[هل يعذر من تأول من العلماء فقال كلاما عاما «تورية» قد يفهم منه عدم موافقة المجاهدين؛ رغم أنه يحبهم ويناصرهم ويعمل في الخفاء في الدعوة للمنهج الحق؟]
ما رأيكم بمن يعدّ من علماء ومشايخ الصحوة الجهادية ولكنّه تحت ظلّ هذه الظروف يتكلّم بكلام يفهم من ظاهره معارضته لبعض الأحداث والأفعال ولا يستبيـن مغزاه أو المعنى الحقيقي له، إلاّ لمن يعرف توجّه هذا الرجل كقوله مثلا: «الإسلام لا يجيز قتل المعاهديـن» في حدث معيـن، وهو في باطنه يرى أنّ هؤلاء المقتوليـن في هذا الحدث ليسوا بمعاهديـن أصلا! ويظهر بكلام وخطابات بمثل هذه الصيغة بحجّة أنّه يعمل لديـن الله في الخفاء، ولا يضـر الكلام إن تكلّم.. فأهل الحقِّ لا يضـرهم مثل هذا الكلام، وهو لم يتكلّم بما لا يؤمن به، ولم يخالف لفظه اعتقاده، ولكن صـيغة الكلام قد يفهمه من لا يعرف هذا الرجل بصورة تختلف عن اعتقاد الرجل..
هل مثل هذه المواقف صحيحة وصاحبها معذور فيها؟ وألا تؤثّر مواقف هذا وأمثاله على المسـيرة الجهادية؟
[السائلة: إحدى الأخوات]
الجواب:
الحمد لله..
حاصل هذا الفعل المحكي عن هؤلاء المشايخ المشار إليهم هو استعمال التورية والمعاريض، فهذا إن كان ليدفع عن نفسه خطرًا مَخوفا من ظلم الطغاة فلا بأس به، ولا ضـرر فيه إن شاء الله.
والواحد من أهل العلم هو أدرى بحاله وظرفه وما يحيط به من أخطار؛ فله أن يترخّص في العمل بالتقية في محلها المشـروع، ويستعمل المعاريض أحيانا، فهذا كله مما أباحه الله تعالى للمؤمنيـن بشـرط أن يكون القلب عامرًا بالإيمان مقرًا بالحق، وأن يكون الإنسان محسنًا بأن يقدر ذلك الظرف بقدره، ويقوم بما يستطيعه من طاعة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١﴾ [التوبة]، وقال تبارك وتعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨﴾ [آل عمران].
وقال كثير من العلماء: إن من شـرط صحة هذا الترخص أيضًا ألا يدخل على الإسلام فساد كبير، أو يحصل لجمهور الناس ضلال عن الحق، فإن كان العالــِمُ مسموعا مطاعا متّبعا منظورًا إليه مقتدىً به؛ فامتحنه الظلمة وأرادوا منه أن يجيبهم إلى الباطل ويطاوعهم إلى الإقرار بصحة باطلهم وضلالهم، بحيث لو فعل أضل جمهور الناس، فإنه في هذه الحالة لا يجوز له الأخذ بالرخصة وأن يطاوعهم ويعطيهم ما أرادوا، بل يجب عليه الصبر ولو قتِــل في سبيل ذلك؛ وهذا هو المقام الذي وقع للإمام أحمد رحمه الله تعالى في محنة خلق القرآن.
وأما ما عدا ذلك بأن كان مغلوبا مضطهدًا خائفا من ظلم الطغاة وقهرهم، ولم يكن في ترخّصه باستعمال التقية أو التورية والمعاريض، تلبيس كبيرٌ معتبر على الخلق، وإضلال عامّ وكبيرٌ للناس، وبحيث لو وقع شـيء يسـير من اللبس أمكن زواله بيسـر بعد ذلك، فله الترخّص إن شاء الله بشـرطه المذكور.
فهذه إذًا حالات يقدرها الواحد من أهل العلم بقدرها حيـن يُــبتلى بها.. والله المسؤول أن يفرج الكروب ويغفر الذنوب، إنه هو التواب الرحيم.
والحمد لله، نحن في هذا الزمان عندما نجد بعض أهل العلم بهذه المستوى فهذا شـيء مفرحٌ، فلا بأس أن يتلطفوا ويسايسوا ويحذروا من الطغاة، ويخفوا إيمانهم أيضا ومذاهبهم، المهم أن يكونوا مع الحق، قائميـن في الباطن وفي السـر وفيما يقدرون عليه بالواجب من نصـرة الحق ونصـرة الجهاد وأهله والكون معهم.
الشـريعة بحمد الله ولطفه فيها سعة، والمحسِن المريد للحق الذي يفعل الخيرَ، لن يعدَم طريقة لعمل الخير بأساليب التلطّـف ومع الأخذ بالأسباب والتوقي من شـر الأشـرار.
وإنما المصـيبة أن نرى بعض أهل العلم والفضل ممن عرفوا الحق وبان لهم الطريق، وعرفوا أيضًا الباطل واستبانت لهم سبيل المجرميـن، نراهم قد سـيطر عليهم الخوف وأذلهم وأقعدهم بل طرحهم أرضًا فلا تسمع لهم في ميدان نصـرة الديـن ركزًا، قد خافوا الطواغيت خوفا عظيما منعهم من كل عمل، في علنٍ أو في خفاء!! وتجد الواحد منهم يدفع عن نفسه مخاوِف متوهّمة ووساوس بارتكاب معصـية الله تعالى بالنيل من أهل الحق والمجاهديـن مثلا وبإظهار الولاء للطغاة الكافريـن والمستكبريـن الظالميـن.!! فهذا والله لا يجوز ولا يرضـى عنه ربنا ﷻ، ويُــخشـى على صاحبه أنه ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١﴾ [العنكبوت] وقوله ﷻ: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١﴾ [الحج]
وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري h مرفوعًا: (لا يمنعنّ أحدَكـم هيبةُ الناس أن يتكلم بحق إذا رآه أو شهده أو سمعه) وقد صححه الشـيخ الألباني في التعليق على «الترغيب والترهيب»٢٢٤مسند أحمد (11017، 11498) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهذا لفظ أحمد، وجاء بنحوه في: سنن الترمذي (2191)، سنن ابن ماجه (4007)، السلسة الصحيحة (168).، وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن ماجه -إن صح-: (لا يحقرن أحدكم نفسه)، قالوا: يا رسول الله، وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (يرى أن عليه مقالا ثم لا يقول فيه، فيقول الله ﷻ يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول خشـية ُ الناسِ، فيقول: فإياي كنتَ أحقَّ أن تخشى) قال المنذري رواته ثقات، ولكن ضعفه الشـيخ الألباني في التعليق على «الترغيب والترهيب»٢٢٥سنن ابن ماجه (4008)، مسند أحمد (11255، 11699، 11868) وضعف إسناده الأرنؤوط، وضعفه الألباني في: ضعيف الجامع الصغير (6332)، السلسلة الضعيفة (6872)، لكن تعقبه الشيخ «عبد الله الدويش» في: تنبيه القاري؛ بأنه صحيح.، فالله أعلم، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار»٢٢٦جامع العلوم والحكم (2 / 248). اهـ.
وكذا قال غيره من العلماء.. فإن الهيبة إن كانت بمعنى خوف التلف والضـرر كالقتل والسجن والضـرب والتعذيب؛ فهذا مسقط لواجب الأمر والنهي كما سبق بيانه، وإن كانت بمعنى خوف اللوم والسب ونحوها من الأذى والتعرض للمشاق المحتملة عادة فلا تسقط وجوب الأمر والنهي، وهي المرادة في هذا الحديث والله أعلم.
وللأخت الكريمة وسائر الإخوة أن يراجعوا شـرح ابن رجب لحديث: (مَن رأى منكم منكرًا فليغيّره)٢٢٧صحيح مسلم (79). في كتابه العظيم: «جامع العلوم والحكم» ٢٢٨هو الحديث الرابع والثلاثين، من (2 / 242) إلى (2 / 256).؛ فإن فيه تحريرًا نافعًا لهذه المسألة.
وقد نهى الله تعالى في كتابه العزيز عن خشـية الناس، ووصف أولياءه وعباده الصالحيـن بأنهم يخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، وأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، وذمَّ الذيـن يخشون الناس كخشـية الله أو أشد خشـية، وهذه معانٍ واضحة، مما لا يحتاج إلى كبير تفسـير، والحمد لله.
نسأل الله تعالى أن يفقهنا في الديـن ويجعلنا وإياكم من عباده الصالحيـن المفلحيـن.. آميـن.
•••