* تصحيح المفاهيم
كيف يهتدي الإنسان إلى معرفة الخير؟ وما هو الخير أصلًا؟ العلماء طبعًا يحاولون دائمًا أن يُعرِّفوا كل شيء، والتعريف: هو اللفظ الجامع المانع.
«الجامع»: يجمع المعاني التي نريدها نحن لتعريف هذا الشيء؛ يجمعها بحيث لا يند منها شيء.
«المانع»: أي يمنع دخول غير المعنى المقصود فيه.
فعندما تقرأ الفقه أو أي فن من الفنون العلمية تقرأ مثلًا: تعريف الصلاة، تعريف الجهاد، تعريف المرتد، يعني تعريف الشيء ومحاولة وضع حد له حتى يُتصور بكماله.
والحد يُقصد به خدمة التصورات.
ثم تأتي الحجج والبراهين لخدمة التصديق.
ولهذا علماء المنطق يقسمونها إلى واديين كبيرين يقولون: «الحد والبرهان» وهذا علم الجدل أو علم المنطق يدرس في مقدمات الأصول، وإن كانت دخيلة على المسلمين ولكن علماء المسلمين استفادوا منها إلى حد لا بأس بمعرفتها؛ كنوع من التنظيم للعقل أو الفهرسة ولكنها شيء من ملح العلم والزيادات وليست من أصوله.
فالمقصود أن الإنسان يبحث عن الهداية، يريد أن يعرف ما هو الخير؟ وما هو الشر؟ ما هو الحسن؟ وما هو القبيح؟ عادةً الإنسان يبحث عن الشيء النافع له، والنافع: هو الملائم لك، مثال ذلك: إذا لمستَ شيئًا ووجدته ساخنًا فإنك تبتعد عنه، أو لمست شوكًا آذاك فتبتعد عنه لأنك عرفت ضرره -بسبب الحس؛ لأن الحس إدراك قطعي-، وإذا وجدت شيئًا رطبا ناعمًا فإنك ترتاح عليه وتضع رأسك عليه وتنام لأنه شيء نافع، هذا بالنسبة للحسيات.
أما في المعاني؛ فما هو النافع؟ وما هو الضار؟ يوجد كثير من الأشياء يعرفها الإنسان عن بادئ الرأي بسرعة وعن قرب، لكن أيضًا يوجد أشياء لا يعرفها الإنسان، مثلًا: عبادة الله عز وجل التي هي التوحيد ومجانبة الشرك والطاغوت وتحقيق هذا بتفاصيله الدقيقة، قد لا يهتدي إليها الإنسان ببساطة، وإن كان الإنسان مفطورًا عليها، لكن الإنسان تأتيه الحجب والحواجز؛ لأن (أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)١٬١٦٣صحيح البخاري (1358)، صحيح مسلم (2658) عن أبي هريرة h قال النبي ﷺ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ).، فعندما يكبر وتأتيه قوة الاختيار يصبح مأسورًا لما طبعَه عليه أبوه وأمه وقومه، فيصبح على الفطرة غشاوة وتصبح ضعيفة جدًا ليس لها أثر أحيانًا في الإنسان؛ لأنها مرت عليها عوامل هدم وتغطية كثيرة جدًا، لكن تبقى الفطرة في الإنسان يستدل بها، ومن المفترض أن يستدل بها ويستعملها.
فالمقصود أنه من الممكن ألا يعرف الإنسان الخير أحيانًا مثلًا: قبح الزنا، وأن الله عز وجل يبغضه ويحرمه وأنه قبيح، من الممكن ألا يدرك الإنسان ذلك؛ لأن الزنا مستلذ ومخالطة النساء ومعاشرتهن مطلقًا مستلذة، يستلذ الإنسان باعتبارها لذة وشيء ملائم للإنسان، لكن دخلت علينا هنا العواقب والنظر فيها، وهذا يعني أننا يجب أن نعلم بأن الخير ليس هو مجرد إدراك الملائم في الحال؛ لأنه لو كان كذلك فالزنا مستلذ ولكن ما الذي منع منه؟ كون عاقبته وخيمة على المستوى الدنيوي ومستوى البشر في الدنيا؛ لأنه لو انتشر وفعله الناس بدون قيد وتسامحوا فيه كما في المجتمعات الكافرة يفسد الاجتماع والمجتمع، وهذا الحاصل فيهم، وتفسد الكثير من الفضائل الإنسانية الفردية أيضًا، التي يرجع حاصلها إلى اتباع الإنسان لشهواته؛ فيصبح الإنسان منغمسًا في الشهوة؛ لأن هذه شهوة كبيرة حيوانية بهيمية لو فتحت للإنسان بدون قيد يصبح الإنسان مستغرقًا فيها فلا يبقى لديه مجال أصلًا ليفكر في أشياء كثيرة أخرى، فيفسد الاجتماع البشري ويفسد الإنسان، وحدث ولا حرج عن الفساد الاجتماعي الأسري من تفكك الأسر وغير ذلك من الفساد.
