۞ عِتَابُ الأحْبَابِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم، والله المستعان وبه الثقة سبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

تعليقا على الفقرة من كلام الأخ «الزرقاوي» وفقه الله ونصره والتي يقول فيها:

«فلو فُرض على المجاهدين التمييز بين الكفار والمسلمين لتعطل الجهاد في كل مكان، فقد قام المجاهدون بمثل هذه العمليات في غزوتي نيويورك وواشنطن وكان هناك بعض المسلمين، وفعلوها في الرياض وبالي، وعلى المعبد اليهودي في تونس، وفعلوها في نيروبي وفعلوها في تنزانيا ومومباسا، وكراتشي وكويتا وكابل، وغروزني وموسكو؛ فمن أراد تحريم هذه العمليات بسقوط المسلمين فيها تبعًا لا قصدًا فعليه أن يمنع الجهاد في كل مكان لأنه لا يمكن أن يسلم عمل جهادي من سقوط المسلمين، ولا يؤمر المرء بما لا يُطيق»١٬٠٩٨ذكرها الشيخ في خطابٍ له بعنوان: «وعاد أحفاد ابن العلقمي» الصادر بتاريخ: 10 ربيع الثاني 1426. اهـ.

أشارك برأيي وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب:

ص 1448

قد والله تمنّيت أن الأخ أبا مصعب حفظه الله لم يكن قالها؛ فإنه يمكنه أن يستغني عنها، ويتجنّب فتح الجبهات عليه، وعلى خطابه وعلى المجاهدين، ويتجنّب التنفير ويتألّف القلوب، وكان يمكنه في موضوعه الرئيسي الاكتفاء بالتأكيد مثلا أنه بعد الدراسة واستفراغ الوسع في تقدير الأمور تبيّن لهم أنهم مضطرون للرمي والتفجير في بعض الحالات التي يحتمل أو يُجزم فيها بإصابة (مقتل) بعض المسلمين، حين يقدّرون أن المصلحة في الضرب في تلك الحالة المعيّنة كبيرة وضرورية، بحيث إنهم لو لم يضربوا في هذا ومثله (وهي حالات كثيرة التكرر وربما تمثّل الطبيعة الغالبة لواقع الحرب) فإنهم يتعرّضون للهزيمة والانكسار، ويتعطل الجهاد بحيث إن العدو يستولي ويتمكّن وتحصل له السيطرة الكاملة في البلاد، وتحصل المفسدة العظمى في الدين والدنيا ويحصل أضعاف أضعاف ما نحذره الآن من موت بعض المسلمين.. فتقرير هذه المعادلة هو بالمقام الأول حق قيادات الجهاد، ولا شك أن الأخ «الزرقاوي» منهم ومن أهمهم.. ثم من حق المحبيّن الناصحين في الخارج ممن يتابع شؤون الجهاد والعمل الإسلامي بصفة عامة، أن يتريّثوا ويقفوا موقف المتثبّت الذي يريد التأكد والتدقيق البالغ في الأمر، لأنه ليس أمرًا سهلا بلا شك شرعًا وسياسةً.!

فيقولون: نريد أن نتأكد من صحة هذه المعادلة، نريد أن نرى آراء الأطراف الأخرى في ساحة الجهاد في العراق في هذه المسألة، ونعرف تقديرهم للأمر؛ فنريد أن نعرف مثلا رأي «أنصار السنة»، و«الجيش الإسلامي»، وغيرها من الجماعات في الساحة، وأيضا آراء القيادات العلمية والعلماء الموثوقين في البلاد ممن يؤيد الجهاد وينصح لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين..

فإذا عرفنا أن الجميع أو الأكثرين يرون رأي الأخ «أبي مصعب» في تقدير تلك الضرورة.. فإننا نؤيدهم ونقبل قولهم، ونقول لهم: توكّلوا على الله واستعينوا به، واضربوا أعداء الله وأثخنوا.. آسفين كل الأسف على من يمكن أن يقتَل من المسلمين في أية عملية.

ونوصيهم أكثر وأكثر بالتثبّت في كل حالة وعملية على حدة، وأن يبالغوا في الاحتياط لدماء المسلمين، والأخذ بأسباب ألا يصاب مسلمٌ.. والله يعوّض عما فات من فُرَصٍ.. ونعينهم بما أمكن من الوصايا والتوجيه.. وإن كان الأكثرون في تقدير هذه الضرورة على خلاف تقدير الأخ «الزرقاوي»، وتبيّن لنا بالنظر أن تقديره خطأ، فيمكن أن يقال له: لا تتفرّد عن باقي المجاهدين، ولا تشذ عنهم، ولا نقبل منك ولا لك ذلك، بل نأخذ على يديك ونمنعك منه.

فإن أبيتَ فأنت أخونا على كل حال، ولن نخذلك، بل ندعو لك ولا نبخل عليك بنصح ولا إرشاد وتوجيه ودعم؛ فهذا حقنا: أن نقول: الشيء الفلاني خطأ لا نقرّه، ولكن أنت أخونا ونحن معك على عدوّ الله وعدوّنا.. هذا إنصاف إن شاء الله..

أرجع إلى تلك الفقرة المذكورة من كلامه حفظه الله، وما كنت أرى التعليق عليها لولا كلام المشنّعين وجهرهم.! وأقول: قد كنت من أول ما سمعتها في خطاب الأخ «الزرقاوي»، عرفتُ أن أهل الشحناء سيستغلّونها، وسيكون فيها فتنة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..

ص 1449

ونحن نعتذر لأخينا «أبي مصعب»، لأن الإنسان في ساحة المعركة وتحت ضغوطها الصعبة والشديدة قد لا يتفطّن لبعض الملاحظات، ويغلب عليه اعتبار الشدة أو غير ذلك.

ولذلك.. فإن أمثل الحالات وأوفقها وأكملها في الأعمال الجهادية والثورية هي أن يسود الوفاق والتحابب وكمال الانسجام والثقة التامّة بين أهل الحرب والعسكرية من جهة، وأهل السياسة والدعوة وأهل العلم من جهة أخرى، وكذلك بين أهل الداخل وأهل الخارج.. فإن الإنسان في الخارج حينما يكون عاقلا ناصحا أمينا محبًّا مشفقًا فإنه يفيد أهل الداخل (أهل الميدان) إفادة عظيمة؛ لأنه يرصد لهم مسيرة الجهاد من موقع أكثر تحررا وتجردًا من بعض المؤثرات، ومن زاوية أخرى، ويلاحظ ويراقب ويسجل ويدوّن ويقوّم ويستنتج، فهو يعمل لهم عمل الراصد مع الرامي.. فما أجمل وأروع أن يجتمع الرأي من الداخل والخارج، مع أن صاحب الداخل والميدان له التقدّم بلا شك.

ولذلك: فرأيي أنه ما كان ينبغي أن يذكر بعض تلك العمليات التي هي محلّ اختلاف بين الناس، والكثيرون ينكرون شرعيتها ولا يوافقون أهلها، وهي بلا شك محل نظر كعملية الرياض، وكعمليات بالي وتونس أيضا، وليست كلها على مرتبة واحدة في اعتبار الضرورة إلى الرمي وفي إمكان إصابة مسلمين.. فلو اقتصر على نيويورك وواشنطن وموسكو كان مقاربًا ولا بأس به، مع أنه لا حاجة له أيضا؛ فأما في كويتا وكابل وكراتشي فالأمر فيها مقاربٌ، كمثل محاولة اغتيال الطاغية «برويز» وما شابهها، ولم يبنْ لي ما الذي يشير إليه على وجه التحديد الأخ «أبو مصعب».

وقد عرفنا أن المجاهدين لديهم فتاوى في بعضها من علماء، وظننا أنهم يجتهدون في الاحتياط.

أما الرياض (وقريب منها تونس وبالي) فهذه بلا شك التفجير فيها ليس مما نسلّم بمشروعيته، وليس هو مما يرى مشروعيته أكثر أهل العلم والدعوة، وليس التوقف عنه مؤدّيا إلى تعطيل الجهاد بحالٍ أبدًا.!! فهذا من الخطأ الذي نردّه، وهذا من التوسع الذي ننكره.!

فإن مسألة «التترس» ونحوها من الرمي بما يعمُّ الهلاك به مما يطال المسلم (والمسلم معصوم بإسلامه حيث كان) إنما أجيزت على خلاف الأصل، ضرورةَ أنا إن لم نرمِ ولم نضرب وقعت المفسدة العظمى في الدين والدنيا؛ فلا بد أن تقيّد بموضعها وتقدر بقدرها كشأن الضرورات.

ونحن نعتذر عن الأخ «الزرقاوي» في هذا الخطأ، ونرجو له ولكل إخواننا التوفيق والسداد.

ص 1450

وحسب معرفتنا بأخينا «أبي مصعب»؛ فإنه لو نوقش معه الموضوع، وعُرضت عليه الآراء ونوصح فإنه لا يتأخر ولا يتوانى في قبول التصحيح والتوجيه والرجوع إلى الصواب والأصوب في أية مسألةٍ، ولله الحمد، وهنا يأتي دور أهل العلم الناصحين أن يمدّوا الجسور مع إخوانهم المجاهدين وينصروهم ويقفوا إلى جنبهم.

وعلى كل حال فمقصود الأخ «أبي مصعب» -والله أعلم- أن جنس هذه العمليات مشروع قد أفتى فيه العلماء، وأنه لو أن المجاهدين امتنعوا عن جنس هذه العمليات بالكلية فإن هذا مؤدٍّ إلى تعطّل الجهاد وانسداد بابه في أماكنَ كثيرة، وذلك بأن يأخذ العدو راحته ويبالغ من جهته في تعمّد الاختلاط بالمسلمين ويسلَم بذلك، ويظل يضربنا وينحرنا وهو في غاية الأمان والراحة..!

قد يكون كلام أبي مصعب فيه اندفاع وتهويل خطابيّ لكن هو هذا المقصود في ظني، ثم تبقى الأمثلة التي ذكرها يُسلَّم له في بعضها ولا يُوافق على البعض الآخر.

وأما المسألة الأخرى: فحتى لو كان أبو مصعب الزرقاوي مؤيّدًا للإخوة الخارجين على الحكومة السعودية (وهو كذلك) فهو أخونا وولينا، سواء وافقناه في هذه المسألة أو خالفناه.. وأنا واحدٌ من الناس مؤيّد للإخوة الخارجين على الحكومة السعودية إذا كان التأييد معناه محبتهم وتمنّي أن يظهروا وأن ينصرهم الله على هذه الحكومة.! لا بمعنى التأييد في كل شيء وفي كل فعلٍ؛ فإني لا أؤيد تفجيرات الرياض في المحيا وغيره، وأراه خطأ وغير مشروع، لكني أراهم في الجملة هم أهل الحق، وخصمهم أهل الباطل، ولي تفاصيل دون ذلك.. ولو أن الكثير من العلماء أنصفوا وقاموا بأمر الله حق القيام، لأنكروا الخطأ ممن كانَ بحسبه، ولقالوا للظالم المجرم أنت ظالم مجرم، ولم يقفوا -بسبب وجود أخطاء أو مفاسد عند أهل الحق ولو كبرتْ- مع حكومةٍ هذا حالها!

وليس وراء السكوت مقعد لصاحب حق هنا، والله يصلح الأمور.

يا أهل الإنصاف: تنكرون على أبي مصعب أن يؤيّد المقاتلين للحكومة السعودية، والحكومة السعودية دائبةٌ ليل نهار على حربِ «أبي مصعب» والمجاهدين في العراق بما أمكنها، والتعاون مع دول الجوار بأنماطها الكفريّة ومع الأمريكان على حربهم؟! إن هذا لعجبٌ!! إنا لله وإنا إليه راجعون.. وإن دعوتنا المستمرة هي رصّ صفوف أهل الخير والدين والتقوى والصلاح، وإيجاد التلاحم والتراحم والتعاطف والتحابب بينهم في كل مكان، وأن يكونوا يدًا واحدةً على أعداء الله، ولا سيما فيما يتعلق بطائفتي العلماء والمجاهدين في ميادين الجهاد.

وأما من يستغل مثل تلك الكلمات وتلك الأخطاء ليقول: إن المجاهدين خوارج يستحلون دماء المسلمين بالتكفير العامّ (تكفير جميع من في دار الحرب وعسكر السلطان) وإنهم يتستّرون بفتاوى «التترس» وبأقوال الفقهاء، ويمارسون التقية مع الأمة! ولا يبالون في الحقيقة بدماء المسلمين ولا تهمّهم في شيء! فهذا -والله الذي لا إله إلا هو- لهو البهتان العظيم، والكذب والافتراء، والظلم الشنيع.!! فنسأل الله أن يهدي قائل هذه المقالة القبيحة، أو يهلكه شرّ هلكةٍ.. وأن يكف شرّهم عن المجاهدين وعن أمة محمدٍ ﷺ، وأن ينصر المجاهدين عليه وعلى أمثاله من أهل الجور والظلم والعدوان البهتان.

أما الحقيقة التي لا شك فيها ولا غموض لمن وفّقه الله وأنصف وأراد الخير، فهي أن المجاهدين -والمثال هنا المجاهدون في العراق، وعلى الخصوص «جماعة الزرقاوي» و«الأنصار» لأننا نعرفهم- أنهم لا يكفرون المسلمين، بل يرون عموم الشعوب الإسلامية من أهل السنة مسلمين معصومي الدماء والأموال والأعراض، إلا من قام الدليل على كفره بخصوصه وردّته وخروجه من دائرة الإسلام بدليل واضح صريح فتلك حالات يحكم فيها بحكمها.

وإنما الذي وقع هنا وهناك من أخطأ في القول والفتوى والرأي، أو في الفعل والواقع الميداني من قتل مسلمين.. فهو واقع بناء على تأويل واجتهاد ورأيٍ ذهبوا إليه، كهذه المسألة التي وقع الكلام كثيرا فيها (مسألة التترس) وتوسُّع فيها بعض المجاهدين هنا وهناك نوعًا من التوسّع ناتجًا عن تقديرات عسكرية تطبيقية في الغالب.!

اللهم إنا نشهدك أننا نحب المجاهدين في سبيلك.. اللهم إنا نعتذر إليك من أخطائهم.. ونبرأ إليك من كل ما يخالف دينك وشرعك مما يقعون فيه هم أو غيرهم، ونسألك أن تنصرهم وتسددهم وتأخذ بأيديهم إلى كل خير وفلاح وعلوّ ورفعة.. ونسألك أن تصلح ذات بين المسلمين وتؤلّف بين قلوبهم يا أرحم الراحمين، وأستغفر الله من كل ذنب، والحمد لله رب العالمين.

ص 1451

[تكملة المشاركة]

ليس هناك إجماع من العلماء في هذه الأحداث، والجهاد ماضٍ نعم بالقاعدة أو بدونها.

ولكن نعرف لكل أهل الفضل فضلهم من كل الطوائف -علماء ومجاهدين وغيره- ونعرف للجميع حقهم.

وكما قلت: إن الجهاد كان يمكن أن يكون بـ«القاعدة» وبهؤلاء المجاهدين أو بغيرهم؛ فلقائل أن يقول: يمكن أن يكون الجهاد بدون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير.. وكل الصحابة رضي الله عنهم، وكان يمكن أن يكون بدون صلاح الدين ويوسف بن تاشفين ونور الدين زنكي، وعمر المختار والقسّام وعبد القادر الجزائري.. إذا كان المعنى أن الله قادر أن يخلق ما يشاء ويختار ويأتي بغيرهم عز وجل وﷻ وتقدس.

فهذا افتراض لا يغني، والواقع أن هؤلاء ناس لهم فضلهم وأن الله منَّ عليهم بالتقدم في الجهاد والبذل والقيام بهذا الفرض العظيم.

ومن أراد أن يفرّق بين المجاهدين، ولم يجد ولله الحمد من يسلّه من كل ذلك إلا «خطاب»؛ فيمدحه ويذمهم.. وخطاب أهل المدح حقا إن شاء الله، رحمه الله وتقبله في الشهداء..

ونحن نعرف أن خطاب وابن لادن والظواهري والزرقاوي إخوة متحابون متعاونون..

وبين القاعدة وخطاب وإخوة الشيشان تعاون وتنسيق مستمر إلى آخر ما علمنا.. بل إن خطاب كان على وفاق مع القاعدة وباقي المجاهدين وتعاون وتنسيق لم ينتهي إلى آخر عهدنا به وبهم.

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 6/ 6/ 2005]

•••