[حكم من يكفر جميع الأمة أو المجتمعات الإسلامية، وحكم التعامل مع الدول التي لا تحكم بشرع الله والتحاكم لقضائها، والتحاكم لقضاء الدولة الكافرة لمن يعيش فيها من المسلمين، وذكر مسائل في الحاكمية، وحكم الصلاة خلف أئمة الدولة]

السؤال الأول: ما حكم من يكفر الجميع مثل الذيـن يكفرون كل المسلميـن الذيـن يـنتمون إلى الدول الإسلامية التي لا تحكم بشـرع الله؟.

السؤال الثاني: هل يجب التعامل مع الدول التي لا تحكم بشـرع الله؟ وهل يجب التحاكم في قضائها حتى لو كنت ظالما أو مظلوما كار ها أو راضـيا؟.

السؤال الثالث: هل يجب الصلاة خلف أئمة هذه الدولة والتعامل مع كافة المسلميـن الذيـن يـنتمون إليها؟.

السؤال الرابع: بعض إخواني يحكمون على هذه الأمة وحكامها بالكفر المطلق!

ص 431

أريد من فضـيلتكم الإجابة على هذه الأسئلة من الكتاب والسنة.. لأنني أعيش في دوامة لا يعلمها إلا الله ونزاع مستمر مع إخوتي.

[السائل: أبو مازن السودان]

الجواب:

مرحبا بأهل السودان، وحياك الله أخي.

جواب السؤال الأول: يا أخي الكريم وفقك الله.. الذي يكفر جميع المسلميـن الذيـن يـنتمون إلى البلاد الإسلامية ويعيشون تحت سلطان الدول المرتدة في بلداننا؛ الذي يفعل ذلك ضالٌّ منحرف انحرافًا عظيمًا، وهذا هو بالضبط طريق الخوارج الذيـن تكلمنا عنهم في جواب سابق.! فإياك وهؤلاء واحذرهم فإنهم مفتونون.! والغالبُ أن هؤلاء يجمعون بيـن الجهل الكبير في الديـن، وبيـن الغرور والطيش والتهور؛ فخير لك -وأنت لا تقدر على دعوتهم ولا مناظرتهم- أن تبتعد عنهم وتجانبهم ولا تسمع منهم ولا نصف كلمة، بل عليك بأهل العلم الموثوقيـن فاسألهم واقرأ لهم واستمع، والله يوفقك ويسددك.

جواب السؤال الثاني: أنت تقول «يجب»، وعليك أن تتعلم استعمال «يجوز» في مثل هذا، فتقول هل يجوز كذا؟ وكلمة التعامل كلمة مجملة -فضفاضة واسعة تحتمل عدة معاني- فما التعامل المسؤول عنه؟

على كل حال.. التعامل الواجب مع الحكومات التي لا تحكم بشـرع الله هو دعوتها إلى التوحيد والرجوع إلى ديـن الله والتزام شـرعه، وجهادها على ذلك حتى ترجع، أما ما سوى ذلك من التعامل؛ كالتعامل الدنيوي المعيشـي وغيره، فهذا فيه التفصـيل.

وأهم ضوابطه: أنه لا يجوز موالاتها ونصـرتها ولا التحاكم إليها، بل يجب على المسلم البراءة منها ومعاداتها والكفر بها، لأنها حكومات كافرة وهي طاغوتٌ.. فما عدا ذلك، أي مما لا يدخل في موالاتها ونصـرتها والتحاكم إليها؛ فإنه جائز متى احتاج إليه الإنسان، ما لم يمنع مانع آخر.. والله أعلم.

وأما مسألة التحاكم إلى قضائها؛ فما دامت لا تلتزم شـرع الله ولا تحكم به، فهي طاغوت كما قلنا، ولا يجوز التحاكم إليها قولًا واحدا، ليس في ذلك خلاف بيـن أهل العلم..

ص 432

وذلك لنصوص الكتاب الحكيم الواضحة البيـنة في ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥﴾ [النساء].

ولكن هناك مسألة تكلم فيها العلماء المعاصـرون، وهي مسألة: رفعِ المسلم الذي يعيش في بلاد الكفر -تحت سلطان دولة كافرة أصلية أو مرتدة-؛ رفعِــهِ قضـية أمام محاكم تلك الدولة -التي لا تلتزم بشـرع الله- ليأخـذ حقه المغصوب، الذي هو حقه المتقرر لا شك فيه، كأرضٍ أو دارٍ أو مالٍ اغتصب منه أو سـرق منه أو نحو ذلك؛ لأنه لا يمكنه التوصل إلى حقه إلا بأن يرفع أمره إلى الشـرطة في تلك الدولة ويرفع قضـية في جهازها القضائي..

فهذه مسألة من النوازل تكلم فيها أهل العلم المعاصـرون٢٤٨انظر في حكم التحاكم إلى القوانين مكرها أو مضطرا: فتوى في التحاكم إلى القوانين الوضعية؛ للشيخ حمود العقلاء الشعيبي، حكم التحاكم لغير شرع الله مكرها أو مضطرا؛ للشيخ المقدسي، الثلاثينية (الفصل الثالث: أخطاء في التكفير، الخطأ 23، 24)، مسألة التحاكم إلى الطاغوت؛ للطرطوسي، الجامع في طلب العلم؛ لسيد إمام، مع تعليق الشيخ المقدسي (ص 1136) وهو مهم ونفيس.:

* فمِنَ العلماء مَن منع بالكلية وأمر بالصبر، وذلك خشـية اندراج هذه الصورة في «التحاكم» إلى الطاغوت المنهي عنه، والمعدود -في ديـننا- كفرًا.

* ومن العلماء مَنْ رخّص فيها للضـرورة، لأن الناس محتاجون إلى المحافظة على أموالهم وأملاكهم وردّ المغصوب منها والمسـروق، فلو منعناهم من ذلك لحصل ضـرر عامٌ كبيرٌ لا يطيقه العامّــة، والحاجيّــات إذا عمّت بها البلوى (تعلقت بالجمهور أي أكثر الناس) فإنها تصـير إلى درجة الضـروريات، إذ يمكن منع فردٍ أو بعض أفراد وحمله على الصبر وعدم أخذ حقه مثلا، لكن لا يمكن ذلك لجمهور الناس، ولو فعلنا لحصل ضـرر عظيم، مع ما يـنضاف إليه من تسلّط الكفار على المسلميـن حيـنما يرونهم لا يطالبون بحقوقهم، فيتضاعف الضـرر.

ص 433

وهذا متّــجه، وحاصله تنزيل هذه الحالة منزلة الإكراه؛ فإن أخذ المال كله أو جزء كبير معتبر منه بحيث إن أخذه مجحِــف بالإنسان إجحافًا بالغًا معدودٌ إكراهًا عند بعض أهل العلم، فالمال شقيق النفس، واحتج له بعض أهل العلم بقصة «الحجاج بن عِلاط» التي في «مسند الإمام أحمد» بطولها، ورواها النسائي وابن حبان والطبراني وغيرهم أنه استأذن النبي ﷺ بعد أن أسلمَ أن يذهب إلى مكة كاتما إيمانه ويقول شـيئًا، أي شـيئا مما تستدعيه الضـرورة لتخليص أمواله كأن يـنال من النبيّ ﷺ، فأذن النبي ﷺ له٢٤٩قال الإمام أحمد في: مسنده (12409): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا، يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا، وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلًا، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آتِيَهُمْ، فَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ، أَوْ قُلْتُ شَيْئًا؟ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَأَتَى امْرَأَتَهُ حِينَ قَدِمَ فَقَالَ: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ: فَفَشَا ذَلِكَ بِمَكَّةَ؛ فانْقَمَعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا قَالَ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ فَعَقِرَ، وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ: فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمُ، فَاسْتَلْقَى فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ
شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَم
نَبِيِّ ذِي النَّعَمْ
بِرَغْمِ مَنْ رَغِمْ
قَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ: ثُمَّ أَرْسَلَ غُلَامًا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: فَلْيَخْلُ لِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ لِآتِيَهُ، فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ غُلَامُهُ فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ. قَالَ: فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرَحًا حَتَّى قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الْحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ الْحَجَّاجُ، فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ ﷻ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا، أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ؛ فَأَخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ قَالَ: فَجَمَعَتْ امْرَأَتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنُكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ. قَالَ: أَجَلْ لَا يَحْزُنِّي اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا: فَتَحَ اللهُ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ فِي زَوْجِكِ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ، الْأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ، فَذَهَبَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَقُولُونَ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ لَهُمْ: لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللهِ، قَدْ أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ، أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فَتَحَهَا اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللهِ، وَاصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ. قَالَ: فَرَدَّ اللهُ الْكَآبَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ، وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى أَتَوُا الْعَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ وَرَدَّ مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ، أَوْ حُزْنٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. اهـ، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وينظر: السنن الكبرى للنسائي (8592)، صحيح ابن حبان (4530)، المعجم الكبير للطبراني (3196).
.