والعلماء أخيرًا يقولون هو انقطاع للنسل، وهذا الذي يحصل الآن في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا ومجموعة من الدول يدقون -كما يقولون- نواقيس الخطر للتحذير من قوة ممارسة هذه العملية بهذا الشكل الحيواني الذي لديهم؛ فلم يعد لديهم زواج وبالتالي لم يعد لديهم نسل جديد معتبر، حتى نسلهم الجديد -وربما هذا حاصل من قرون- معظمه أو كله أولاد غير شرعيين، ومع ذلك؛ فليتهم ينجبون أولادًا شرعيين، بل لم يعد لديهم حتى هذا! أو لديهم لكن قليل جدًا؛ لأن المرأة لا تريد أن تنجب والرجل أيضًا ليست لديه رغبة كبيرة، المهم أن يستمتعوا فقط، فصار لدى الفتاة ثقافة بأنها لا يجب عليها أن تلد؛ لأن بطنها سوف يكبر، ومن ثَم فسترتخي.. وهكذا؛ فصارت عندهم ثقافات.
وللأسف تسربت إلينا بعضٌ من ثقافاتهم؛ فإذًا صار هناك عزوف عن الزواج؛ لأنه لم يعد أحد ينظر إلى حفظ النسل وهذه المعاني الاجتماعية؛ لأن الإنسان أصبح مستغرقًا في شهوته وغير مبالٍ بمجتمعه فهو لا يهمه.
الآن في ألمانيا يدقون ناقوس الخطر؛ يقولون: من الممكن بعد 40 سنة يفنى الشعب الألماني، وفي إيطاليا كذلك، الآن يشجعون أي واحد حتى من المهاجرين سواء كان عرب أو لاتين أو غيرهم، يشجعونهم: فقط تعالوا أنجبوا عندنا وسنمنح أولادكم الجنسية، ودعم مجاني لكثير من الأشياء، والذي لديه خمسة أولاد لا داعي لأن يشتغل؛ لأنه يتحصل على علاوات على كل ولد، وعليه فقط تسديد إيجار البيت.
المقصود أنهم وصلوا إلى هذه الحالة، نحن نتحدث عن اللذة والملائم للإنسان والنفع والضر والخير والشر؛ فالإنسان لا يدرك الأمور في الحال، وقد ضربنا مثالًا على الزنا، اللذة مؤقتة لكن ما هي عاقبتها؟ إنها فساد الإنسان في نفسه وانغماسه وارتكاسه، بحيث يكون كالحيوان، مع اكتسابه للخلق الحيواني والبهيمي وابتعاده عن المعاني التي يتميز بها الإنسان التي هي الفضائل والشرف ومنع النفس.. أي يكون حاكمًا على نفسه، ويكون لديه عزة وكرامة وغِيرة.
هذه المعاني تذهب عندما يكون متلبسا بهذه المعاصي، بل إنهم لا يعرفون هذه المعاني؛ فهم كالبهائم، وعندما نتحدث لهم عن هذا الشيء يقولون لك: ما هذا الشيء وما معناه؟ وبعض من أسلم منهم تحدثوا عن هذا الأمر وشرحوه، وهذا على المستوى القريب؛ فسادٌ في العاقبة والضرر، وعلى المستوى البعيد -الضرر الأخروي-؛ فالله عز وجل حرمه؛ لأنه مفسدة وشر، والله لا يحرم شيئًا إلا لكونه فسادًا محض أو غالبًا، الله حرمه؟ في العاقبة صار شيئا كبيرًا جدًا.
فالإنسان كي يعرف أن هذا خير أو شر، ينظر لهذا الشيء الذي هو الزنا؛ هل فيه مصلحة؟ هو لذة في القريب فقط ثم يعقبها مباشرة: الفساد والضرر على المستوى القريب،؛ ضرر على نفس الإنسان والاجتماع وغيره، ثم الضرر في العاقبة؛ فيحكم إذن بأنها شر، كيف حكم بهذا؟ من خلال هذه الدلالات التي تحدثنا عنها، وهذا مثال الدنيا والآخرة.
