• وقفة حول الالتفات:

الالتفات معناه في اللغة معروف، وهو الانصراف بالنظر أو الوجه والبدن إلى جهة ما.. هذا هو معناه في الأصل، أو لنقل: هو معناه في أكثر الاستعمال، وإن شئت فقل: هذه هي حقيقتُهُ، والمعنى الآتي مَجازٌ، وقد يكون الالتفات بالقلب أيضا، وهو التفات القلب والعقل إلى شـيء ما من الذوات أو المعاني، سواء كان هذا الالتفات إرادةً وتعلّقًا، أو إدراكًا وتصوُّرًا.

وواضح من ذلك أن الالتفات يكون خيرا، ويكون شـرا؛ يكون محمودا ويكون مذمومًا.

وأكثر ما جاء ذكر الالتفات في كلام الله ﷻ وفي كلام رسوله ﷺ مسلَّطًا عليه النهي، أو النفي، وكذا هو في كلام العقلاء والبلغاء، وذلك أن الأصل أن يمضـي الإنسان في طريقه (حسـيًّا أو معنويًّا) في استقامة واطمئنان حتى يصل إلى مقصوده وغايته، ولا يلتفت؛ فإن الالتفات خروج عن تلك الصفات وناقضٌ لها.

ص 766

في كتاب الله تعالى.. ﴿قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥﴾ [الحجر].

وفي حديث النبي ﷺ.. الأحاديث الواردة في النهي عن الالتفات في الصلاة لفظا ومعنى وهي كثيرة جدا، منها: عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: (هو اختلاس يختلسه الشـيطان من صلاة العبد) رواه البخاري٦٠٤صحيح البخاري (751).، عن أبي ذر h قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يزال اللهُ مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت؛ فإذا صرف وجهه انصرف عنه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم٦٠٥مسند أحمد (21508) وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، سنن أبي داود (909)، سنن النسائي (1195)، صحيح ابن خزيمة (482)، المستدرك (862) وصححه هو والذهبي، وضعفه الألباني في: ضعيف الجامع (6345)، لكن أشار إلى تصحيحه في: أصل صفة الصلاة (1 / 236).، وعن أبي هريرة h قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث ونهاني عن ثلاث.. نهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفاتٍ كالتفاتِ الثعلب» رواه الإمام أحمد وغيره٦٠٦مسند أحمد (8106) وضعف إسناده الأرنؤوط، ولكن قال شاكر: إسناده صحيح، فالله أعلم.، وفي الحديث المشهور: (فقال عيسـى عليه السلام: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشـركوا به شـيئا، وإن مثل من أشـرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو وَرِقٍ، فقال هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سـيده، فأيكم يرضـى أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهَه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وآمركم بالصيام..) الحديث رواه أحمد والترمذي٦٠٧مسند أحمد (17170) وصححه الأرنؤوط، سنن الترمذي (2863) وصححه الألباني.، وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: «إذا صلى أحدكم فلا يلتفت؛ إنه يناجي ربه، إن ربَّه أمامه، وإنه يناجيه». قال -يعني عطاء-: «وبلغنا أن الرب سبحانه وتعالى يقول: يا ابن آدم إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه» ٦٠٨مصنف عبد الرزاق (3270)..

قال ابن عبد البر في «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»: «وقد جاءت في النهي عن الالتفات في الصلاة أحاديث محملها عند أهل العلم على ما وصفتُ لك، وأجمع العلماءُ على أن الالتفات في الصلاة مكروه، وقال رسول الله ﷺ: (الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشـيطان من صلاة العبد)٦٠٩لم أقف عليه مرفوعا بهذا اللفظ، وجاء في مصنف ابن أبي شـيبة (4537) هكذا موقوفا على عائشة رضي الله عنها.، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسـيرا» ٦١٠التمهيد (21 / 103). اهـ، وتفاصيل حُكم الالتفات في الصلاة يُعرف في كتب الفقه.

ص 767

فائدة عن شـرح ابن رجب لصحيح البخاري: «وقد روي عن النبي ﷺ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة: فروى سهل بن الحنظلية قال: «ثوِّب بالصلاة؛ يعني صلاة الصبح فجعل رسول الله يصلي وهو يلتفت إلى الشعب» خرجه أبو داود وقال: «كان أرسل فارسًا إلى الشعب من الليل يحرس» وخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم وصححه٦١١سنن أبي داود (916) وصححه الألباني، صحيح ابن خزيمة (486)، المستدرك (2433) وقال: صحيح على شرط الشيخين.، وهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد، ومن هذا المعنى قول عمر h: «إني لأجهز جيشـي وأنا في الصلاة»٦١٢صحيح البخاري (بعد حديث 1220، معلقا مجزومًا به). اهـ، وقال عن قول سـيدنا عمر المشار إليه: «وليس فكر عمر في تجهيز الجيوش في الصلاة من حديث النفس المذموم، بل هو من نوع الجهاد في سبيل الله فإنه كانَ عظيم الاهتمام بذلك، فكان يغلب عليه الفكرُ فيه في الصَّلاة وغيرها، ومن شدة اهتمامه بذلك غلب عليه الفكر في جيش سارية بن زنيم بأرض العراق وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر؛ فألهمه الله فناداه فأسمعه الله صوته، ففعل سارية ما أمره به عمر، فكان سببَ الفتح والنصر، وقال سفيان الثوري: «بلغني أن عمر قال: إني لأحسِبُ جزيةَ البحرين وأنا في الصلاة» ورواه وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر قاله، وهذا كله من شدة اهتمام عمر بأمر الرعية وما فيه صلاحهم فكان يغلب عليه ذلك في صلاته فتجتمع له صلاة وقيام بأمور الأمة وسـياسته لهم في حالة واحدة» قال: «وهذا كله من اجتماع العبادات وتداخلها، وليس هو من باب حديث النفس المذموم» ٦١٣فتح الباري لابن رجب (9 / 379). انتهى كلامه رحمه الله.

أحاديث أخرى: عن أبي سعيد الخدري h قال: قال رسول الله ﷺ: (أفضل الشهداء عند الله يوم القيامة الذين يلقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوهَهم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة يضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربُّك إلى قوم فلا حساب عليهم) رواه الطبراني، قال المنذري: «بإسناد حسن» اهـ. ومعنى (يتلبَّطون) هنا: يضطجعون ويتنعّمون، وروى أحمد مثله من حديث نعيم بن عمار٦١٤المعجم الأوسط (4131)، مجمع الزوائد (9513، 9514)، مسند أحمد (22476) وقال الأرنؤوط: حديث قوي، الجهاد لابن المبارك (48)، وصححه الألباني في: صحيح الجامع (1107)..

عن جابر بن عبد الله h قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) رواه الترمذي٦١٥سنن الترمذي (1959)، سنن أبي داود (4868) وحسنه الألباني..

وفي صفة نبينا خيرِ خلق الله تعالى ﷺ ما رواه البخاري في «صحيحه»: عن أبي هريرة h قال: «اتّبَعْتُ النبيَّ ﷺ، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفِتُ، فدنوت منه، فقال: (ابغني أحجارًا أستنفض بها، أو نحوه، ولا تأتني بعظم، ولا روْثٍ)، فأتيته بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قضـى أتبعه بهن»٦١٦صحيح البخاري (155)..

ص 768

وفي مسند أحمد و«الأدب المفرد» للبخاري وغيرهما وصُحِّحَ في صفته ﷺ أنه «كان إذا التفت التفتَ جميعًا» ٦١٧مسند أحمد (684) وحسنه الأرنؤوط، الأدب المفرد (1315) وحسنه الألباني.، قال الزبيدي: «أراد أنه لا يسارق النظر، وقيل: أراد لا يلوي عنقه يمنة ويسـرة إذا نظر إلى الشـيء، وإنما يفعل ذلك الطائشُ الخفيف، ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا» ٦١٨تاج العروس (5 / 78). اهـ، وأورد الشـيخ الألباني في «السلسلة الصحيحة» حديث: «كان إذا مشـى لم يلتفت» وقال: صحيح بشواهده، وذكر منها: عن ابن عباس مرفوعا به وزاد: «وإذا مشـى مشـى مجتمعًا ليس فيه كسل»، وعن عوف قال: «كان لا يضحك إلا تبسّمًا ولا يلتفِتُ إلا جميعًا» وإسناده مرسل صحيح٦١٩السلسلة الصحيحة (2086)..

وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي h: «أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟، قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ، فأشار إليه رسول الله ﷺ: أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر h يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ فصلى، فلما انصرف قال: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيقَ؟! من رابَهُ شـيءٌ في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء)٦٢٠صحيح البخاري (684)..

وفي كلام الحكماء والبلغاء أمثلة كثيرة لمعاني وتعبيرات الالتفات: فالرجل يمشـي في الطريق ويلتفت: خائفٌ أو سارق أو غريبٌ ابن سبيل، ونحو ذلك، وفي ذلك ملحظٌ أمنيٌّ للأخ المجاهد فليتنبّه له! على الأخ المجاهد حيث سارَ ألا يكثر الالتفات؛ فإن احتاج إلى النظر عن جانبه أو عن خلفه، فليتخذ لذلك حيلةً، وهذا شـيء ينبغي تعلّمه، وتختصّ به دورات الأمن، وهو مشـروح في مذكراتها، وعلى الإخوة المجاهدين أن يتداولوا ويتناقلوا فيه الخبراتِ والمعلومات، فهو من العلم النافع لأنه من آلة الجهاد والحرب فهو جانب من جوانب الإعداد، والله الموفق.

ص 769

وتقدم في الحديث: (إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفتَ فهي أمانةٌ)؛ وجهه أنه وقعت منه الإشارة إلى كراهيته أن يسمع كلامه هذا أحدٌ غير الذي يتحدث إليه؛ فكان في قوة التصريح بالائتمان.

وكان بعضُ كبراء وأشـراف العرب وغيرهم يأنفون أن يلتفت الرجل إذا مشـى في طريق، أو كلمه أحدٌ من خلفه، وهذا الأخيرُ مظهَرٌ من مظاهر الكبر والتعالي والعياذ بالله، وإن كان أصله ملاحظة معنى صحيح وهو المضـي في الأمر وعدم التراجع ومنافرة هيئة الخائف المتردد الضعيف، لكن هؤلاء المتكبرين غلوْا في هذا المعنى، ونحن أهل الإسلام نقيّده بقيد الشـرعِ، فنردّ منه ما كان لا لفائدة معتبرةٍ إلا مجرد الترفّع والتميّز، فهو كبرٌ نعوذُ بالله منه، ونقرّ منه ما كان حزمًا واستقامة أو ترهيبًا لعدوّ في موطنه، ومشـية وحركة المتكبر أو المتبختر يكرهها الله إلا في «هذا الموطن» أعني موطن لقاءِ العدو لإرهابِ العدوّ، والله أعلم.

مثال ذلك: من كره الالتفات في سـيره؛ لأن الالتفات يوهم أنه خائف وفيه ريبة وإزراء بالنفس، وانشغال عن مقصوده، وتعرّض للأذى بالنظر إلى ما يكره، ونحو ذلك، فهذا صحيح معتبر، وهذا محسِنٌ. ومن ترك الالتفات وكرهه مع وجود الداعي الشـرعيّ للالتفات، كأن يناديه إنسان ويكلمه ويدعوه إلى خير، أو يستغيث به ملهوف، ونحو ذلك فلا يلتفت بل يمضـي في طريقه، فهذا مسـيءٌ، سـيئ الخلق، وهو مظنة الكبر والتعالي؛ فإن كان عن كبر في نفسه فهو الكبر الذي هو كبيرة من الكبائر، عافانا الله وإياكم منه.

وكره العلماءُ كثرة الالتفات في الطريق وعدوه من خوارم المروءة، أو من صفاتِ الحمقى؛ في «الآداب الشـرعية» لابن مفلح: «وقال عمر بن عبد العزيز: خصلتان لا تعدمك من الأحمق -أو قال من الجاهل-: كثرةُ الالتفاتِ وسـرعةُ الجواب»٦٢١الآداب الشرعية (2 / 212).، وفيها وفي «بهجة المجالس» لابن عبد البر: «قال إبراهيم النخعي: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق»٦٢٢الآداب الشرعية (2 / 220)، بهجة المجالس (1 / 139)..

(يتبع إن شاء الله)٦٢٣كانت هذه هي الحلقة الأخيرة التي نُشـرت قبل استشهاد الشـيخ رحمه الله بمدة يسـيرة، وظاهرٌ أن الحديث لم يتمَّ شـرحه بعد، ولا ندري هل أتم الشـيخُ الشـرح ولكنه لم يُنشـر؟ أم أنه لم يُتمَّ الشـرح أصلًا؟ نسأل الله أن تكون الأولى. [الناشر]

•••

ص 770

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: انفُذ على رِسلِك

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.