۞ طلب العلم في موريتانيا والزواج:

ص 45

قررت «القاعدة» إرسال بعض الشباب لطلب العلم في «موريتانيا»، كان منهم «عطية الله»، وكذلك أرسلت «المقاتلة» عددا من الشباب لنفس الغرض؛ كان منهم «أبو يحيى الليبي» الذي سمى نفسه هناك «يونس الصحراوي» وكانت هذه الرحلة العلمية في «موريتانيا» مرحلة مهمة في حياة «عطية الله» حيث استفاد كثيرًا؛ ليس في المستوى العلمي وحسب؛ فقد استفادوا كذلك في التربية وتزكية النفوس والتواضع والبساطة لدرجة كبيرة جدا أحيانا؛ إذ كان هذا خلق مشايخ «شنقيط»، مع أخلاق أخرى حميدة ترسخت عندهم كالبعد عن الغرور والعُجب، فقد عرفوا أن علمهم الذي كان معهم ليس شيئا يُذكر، بجانب البحار الزاخرة من علماء «شنقيط» مع بساطة في لباسهم ومسكنهم ومطعمهم، وقد حدثني «عطية» عن أحد الشيوخ الكبار الحفاظ أنه كان يبيت على كرتون في مسجد أو بجانب حائط!

وقد استفادوا كذلك فقه التعامل مع الناس وخاصة المخالف، وعلموا أن الغيرة على الدين ليست خاصة بالمجاهدين؛ فعند غيرهم كهؤلاء العلماء غيرة ربما زادت على غيرة الشباب المتحمس على دينهم، ولهذا ترى في كتابات «عطية الله» أدب التعامل مع المخالف..

حقًّا؛ لقد زادت هذه الرحلة في أعمارهم سنوات كثيرة، فزادتهم سعة في أفقهم وفهومهم وعلومهم، وأصبحوا مؤهلين لأن يكونوا علماء أمة لا علماء تنظيم.. وقد حدث الشيخ في مواضع من «المجموع» عن رحلته في موريتانيا وفوائده منها.

وهناك في «موريتانيا» تزوج عدد من الشباب الذين كانوا مع «عطية» رحمه الله، مما دفعَ الشيخَ أن يذهب إلى «الجزائر» فيتزوج فيها، ثم رجع إلى موريتانيا مصطحبا زوجته معه؛ ليغرف من معين علمها الصافي؛ فدرس على كبارِ علمائها كالشـيخيْن البَحْرَيْنِ: «بَدَاهُ وَلَد الْبُوصِيرِيّ» حيث درس على يديه بعض الدروس العامة لكن لم يدرس على يديه كتابا متخصصا، وكذا دَرَس على يد الشَّيخ «مُحَمَّد سَالِم عَدُّودْ» دراسة مُنتظَمةً؛ حَيْثُ درس على يديه أبوابا من ألفية ابن مالك في النّحو وغيرهِ، كما ذكر ذلك في بيان تعزيته فيهما رحمه الله، ولكنه اضطُـــرَّ للخروجِ مِنْ «شِنْقِيطَ» بسبب الـملاحقة الأمنيةِ وَالتَّضْيِيقِ عليه وعلى إخوانهِ من الطغاة١٤انظر عزاء الشيخ في: البوصيري وولد عَدُّود (ص 1254)، وكلامه عن طلبه العلم في موريتانيا؛ ضمن لقاء الحسبة في «المجموع»..

ص 46

تقول زوجته١٥وصلتُ إلى كلام زوجته من خلال ملف نصي سلمني إياه الأخ ضياء بن الشيخ مصطفى أبي اليزيد؛ حيثُ كانت تربطهم علاقة عائلية بالشيخ عطية وأسرته، فضمنتُ ما ذكرته زوجته في مواضعه من سيرة الشيخ. في لقاءٍ للأخوات المهاجرات معها: «كانت هجرتي الأولى في سنة 1993 بعد أن تزوجت -من الشيخ عطية الله-، وكان زوجي رحمه الله سبقني الى الجهاد بثلاث سنوات، وبدأت الهجرة من الجزائر إلى موريتانيا؛ حيث كان زوجي يطلب العلم هناك، وأول ما وصلت الى موريتانيا نزلت في بيت الشيخ أبي يحيى الليبي رحمه الله وكان بيتا متواضعا جدا، ولم يكن فيه مقومات الحياة؛ حتى الماء والكهرباء، وتفاجأت بهذه الحالة والمعيشة الصعبة، وبعد مدة وصبر على هذا الحال تعودت على هذا الحال، وبعدها ذهبت إلى بيت لنا وكان بسيطًا جدا؛ حتى أن سقف البيت كان بالحديد الزنكو.. وكان الجو في تلك البلد حارًّا جدا ولا يوجد كهرباء حتى نخفف من الجو الحار، وكان زوجي الشيخ عطية الله رحمه الله يدرس على الشمع، وهكذا بدأت الحياة الجديدة وبدأت أنسجم وأرضى بما اختاره الله لنا في طريق الهجرة، والحمد لله كانت الحياة بسيطة ولكن كانت جميلة وسعيدة، وخاصة أني راضية ومقتنعة بهذا الطريق».

