء إلى الجهاد هنا بنفسه يجب عليه أيضًا أن يجاهد بماله، وحتى في الجهاد الفرض الكفائي؛ الجهاد بالمال قد يتعيَّن إذا احتاج المسلمون في حال ما وفي وقت ما إلى ماله مثلًا، وعزَّ عليهم وصعب عليهم أن يأخذوا من غيره أو تعيَّن فيه واجب النفقة فـ(وأنفق الكريمة)، وعلى كل حال حتى في حالة عدم تعيُّنه عليه شخصـيا فإنفاق الكريمة فإنفاق الأموال في الجهاد في سبيل الله دالٌ على سخاء النفس في طاعة الله عز وجل وبذلها في ابتغاء مرضاة الله عز وجل، (وأنفق الكريمة) هذا الشـرط الثالث.
الشـرط الرابع: (وياسـر الشـريك)، ياسـره يعني عامله باليسـر ولم يعنته ولم يشدد عليه لا تعالى عليه ولا ترفَّع عليه بل تواضع له وذلَّ له كما قال الله عز وجل: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤﴾ [المائدة].
فـ(وياسـر الشـريك) هو الشـرط الرابع؛ وشـريك المجاهد هو زميله وأخوه المجاهد معه؛ لأنه زميله وشـريكه في هذا الجهاد وصديقه ورفيقه، و(ياسـره) يعني عامله باليسـر؛ خفض جناحه له وذل وتواضع له، وعامله المعاملة اليسـرى السهلة اللينة؛ فهذه تحتها معانٍ كثيرة جدًا، وإذا كنا نحن في الصلاة؛ فإن النبي ﷺ يقول: (لِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ)١٬١٥٦سنن أبي داود (666) وصححه الألباني. ويقول: (خَيْرُكُمُ أُلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلاةِ) حديث صحيح١٬١٥٧صحيح ابن حبان (1756) وصححه الألباني.، فالجهاد مبني على العنف أصلًا؛ الجهاد شدة وقوة وعنف ومن هذا الجنس، ربما يكون الإنسان في حالة حدة وشدة واشتداد وقوة وغضب يعني يحتاج إلى القوة الغضبية في الجهاد، الحقد على الأعداء والغيظ عليهم تنمية الغيظ عليهم، لكن بالمقابل لا بد أن يكمل هذه الفضيلة بفضيلة الذلة للمؤمنين: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح: 29]، التراحم فيما بين المؤمنين، الرحمة للمؤمنين والشفقة عليهم والذلة لهم والتواضع لهم، رحمتهم، الإحسان إليهم، التودد والتعاطف والتراحم والتوادد فيما بين المؤمنين، (وياسـر الشـريك) يعني عامله بالرفق وباللين وبالذلة والتواضع والمودة والتيسـير عليه ولا يعنته، وهذا مراتب متعددة طبعًا يتفاوت فيها الناس، كلما كان الإنسان ألين لإخوانه أكثر ذلةً وتواضعًا كان أعلى عند الله عز وجل (وما تواضع أحد لله إلا رفعه)١٬١٥٨صحيح مسلم (2588).، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾؛ إذن هذا الشـرط الرابع.
الشـرط الخامس: (واجتنب الفساد في الأرض) اجتناب الفساد هذا عموم، كل فساد؛ كل ما لا يحبه الله عز وجل، كل ما لا يرضـى عنه الله ﷻ، كل ما ينهى عنه الله ولا يأمر به بل ينهى عنه الله ﷻ ويكرهه ويبغضه ويذمه؛ فهذا هو الفساد، (واجتنب الفساد في الأرض) كل ما يتفق الناس عقلاؤهم على أنه من الفساد في الأرض يكون فسادًا إذا ما جاءت الشـريعة بخلاف هذا؛ فالمنكر والفساد يجتنبه الإنسان، الاجتناب هو المباعدة، يجتنبه: يبتعد عنه، فلا يرتكبه ولا يقربه ولا يكون من أهله ومن أصحابه، ومن الفساد: قتل الناس بغير حق، وأخذ أموال الناس بغير حق، والتعالي والتكبر على الناس، وظلم الناس، وإرادة العلو في الأرض والفساد وأعراض الدنيا والغلبة على الناس؛ لأن المجاهد تعتريه آفات وفتن كبيرة، من أخطر الآفات التي تعتري المجاهدين ويبتلون بها وعليهم أن يجاهدوا أنفسهم إزاءها ويعتصموا بالله عز وجل هي فتنة العلو على الخلق، والظلم للناس، وأخذ أموالهم وأخذ حقوقهم بغير حق، بغير إذنٍ من الله ﷻ، وبغير إذنٍ من الشـريعة، لأن الإنسان إذا ملك السلاح وصار له مُلك وتمكن في الأرض؛ فإن هذه النفس الأمارة بالسوء تأمره وتدعوه وتميل به إلى ما تهواه من الغلبة على الناس والترفع عليهم والظهور فوقهم والأمر والنهي والسلطنة؛ فعلى الإنسان المجاهد أن يكون متواضعًا وألا يقع في هذه المحذورات العظيمة، أن ينتبه إلى جهاده وإلى قلبه وإلى نفسه وإلى عمله فينضبط بشـريعة الله عز وجل ويتواضع لله: ﴿وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١﴾ [آل عمران].
ومن الفساد أيضًا: الفساد في وسط الجماعة المجاهدة بالفتنة والكلام بالتثبيط وبالتخذيل، وببث الفتن بين الناس؛ الإرجاف مثلًا والطعن في المؤمنين وفي جماعاتهم وفي قياداتهم وفي علمائهم أو غيرها بغير حق، هذا كله من الفتن، ومن الفساد في الأرض.
ومساوئ الأخلاق -عمومًا- في التعامل مع إخوانه في الجهاد، هذه كلها من الفساد الذي يبغضه الله عز وجل، فالمجاهد الحقيقي -إذن- من شـرطه أنه يجتنب الفساد في الأرض؛ فإذن هذه خمسة شـروط.
(فمن غزى ابتغاء وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسـر الشـريك واجتنب الفساد في الأرض) قال النبي ﷺ: (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله) هذا جواب الشـرط أو الجزاء، فمن غزى وكذا وكذا بهذه الصفات (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله)؛ يعني نومه أو صحوه، كله أجر، ومعدود كله ومصبوب في ميزان حسناته، لا يمضـي عليه ثانية ولا دقيقة وهو في ساحات الجهاد بهذه الشـروط -الجهاد الحقيقي- إلا وهو إيش؟ العدَّاد يحسب، عداد الحسنات والملائكة تكتب يقظته ومنامه؛ (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله).
والغزو الثاني أيها الإخوة؛ النوع الثاني والقسم الثاني من الغزو ومن الجهاد الذي يراه الناس غزوًا ويسمَّى غزوًا ونسميه غزوًا ونسمِّيه جهادًا؛ من باب اعتبار الظاهر، من باب اعتبار الصورة، النظر إلى الصورة وإلى الظاهر فقط أو من باب الدعوى، اعتبار الدعوى، اعتبار دعواه، هذه كلها اعتبارات مبنية على التسمُّح، النبي ﷺ سمَّاها غزوة أيضًا في أول صدر هذا الحديث؛ (ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً وعصـى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف) من غزى بهذه الصفات وهذه الأعمال المصاحبة لغزوه وجهاده وعدَّها خمسًا، بعضها يقارب بعضًا في المعنى، لكن هي خمسٌ أيضًا كأنه تنظير بالأول ومُشاكلةٌ له.
(ومن غزى فخرًا) يفاخر الناس ويفتخر عليهم بغزوه، مريدًا الفخر أو قاصدًا بغزوه الفخر والافتخار على الناس، (ومن غزى فخرًا ورياءً): فخرًا هذه مفعول له، تسمَّى في النحو مفعول له ومفعول لأجله منصوب على المفعولية لأجله هذا، (ومن غزى فخرًا): يعني لأجل الفخر، أي غزى مفاخرًا ومفتخرًا على الناس.