العلماء قالوا: «العاقل هو من اختار الآخرة على الدنيا»، وهذا كمال العقل، ولذلك كان المؤمن التقي أكمل الناس عقلًا، والعقل يتجزأ طبعًا، فيمكن أن هذا الإنسان اختار الاختيار الصحيح في شيء وتمسك به وعض عليه بالنواجذ وشد عليه بأنامله، ولكن في مسائل أخرى لا يكون لديه بها معرفة ولا يمكن لعقله أن يدركه؛ فالعقل يتجزأ.
قد تجد إنسانًا بروفسورًا في علم الذرة والتقنيات والفيزياء والرياضيات والكيمياء، ولكن في جانب الهداية تجده سخيفًا ويعبد فأرًا! لو ذهبت إلى الهند لوجدتَ علماء في الذرة يعبدون بقرة أو فأرًا؛ هذا أغبى خلق الله، فالذكاء يتجزأ، لكن هذا وضع عقله في جانب معين وفُتح عليه فيه، وأعطاه الله فيه فاستنفذ قوته فيه واستغرقه هذا الجانب، لكن الجانب الآخر وهو الأهم وهو الذي يرتبط به مصيره إلى ما لا نهاية، لا يعير له اهتمامًا! لهذا كان المؤمن أكمل الناس عقلًا، الذي اختار الآخرة على الدنيا في حال تعارضهما.
مثال ذلك: لو قلتَ لإنسان: لديك اليوم أربعة وعشرين ساعة تعيش فيها برفاهية، تدخل إلى قصر تجد أمامك أنواع المآكل والمشارب والمناظر وصنوفها، وزوجة حسناء؛ فتمتع فيها، لكن غدًا سوف تحرق على شمعة وتعذب إلى أن تموت وبعدها نقطعك ونفعل بك الأفاعيل، هذا خيار عندك، أو تصبر هذه الأربع وعشرين ساعة حتى لو جعت وعطشت فقط استعِن بالله وقوِّ عزمك، ولو صبرتها فسيكون القصر ملكك على الدوام.
فالعاقل سيختار الثاني، ومن اختار الأول فهو إنسان جاهل؛ لأنه سيتمتع قليلًا وبعدها سيعذب عذابًا مهينًا؛ فنحن عندما أتينا بمثال الحرق في الدنيا فإنه في الدنيا سيموت لا شك، لكن في الآخرة لا يوجد موت: (يؤتى بالموت بين الجنة والنار على هيئة كبش فيُذبح ويُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)١٬١٦٤صحيح البخاري (4730)، صحيح مسلم (2849)..
﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣﴾ [طه: ٧٤]، ﴿وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧﴾ جاء في الأثر عن بعض السلف -لعلها مأخوذة من الإسرائيليات- قيل: فيجيبهم بعد ألف سنة: ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧﴾ ١٬١٦٥انظر: تفسير الطبري (19/ 76)، تفسير البغوي (7/ 222)، رُوي هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. [الزخرف].
يقال: لو يموت الإنسان من الحسرة لمات في ذلك الوقت ﴿يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١﴾ أي: يدعو على نفسه بالهلاك لكنه لا يموت، فقط عذاب، ينتهي شيء اسمه موت، أيقنت الناس من أهل الجنة وأهل النار أنه لم يعد هناك موت؛ فأهل الجنة يفرحون فرحًا عظيمًا، وأهل النار يكادون يموتون من الحسرة والكمد، ولو وجد الموت في الآخرة لم يخَف الإنسان ولبقي مرتاحًا وفرحًا، فلو كانت مجرد نار تعذب فيها وتخرج ليست مشكلة؛ لكن المشكلة أنه ليس هناك موت، عذاب لا ينقطع، فأنت خلال أربع وعشرين ساعة فعلت كل شيء تريده ثم تذهب العذاب المهين للأبد!
مثال ثانٍ: أن تصبر قليلًا؛ فأنت لا تعرف متى يأتيك الموت، تصبر قليلًا تحارب أعداءك فتُقتل وتذهب للنعيم الذي لا يمكن أن يتصوره عقل إنسان.
ماذا ستختار؟ العاقل سوف يختار الثاني، أما الذي يختار الأول فهو مجنون ليس فيه عقل.
ولذلك فالكفرة ما عندهم عقول أصلًا، بل هم أحط من الحيوانات، ولهذا قال الله عز وجل عنهم: ﴿إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤﴾ [الفرقان] وعند التحقيق هم أضل بالفعل؛ لأن الحيوان بسيط، خلقه الله يعيش ويموت، هكذا خُلق فلم يخالِف، أما الإنسان فقد هُيئ لشيء فتركه، بعث الله لهم رسلًا يرفعونهم إلى الكمال ويدعونهم إلى الخير فأعرضوا قائلين: اذهبوا عنا نحن لا نريد الرسل. وتجدهم يذهبون للانغماس في الضر والفساد، وفي أسباب العذاب وطريق الهلاك!
الله يريد أن يكرمهم وهم يرفضون نعم الله وكرامته وهديته وعطاءه ويتكبرون؛ فلا عقل لهم.
وحتى على مستوى البشر، فالإنسان تسعى بكل قواك أن تخدمه وتعمل له، وهو يرفض الخير منطلقًا للشر والهلاك، فهذا هو مثال حياة الدنيا والآخرة.
فالإنسان محتاج أن يفكر في العواقب وأن ينظر إلى الأشياء نظرًا كليًا لا نظرة حالية، وإنما نظرة في المآل وما يؤدي إليه؛ وعودة إلى «الهداية» نقول: يحتاج المرء إلى أن ينظر إلى معرفة الخير والشر والنافع والضار، ولكن بالمعاني الكلية، الخير في الحال والمآل، والحق والصلاح والنفع والحسن، وأضدادها كالقبح والفساد والمضرة والشر؛ فيحتاج المرء إلى النظر فيها وفي معانيها ويحققها ليحكم عليها في الحال والمآل، يعني نظرة كلية، والمرء لا يصل إلى هذه إلا بتوفيق الله عز وجل.
والله ﷻ جعل الهداية أعظم المقاصد على الإطلاق؛ لأن كل الدين والدنيا والآخرة في الهداية، ومبنى الهداية على توفيق الله عز وجل، ولذلك سماها العلماء: «هداية التوفيق» وهي أن يهتدي الإنسان للخير فيفعله، ويهتدي للشر فيعرفه ويجتنبه، ويكون ثابتًا عليها مستمرًا إلى أن يتجاوز مرحلة الاختبار وينجح، هذه الهداية لها أسباب، وسنتكلم عن أسباب الهداية وموانعها.
كتب لي أحد المشايخ رسالة قال فيها: «سر الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ الفاتحة]»، فعلقت عليها قائلا: «سر الفاتحة هو ﴿ٱهۡدِنَا﴾ [الفاتحة: ٦]».
إذا صح أن نسميَ شيئا: سر الفاتحة ولبها وقلبها وهي ما تنتهي إليه؛ فهي كلمة ﴿ٱهۡدِنَا﴾؛ لأن سورة الفاتحة التي أوجب الله عز وجل على المسلم في اليوم أن يقرأها مرات متعددة: إحدى عشر مرة لمن يقصر صلاته كحالاتنا الآن، ولمن يقيم ويتم صلاته سبعة عشر مرة، وواجب عليه أن يسأل الله الهداية بمقتضى قراءته للفاتحة، فهذا السؤال والدعاء الواجب على الإنسان أن يدعو به كل يوم، هل يوجد دعاء آخر يدعو به الإنسان؟ لا، اللهم إلا أن تكون مواضع مخصوصة لا تحضرني الآن.
لكن هذا الدعاء واجب ولا يتم دين المرء إلا به؛ لأن الصلاة بدون فاتحة خداج، ومن لم يُصلِّ بها يمكن أن دينه كله يصير خداجًا.
فالفاتحة سرها في سؤال الله الهداية بقولنا: ﴿ٱهۡدِنَا﴾ وذلك لأن ما قبلها توطئة لها وتوسلٌ للوصول إليها، وما بعدها تكميل لها، وتأمل آياتها:
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥﴾ يقول الله: (حمدني عبدي)، وهذا حمد لله أي: إثبات المحامد كلها له، والحمد هو الثناء بالجميل على الجليل عز وجل.
﴿رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾ وصف لله عز وجل صفة جارية على المنعوت وهو لفظ الجلالة.
﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢﴾ فيقول الله عز وجل: (أثنى علي عبدي).