قال الزبير: كان لهذه المرحلة العلمية التي قضاها الشيخ في موريتانيا أثرٌ كبير في الحراك العلمي داخل الحركة الجهادية فيما بعد؛ فقد نفعَ اللهُ المجاهدينَ بعلمِ الشيخ كثيرا، حتى ترقَّى في الرتب التنظيمية وصار: مفتي تنظيمِ «قاعدةِ الجهادِ» -أعزهُ اللهُ ونصرَ بهِ الدينَ- وهوَ لذلكَ أهلٌ رحمه الله.

ولم ينقطع الشيخُ عن الطلبِ بعد ذلك؛ بل كان فيه همه وهِمته؛ حتى إنه اجتمع مرةً مع رفيقهِ الشيخ: «أبي يحيى الليبيِّ» رحمه الله مدةَ ستةِ أشهرَ يراجعانِ فيها المتونَ والعلومَ، ويتذاكرانِ المسائلَ، ويتباحثانِ النوازلَ.. أعلى اللهُ نزلهما، وعوضنا عنهما خيرا.

وعلى ذكرِ طلبهِ العلمَ؛ فلا بدَّ منْ إشارةٍ إلى أنَّ خطَّ الشيخِ رحمه الله كانَ يمتازُ بالجمالِ وحسنِ السبكِ والتنسيقِ، معَ الشكلِ الأنيقِ، وقدْ حصلنا على بعضِ الرسائلِ بخطهِ رحمه الله؛ ألحقناها بآخرِ الـمجموعِ.

قال الشيخ أبو حفص الموريتاني ملخصًا سيرة الشيخ في مرحلة الطلب بموريتانيا:

«كنتُ في استقبالهم في موريتانيا ورتَّبنا لهم برنامج طلب العلم عند بعض المشايخ، وكان عدد الإخوة طلّاب العلم الشرعي لا بأس به؛ منهم إخوة تابعون للقاعدة، ومنهم إخوة آخرون أيضًا كانوا تابعين للإخوة في الجماعة المقاتلة الليبية أيضًا؛ فكانوا يطلبون العلم في ذلك الوقت، وكان من أبرزهم وأظهرهم وأنشطهم الشيخ أبو يحيى الليبي -رحمة الله عليه-.

ولما جاء الإخوة كنَّا رتَّبنا أن يكون الشيخ عطيَّة الله الليبي هو المسؤول عن الإخوة طلَّاب العلم الشرعي التابعين للقاعدة في موريتانيا، وسافرت أنا من موريتانيا إلى السودان وبقيت معه على تواصل.

وكان يوافيني بتقرير كل شهر عن سير عملية التحصيل وكيف يكون نشاط الإخوة وعملهم في طلب العلم، وكان التقرير -حقيقةً- وافيًا وشاملًا وكاملًا ومكتوبًا بلغة منظّمة جدًّا، ولفت انتباهي حقيقةً في تقاريره التي يكتبها عن المجموعة بصورةٍ عامة وعن بعض أفرادها أيضًا بصورة خاصة.

والشيخ عطيَّة الله مكث في موريتانيا -على ما أذكر- حوالي ثلاث سنوات درس فيها الفقه والنحو أساسًا؛ هذه العلوم التي درسها في هذه الفترة على ما أذكر، وكان له مشايخ متعدِّدون لعلَّهم لا يريدون أن تُذكر أسماؤهم في هذا المقام وبالتالي أعتذر عن ذكر أسمائهم.

وفي سنة 1994م قامت سلطات موريتانيا بحملة ضدَّ الإسلاميين في موريتانيا، وفي هذه الحملة أُخذ فيها -من بين من أُخذ- الإخوة الليبيون الذين كانوا يطلبون العلم في موريتانيا؛ فسافر الإخوة على إثر هذه الحملة -بعد الإفراج عنهم- إلى السودان، وكان من بين المسافرين إلى السودان أخونا الشيخ عطيّة -رحمة الله عليه-.

في ذلك الوقت كانت الجماعة الإسلامية في الجزائر والمجموعات الأخرى في أوج وذروة نشاطها وقتالها ضدّ النظام الحاكم في الجزائر في ذلك الوقت، وكان الإخوة في السودان كثيرًا ما يلحّون على الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- في تقديم ما يمكن تقديمه من المساعدة للجهاد في الجزائر.

فاختار الشيخ أسامة -رحمة الله عليه- من بين مَن اختار: الشيخ عطيّة الله الليبي ليذهب إلى الجزائر لاستطلاع الوضع ومعرفة الأحوال والجماعات والسّاحة والأفكار وما يحتاجون بالضبط، وذلك باعتبار أنَّ الشيخ عطيّة هو أحد الإخوة النوادر في كفاءته وقدرته في هذه الناحية، والأمر الآخر أن أهله -امرأته- كانت جزائرية أيضًا».