(ومن غزى فخرًا ورياءً): الرياء هو إرادة إراءة الناس عمله لكي يمدحوه ويَعْظُم في قلوبهم مثلًا، أن يعمل الإنسان العمل مريدًا أن يراه الناس، قاصدًا إراءة الناس عمله هذا حتى يمدحوه ويَعْظُم عندهم أو يكبر في نفوسهم وهكذا فهو لا يريد وجه الله إنما يريد أن يكبر ويعظم عند الناس، (ومن غزى فخرًا ورياءً) هذا هو الرياء، غزى رياءً يعني إنما دفعه وحمله على الغزو الرياء، مراءاة الناس مريدًا إراءة الناس عمله لكي يمدحوه أو يعظموه.
(ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً): السمعة هي إرادة الإنسان أن يسمع به الناس أو أن يُسْمِع الناس، السمعة والرياء هما باب واحد لكن هذا متعلق بالرؤية بالبصـر وهذا متعلق بالسمع لإسماع الناس، (ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً): يسمِّع الناس، يريد أن يسمع الناس ويسمِّعهم إذا هم لم يروا، يسمِّعهم ويتحدَّث ويتكلَّم، وأنا ونحن وفعلنا وحطّينا..، ولهذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكرهون التحديث بمواقفهم في الغزو وبمشاهدهم في الغزو، وإنما حدَّثوا ببعض مشاهدهم في الغزو من أجل الفائدة ومن أجل التربية والتعليم وإعطاء حكم شـرعي مثلًا أو غير ذلك وإلا كانوا يكرهون التحدُّث بمشاهدهم في الغزو خوفًا على أعمالهم أن تحبط حفظًا لأعمالهم وصـيانةً ومجانبةً لأسباب حبوط العمل -نسأل الله العفو والعافية والسلامة-.
(ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً وعصـى الإمام) بعكس الأول الذي أطاع الإمام هذا عصـى الإمام، يعصـي الإمام؛ إمَّا المعصـية الجهريَّة الواضحة فيُفسد في الأرض ويعصـي الإمام ولا يطبِّق الأوامر ولا يسمع ولا يطيع ويخرج عن الطاعة والمشاقة والعصـيان الكامل، أو العصـيان الكثير الصغير المفسد؛ فهذا أيضًا فقد شـرطًا كبيرًا من شـروط المجاهد الجهاد الصحيح الحقيقي المحبوب لله عز وجل، هذا عصـى الإمام فهذا يكون من القسم الثاني من الجهاد ومن الغزو الذي لا يرضـى عنه الله عز وجل.
(وعصـى الإمام وأفسد في الأرض) بعكس الأول الذي اجتنب الفساد في الأرض، هذا أفسد في الأرض بالعلو والتعالي على الخلق وظلم الخلق بأخذ أموالهم وانتهاك أعراضهم -مثلًا- وقتلهم بغير حق وضـرب أبشارهم بغير حق والتكبُّر عليهم والترفُّع.
(وأفسد في الأرض) قال النبي ﷺ هذا الذي غزى هذا الغزو وغزى على هذا النحو وعلى هذا الوجه قال: (فإنه لن يرجع بالكفاف) لن يرجع من غزوه وجهاده بالكفاف، والكفاف هو حالة الاستواء لا لك ولا عليك، يُقال رجع كفافًا يعني ما ربح وما خسـر، رجل أخذ رأس مال للسوق يتاجر فباع واشترى وكذا وصفق بالأسواق فإذا به يرجع برأس ماله فيُقال: رجع كفافًا، لا له ولا عليه، هذه حالة الكفاف، وأيضًا تُستعمل بمعنى الحالة الكافية أو الحد الأدنى كما قال النبي ﷺ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ رزق آل محمد كفافا)١٬١٥٩جاء في: صحيح البخاري (6460)، صحيح مسلم (1055) بلفظ (قوتا) بدل (كفافا)، ولفظ الشيخ ورد في: السنن الكبرى للنسائي (11809)، وفي ثبوت هذه اللفظة نظر كما في: الصحيحة (130).، يقول النبي ﷺ هذا الذي غزى على هذا النحو وعلى هذا الوجه بهذا الصفات: (لن يرجع بالكفاف) يعني لن يرجع حتى برأس ماله، يعني أنه يرجع خاسـرا -والعياذ بالله- فالحديث واضح وجلي جدًا جدًا، أن من الناس من يغزو ويجاهد وهو يخسـر -والعياذ بالله- لا يربح شـيئًا، بل يخسـر لأنه قال: (لن يرجع بالكفاف) أو (لم يرجع بالكفاف) يعني حتى برأس ماله ما رجع، بل رجع خاسـرا.