وهؤلاء العلماء وضعوا شـروطًا وضوابط لهذا الحالة:

- أن يلجأ إلى هذه المحاكم وهو كاره مضطر إلى ذلك، بحيث إنه تعذر عليه الوصول إلى حقه إلا عن طريق هذه المحاكم.

- أن يأخذ حقه فقط ولا يزيد عليه.

* ومن العلماء مَنْ لم يرَ ذلك من التحاكم أصلًا، وإن سمّــاه مَن سمّـاه تحاكمــًا؛ فإن تسمية الناس لا اعتبار لها، إنما العبرة بالحقائق والمعاني التي علق الشارعُ بها الحكم، وبتسمية الشارع حيث تحققت.

قالوا: وهذه الصورة ليست تحاكمًا، بل هي شكوى إلى السلطان الكافر واستعانة به ليأخذ الحق من الظالم ويؤديه للمظلوم، ومعلوم أن هذه المسائل مما اتفقت عليها جميع الشـرائع السماوية والأرضـية الوضعية، أعني النهي عن السـرقة والغصب وتجريمها، ووجوب رد الحق إلى صاحبه، فهذا حق متقرر معلوم، والذي يرفع قضـيته إلى الشـرطة أو إلى المحكمة الكافرة لا يرفع قضـيته على وجه التحاكم إليهم بمعنى طلب أن يحكموا له في مسألة هو لا يعرف حكمها أو يعرف أن حكمها عندهم مخالف لحكم الله المعلوم، ولا على أن يلتزم بحكمهم مهما كانَ، كيف وهو -المسلم المظلوم- مصـرح بالكفر بهم وبأحكامهم وبأنها طاغوتٌ، لكنه يقول: ما الحيلة في أخذ حقي ومالي المغتصب، ولا يمكنني التوصل إلى ذلك إلا بالشكوى إلى هذا الطاغوت والاستعانة به ليأخذ لي حقي من رعيّته وأبنائه ويسلّمه لي؟!

قالوا: ومعلوم أن معنى التحاكم رفعُ القضـية المختلف فيها بيـن الخصميـن إلى جهة لتحكم بحكم بيـنهم؛ فهو تفاعــُــلٌ في الأصل لأنه تشارُكٌ بيـن اثنيـن، وهذا أكثر استعمال صـيغة «تفاعل»، فإذا استعمل للواحد فهو بمعنى مجرّده (الفعل المجرد منه، تقديرًا إن لم يكن مستعملا)، وهذا الذي يرفع القضـية إنما يرفعها على شـرط الالتزام بحكم تلك الجهة، إما ظاهرًا وباطنًا (مؤمن بها)، أو ظاهرًا فقط.

فالتحاكم إذن: هو طلب الحكم من جهة ما على أن يأخذه ويتلقاه عن تلك الجهة ويلتزم به.

فهذا معنى التحاكم، والذي نصّ الله ﷻ أنه لا يجوز إلا له سبحانه أي إلى شـرعه وما جاء به رسوله ﷺ، وعدَّ المتحاكمَ إلى غيره (إلى غير شـرعه وما بعث به رسولَـه) كافرًا متحاكمــا إلى الطاغوت، وسمّـى الله ُ سبحانه وتعالى هذا الذي يحكم بيـن الناس على غير مبدأ الالتزام بشـريعة الله تعالى طاغوتـــًا وأمر بالكفر به.

ص 434

وأما مسألتنا التي نحن بصددها فليس فيها هذا المعنى، فخرجت عن حدّ «التحاكم»، بل كل ما فيها أنها شكوى إلى ذلك الطاغوت واستعانة به ليؤدي الحق إلى صاحبه، فهذه مسألة أخرى، ولا يضـرنا كونه يتخذ إجراءاته القضائية والحُــكمية التي يؤمن بها في ديـنه الباطل، فهذا عمله هو، وحيث لا يمكن التوصل إلى الحقوق المعتبرة للناس إلا بها فالترخّص فيها واضحٌ سبيله.!