الفرق بين الحمد والثناء، وهو تفريق أشبه ما يكون بالتفريق بين المترادفات١٬١٦٦أفاد كلام ابن القيم في «الوابل الصيب» (ص 88) أن الحمد: هو الإخبار عن الله تعالى بصفات كماله مع محبته والرضا به، والثناء: هو تكرير المحامد.؛ فالفرق بينهما طفيف، ثناء على الله عز وجل بذكر صفات الكمال والجمال والجلال.
﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤﴾ هذه إن قالها العبد يقول الله عز وجل كما جاء في الحديث: (مجدني عبدي)١٬١٦٧صحيح مسلم (395) من حديث أبي هريرة h عن النبي ﷺ قال: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي- فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)..
وفي هذا دلالة على أن المجد هو ذكر الصفات المتعلقة بالملك والعظمة وكذا، وكل هذه الألفاظ؛ الثناء والتمجيد هي حمد ومدح لله عز وجل.
ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ وهذا تلقين من الله عز وجل للعبد أن يقول هذا، كأنه يقول له: يا عبدي قل هكذا، والعلماء اتفقوا على أنه تلقين منه عز وجل للعبد لا يمكن غيره، وقد تكلم علماء البلاغة على أنه يوجد هنا «الالتفات»، والالتفات: هو التحول من ضمائر الغيبة إلى ضمائر الخطاب؛ فكان يقول: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾ يتكلم عن غائب، إلى أن قال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ ولم يقل: إياه! وهذا يسمى بالالتفات في البلاغة، وهو التحول من ضمائر الغيبة إلى ضمائر الخطاب في الغالب، وهذه صورته وقد تكون له صور أخرى.
﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ تلقين من العبد أن يخاطب الله أن يقول له: إياك نعبد يا الله، وإياك نستعين؛ فهو هنا أقرّ واعترف بأنه يعبد الله وأنه يستعين بالله عز وجل، والثلاث الآيات الأولى كلها توسّل إلى المقصود، وهو ﴿ٱهۡدِنَا﴾ توسل إلى الله بذكر صفات كماله وجلاله بالإشارة إلى أصولها -حمد وثناء وتمجيد-، هذا كله توسلٌ إلى المقصود، ثم توسل إلى الله أكثر واعتراف العبد بأنه يعبده ويستعين به على عبادته، ومقصود هذا كله هو ﴿ٱهۡدِنَا﴾ فهذا هو كل الفاتحة، وما قبل هذا هو توسل وتوطئة وسعي إليها وصيرورة إليه، ثم ﴿ٱهۡدِنَا﴾ هي مقصود الفاتحة كلها.
﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦﴾ وصف لهذا الصراط ونعت له وتوضيح بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم، بأنه غير صراط الناس الذين ضلوا وانحرفوا من المغضوب عليهم والضالين، ثم الكلام في الصراط تكميل للسؤال، فالفاتحة كلها؛ سرها ولبها ومقصودها هي في كلمة ﴿ٱهۡدِنَا﴾ وهو سؤال الله الهداية وهذا المقصود الأعظم؛ أن يسأل العبد ربه ﷻ الهداية بكل معانيها:
- هداية الدلالة على الخير والشر.
- وهداية الإرشاد للعلم والمعرفة.
- وهداية العمل بمقتضى هذا العلم وهي هداية التوفيق؛ لأنه من الممكن أن يعرف المرء الخير والشر ولكن لا يعمل بمقتضاهما، فمن الذي يجعله يهتدي؟! هو الله عز وجل الذي يخلق في قلبه هداية معينة حاصلها الإرادة، فهو عرف الخير وأراده فالْتقى العلم والإرادة فوقع الفعل، وهذه الهدايات كلها مقصودة عندما نقول: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦﴾ فهي داخلة بقولنا ﴿ٱهۡدِنَا﴾ نسأل الله الهداية بجميع أنواعها.
- وآخرها هداية التثبيت على هذا الطريق والهداية إلى آخر مراتب الفوز والفلاح.
﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ أوجب الله علينا أن ندعوه ونسأله الهداية، والله عز وجل جعل لنا وسائلَ وأسبابًا مؤدية إلى الهداية في كتابه وسنة رسوله ﷺ، وفي القرآن خاصة بين لنا الله عز وجل الكثير من أسباب الهداية، التي نمرُّ عليها كثيرًا ولا نتأملها جيدًا ولا ننتبه إليها:
لقد أتممت قراءة كتاب: * تصحيح المفاهيم
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا