جواب السؤال الأول
الذي فهمتُه من السؤال أن الإخوة يسألون عن مشروعية قبول أموال من التنظيمات الأخرى إذا عرضت عليهم ذلك وأعطتهم.
وهذا لا شك أن فيه تفصيلا؛ فهو ينبني أولا على حليّة هذه الأموال أو حرمتها في نفسها، ثم على ما يترتب على هذا الأخذ والقبول من مصلحة شرعية أو مفسدة؛ فلنفصل على هذا الأساس، وبالله التوفيق:
- إذا كان المال حلالا في نفسه؛ بمعنى أنه ليس مالًا حرامًا، فالأصل جواز قبوله ما لم يمنع مانع آخر كما سيأتي.
والمال الحلال هو ما لم نعلم أنه حرامٌ، والحرام من الأموال نوعان:
أحدهما: المحرم لذاته كالخمر والخنزير ولحم الميتة ونحوها، فهذا لا يحلّ إلا للمضطر.
والثاني: المحرم لجهة اكتسابه، وهذا فيه تفصيلٌ وخلافٌ بين أهل العلم.. فإن كان معيّنًا -أي شيئا بعينه عرفته- اكتسبه مكتسِبه بالحرام، فالصحيح عدم جواز أخذه، كالمسروق والمغصوب، ومثله المكتسب بعقد فاسدٍ كفوائد الربا، وكالأموال المجنية من تجارة الخمر والمخدرات ونحوها، فلا يجوز الأكل منها ولا قبولها.. بخلاف أثمان الخمر والخنزير من أهل الذمة فيجوز الأخذ منها، كما قال سيدنا عمر h: «ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها» وهو أثر صحيح٧٥٦ثابت عن عمر وهو مذهب الأئمة؛ قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: مجموع الفتاوى (29/ 265).، وهو أصل في هذا الباب عند الفقهاء. وإن كان غير معينٍ؛ وهي مسألة اختلاط الحلال بالحرام، ففيها أيضا اختلاف كثيرٌ وتفاصيل، والراجح ما سنذكره بعدُ. وإن كان من كافرٍ؛ فهل يختلف عما إذا كان من مسلم، لأن النبي ﷺ وأصحابه أكلوا من طعام وهدايا الكفار من اليهود وغيرهم ولم يسألوهم، وكذلك قصة سيدنا إبراهيم الخليل الآتية بعدُ، هذا أيضًا محل اختلف فيه أهل العلم، ويحتاج إلى تفصيل.
وهذا الفرع في حد ذاته يحتاج إلى تفاصيل، أعني معرفة الأموال وما يحل منها أخذه وقبوله وأكله وما لا يحل، من مسلم وكافر، في حال التعيّن وفي حال الاختلاط، والفقهاء يتكلمون في هذه المسائل في أبواب متفرقة في كتب الفقه وفي الفتاوى؛ فمن المواضع التي أدلكم عليها تراجعونها في ذلك، الآتي:
- كتاب الحلال والحرام، وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله٧٥٧إحياء علوم الدين (2/ 88 - 156).، فهو أَصَّلَ في هذه المسألة تأصيلًا لم يسبق إليه فيما أعلم، وإن كان على اختياراته في فروع هذا الباب ملاحظات وتعقبات، وبالغ في مسائل من الورع واعتبار الشبهات..!
- «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية»؛ خصوصا المجلد التاسع والعشرين٧٥٨مجموع الفتاوى (29/ 239، 241، 252، 272، 273) قال -لما سُئِل عن أصحاب الحرف المحرمة-: «إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ؛ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ. وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ. فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ. قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ». ففيه عدة فتاوى في هذه المسائل، وفيها تحرير ونفائس لا تكاد توجد عند غيره.
- «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي رحمه الله٧٥٩جامع العلوم والحكم (1/ 200) قال: «مُعَامَلَةُ مَنْ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ مُخْتَلِطٌ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ الْحَرَامَ؛ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا، أَوْ شَيْئًا لَا يُعْرَفُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ الْحَلَالَ، جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ وَالْأَكْلُ مِنْ مَالِهِ». عند شرح الحديث: (الحلال بين والحرام بين)٧٦٠صحيح البخاري (52، 2051)، صحيح مسلم (1599)..
- «الفروع» لابن مفلح الحنبلي٧٦١الفروع وتصحيح الفروع (4/ 396، 7/ 82)..
- «المجموع» للنووي عند قول صاحب «المهذب»: «ولا يجوز مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام..»٧٦٢المجموع شرح المهذب (9/ 343)..
والحاصل أننا إذا علمنا -مما تقرر في هذه المسألة: مسألة الأموال- أنّ المال المُعطى لا يحل أخذه وأكله، فهذا واضح.. فإن لم نعلم حرمته فإما أن يكون شبهةً فالمسنون فيها الاتقاء، وإما أن يترجح لنا حليّته أو يُتَيقّن فالأمر عندئذ واضح أيضا.
فإذا تبين أن المال في نفسه جائز القبول والأخذ، فبقي علينا النظر في ما يترتب على هذا القبول والأخذ، ويُتصوَّر في ذلك صورٌ كثيرة:
منها: أن يدخل على المسلم ذلةٌ في ذلك ومهانة.
ومنها: أن يدخل على المسلم في ذلك مِنّةٌ من الكافر أو الفاجر تجره إلى مودتهم ومداهنتهم ونحو ذلك.
ومنها: أن يترتب عليه تسلط من فاسقٍ أو كافرٍ -تدخل في الشؤون وإملاءات وشروط ونحو ذلك-.
ومنها: أن يترتب عليه أن يقوى الكافر أو الفاجر ويقوى ويكبر ويزداد نفوذا، يعني: تقوية الكافر أو الفاجر وإعانته.
وقد لا يكون شيءٌ من ذلك.. بل يكون للكافر والفاجر نوعُ مصلحة في العطاء، لا تؤثر كثيرا علينا ولا تضر المسلمين، وقد يكون الكافر يبذل للمسلم المال من أجل القرابة أو الوطن -بدوافع وطنية أو قومية ونحو ذلك- ولا يكون يترتب عليها شيءٌ من المفاسد المعتبرة المذكورة أعلاه.
فهذه بعض أشياء مؤثرة في المسألة.
وأما الأخذ من المسلم العدل الصالح المريد للخير؛ فهذا واضح لا نتكلم فيه وليس هو محل السؤال، بل السؤال عن الأخذ من تنظيمات متهمة في دينها: إما كافرة أو فاجرة متلبسة ببدعة أو فسوق، ومرتكبة للموبقات بل وربما للكفر -بالتأويلات الفاسدة- مع بقاء حكمنا عليها بالإسلام لحد الآن.!
ولا شك أن بعض ما مرّ أعلاه ضرر يشترك فيه الكافر والمسلم الفاجر، فلا بد أن يُعلم أن الفاجر المسلم لا يساوى بالكافر من كل وجهٍ، فمثلًا: الذلة الداخلة علينا من مسلمٍ فاجرٍ لا تساوي الذلة الداخلة علينا من كافر، وتدخل المسلم الفاجر وحصول نوع تسلط منه علينا لا يساوي تسلط الكافر علينا والعياذ بالله، فكل تلك الأشياء ينظر في مقاديرها، وبناءً عليه تحصل الموازنة بين المفاسد والمصالح، والله أعلم.
وأما حال الضرورة؛ فالضرورة لها أحكامٌ كما تعلمون، ويقدرها أهلها على مقتضى تقوى الله تعالى، ويُقتصر بها على موضعها «الضروة تقدر بقدرها».
وكذلك حال الحاجة الشديدة التي لم تصل إلى حدّ الضرورة لكنها قريبة منها، فهذه حالةٌ يُترخّص فيها في المكروهات والمشتبهات، والفرق بينها وبين الضرورة أن الضرورة تبيح المحظور الممنوع -أي المحرم-، لكن الحاجة ترفع الكراهة وحكم الاشتباه، وتجلب التيسير في الحكم؛ فترفع عن صاحبها الحرج فيما هو مكروه أو محل شبهة، كدخول بعض الذلة علينا: يمكن أن نحتمله في سبيل تحصيل مصلحة أكبر، ما دمنا محتاجين إلى أخذ المال حاجة شديدة معتبرة.! والله أعلم.
فهذا جواب تحليليّ على سبيل الإجمال، والإخوة يعرفون الأحوال فينزلون عليها ما ذكرناه..
وإلى شيء من التفصيل على حسب ما جاء في السؤال:
واضح أنكم في حاجة شديدة وضيق مالي..! كون أموال حركة الجهاد أصلها من الدعم من الدولة الرافضية (إيران) فلا يضرّ في حد ذاته، أعني أنه يجوز الأكل مما يُعطَى الإنسانُ منه وقبولُه إن شاء الله، فإنها دولة كافرة عندنا، وقبول أموال الدول والملوك الكفرة جائزٌ في ذاته، فإن منع مانع بعد ذلك فبحسبه، ودليله: حديث إبراهيم الخليل ﷺ وقبوله هدية الكافر، في قصة سارة رضي الله عنها حين حاول الملك التعرض لها فمُنع بإذن الله، ثم أعطاها مالا وأخدم وليدة (وهي هاجر رضي الله عنها) وقبل إبراهيم ذلك وانتفع به، والحديث في الصحيحين وغيرهما. ولفظه عند البخاري: عن أبي هريرة h، قال: قال النبي ﷺ: (هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء، فأرسل إليه: أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها فقال: لا تكذبي حديثي، فإني أخبرتهم أنك أختي، والله إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي، إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله)، قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة، قال: (قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل ثم قام إليها، فقامت توضأ تصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله)، قال عبد الرحمن، قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: (فقالت: اللهم إن يمت فيقال هي قتلته، فأرسل في الثانية، أو في الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إلي إلا شيطانا، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها آجر فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة)٧٦٣صحيح البخاري (2217، 2635)، صحيح مسلم (2371)..
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفي الحديث مشروعية أخوة الإسلام وإباحة المعاريض والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح؛ وسيأتي نظيره في قصة أصحاب الغار، وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة وإنه لم يصل منها إلى شيء، ذكر ذلك في «التيجان» ولفظه: (فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر وقام إلى سارة فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الصافية فصار يراهما ويسمع كلامهما)، وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة، وفيه أن الوضوء كان مشروعا للأمم قبلنا وليس مختصا بهذه الأمة ولا بالأنبياء لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور على أنها ليست بنبية»٧٦٤فتح الباري لابن حجر (6/ 394)، عمدة القاري (15/ 250).. انتهى كلامه وذكرته بطوله للفائدة، ومثله في شرح «العيني»٧٦٥صحيح البخاري (2217، 2635)، صحيح مسلم (2371). أيضًا.
فهذا أصلٌ في هذا الباب، والأدلة أكثر من ذلك؛ ومنها قبول الصحابة -بعلم النبي ﷺ بالضرورة- هبة الكافر وعطيته وجائزته، وقبول النبي ﷺ هدايا الكفار حيث لم يكن ثمت دخول ذلة عليه، ولذا قبل بعض هدايا الكفار، كما جاء في عدة أحاديث، ورفض بعضها وردها ولم يقبلها وقال: (إني نهيتُ عن زَبَدِ المشركين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي٧٦٦مسند أحمد (17482) وصححه الأرنؤوط، سنن أبي داود (3057)، سنن الترمذي (1577) وقال الألباني: حسن صحيح.، ومعنى (زبد المشركين): رفدهم وعطيتهم وهديتهم.. وغير ذلك.
فإذا أنتم لستم قادرين على تمويل أنفسكم اليوم بطريق شرعي سليم خالٍ من الموانع، فقبول أموال من تنظيمات أخرى مثل بعض الحركات الإسلامية -على ما فيها- كحماس أو حركة الجهاد الإسلامي، أو حتى من حركات قومية تشترك معكم في ضرب العدوّ اليهودي؛ من أجل الجهاد بها وضرب اليهود لعله خيرٌ من ترك الجهاد بسبب قلة المال.. بل خذوا إذا لم يكن إلا ذلك، واضربوا اليهود.. وانظروا في هذا أكثر، وأنتم أدرى بواقعكم..! وسددوا وقاربوا.
وكون الحركات تلك (الجهاد أو حماس، أو حتى فتح) تستغل تلك الأعمال وتتبناها، هو أقل ضررًا من ترك قتال اليهود، والله أعلم.
حتى إذا فتح الله عليكم وقدرتم على تمويل أنفسكم واستغنيتم عنهم، فاتركوهم واعملوا مستقلين على منهاجكم الذي هداكم الله إليه.. نسأل الله تعالى أن يفتح عليكم ويسددكم ويقويكم من ضعف، ويجعلكم من الهداة المهتدين.. آمين.