فإذا تقرر ذلك فإن شـرطها: أن يكون الحق المطلوب تحصـيله معلومًا كونه حقا للشخص المسلم المظلوم الشاكي، ومرجوٌّ أن تلك الجهة الطاغوتية ستعطيه إياه (ترده إليه) بعد إجراء ما يلزم من التحقيق والإثباتات، فيأخذ حقه ولا يزيد عليه بأخذ ما يشك فيه أو يجهله، لأن ما يشك فيه أو يجهله فإنه أتى إليه بحكم الطاغوت، وأما حقه المتقرر المعلوم في الشـريعة وفي جميع الشـرائع فإنه حقه يأخذه لأنه حقه في حكم الله.

وهذا القول الأخير قويّ ومتجه جدًا، على أن المسألة تحتاج إلى مزيد بحث.

ولعل فيما كتبناه تنويرًا للمسألة وتفتيحا وتفهيمًا، يستفيد منه الإخوة، ويُـعرَف به أن المسألة اجتهادية؛ فلا يـنبغي أن تكون سبيلا لتخالف القلوب والتباغض والتدابر بيـن المسلميـن.

والله تعالى أعلم.. وأستغفر الله من كل ذنب.

والحق أن هذه المسألة من دواعي الجهاد في سبيل الله تعالى حتى يكون الديـن كله لله، ولو أن المسلميـن قاموا بواجب الجهاد ونهضوا له وشمروا واستعانوا بالله لما احتاجوا في أكثر الأحوال إلى هذه المسائل، ولعاشوا أحرارا شـرفاء أعزة.

جواب السؤال الثالث: الأئمة (أئمة الصلاة) الذيـن تعيـنهم وترسّمهم هذه الدولة يجوز الصلاة خلفهم، ما داموا مسلميـن، فإن كانوا أهل فسق أو بدعة؛ فإنه يُطلب شـرعا من المسلم أن لا يصلي خلفهم إذا وجد الإمام السني العدل، فإن لم يجد صلى وراءهم.

والمقصود أن مجرد كون الدولة عيـنتهم وجعلتهم أئمة راتبيـن للمساجد ليس مانعا من الصلاة خلفهم.. ثم كل إنسان من هؤلاء الأئمة يـنظر في حاله على حده، فيعطى ما يستحقه.

ومشـروعٌ التعاملُ مع كل المسلميـن الذين يـنتمون إلى تلك الدولة، بمعنى أنهم يسكنون في بلدها وتحت سلطانها، والحمد لله.

جواب السؤال الرابع: تقدم الجواب على شطر هذا السؤال، أي الحكم على الناس جميعا (المسلميـن) تحت حكم هذه الدولة بالكفر، وقلنا إن ذلك ضلال مبيـن وانحراف خطير ومروق من الشـرع، وأنه مذهب «الخوارج» المارقيـن قاتلهم الله؛ فيجب عليك التبرّي من ذلك ومباعدة أهله٢٥٠انظر رسالة الشيخ عطية الله رحمه الله في هذا الباب، المسماة: «جواب سؤال في جهاد الدفع» (ص 654) فهي مهمة جدا ونفيسة...

ص 435

وأما الحكام الذيـن لا يحكمون بشـرع الله، بل بالقوانيـن الوضعية وأحكام البرلمانات غير الملتزمة بشـريعة رب العالميـن، ويوالون الكفار، فإنهم كفارٌ حقا.

وعليك أيها الأخ أن تتعلم هذه الأحكام وتسأل أهل العلم في ما أشكل عليك من التفاصـيل.

جواب السؤال الخامس: أعانك الله على إخوتك وهداهم الله وأصلحهم، وقد قدمتُ لك النصـيحة بأنك ما دمت -كما يظهر- غير قادرٍ على مناقشتهم ومناظرتهم وتفهيمهم؛ فالواجب عليك اجتناب الخوض معهم في أي شـيء من تلك الضلالات، ولا تسمع منهم شـيئا.. فإن اضطررت لتكليمهم في ذلك.. فالنصح بالرجوع إلى أهل العلم الموثوقيـن المؤتمنيـن.

والله المسؤول أن يفقهنا وإياكم في الديـن ويثبتنا على الحق.. آميـن.

•••