الجُندِيةُ وَأحْكَامُــهَا
[محاضرة صوتية من جزئين؛ مدتها: ثلاث وسبعون دقيقة، وهي خاصة بهذا المجموع؛ لم تُنشـر من قبل، تم تفريغها١٬٢٤٤بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى فصيحة مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله. بالتعاون مع «مؤسسة التحايا للإعلام»، ألقيت في عام 1430]
١٬٢٤٥كانت هذه المحاضرة مقتطعة في مطلعها، فاجتهدنا في وضع مقدمةٍ لها في الطبعة الأولى؛ ثم إنا حصلنا على المادة الأصلية بدون اقتطاع؛ فتم تفريغها في الطبعة الثانية والاستغناء عن النص «الاجتهادي» القديم! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
إخواني؛ هذه الجلسات أردتُ منها أن تكون دردشة بسيطة في بعض المسائل التي يحتاج إليها المجاهدون عامة، وخاصة في العمل الجماعي والتنظيمي، ورأيتُ فيها بعض النقص؛ فيحتاج إليها المسؤولون والإداريون وجميع المجاهدين؛ فندردش في بعض المسائل، وأحتاج إلى تفاعلكم ومناقشتكم وأسئلتكم المُثْرِية للموضوع.
وليس عندي برنامج مرتب للمحاضرة، ولكن في بالي بعض المسائل هي التي أردت الكلام فيها.
أولها: معنى الجندية، ومعنى كون الإنسان مجاهدًا في جماعة إسلامية جهادية:
فالذي أحب أن أقوله وأركز عليه أن كل فرد من أفراد الجماعة والطائفة المجاهدة، كل مجاهد، وكل فرد من أفراد المجاهدين والأمة المجاهدة؛ ينبغي ويجب أن يكون جنديًّا؛ من أكبر أمير لأصغر جندي، لازم يكونوا كلهم جنود؛ فيهم معنى الجندية، متحلين ومتحققين بمعنى الجندية.
والجندية: مصدر صناعي من الجندي، والجندي متصور ومعروف عندكم، وهو الشخص المقاتل والعسكري الذي يتلقى الأوامر وينفذ بكل دقية وحرفية عندما يتلقى الأوامر من قيادته، وخصائصه: السمع والطاعة والانقياد الكامل والولاء الكامل لقيادته، والاحترام لقيادتهن والاستعداد لتنفيذ الأوامر في اللحظة وكل حين؛ مستوفز ومستعد دائمًا.. هذا هو الجندي؛ فأهم خصائه أنه: سامع مطيع منقاد متواضع، ومستعد لامتثال الأوامر في كل لحظة.
فمعنى الجندية هذا من أهم المعاني التي يجب أن يتحلى بها الإنسان المجاهد، ولا نحتاج لذكر الأدلة على هذا؛ لأننا نحن المجاهدون كلنا جنود من جنود الله والإسلام والأمة وهذا الدين.. والأمر بالسمع والطاعة للأمراء هذا مفروغ منه ولا نحتاج أن ندلل عليه بأي شيء الآن؛ فعامة الصفات التي نذكرها واضحة أدلتها والأمر بها في الشريعة.
والخلل الحاصل أحيانًا: أن بعض الناس قد يكون أميرا أو مسؤولا أو كومندان ولا يكون جنديًّا؛ إما أنه لم يمر بمرحلة الجندية، أو مر بها بشكل سريع وما تربى، وما غُرست فيه معاني الجندية؛ فيحصل هنا الخلل، فينبغي أن يكون القائد جنديًّا.. وكيف يظهر هذا؟ يظهر هذا في تعامله القيادة الأعلى منه؛ سمعه وطاعته وولاءه وتواضعه وذلته واحترامه وانقياده للقيادة الأعلى منه، وحتى لو فُرض أنه لا يوجد أعلى منه في الحال أي في البشر؛ فإنَّ هذا لا بد أن يظهر عليه معنى الجندية في تواضعه لإخوانه ومرؤوسيه، وذلك في مشورته لهم وإزرائه بنفسه وهضمه لنفسه في مقابل رعيته.
وسيدنا عمر بن الخطاب h لما أراد أن يستغني عن خالد لرأي رآه ومذهب عنده، ونظر نظره بأنه ينبغي أن يُنحى خالد من الإمارة؛ فنحاه، فلما نحاه تحول خالد من هذا القائد الأعظم للجيوش الإسلامية إلى جندي عادي جدا يُقاتل في سبيل الله، وهكذا تكون الجندية.
فهذا الأمير الذي فيه معنى الجندية؛ من صفاته وخصائصه وميزاته ومما يبين لك معنى ثبوت الجندية فيه: أنه مستعد في اللحظة التي يُنحى فيها أن يكون جنديًّا خادمًا في أي مكان، فيقول: «شيلوني وحطوني خادمًا في أي مكان»، ومستعد أن أخدم طباخًا في المطبخ، أو سواق، أو زبال -حاشاكم- فأنظف المراكز وخيام الإخوة؛ ما عندي مشكلة.. فأنا سهم في كنانتكم أيها الأمير وأيها القيادة؛ فارموا بي حيث شئتم.. تقول لي: انطلق وروح الآن للبرازيل أو جنوب إفريقيا فأروح ومستعد.
فيكون الجندي مستعدًا وليس عنده مناقشة -بمعنى المناقشة المعترضة؛ لا من جهة المناقشة التي فيها إبداء الرأي والمشورة فهذا أدب مطلوب لا يُنافي الجندية-؛ فإذا طُلب منه أمر فيقول: أنا مستعد، واللي تأمرونه به فهو فوق رأسي، ولكن إن أردتم رأيي ففلان أفضل مني لهذه المهمة، أو أنا فيَّ العيب الفلاني.. فهذه مشورة لا بأس أن يُبديها الجندي، فيُبدي المشورة مع الإبداء الكامل والتحقق الباطن الصادق بالسمع والطاعة والاستعداد لامتثال الأمر.. هذا هو الجندي.
ولكن الآن واحد مجاهد نقول له: جهز حالك نمشي لعمل ما الآن! فيقول: لا أقدر الآن وعندي عذر كذا وكذا؛ فهذا ليس جنديًّا ولا يُسمى مجاهدًا في سبيل الله، بل هذا «مجاهد على كيفه وعلى مزاجه»، ولا يُعتبر مجاهدا أو جنديا حقيقيا.. ولكن تجوَّزا وتسامحا يُسمى مجاهدًا، فكلنا مجاهدون وخلاص، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله.
فالجندي والمجاهد الحقيقي هذه صفاته: السمع والطاعة والاستعداد للعمل في أي لحظة؛ فلا يبدي المعاذير والتعللات والتمارض.. الخ؛ كلا.. بل إن وُجد شيءٌ بصدق فيُبديها في وقتها مع الاستعداد أيضًا للسمع والطاعة، وإنما يُبديها من باب تكميل الرأي والمشورة على قيادته؛ فيُبديها صادقًا مريدًا للخير، ويعرض الآن في ساحاتنا الجهادية أن يأتي الأمير لأحدهم فيطلب منه التحول إلى جبهة معينة؛ فيرفض الجندي ذلك في بعض الحالات، أو لا يرفض رفضًا صريحا ولكن يُبدي الأعذار والتعللات التي تجعله في قوة الرافض؛ فحينئذ تكون الإمارة والقيادة عاجزة وليس عندها جنود مطيعين، وحينها لا نكون أمام جماعة حقيقية ولا جهاد حقيقي ولا يكون نصر بالتالي.
فمعنى الجندية هذا من أهم المعاني التي ينبغي أن نتحلى ونتحقق بها جميعًا في ساحات الجهاد؛ لا يستكبر أي أحد مهما علا قدره أميرا كان أو دونه عن ذلك؛ فبعض الناس يكون أميرًا فإن جئت يومًا ما تعزلَه وتضعه في مكانٍ ما فيبدأ هنا بالتعلل لأنه ركبت فيه نفسية الأمير ويريد من الناس أن يخدمونه أين ذهب؛ فالمفروض أن الأمير متى حُوِّل لجندي تحول.. ثم إن احترمه الناس لذاته أو فضيلته أو علمه أو سابقته أو أدبه أو فضل أو عبادة أو تدين أو لكمال فيه.. فهذا الاحترام بين الناس مطلوب، لكنه لم يعد أميرًا، وينبغي أن يتحول لجندي من اللحظة التي يُلزم فيها بالجندية ويقول: أنا الآن جندي وأسمع وأطيع لإمارتي ولو أُمر عليَّ عبدٌ حبشي ولو كان أصغر واحد هو الذي أُمر علي.
ومن معاني الجندية: أنَّ الإنسان المجاهد والمأمور يسلم لقيادته وأمرائه في موارد الاجتهاد، ولا يُكثر الجدل والمشاغبة والاقتراحات.. فالاقتراحات لها حد ووقت معقول؛ فإذا عزم الأمير فما عاد في اقتراحات، والمشورة لها وقت كذلك فإذا توكل الناس على الله وعزموا الأمر فلا وقت للاقتراحات أصلًا ولا تقل رأيك لأن دوره سيكون حينها سلبيا ويفت في عضد الجماعة والقيادة ويُضعفها، ولا يبقى حينها إلا التوكل على الله والمَضاء.. أما قبلها في وقت المشاورة: هل نتحرك الليلة للضفة الأخرى أم لا؟ وهل نمشي الليلة أم غدًا؟ فكل واحد يُبدي رأيه وتكون عند الأمير عشرة آراء مثلا؛ فهنا يحق لأي أحد أن يُبدي رأيَه، وهنا بعد أن تشاورنا يخرج الأمير ويأخذ رأيًا كأن يقول: توكلنا على الله فنتحرك الآن.. فلا يحق للجندي هنا أن يقوم ويقول: كيف نمشي وفي رأي آخر، وأنا قلت لكم، وعند أو تعثر يذكرهم برأيه.. فهذه كلها تصير مشاغبات وفت في عضد الجماعة وإفساد؛ فالرأي له وقته ومحله وينتهي بعدها.. فهذا هو محل الرأي والاقتراحات.
فالجندي المأمور من خصائصه أنه يُسلم لقيادته إذا عزمت وأخذت القرار، ومعظم القيادات المتولين -أي ولاية كانت؛ مالية أو إدارية- عامة قراراتهم وتصرفاتهم اجتهادية مبناها على النظر، ويستطيع أن يخالفَه فيها أي أحد، وبالتالي فلا بُد أن يُعطى حريته واحترامه أن يجتهد ويفعل الخير؛ ما دام الفرضُ -أي المفترض في الأمير- أنه مؤتمن على هذا الأمر؛ صالحٌ له قوي أمين عليه، فالمفترض عندنا والظن والأصل في الأمير الموضوع لنا أنه أهل أمينٌ مجتهدٌ في إرادة الخير وإصابته والبحث عنه وفعله والتحلي به.. فلو افترضنا أنَّ هذا الأمير «مش كويس» فهنا مصيبة؛ فالخلل هنا سابق في اختياره وتنصيبه.. أي الخلل هنا في ذاته هو وفي ذواتنا نحن الذين عيناه.
لكن الكلام هنا على قاعدة أن أمير يُوضع فالأصل أنه يُختار لأهليته، أو على الأقل لأنه الأصلح؛ فقاعدة الولاية هي: اختيار الأهل «القوي الأمين»، فإن لم يمكن فأصلح الموجود -أصح ما في الباب- ولا يعني هذا أنه صالح مئة في المئة؛ بل لو وُجد عشرة فهو أصلحهم والأقدر على ضبطهم، وقد يكون هو مسكينًا في ذاته وغير أهل في الحقيقة، ولكنه أصلح واحد في العشرة؛ فهذه قاعدة الولايات، قال الله تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذه أمانات، بل إن الولايات من أهم الأمانات كما قال العلماء؛ فالله أمر أن تؤدى وتُعطى لأهلها، والأصل فيها الأهلية، وقوامها على القوة والأمانة؛ فالقوة: الدين والتقوى والورع، والقوة: في كل شيء بحسبه؛ فإن كان أمرًا اقتصاديا يجب أن يفهم الحساب والاقتصاد والتدبير المالي وأن يكون حفيظًا على المال عارفا بطرق المكاسب ومجربا فيها وخبير فيها وذكي بها، وإن كان عسكريا فيجب أن يكون شجاعا أولا وصفاته النفسية عسكرية وعنده تدبير وشغف بالعسكرية ورغبة فيها وتقدم إليها وجسمه كويس وصحيح، فلا يصلح لها رجل مريض أو أعرج أعمى وكل يوم مريض في السرير؛ فهذا لا يصلح لقيادة العسكريين، ولا يصلح وضع رجل جبان معروف بالجبن، أو رجل لا خاض الحروب ولا خاض غمارها؛ فكل ولاية تكون القوة بحسبها، فتلك مقومات العسكرية والمال.. وعليها يُقاس غيرها؛ إن وضعنا ولاية على الصحة أو التعليم أو الأيتام والأرامل أو أي ولاية.. فالأصل اختيار القوي في هذه الولاية، وأمينٌ صاحب تدين فالأمانة مردها للتقوى.
فتُعطى الولاية لأهلها؛ فإن كان المتأهلون أكثر من واحدٍ فأصلح المتأهلينَ لها يُوضع فيها؛ لأن من ولى على الناس رجلا وهو يعلم أن فيهم خيرًا منه فقد خان الله ورسولَه.. لكن إن عُدم المتأهل كأن نكون عشرة وليس بيننا أهل لهذه المسؤولية وكلنا ضعفاء لا نقدر عليها، ولكننا مضطرون لوضع واحد؛ فنضع الأصلح لها.. فهذه قاعدة الولايات: إن لم يوجد الأهل فيُوضع الأصلح فالأصلح.
فعلى هذه القاعدة؛ لو تشاورت القيادة ووضعوا مسؤولا على الورشة وكان تحته ناس هو مسؤول عليهم يأمرهم وينهاهم وتحته أموال ومصاريف وممتلكات، ومسؤوليات متعددة معنوية ومادية هو مؤتمن عليها؛ فالأصل أنه يُختار الأهل وإلا فالأصلح المفترض أنه أمين ويفعل الخير.. فهنا ينبغي للجنود المرؤوسين الرعية أن يطيعوه؛ فمتى وُضع مسؤول على العمل في أفغانستان فعلى المأمورين أن يُطيعوه، فإن دخلت سرية أو كتيبة للعمل في ولاية ما بأفغانستان؛ فعلى الجنود تحته أن يطيعوه ويسلموا له في موارد الاجتهاد ويُطاع، ولهم أن يشيروا عليه ويقترحوا في الوقت المناسب بالمعروف ويعاونونه ويُذكرونه إذا نسي ويعينونه في كل شيء؛ في العمل والعلم والأفكار وغيرها، ولكن إذا أصدر أي أمر فيجب أن يُطاع.
والذي يحصل أحيانا أن يعض الناس يُكثر الاعتراض على الأمراء: هذا فعل كذا وكذا، والأحسن أن لا يفعل كذا وأنا قلت لهم.. فهذه الاعتراضات منافية لمعنى الجندية، والنبي ﷺ نهى عنها وحذر منها وأوصى بتركها وغضب من بعض أمثلة هذه الأمور حين وقعت؛ ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته المشهورة مع خالد بن الوليد عبرة، وفيها نص على هذا المعنى الذي نقوله.
وعوف بن مالك h وهو صحابي جليل وأقدم مِن خالد في الصُّحبة، وخالد أسلم في مدة الهدنة بين قريش والنبي ﷺ هو وعمرو بن العاص وعبد الله بن أمية وجماعة كثيرة من الصحابة، ثم ولاه النبي ﷺ قيادة السرايا والجيوش في وقتٍ مبكر وهذا فيه من الفقه: تولية الأهل والأصلح، وفيه تغليب لجانب القوة على جانب الأمانة؛ لأنه قد يحصل الترجيح والتزاحم بين جانب القوة والأمانة؛ فأيهما يقدم: الأكثر قوة أم الأكثر أمانة فهذا بحسبه-.. فخالد ولاه النبي ﷺ في وقت مبكر وبدأ يقود الجيوش وبرزت قيادته في مؤتة وبعدها عقد له النبي ﷺ ألوية في سرايا عدة.
والقصة أن خالد بن الوليد في أحد السرايا أو الغزوات التي كان قائدًا عليها في زمن النبي ﷺ جاء رجل مَدَدِي من أهل اليمن فقتل رجلا من الكفار فكان يُفترض على الأصل أنه يأخذ سلبَه، فمنع خالد بن الوليد الرجلَ اليمني سلبَ ذلك القتيل، فقال له عوف بن مالك: أعطِه سلبه، فناقشه عوف بن مالك الصحابي؛ فرفض خالد ذلك ولم يعطه سلبه، فقال له عوف: إن رجعنا نبلغ النبي ﷺ -وتزاعلوا مع بعض- فلما رجعوا أخبر عوف بن مالك النبي ﷺ القصة، فقال النبي ﷺ لخالد بن الوليد: (أعطه سلبَه) أي لهذا الرجل المَددي اليمني الحِميري، وسأله قبلها: لِمَ لَم تُعطه سلبه؟ فقال: استكثرته يا رسول الله! أي رأيته كثيرا فمنعته إياه؛ لأن من شأن السلب -عند عامة الفقهاء- أنَّه ما كان مِن معتاد لباس الرجل وسلاحه ومحموله، وأما لو كان ثمينا وغاليا جدا جدا فغما أنه يخمس عند بعض الفقهاء أو يأخذ منه المقدار المعتاد أو نحو هذا.. فقال له النبي ﷺ مع ذلك: (أعطه سلبَه) يعني حتى لو كان كثيرًا فأعطه، فذهب خالد ليعطيَه؛ فمرَّ به عوفُ بن مالك فغمزَه -يعني بكتفه-، وقال له: «ألم أنجز لك ما وعدتك من رسول الله ﷺ» يعني: ألم أقل لك سأريك؟!
فسمعه النبي ﷺ ورآه غمزه وهكذا.. فغضب النبي ﷺ وقال: (دعوا لي أمرائي.. دعوا لي أمرائي)، وقال في لفظ آخر: (هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ هل أنتم تاركون لي أمرائي؟) مرتين أو ثلاثا، وغضب النبي ﷺ من تصرف عوف مع خالد بن الوليد، وقال أيضًا: (لا تعطه يا خالد.. لا تعطه يا خالد) يعني غير الأمراء، ثم قال بعدها: (هل أنتم تاركون لي أمرائي؟)١٬٢٤٦صحيح مسلم (1753) ولفظه: عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد: (ما منعك أن تعطيه سلبه؟) قال: استكثرته يا رسول الله، قال: (ادفعه إليه) فمر خالد بعوف؛ فجرَّ بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب فقال: (لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلا أو غنما فرعاها، ثم تحين سقيها فأوردها حوضا، فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم). وفي رواية أخرى عند مسلم، قال عوف: «خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن..» وذكره..
ففيه دليل على أن الأمير ينبغي أن يُترك له المجال ليجتهدَ ويفعلَ الخير؛ لأنه مأمور ومؤتمن وموضوع كأهل فلا يُشاغب عليه ويُكثر عليه من الاعتراضات والاجتهادات؛ لأنها كلها اجتهادات، ولو وُضعت أنتَ نفسك في مكانه فستجتهد، وسيُعترض عليك بمثل ما اعتُرض على هذا من قبل؛ فلست أولى منه بالنقاء والصفاء والطهارة.
وبالتالي؛ فلو تصور المرء هذا -أي تصورت نفسك في مكانه- يسهل عليه الأمر؛ فهو مسكين يتصرف بالخير ويجتهد، وحتى أنا لو وضعوني في مكانه ممكن أخطئ نفس الأخطاء وممكن تُتنقد علي نفس الانتقادات أو أكثر منها، وسوف أتصرف بالاجتهاد.. فسأخطئ قليلًا وأصيب قليلا.. وهكذا.
فإذًا؛ أمر النبي ﷺ بترك الأمراء واجتهاداتهم والتسليم لهم وعدم الاعتراض عليهم أو المشاغبة عليهم أو الغمز والطعن فيهم، وغضب من عوف بن مالك؛ حتى إنه عقوبة لعوف بن مالك ضاعت على هذا الحميري المَدي المسكين بسبب تصرف عوفٍ هذا؛ فراح فيها المسكين وغضب النبي ﷺ، وهذا فيها فقه ودلالات؛ فهنا غلب النبي ﷺ أمورًا أخرى منها: مضاء الأمر، وتربية الأمة، وأمورًا أخرى؛ حتى وإن ضاع في أثنائها على هذا المسكين حقه، لكن خلاص.. للقيادة أن تتصرف؛ فإذا غضب الأمير واتخذ قرارًا فسيمشي، فليس كل قرار في الغضب مردود ولا ينفد؛ بل ما يكون المقصود به هنا التربية فغنه يمشي، فالنبي ﷺ فعل هذا نكالا بعوف بن مالك وتربية له وتربية للأمة مرائه؛ لأن التنكيل والعقوبة من أدوات التربية.
وتعرفون قصة النبي ﷺ في غزوة الطائف؛ لمَّا حاصر ثقيفًا في حصن الطائف أسبوعين ورماهم بالمنجنيق، ولكن ما كان في فائدة من الحصار وما فتحوها، فقال لهم: خلاص نروح ونرجع! فجاء الشباب وقالوا: كيف نرجع ولم نفتحها بعدُ ووو.. فقال لهم: استمروا خلاص، فأبقاهم يومين أو ثلاثة.. ثم جاؤوا إلى النبي ﷺ بعد أن أصابتهم الجراح، فقالوا: نرجع يا سول الله١٬٢٤٧صحيح مسلم (1778) ولفظه: عن عبد الله بن عمرو قال: «حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف؛ فلم ينل منهم شيئا، فقال: إنا قافلون إن شاء الله. قال أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟ فقال لهم رسول الله ﷺ: اغدوا على القتال. فغدوا عليه، فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله ﷺ: إنا قافلون غدا. قال: فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله ﷺ».! فأبقاهم «كالمنكل بهم»١٬٢٤٨في قصة الطائف لم يأتِ هذا اللفظ؛ بل جاء في حديث وصال الصوم، عند البخاري (6858)، ويصلح الاستدلال به هنا، وقد فعل هذا ابن بطال في شرحه على البخاري (7/81)؛ حيثُ استدل بالحديثِ على أنه ﷺ ربما قال الشيء أو فعله، وليس بالأفضل عنده، لما يريد من تنكيل الناس وعقوبتهم. هكذا جاء في الحديث؛ فهذا نوع من العقوبة حتى يتعلموا.
وهذه أحيانا من تصرفات القيادة: أنها تربي الناس بنوع من العقوبات، حتى إذا أصابهم شيء من الجراحات وسهام ثقيف حيث كانوا رماة فكثرت فيهم الجراحات؛ فتبسم النبي ﷺ وأرجعهم، وحصل مثل هذا في مواضع أخرى.
فالشاهد ومدار الكلام هنا أن النبي ﷺ أمر أن يُترك للأمير المجال حتى يستطيع أن يعملَ؛ لأنك لو حاصرتَ الأمير وكل شوي تنكر علهي ولم كذا ونحن نرى كذا، وكلما تصرف بأمر أو أخذ قرار يُعترض عليه ويوضع تحت المجهر ويُنظر فيه؛ فلا يستطيع الأمير العمل في ظل هذا الجو، وحتى القيادة الأعلى عليها أن تترك للأمراء الأصغر منها المجال ليعملوا، ولا تحاسب على كل شيء.. نعم تتدخل وتعلم وتربي.. الخ، ولكن هذا لا يتنافى مع المقصد الآخر.
فهما مقصدان وخطان: يترك لهم المجال ليجتهدوا ولا يحاسبهم على أخطائهم الاجتهادية؛ فالاجتهاد اجتهاد، وحتى لو كنتَ أنت في مكانهم فربما اجتهدت كاجتهادهم ويطلع معك في النهاية خطأ١٬٢٤٩هنا ينتهي الشريط الأول من محاضرة «الجندية» وهو الذي لم يُفرغ في الطبعة الأولى من المجموع، وما بعده نُشر فيها.، وهذا أمر يربي فيه الكبير دائمًا الصغير، والعالم يربي الذي تحته وهكذا، ولكنَّ المجال يجب أن يُترك للأمراء من قبل الأمراء الذين هم أكبر منهم ومن قبل رعيتهم ومن قبل الجنود، وذلك ليتركوا لأمرائهم المجال ولا يعترضوا عليهم؛ حتى لو عندك رأي فاسكت.. اللهم إلا إن ترجح لديك وظهر عندك ظهورًا جيدًا أن هذا خطأ؛ فتأتي تبلغ وتقول الرأي وتقترح وتعطي المشورة -في وقت المشورة كما قلنا، أما بعدها فلا-.
واحذر بعد انتهاء الأمر أن تقول: أنا قلت؛ لا تقلها أبدًا.. كأنك أنت الفالح الشاطر المعصوم، وهم المفرطون الذين لم يأخذوا بقولك؛ لأن هذه الكلمة مزلة خطيرة جدًا لنفسك ولقلبك؛ فقد تؤدي بك إلى العجب وإلى أمراض قلبية خطيرة جدًا، والعجب هو رؤية النفس والإعجاب بها وظن أنها أفضل من الغير وهكذا والظن بأن لها حقوقًا وأن لها مرتبة لم يوفها الخلق حقها؛ فانتبه لهذا، واهضم نفسك وأزرِ بنفسك وتواضع وقل أنا عندي رأي؛ إن أخذتم به فجيد، وأما إن لم تأخذوا به فهذا اجتهادكم وكان من الممكن أن يكون خطأ أو صواب وقدر الله وما شاء فعل؛ لكن لا يدعي الإنسان ويقول: أنا قلت وأنا قلت؛ فهذه انتبهوا لها، وهذه من الأخطاء التي أحيانًا يقع فيها بعض الناس، وهي مفسدة لنفسه ومفسدة أيضًا للاجتماع ومفسدة للعلاقة بين الناس وأمرائهم.
[أحد الحضور: يا شيخ كيف لو تعددت جهات اتخاذ القرار؟ فأحيانًا تجد يأتيك أمير مباشر يقول: افعل كذا، ثم يذهب، ويأتي الأمير العام يقول: لِم فعلتَ كذا بل افعل كذا، ويرجع الأمير المباشر يقول: أما قلت لك أن تفعل كذا وكذا، فيقول له الأمير العام قال لي ذلك، فيقول له لا، لا تفعل وأنا سأكلمه بعد ذلك.. وكل واحد يتضايق منه وهو لا يدري أين يذهب ومن يسمع].
الشيخ: هذه حالات قليلة وليست كثيرة؛ فهنا يقدم رأي الأمير الكبير.. الجيوش عندهم الأمر الأخير هو الذي يُنفذ، هم حاسمينها هكذا.. الجيوش الحديثة في الدول يفعلون ذلك والذي أخذ العسكرية في الجيش يعرف ذلك فالتنفيذ للأمر الأخير عندهم. لكن نحن لا نسلم بهذا الحسم مئة في المئة.
إذا جاء الأمير الكبير المُطاع عليك أن تأخذ بكلامه، إذا جاء بعده مثلًا الأمير الثاني وقال لك افعل كما قلت لك أنا وأنا سأحل مشكلتي مع الأمير الكبير، لا بأس أن تأخذ بقوله.. والظاهر والله أعلم أن عليك طاعته، وهذه حالات قليلة.
أو الأمير الآخر الصغير عندما يعلم أن الأمير الكبير أمر بهذا الشيء من المفترض أن يسلم أصلًا، إلا إذا عرف أنه خطأ؛ فحينئذ له ذلك وهو بعدها يراجع الأمير الكبير وهكذا.
[أحد الحضور: ذكرتم أنه لا بد للمأمور أن يسمع ويطيع لأميره في المسائل الاجتهادية، لكن ماذا لو كان هذا المأمور لا يرى في نفسه ليست أن هذه المسألة اجتهادية، بينما يراها الأمير اجتهادية.. هب أن جماعةً جهادية قرر قادتها إيقاف القتال، وهذا المأمور يرى إمكانية الاستمرار في القتال حتى لو قليلا مثلا، أو يقولون له ما عندنا أموال فيأتي المأمور يريد حلها، والأمير يقول مثلا هناك مشكلة وهنا مشكلة؛ فهو كما يرى هذا المأمور أن حل كل المشكلات من أموال وأفراد أو خبرة عسكرية، أو أي شيء مثلا تحتاجه هذه العملية.. فهناك مأمور يقول: لا ما بقي مجال للأمير أن يقول هذه المسألة مسألة اجتهادية، فهذا المأمور لا يراها مسألة اجتهادية، بل ويرى الأمير عاصيًا لله عز وجل وتاركًا للواجب؛ فماذا نفعل الآن؟]
الشيخ: إذا كان الجندي يرى فعله من الدين، ويرى أميره عاصٍ لله ومفرط في أمره ﷻ، وأنه يأمر بالمنكر.. فلا يُطاع؛ لكن هذا الجندي على خطر، فيجب أن يكون متثبتًا جدًا وفي غاية التثبت؛ لا بد أن يعرف في هذه المسألة أن الأمير قد عصى فيها بالفعل وخالف فيها الشريعة، أي ليس بمجرد ظنه فقط.
وعلى كل حال؛ عموم المسائل يُعرف أنها مسائل منصوص عليها في الشـريعة أو مجمع عليها أو هي مسائل قابلة للاجتهاد؛ عموم المسائل معروفة، ولا يحتاج الإنسان أن يدقق كثيرًا، لكن إذا تبين أن الأمير يأمر بالمعصية فلا يُطاع، الشريعة قالت هذا: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)١٬٢٥٠مسند أحمد (1095) بلفظ (.. في معصية الله) وصحح إسناده الأرنؤوط، ولفظ المصنف ورد في: مصنف ابن أبي شيبة (33717) وصححه الألباني في: تحقيق مشكاة المصابيح (3696)..
إذا تبين لك أنها معصية فلا تطعه في المعصية، لكن لا بد أن تعرف أنها معصية بالفعل، وهذا يحتاج إلى تثبت، وفي المواضع التي يحصل فيها ادعاءات تحتاج إلى تثبت شديد جدًا ولا تتخذ فيها قرارًا سريعًا، وبإمكانك في هذه الحالة مثلًا أن ترجع إلى أهل العلم بجانبك وأهل العقل والنظر والقيادات وتسألهم، تقول لهم هل هذا مثلًا مما يُطاع فيه الأمير، الأمير أمرنا بكذا فكيف ترون؟ هل هذا مما يُطاع فيه أو هو مخالف للشريعة مخالفة واضحة.. فستجد الجواب وتُحسم المسائل.
لكن الذي يحصل عند بعض الشباب أنهم يتسرعون، ويظنُّ أن الأمير عاص وكذا وسنخرج عليه؛ فهذا من الجهل ومن الطيش ومن الفساد الذي يحصل بسبب عوامل كثيرة جدًا؛ منها الجهل وأحيانًا يكون متسـرعًا وطائشًا وقليل الأدب وقليل المعرفة بنفسه وقليل المعرفة بالناس وأقدارهم وممكن يكون أصلًا مُصابًا بأمراض أخرى، يعني حب ظهور ونحو هذه الآفات الباطنية التي لا يعلمها إلا الله عز وجل.
فالإنسان هنا في موضع خطر فعليه أن يتثبت، أما عامة المسائل فلن تختلفوا فيها؛ نهجم اليوم أو لا نهجم؟ هذا المعسكر نقتحمه أم نكتفي برماية الصواريخ فقط والاقتحام غير مناسب وسيُقتل أخوة كثيرون مثلًا فهذا اجتهاد، وكل الناس تعرف أنها مسائل اجتهاد.
مجموعات نبعثها إلى أفغانستان أم الأفضل نضعها هنا في منطقتنا هذه؛ فكل هذه مسائل اجتهادية، توقف العمليات الآن مثلًا للتهدئة، أو نستمر بدون توقيف.. كل هذه مسائل اجتهاد وتدبر ونظر؛ فلا يوجد نص ولا إجماع ولا هي مسائل منصوص عليها في الدين.
فهذه هي عامة المسائل، أما أن تأتِ في مسألة مثلًا تقول لي أن الجماعة مثلًا قررت وقف العمل العسكري -وقفه بالكامل- ندرس هذا لتُطاع فيه أم لا، أم نترك هذه الجماعة أو نخرج عليها أو نكون جماعة أخرى أو شيء ندرس هذا حينئذ ونتثبت ولا نتسرع ولا نتعجل.. إذا مشيت على هذا القانون إن شاء الله أنت ناجح وما تخاف، لكن الخوف من الطائشين الذين تعرف أمكنتهم، الطائشون هؤلاء الذين أول ما تبدر لهم بادرة يعملون بها، وهؤلاء هم الخطر العظيم.. يقول: هذه ليست من الشـريعة وهذا مخالف للشريعة وهذا كذا وكذا.. فنقول له: من قال لك هذا؛ تعال نسأل أهل العلم، وإذا ثبت أن الجماعة بالفعل خالفت الشريعة؛ فحينئذ نخرج عليها باطمئنان.
[أحد الحضور: في باب السمع والطاعة؛ إذا طلب من الأخ أو من الجندي عمل ويقينه يغلب على شكه بأنه سيحدث ضررًا إذا اتبع هذا الأمر، يعني مثلا: في خراسان عندنا تعلم ألغام، فجاء الأمير وقال للجندي: اذهب للجماعة التركستانية وعلمهم فك وزرع الألغام، وهو يعرف أنه لا يستطيع أن يتخاطب معهم بالصفة الكافية والمترجم أيضًا لا يكفي، فممكن أن يخطئ في ترجمة اللغة العسكرية؛ فهل يتعين عليه طاعة أميره مع أن يقينه يغلب على شكه أنه سيحدث ضررًا على الإخوة في هذه الحالة؟ يعني هو يعطيهم المعلومة الكافية لكن قد لا يستطيعوا استيعابها، ممكن يفكونها خطأ أو ينفجر فيهم شيءٍ].
الشيخ: إذا كان هناك فرصة؛ فعليه أن يراجع الأمير في هذا ويناقشه في هذا الأمر حتى يتبين وجه الصواب، فإذا أصر الأمير بعد ذلك مرجحًا أنه لا يوجد خطأ ولا شيء وأن الصلاح غالب، فعليه أن يطيع في هذه الحالة.. الظاهر أن عليه أن يطيع؛ فهذه أشياء محتملة فقط وأخطار متوقعة، عليه أن يطيع ويعمل بما يمكن من وسائل تحقيق المصلحة وتعليم الناس وتفادي حدوث انفجار لهم أو شيء، والله أعلم.
فما دام الذي عنده مجرد شكوك وترجيحات فعليه أن يطيع، لكن في حالة اليقين أنه أمر بشيء هو فاسد، وأن الأمير مجتهد ولكنه مخطئ يقينا؛ فهذه الحالات التي يُمكن أن يُقال فيها لا تطيعه.
ويجوز للرجل أن يعمل بما يُسمى بـ«التظلم»، وهو أن يترك الأمير المباشر ويرفع الأمر إلى من فوقَه؛ فمثلا: إذا كلم الأمير المباشر -الصغير يعني- في أمر يراه خيرًا وصلاحًا أو نصيحة أو خطة عرضها عليه أو فكرة إبداعية ومفيدة وجيدة عرضها عليه، ووجده لم يُلقِ لها بالًا أو ليس عنده اهتمام بها أو وجده كسولًا؛ فلا بأس أن ينتقل إلى الأمير الأكبر.
فالتظلم هو الشكوى من الأمير الصغير إلى الأمير الأكبر، وهو جائز مباحٌ.
[أحد الحضور: هنا مسألة يتكلم عليها بعض الشباب، وهي أنهم يقولون: يقول نحن بايعنا الأمير على السمع والطاعة في أمور الجهاد، لكن هو يقول مثلا: أنت اترك هذا العمل العسكري وامشِ للدعوة مثلا، أو هو يدعو الناس إلى التوحيد فيقول له: اترك الدعوة وامشِ إلى هذا العمل العسكري؛ فيقول لأميره: أنا بايعتك على السمع والطاعة في أمور الجهاد وليس في كل الأمور، أنت لست في مكان الإمام الأعظم والخليفة حتى نسمع ونطيع في كل ما تقول إلا المعاصي؛ فماذا تقول في هذه المسألة يا شيخنا؟]
الشيخ: الظاهر أنه يُطاع الأمير في هذا، فلو أمر أحدًا من المجاهدين أن يتفرغ للدعوة أو يتفرغ لطلب العلم فإنه يُطاع في هذا؛ لأن هذا مما يدخل في الجهاد.. هو أمير حرب وأمير جهاد كما يقول ولكن سلطانه وولايته أعم من مجرد أمير سرية مثلًا، هو تحت الأمير الأعظم؛ لأنه مع غياب الأمراء الكبار ومع غياب الإمامة العظمى صار لهذه الجماعات ما يشبه «السلطنة»، هذه الجماعات صار لها سلطانٌ، وأخذت بعض صلاحيات «الإمامة العظمى»؛ فمثلًا نحن الآن في تنظيم أو في جماعة أو كذا، لو أمرت القيادة شخصًا مثلًا للتفرغ لطلب العلم أو اختارت ثلاثة أو أربعة للسفر لطلب العلم في إفريقيا في مالي هناك أو في نيجيريا عليهم أن يسمعوا ويطيعوا.. لأن هذا جزء من الجهاد ومن العمل الجهادي؛ فهذه الجماعة ليست إمارة حرب فقط وليست هي كأمير سرية تحت الإمام الأعظم، فليس الإمام الأعظم موجودًا، ولا تطيع أمير الحرب إلا في أمر الحرب فقط وليس له علاقة أن يرسلك في مكان آخر غير المهمة التي أنت ماضٍ فيها.. لا، هي الآن أشبه بالسلطان، الجماعة صارت أشبه بالسلطان وولايتها ولاية فيها نوع من العموم؛ هذا الذي نراه والله أعلم.. فيُطاع في هذا، لأنه لا تستقيم الأمور إلا بهذا.
لأنه كما تعرفون أمور الجهاد تقوم بها جماعات وكل جماعة كبيرة أو لها قدرة أو نفوذ ولها سلطنة في ناحية من الأرض لها أن تطبق الأحكام إذا أمنت نفسها.. إذا أمنت وقوع مفسدة أكبر فلها أن تطبق الأحكام وأن تعقد العقود والأنكحة وغيرها، ومنوط بها كثير من الأحكام التي ترجع إلى السلطان.
الفقهاء في كثير من أبواب الفقه يقولون مثلًا: هذا يرجع إلى السلطان، مثلًا في الأنكحة والطلاق وأنواع العقود وأمور كثيرة أخرى ترجع إلى السلطان.. امرأة ما عندها ولي مثلًا من الرجال فوليها السلطان، وما عندنا سلطان نحن الآن، أقرب سلطان هي هذه الجماعات التي هي «شبه ممكنة»: «طالبان» مثلًا في أفغانستان، «القاعدة» مثلًا في نواحٍ من الأرض وهكذا، الجماعات الكبيرة المؤتمنة الموثوقة التي صارت لها ثقة في الأمة.. لا تذهب إلى جماعة صغيرة غير معروفة وتعملها إمارة، هذا لعب.. الجماعات التي أعطتها الأمة أمانة وأعطتها ثقة وصار لها نوع من السلطان، سلطانها ليس كاملًا؛ فليست هي دولة ممكنة في الأرض وطيرانها يجول في السماء، ولكن عندها نوع من السلطنة تُناط بها الأحكام.. الوصايا على الأيتام وعلى أموالهم يُرجع فيها إلى السلطان، وكثير من العقود وكثير من المشاكل والأمور يحلها السلطان.. تنفيذ الأحكام مثلًا، الأقضية وغيرها تُناط بالسلطان.
فالسلطان اليوم معدوم، السلطان الأعظم وما يتفرع عنه من نوابه ونحوهم معدوم؛ فصارت هذه الجماعات عند شغور الزمان عن الإمام الأعظم وعن السلطان صارت بمنزلة السلطان ولها نوع من العموم.. هذه الجماعات التي نعيش فيها طاعاتها ليست في الحرب فقط لأنك لست ضمن سرية مثلًا أو عملية ثم انتهى الأمر؛ فتذهب لبيتك تجلس تحت ظل السلطان الأعظم أنت وهذه السـرية، لا، لا توجد سرية أصلًا.. سريتك هي سلطانك، جماعتك هذه هي سلطانك.
فالجماعات هذه الآن صار لها نوع من الأمانة ونوع من السلطنة، وذلك في حدود معينة وفي حدود ما تقدر عليه وما ينتظم به الصلاح، وهذه مسائل يحددها الفقيه الموجود وينظر فيها.. تحديدها بدقة بالكمبيوتر صعب، ولكن لا شك أن لها نوعًا من العموم في سلطانها، وأن طاعتها إذا بايعتها وانضويت تحتها فطاعتها أعم من مجرد أن تطيعها فقط في عملية عسكرية، ويُقال: أمير حرب فقط؛ لا.. هو ليس أمير حرب فقط بل هو أعم من ذلك.
فيه شبه من السلطان الأعظم ولكن لا يأخذ كل أحكام السلطان الأعظم، لا يأخذ كل أحكام الإمامة العظمى، ولا هو أيضًا بمنزلة أمير الحرب الذي هو أمير سرية في «الدولة الإسلامية» تحت السلطان الأعظم أرسلوه في عملية هو ومجموعته، لا، هو بين بين.. أما ما تحديده بالضبط فيصعب تحديده والتعبير عنه.
هذه الجماعات أشبه بالسلاطين في محل نفوذها، ومحل ولايتها، ومحل سلطانها.. ومثالها «طالبان»، فهي ليست دولة، بل حركة؛ حتى من حيث الاصطلاح عند الناس مسلمهم وكافرهم هي ليست دولة، لكن عندها نفوذ قوي ويرجع إليها الناس في كثير من المسائل تستطيع أن تقوم بكثير من العقود والولايات والأقضية وغيرها والمسائل التي تُناط بالسلطان كثير منها تقوم بها، إلى درجة الحدود؛ فهي تقتل، حتى الدماء تقتل فيها، وتفصل في النزاعات وغيرها وتنصب قضاة في بعض الأماكن.. فهي لها نوع من السلطان، هذا مثال.. الإخوة في اليمن مثلًا المسيطرون هناك، الإخوة في الصومال الآن، الصومال أشد فهي شبه دولة، وهكذا.
فهذه الجماعات أشبه بالسلطان في محل ولايتها في نواحيها التي تسيطر عليها ولها فيها نفوذ وقوة فتستطيع أن تنفذ كثير من الأحكام.. والناس يعيشون تحتها؛ فلا تستطيع أن تقول أنها مجرد جماعة لا نطيعها إلا في الحرب فقط، أنت تأخذ كفالة، وتتربى وتتعلم وتنتظم أمورك كلها؛ فواضح أنها ليست مجرد سلطان لأمير حرب؛ فقط تذهب معه إلى العملية وتنتهي، والسلام عليكم، وكل واحد يذهب إلى بيته، لا.. هذه ولاية كبيرة أشبه بالسلطان الأعظم في محل ولايتها.
السلطان الأعظم هو ولاية على الدنيا كلها؛ هذا هو المفروض، لأن الأساس منع تعدد الأئمة إلا إذا تباعدت الأقطار وعُلم أنه لا يمكن للمسلمين أن ينضووا وأن ينتظم شملهم تحت إمام واحد؛ فحينئذ يكون تعدد الأئمة من المستساغ على الصحيح.. هذه فتوى المتأخرين وهي صحيحة.
فالأصل أن المسلمين يكونوا تحت إمام أعظم، لكن بسبب أنه لا يوجد الآن إمام أعظم؛ فهذه الجماعات قائمة بأجزاء لا بأس بها من ولاية الإمام الأعظم.
[طيب يا شيخ؛ هذا السمع والطاعة متى يجب على الشخص المقاتل، عندما بايع الجماعة أو لا؟ عندما ينضم إلى الجماعة فقط بدون أن يبايع الأمير؟]
نحن طبعًا دخلنا في عنوان كبير وهو الجماعة والعمل الجماعي، وهذا موضوع كبير جدًا جدًا ويحتاج إلى محاضرة فيه.. نحن نتكلم عن «الجندية» الآن، وإذا وُجد نقاشٌ فيكون في الكلام الذي كنا نتكلم فيه في الجندية؛ فهذا الموضوع كبير جدًا يحتاج إلى تحرير، فمن الممكن أن تجعلوه في محاضرة أخرى ونجهز أنفسنا فيه ونأتي بنصوص العلماء ونحـضر بعض الكتب وبعض التحضيرات وهكذا يكون أفضل وأليق به.
لكن أنا سأعطيك مقدمة بسيطة تنتفع بها الآن، وتكون توطئة لك إذا أنت قرأت بنفسك وحاولت فهم هذه المسألة تكون هذه المقدمات معينة لك:
الإمامة العظمى مبناها على التحريج، أي ليس فيها اختيار؛ وهذا الذي قال فيه الإمام أحمد: «من غلب على المسلمين بالسيف حتى سُمي أمير المؤمنين لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يبيت ليلتين إلا وهو يراه إمامًا على نفسه»١٬٢٥١انظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 23) نقلها عنه من رواية عبدوس العطار قال أحمد: «ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا، برًا كان أو فاجرًا» ومسألة الحكم بالقهر والغلبة قد بحثها عدد من العلماء وأثبتوا أنها ليست طريقا شرعيا لبلوغ الحكم.. فليس عندك مناص، إذا غلب على المسلمين رجل -وهذه إمامة المتغلب، وهي إحدى طرق انعقاد الإمامة، فالجمهور عندهم ثلاثة طرق لانعقاد الإمامة: أولًا ببيعة أهل الحل والعقد؛ أي بيعة المسلمين ويكفي جمهرة تقوم بهم الشوكة ويتبعهم الناس فيها يسمون بأهل الحل والعقد. والطريق الثاني: الاستخلاف؛ أن يستخلف الإمام السابق واحدًا خلفه، وهذا الكلام فيه نظر، والأصل أن يرجع للبيعة. والثالث: إمامة المتغلب الذي غلب عليهم بالسيف، بأن يغلب رجل على أمر المسلمين بالسيف؛ بأن يمسك الحكومة والجيش، والجيش سامع مطيع له، ونشر الجيش واستخدمه، وسُمي أميرًا للمؤمنين وخضع له أهل الحل والعقد وسلموه وبايعوه وقالوا: حقنًا للدماء وتسكينًا للدهماء نبايعه، وسُمي أمير المؤمنين-. فالأمر راجع إلى الديانة، فيلزمك أن تعتقد أنه أمير على نفسك وأنه يجب له عليك السمع والطاعة.
فإذًا الإمامة العظمى مبنية على التحريج، إذا جاء -مثلًا- المسلمون أهل الحل والعقد -مجموعة كبيرة من أعيانهم ورجالهم الكبار ورجال مشايخ القبائل وغيرهم وقاداتهم وأمرائهم وعلمائهم وقضاتهم وهكذا- اختاروا أميرًا؛ سُمي أمير المؤمنين وانعقدت له بيعة وانتهى الأمر، فعلى الذي في أقصى الأرض أن يسلم.. ولا يقول: أنا رأيي مختلف وأنا ما اختارته، لا يحل له أن يقول هذا، هذا يجب عليه أن ينقاد، ولا تلزمه البيعة؛ لا يلزمه أن يأتي ويبايع هو بنفسه، لأن البيعة انعقدت بقدر كاف من الناس الذين تحصل بهم الشوكة ويقوم بهم الأمر أي أهل الحل والعقد كما يُسمون في الاصطلاح، انعقد بهم الأمر وانتهى، إذا غاب غيرهم يكفي هم.
فالناس الآخرون يسمعون ويطيعون ويجب عليهم أن يعتقدوا أن هذا الذي اختير وعُين وانتُخب أنه أمير عليهم، واجب له عليهم السمع والطاعة، ولا يخرجوا عن إمامته ولا يشاقوه ولا يعصوه وهكذا.. فصارت هذه الأمور أحكام دينية.
إذا جاء هذا الإنسان البعيد من أقصـى الأرض وبايع بعد ذلك فخير على خير؛ زيادة خير فقط وتأكيد للسمع والطاعة وتأكيدٌ للبيعة ولكن لا تلزمه البيعة الخاصة.. ولهذا فالعلماء يقسمون البيعة إلى بيعة العامة وبيعة الخاصة، أو البيعة العامة والبيعة الخاصة. بيعة الخاصة هي التي تنعقد بها الإمامة؛ ينعقد بها الأمر.. والعوام الذين ورائهم من الملايين لا تلزمهم البيعة لكل واحد منهم؛ بيعتهم بمجرد الاعتقاد، أي أن يعتقدوه إمامًا وأن يسلموا له ويدخلوا تحت السمع والطاعة قلبيًا ودينيًا؛ فيدخلون تحت السمع والطاعة له.. هم مبايعون تبعًا لأمرائهم وعرفائهم وأعيانهم الذين هم أصلًا أعيان الناس.
فإذًا الإمامة العظمى مبناها على التحريج والتضييق، أنت ما عندك مجال، انعقد الأمر فعليك أن تسمع وتطيع فهذا إمام عليك.
أما الإمامات الصغرى في هذه الأزمان مثلًا وهذه الإمارات؛ فمبناها في الأصل على الاختيار والتوسعة، يعني جماعة من المسلمين في واقع مَّا وفي زمن ما تعاهدوا واختاروا أميرًا عليهم وتعاهدوا وتبايعوا على الجهاد في سبيل الله.. فهذا مبناه في الأصل على الاختيار، لكن يضيق الأمر فيه أحيانًا؛ فيحتاج إلى شيء من التفصيل.
فهذه الجماعات إذا اختير أميرٌ لجماعة وبدأت في ناحية من الأرض مثلًا، لنفرض هنا في «أفغانستان» أمير المؤمنين «الملا محمد عمر» انعقدت له -مثلًا- بيعة وجماعة وصارت عندها قوة وشوكة وقادت الجهاد وكونت دولة أو شبه دولة ثم انهارت الدولة، ثم الآن هم يحاولون وبيدهم القوة والمكنة ومعظم الناس معهم وكذا، فانعقدت البيعة لهم.. فينبغي لكل مجاهد أن يكون معهم، ولا يشاقهم، ولا يخرج عليهم، ولا يعصيهم، ولا يخرج لتكوين جماعة أخرى، يريدها أفلح وأشطر وأحسن وأكثر إتقانًا، هذا لا يصلح؛ ويجب عليه أن يكون مع الجماعة، لأن الخروج أو إحداث جماعة ثانية هو فساد وشق لعصا الجماعة وفت في عضد جماعة المسلمين؛ فهي هنا قد أصبحت إلى حد ما شبيهة بالإمامة العظمى.
لكن هل يلزم كل مجاهد في أفغانستان مثلًا وما حولها أن يبايع أمير المؤمنين؟ هذا لا يلزم، فالبيعة منعقدة له بأهل الحل والعقد وانتهى.. وهو يجاهد معهم ويلزمه السمع والطاعة، وهكذا القاعدة في ناحيتها مثلًا أو كذا في محل عملها أو في محل سلطانها فمن جاء معها وانضم يلزمه السمع والطاعة، سواء بايع أو لم يبايع.. البيعة هذه تأكيد؛ لكن قد تتعين البيعة -صفقة اليد- على بعض الناس، وآحادهم، وضابطها والله أعلم أنه إذا عُدَّ بعدم بيعته مشاقة هنا تجب البيعة، حاولوا تتصوروا الضابط هذا.
مثلًا: الشيخ أبو زيد من أعيان الناس ومشايخ الناس وأهل العلم، نقول له: بايع يا شيخ؛ فالبيعة مطلوبة في حقك.. لماذا؟ لأنه لو لم يبايع لقيل: لماذا لم يبايع الشيخ أبو زيد؟ وَلَعُدَّت عدم مبايعته طعنًا في الجماعة، وَفَتًّا في عضدها وشقًا لعصاها، فحينئذ تجب عليه البيعة وجوبًا استنباطيًا استدلاليًا يطلقه الفقيه.. لا نستطيع أن نقول: هذا حكم الله، لكن -والله أعلم- يظهر لنا في مثل هذه الحالات أنه يجب على هؤلاء الأعيان البيعة.
لكن أبو مصعب الفلاني - رجل من عامة الناس-؛ فهذا لا يهتم أحد هل بايع أو لم يبايع، لكن المهم كونه مع الجماعة وانتهى؛ لأنه ليس من أعيان الناس ولا قياداتهم وأشرافهم المنظور إليهم.
أما الشخص المنظور إليه فتجب عليه البيعة -والله أعلم- للجماعة الموجودة في المكان التي يُخشى أنه إن لم يبايع -ما دام هو معها أصلًا- أن يُعد مشاقًا وأن يُنظر إلى عدم بيعته أنه مشاق.
مثلًا: سيدنا علي بن أبي طالب تخلف ستة أشهر عن بيعة أبي بكررضي الله عنهما١٬٢٥٢انظر قصة تخلفه عن البيعة ثم بيعته في: صحيح البخاري (4240)، صحيح مسلم (1759).؛ فكانت الناس كلها تطالبه بالبيعة.. لكن الأعراب البعيدون؛ هل بحث أحد عنهم وقال لهم: تعالوا بايعوا؟ حتى غير الأعراب من عوام «المدينة» بجانب دار الخلافة، الذي يسكن بجوار أبي بكر، هل يبحث عنه أحد؟ هؤلاء ليسوا من المشاهير.. لكن عليًّا كان يُعتبر ثالث أو رابع رجلٍ في الأمة، فكان مطلوب منه أن يبايع ولهذا كان الصحابة يلحون عليه وكانت التساؤلات، وما زال الفقهاء يتساءلون إلى اليوم وإلى يوم القيامة سيظلون يتساءلون: لماذا جلس علي h ستة شهور ولم يبايع؟
فقيل: أنه كان مشتغلًا بتمريض فاطمة رضي الله عنها.
وقيل: أنه لغضب فاطمة من أبي بكر في قصة فَدَك، وميراث النبي ﷺ؛ فكان عليٌّ متضامنًا معها؛ فمن باب الأدب لم يبايع.. وقيل وقيل غير ذلك.
وأشد الأقوال: أنه كان ينازِع في الخلافة؛ حتى هذا القول قيل في هذه المسألة! وهنا يكمن الخطر.
ولهذا قلنا أنه لا يعد مشاقًا١٬٢٥٣تكلم كثير من المؤرخين والعلماء عن أسباب عدم بيعة علي لأبي رضي الله عنهما، بل وجزم بعضهم أنه قد بايع سرًا في البداية لكنه أخفى ذلك عن فاطمة حتى لا يجرحها بذلك؛ لكن هذا القول ضعيف، ولعل أوجه الأقوال ما ذكره علي في سبب تخلفه إذ قال لأبي بكر رضي الله عنهما: «إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبا.. فوجدنا في أنفسنا» متفق عليه، وقال النووي في توجيه هذه الحادثة في: شرح مسلم (12/ 77): «تأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه؛ أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافا ولا يشق العصا، وهكذا كان شأن علي h في تلك المدة التي قبل بيعته؛ فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافا ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث [يعني مسألة عدم قسمة علي لأرض فدك وميراث النبي ﷺ]، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره؛ فلما لم يجب لم يحضر، وما نُقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم».، لكن خلافة أبي بكر كانت ماشية، بايع علي أو لم يبايع؛ فلما توفيت فاطمة بايعه في اليوم الثاني مباشرة، وهذا الذي جعل كثيرًا من الفقهاء يقولون هو بسبب فاطمة وقصتها والاشتغال بها وهي نفسها غاضبة من أبي بكر رضي الله عنها، وهي من أهل الجنة وأبو بكر من أهل الجنة، ولكن انظروا كيف أن الناس الصالحين تخالفوا، والسبب بسيط جدًا، فقد جاءت رضي الله عنها إلى أبي بكر فقالت له: أعطني ميراث أبي عنده أرض في فدك؛ فقال لها: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نُورث، ما تركناه صدقة) قال: ما نعطيك، هذه لبيت المال كلها، أنا سمعت النبي ﷺ بنفسي يقول ذلك، وهي لم تسمع هذا الكلام فتضايقت منه، مع أنها تعرف أنه صادق، فهي لم تكذبه!
ولكن الخلاف يصير بين المسلمين وبين الصالحين وبين الأولياء، وهي امرأة في النهاية؛ فزعلت وما كلمت أبا بكر حتى توفيت بعد ستة شهور من وفاة النبي ﷺ، وعلي بن أبي طالب كان مشغولًا بها وبتمريضها والبقاء معها وخدمتها؛ فكان متضامنًا معها وما ذهب ليبايع، وربما كان حتى غاضبًا من أبي بكر، لكن لما توفيت بايع مباشرة وانتهت المشكلة.
فالظاهر -والله أعلم- أنه بسبب هذا، أخَّر البيعة، لكن كان مطلوبًا منه أن يبايع في ذلك الوقت، وكان بالفعل الصحابة يقولون له: بايع. وكان -حتى أظن أبو بكر وعمر- كانوا يرسلون إليه يقولون له: تعال بايع ويلحون عليه.
لماذا؟ لأنه من أعيان الناس وقياداتهم الذي لو لم يبايع لعُد مشاقًا وعُد طعنًا في الإمامة والإمارة، بخلاف غيره.. هذه البيعة للخاصة؛ تعتبر في حقهم واجبة. هو كان متأولًا h وعنده سبب معين أخرها -والله أعلم-.
فالمقصود: لا يلزم كل واحد أن يبايع، ولكن الذي انضم إلى جماعة وموجود تحت جماعة في إقليم من الأقاليم أو في ناحية من الأرض أو في سلطان من السلاطين «سلطنة»، أو في مكان معين تحت ولايتها.. ينبغي عليه أن يكون مع الجماعة يسمع ويطيع، سواء بايع بصفقة اليد أو لم يبايع، هو بمجرد دخوله مع الجماعة ووجوده تحت سلطانها وفي مكانها.. يلزمه السمع والطاعة لها، ولا يجوز له أن يخرج، ولا يحدث جماعة جديدة.
إحداث جماعات جديدة لا يجوز إلا بمسوغ شرعي معتبر ويقر الفقهاء أنه مسوغ شرعي.. الخروج على الجماعات وتشكيل جماعات أخرى والانفراد والانشقاقات والاستقلالات وغيرها لا يجوز إلا بهذا المسوغ كما قلنا، والله أعلم.
مسألة: كل واحد من الجنود يملك حق الاعتراض أو إبداء المشاورة لأمرائه، وسيدنا عمر h اعترضت عليه امرأة كما تعرفون في القصة المشهورة -وإن كان الحديث ضعيفًا١٬٢٥٤قال الألباني في: إرواء الغليل (1927) عن هذا الحديث: «هو ضعيف منكر يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر. أخرجه البيهقي (7/233) وقال: «هذا منقطع». قلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد، ليس بالقوى ثم هو منكر المتن، فإن الآية لا تنافى توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء» وقد صحح الألباني أثر عمر h: «لا تغالوا في صدقات النساء».- اعترضت على تحديد سيدنا عمر لمهور النساء؛ بقوله عز وجل: ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا﴾ [النساء: ٢٠] قالت: الله عز وجل يقول هذا؛ فكيف تحدد أنت؟ فقال: «أخطأ عمر وأصابت امرأة» القصة مشهورة وإن كان إسنادها فيه مقال.
وبغض النظر عن القصة؛ فالصحابة معروف هذا فيهم، ولا يوجد دليل في الشـريعة يمنع أحدًا من ذلك، أو يحصـر الاعتراض أو الانتقاد أو الاقتراح أو المشورة في أناس معينين.. هذا غير موجود.
كل إنسان مسلم له حق أن يعترض على الخطأ إذا رآه، أو يعترض على شيء معين خطأ -قول أو فعل- ويقترح ويشاور، له هذا.. لكن كما قلنا: التثبت وأن ينتبه الإنسان لموضع الخطر الذي فيه، يجب عليه أن يقول الحق، ويجب عليه أن يكون متثبتًا ومتأدبًا أيضًا، وإذا ظن أن هذا الاقتراح أو الاعتراض في موضع من المواضع يمكن أن يؤدي إلى مفسدة أكبر فلا يعترض ولا يبديه، وهكذا، وينظر أيهما أفضل أن يقوله بالسر وأن يقوله بالعلانية، وهكذا.. فهذا فقه؛ فيحتاج الإنسان أن يتفقه في هذا.
[مسألة: وبعض الناس يعترض على آراء الأمير في مسألة هو يظن أنها محسومة شرعًا وهو ما عنده علم شرعي أصلًا]؛ فهذا على خطر، وهو رجل جاهل متسرع طائش، وربما يكون عنده أمراض نفسية أخرى وأمراض قلبية فهو في موضع خطر، فعليه ألا يعترض إلا بعلم وأدب وأمانة.
سائر الاعتراضات وسائر الكلام في الناس والكلام في الجماعات وفي الرجال وفي تقويمهم وفي الحكم عليهم وفي انتقادهم أو غيره.. لا بد أن يكون بعلم وعدل وأدب وإخلاص، وإلا يكون عليك لا لك.
هذه تكاليف مكلفٌ هو بها، لكن من حيث الأصل هو مباح له ومشروع له أن ينتقد وأن يرد الخطأ وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر وأن ينصح وأن يشاور، هذا مشروع لكل أحد.. لكن أنت متى تتكلم؟ وإذا رأيت ما بدا لك أنه خطأ هل تتكلم أو تصبر قليلًا وتتثبت؟ هذا تكليفك أنت.
أنا الآن مثلًا مع أمير وبدا لي أن هذا التصـرف الذي تصـرفه الأمير اليوم.. خطأ، هل أتكلم بسرعة أم أنتظر قليلًا وأتثبت لعل عنده وجهة نظر أو لعله كذا؟ وربما فلان مثلًا من العقلاء وأهل العلم هنا أشاوره وأقول له: ما رأيك؟ أنا يظهر لي أن الأمير فعل كذا وكذا وهذا ليس صحيحًا فكيف ننصحه؟ تشاور مع واحد.. لا أن تتشاور مشاورة كبيرة وتعمل ضجة وفتنة! فهذه الأمور تتحول إلى فتنة، لكن ممكن أن تتشاور مع واحد إذا كان يظهر لك أن هذا يؤدي إلى تمحيص الرأي ويفيدك.
فإذا بدا لكما أنتما الاثنين أن الأمير المفروض أن يُنصح؛ فاذهبوا إليه وانصحوه، واختاروا دائمًا طريق النصح السري فهو أفضل من العلني، هذا هو الأصل.
الأمراء في الأصل يُنصحوا سرًا، ولكن لا نمنع النصح علانية كما منعه بعض الناس، إنما الغالب أن النصح السـري هو المطلوب والأصل هو هذا.. لكن أحيانًا في مواضع يكون الخطأ فوري وأمام الناس ولا يحتمل التأخير فهنا ننصح علانية.
لكن الغالب إذا كان يحتمل التأخير، وكان الأمر عاديًّا وليس مرتبطًا بزمن، ويمكن أن يؤدى سرًا وهكذا؛ فينصح سرًا للأمراء.
وهذا دلت عليه سير الصحابة رضي الله عنهم وبعض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ؛ فهذا هو الأصل.
[البحر: الوافر]
[البحر: الوافر]
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا | وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ١٬٢٥٥قاله: المتنبي، انظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 35). |
[البحر: البسيط]
[البحر: البسيط]
قَدْ تُنكِرُ الْعَيْنُ ضُوْءَ الشَّمْسَ مِن رَمَدٍ | وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ١٬٢٥٦قاله: البوصيري، انظر: البردة (ص 11، البيت رقم 105). |
فقد يشـرب الإنسان المياه فيجدها مُرة، وهي في الحقيقة ليست مرة، ولكنه هو المريض.
«وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم» يعيب قولًا صحيحًا ويرده ويجادل ويعترض.. وعند التحقيق وعند النظر يكون السقم في فهمه وهو وجاهل؛ فالإنسان عليه أن يتثبت.
أنا لا أمنعك حقك في الاعتراض أو حقك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقك في النصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، بل هذا واجب عليك أصلًا؛ فكيف أمنعك؟ ولكن بالتثبت؛ لأن كثيرًا من المسائل هي مسائل اجتهاد ومسائل للنظر ومسائل للتدبير يختلف فيها الناس، فلا تُسارع ولا تطيش، وإنما عليك بالتثبت والتمهل، وإذا احتجت أن تتشاور مع شخص عاقل من أهل العقل والرزانة والعلم والحكمة لا بأس تتشاور؛ حتى تنصحوا الأمير مثلًا وتتثبتوا من الأمر.
فإذا مشى الإنسان على هذا تكون الأمور منتظمة -بإذن الله- ولا يحصل خلل ولا فتنة في الصفوف؛ لأن كثيرًا من الاعتراضات تسبب فتنًا وفسادًا للقلوب وهكذا، والله أعلم-.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.. سبحانك اللهم وبحمدك
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: الجُندِيةُ وَأحْكَامُــهَا
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا