• فائدة؛ في فعل عليّ h حين رجع القهقرى ليسأل النبيَّ ﷺ، ولم يلتفت، وكره أن يلتفت، وإقرار النبيّ ﷺ له على هذا التصرّف:
هذا منه h مبالغةٌ محمودة في إظهار السمع والطاعة للنبيّ ﷺ، وهو موضعٌ (الحربُ والقتالُ وأوامرُ القيادة فيها) يحتاج إلى مبالغة ودقة في السمع والطاعة، وهو ما يعبّر عنه في لغة العصـر بـ«الحَرْفيّة» و«التطبيق الحَرْفيّ» و«الانضباط العسكريّ»، وذلك أن شأن الحرب غير شأن السلم والعافية، وليس فيها مجال واسع لاجتهاد المأمور في تفسـير وتطبيق الأمر الصادر إليه من قيادته؛ فالحزم الواجب دائما هو السمع والطاعة بكل دقة وحمل الأوامر على ظاهرها، إلا إذا وجد معارِضٌ متيَقَّنٌ، وهي حالات نادرة ليست هي محلُّ كلامنا؛ وإنما محل كلامنا واضح وهي الأوامر المعهودة من القيادة لأفرادها، كما لو قال الأمير لبعض جنوده: أنتم تقعدون هنا ولا تتحركون، أو: لا تذهبوا إلى المكان الفلانيّ؛ فيجلس هؤلاء الجنود قليلًا مثلًا ثم إذا رأوا بعض التغيرات اليسـيرة في الواقع يشـرعون في التأويلات والتفسـيرات قائلين: هو يقصد كذا ولا يقصد كذا، ومراده كيت وكيت!! وما أدراكم ما مراده؟! فيخالفون الأوامر ويتحركون ويذهبون، فربما وقع من ذلك فساد كبير أو صغير، بحسبه.! والله المستعان.
ومن عُرِف منه ذلك وتكرر؛ فإنه لا يصلُحُ للجندية، ولا يفيد أن يكون مع المجاهدين وفي صفِّهم، وربما كان ضـررًا عليهم ينبغي التوقي منه وإبعادُهُ عن الصفِّ؛ ولذلك فإن القيادات العسكرية الواعية في معسكرات التدريب وأيضًا في ميدان الممارسة القتالية تعتمِد التدرّج في تربية أفرادها بالاختبارات وإتاحة الفرصِ المتدرجة في الأعمال والمهامّ ليَعرِفوا المطيع المنضبط الذي يصلح للجندية ثم يقبَلُ الترقِّي في درجاتِ المسؤولية، ومن يحتاجُ إلى تقويمٍ، ومن هو صفرٌ من ذلك كله.!
والحاصل أن الواجب هو حمل كلام المتكلم على ظاهره دائما، والاستثناء هو فقط: حيث يوجَدَ دليل واضحٌ بيِّنٌ يُوجِبُ حمله على خلاف ظاهره؛ هذا في سائر كلام المتكلمين وفي سائر الأوقات والأحوال، ويتأكد ذلك في حال الحرب، وفي قصة الرماة رضي الله عنهم في غزوةِ أحدٍ خيرُ عبرةٍ، ولعظم موقعها وفائدتها ذكرها الله ﷻ في القرآن الكريم تُتْلى إلى يوم القيامة، والقصص والعبر غيرها كثير جدًا أيضًا، وهذا الخلل كثيرٌ فينا للأسف! فيجب أن نصلحه وندفعه بنور العلم والحكمة، وبوازع الدين وسلطان التقوى والحزم، وأن نربّي القاصرين الجاهلين، ونكمل الناقصين، وأن نأخذ على أيدي المستهترين قليلي الانضباط، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3]، ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: 282]، (ومن يتصبّر يصبّره الله، ومن يستعفف يعفّه الله)٦٠٠صحيح البخاري (1469) وقد تقدم.، وبالله التوفيق وعليه وحده الاعتماد، والحمد لله رب العالمين.
قال النووي رحمه الله: «وحمَله عليٌ h على ظاهره ولم يلتفت بعينه حين احتاج، وفي هذا حملُ أمره ﷺ على ظاهره» اهـ. قلتُ: ويشبه ذلك من بعض الوجوه قصة أبي سعيد بن المعلّى h حين ناداه النبي ﷺ وهو كان في الصلاة؛ عن أبي سعيد بن المعلّى قال: «كنتُ أصلي في المسجد فدعاني رسولُ الله ﷺ فلم أجبه، فقلت يا رسول الله: إني كنت أصلي، فقال: (ألم يقل اللهُ: ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24] ثم قال لي: (لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد) ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟، قال: (الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري٦٠١صحيح البخاري (4474)..
قال أكثر العلماء: إن ذلك خاصٌّ بالنبيّ ﷺ؛ أعني وجوب إجابته في الصلاة، لكن المقصود أن النبي ﷺ لام أبا سعيد h على عدم إجابته رغم أنه كان يصلي، واحتج أبو سعيد بأنه كان يصلي فلم يُرد أن يقطع الصلاة ولكنه تجوّز فيها وأسـرع؛ ثم جاء، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يجب عليه إجابة دعائه فورًا، وتلا عليه قول الله تعالى: ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24]؛ ففيه تنبيه إلى تأكّد حمل الكلام على ظاهره أيضًا، وهو القدر المشترك بين القصتين الذي أشـرنا إليه.
قال السنديّ في «حاشـيته على البخاري»: «مطلقُ الأمر وإن كان لا يفيد الفور، لكن الأمر ههنا مقيد بقوله ﴿إِذَا دَعَاكُمۡ﴾ أي الرسولُ؛ فيلزم الاستجابة وقتَ الدعاء بلا تأخير»٦٠٢لم أقف عليه في: حاشية البخاري، ولعل الشيخ عزاه خطأ إليه فإني وقفت عليه في: حاشية السندي على النسائي (2 / 139). اهـ، ونقل الحافظ في «الفتح» عن الخطابي أن الحديث فيه: «استعمال صيغة العموم في الأحوال كلها وإجراء لفظ العموم على جميع مقتضاه»٦٠٣فتح الباري (8 / 158) اختصارًا. اهـ، ومرادُه العمومُ المدلولُ عليه بـ﴿إِذَا﴾.
ومنه تعرفُ عظم وسَعَةَ فائدةِ العموم في كلام الله وكلام رسوله ﷺ، فليتنبّه إلى هذا طالب العلم.
نسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم علمًا، ويرزقنا الفقه في الدين.. آمين.
[الحلقة التاسعة والأخيرة التي كتبها الشيخ رحمه الله - مجلة طلائع خراسان، العدد الثامن عشـر، ربيع الآخر 1432]
ما زلنا في تأمِّل قوله عليه السلام (ولا تلتفت..)