فوالله هذا شـيء عظيم جدًا جدًا شـيء عظيم، ينبغي علينا أن يكون دائمًا نصب أعيننا، والله شـيء يُطير القلوب ويُفزعها أنَّ الإنسان يجاهد ثمَّ يقول: ليتني لم أجاهد، ونحن أيها الأخوة بين نارين فعلينا أن نستعين بالله عز وجل وننجو بين يدي الله ﷻ ونكون من المفلحين الفائزين الرابحين الناجحين المرضـي عنهم عند الله عز وجل، لا بد نسعى في هذا ونجتهد، هذا هو الربح الحقيقي وخلافه هو الخسـران المبين، نحن بين نارين: نار القعود عن الجهاد ونار أن نذهب إلى الجهاد ولكن نخسـر، فلا بد أن ننجو، لا بد أن نكون رجالًا حقًّا ونستعين بالله عز وجل ونتوكَّل عليه ونعتمد عليه فيوفِّقنا الله وننجح، امتحان صعب في غاية الصعوبة ومحك خطير جدًا جدًا، لأن ربَّما إذا سمع بعض الناس هذا الكلام يقول: إذا كان فيه خطر عظيم أني أنا ممكن أذهب للجهاد ثمَّ أخسـر فأنا لا أجاهد، نقول له: ﴿أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩﴾ [التوبة]، بل عليك أن تجاهد يجب عليك الجهاد ولو قعدت ولم تجاهد فإنك مرتكب كبيرةً في مثل هذا الوقت الذي الجهاد فيه فرض عين، القاعد عن الجهاد بغير عذر مرتكب كبيرة، ويل له من الله إن لم تتداركه رحمة الله ﷻ إن لم يتب أو تتداركه رحمة الله عز وجل بأسباب المكفِّرات فإنه متعرِّضٌ لسخط الله وعذابه، متعرِّضٌ لوعيد الله على هذه الكبيرة الفظيعة التي ارتكبها وهي القعود عن الجهاد الواجب المتعيّن عليه، فيجب علينا أن نجاهد وما نخاف منه يجب علينا أن نجاهد أيضًا حتى نكون مجاهدين حقًّا كما يحب الله سبحانه ويرضى، كلُّها جهاد؛ في البداية جهاد وأنت في أرضك وبين أحضان أمِّك فتنهض للجهاد وتخرج للجهاد وتنفر للجهاد تاركًا وراءك الدنيا والأحباب والأهل والخلاَّن والأوطان وتهاجر وتجاهد في سبيل الله.
ثم عليك جهاد آخر وهو جهاد حقيقي؛ لكي تكون مجاهدًا حقًّا، جهاد أن تحقق هذه الخمسة شـروط التي هي:
ابتغاء وجه الله عز وجل.
وإطاعة الإمام.
وإنفاق الكريمة.
ومياسـرة الشـريك.
واجتناب الفساد في الأرض.
لا بد أن تُحقِّقَها مجاهدةً للنفس، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله، تجاهد نفسك وتأطرها وتحملها على أن تستقيم على منهاج الله عز وجل وعلى شـريعة الله، حتى تكون في سبيل الله وفي طريق الله ﷻ حقًّا مرضيًّا عنك عند الله ﷻ، فهو جهاد كلُّه، جهاد إلى آخر نَفَس أيها الأخوة، جهاد إلى آخر قطرة من دمائنا.. جهاد.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: درس في التحريض على الجهاد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا