۞ مُبدِعون..!

الإبداع كلمة ساحرة في ثقافات المعاصرين..!

وأهلها يقال لهم: «المبدعون»، وهم الموهوبون المتفوقون المرموقون بالأبصار.. فهذا شاعر مبدعٌ، وهذا كاتب، وهذا روائيٌّ، وهذا قاصٌّ، وهذا نحَّاتٌ، وهذا مطربٌ، وهذا لاعبٌ، وهذا ماجِنٌ، وهذه هاتكةُ عرضِ أهلها.. والى آخر ما هنالك.. كلهم مبدعون يعشقون الجمال ويقدمون للإنسانية الجديد والمفيد! كذا!

وأحيانا أيضا -للإنصاف- يوجد عندهم مبدعون في علمٍ نافع وعملٍ صالح من علوم الدنيا والآخرة.. وعلى كل حال هي عندنا مع كونها لفظًا مولّدا بهذا الاستعمال، ففي معناها إجمال ومواطأة.

قبل مدة أتيح لي أن أرى في تلفاز «أبو ظبي» برنامجا يحمل هذا الاسم «مبدعون» تقدُّمه مخلوقة تمثِّل أصدق تمثيل «الإبداع» في ثقافة المعاصرين.. نسال الله الستر والعافية.

تستضيف المبدعة في البرنامج مبدعين وتحاورهم، كان ممن رأيت منهم: «محمد سليم العوا».

«محمد سليم العوا» نحن نعرفه، وليس غريبا علينا، تحدَّث عن إبداعاته وإنجازاته وفلسفاته البديعة؛ فلم نرَ إبداعًا! ولا جديدًا! وكل ما رأيناه أشياء مكررة، ومُضَغًا من أفكار بالية يلوكها الرجلُ ثم يمجّها أمام الناس!

ولو أنه استغاث بنا لذكرنا له مثالا جيدا لإبداعه لن يجد في ظني مثالا أفضل منه؛ فتواه -وليس هو بأهل للفتوى- مع «القرضاوي» وجماعة آخرين من المبدعين للجندي المسلم -زعموا- في جيش أمريكا أنه يجوز له أن يقتل المسلمين في أفغانستان حتى لا يُشَكَّ في وطنيته وانتمائه لأمريكا وولائه..!

هذا المبدع «العوا» لم يشعر بأي تناقض وهو يجالس تلك الهاتكة عرضَ أهلها، ويجاذبها أطراف الحديث العذب أمام العالم بكل طمأنينة وارتياح وانشراح..!

في الحقيقة ليس «العوا» إلا مثالا متواضعا لمن يسمونهم «المبدعين» في ثقافتنا المعاصرة.

يظن «العوا» أو يُظَنُّ له أنه مبدع مُفْلِق، وأنه آتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ..

ص 1464

ولو قرأ القرآن كما أمر اللهُ لعلِم أن الإبداع الحقيقي هو العبودية لله تعالى، وأن التفوّق الحقيقي هو تحقيق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.

لو فقِه «العَّوا» والعاوون مثله من مثقفينا لعلموا أن الإبداع الحقيقي هو طاعة الله تعالى وإتعابُ النفس في طلب رضاه سبحانه بالسير على صراطه المستقيم والتزام شريعته واتباع نبيه ﷺ.

ولو صدق «العوا» مع نفسه لعلم أن المبدع الحقيقي هو المؤمن التقيّ الورعُ المتحرر من شهواته ومن أسرِ هواه، المجاهد لنفسه في سبيل الله، والمهاجر لما نهى الله عنه الفارُّ بدينه من الفتن، الصابر على التكاليف الربانية المؤثر ما عند الله القائم الصائم القانت الذاكر الله كثيرا.

لو صدق «العوا» لقال إن المبدعين على الحقيقة هم أولئك المجاهدون في ساحات الوغى، يحملون أرواحهم على أكفهم یبتغون فضلا من الله ورضوانا وینصرون الله ورسوله..

أولئك المفارقون للشهوات -مع إقدامها وإمكانها- إرضاء لمعبودهم ﷻ، القائمون بأمر الله المتحمّلون للتكاليف الجسام، الصادعون بالحق في وجه الباطل، المتحدّون للظلم والظالمين.!

أولئك الذين يصنعون الأمجاد ويكتبون الصفحات المضيئة في التاريخ، فربما قرأها «العوا» وأمثاله بعد حين.. أولئك الذين قال الله عنهم حين وضعوا في سياق المقارنة مع غيرهم: ﴿لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨﴾.

الملا محمد عمر مثلا عند مثقفينا المعاصرين كـ«العوا» ليس مبدعًا، ولا يساوي شيئا في ميزانهم.. لكنه عند المؤمنين وفي ميزانهم مثال المبدع الحقيقي.. بل والله ما أضيق هذه الكلمة وما أصغرها وأحقرها حين تحاول أن تصف رجلا كاملا كالملا محمد عمر.

يا الله..! إنها تتضاءل وتصغر في جنبه.

إنها اللفظ القزم في جنب العملاق العظيم.

إنها النسخة المزورة المقلّدة بجنب العلامة الأصلية المسجلة.

إنها حقّا شيء تافه لا يرقى لأن يصف الكبار..!

محمد عمر رجلٌ عملاق نحسبه كذلك، ومبدعٌ حقًا.

جاءته الدنيا مقبلةً بزخرفها تتدلّل له: مُلْكٌ، وجاه، ومالٌ، وشهرة.. فنظر إليها بعقله الذكيّ وقلبه الزكيّ -نحسبه كذلك- فرآها زائلة فانية، وهي مع ذلك منغّصة، مقرونة بخزي الدنيا وندامة الآخرة وعذاب الله، فركلها برجله ثم داسها بقدمه ووطئها وسار في طريقه إلى حيث رضى مولاه مختارا ما عنده..

هذا هو الإبداع.. وقل مثله في إخوانه من كل عالِمٍ وعامِلٍ مطيع لله مختارٍ ما عنده.

أعرف شبابا من إخواننا من ليبيا ممن كانوا في أفغانستان، بعد أن غزاها الصليب وسقطت حكومة طالبان وقعت لهم المحنةُ ككثيرين من إخواننا وشُرّدوا في البلدان.. اليوم مؤسسة «ابن القذافي» تناديهم إلى حدّ التوسّل إليهم أن يرجعوا إلى بلدهم وعليهم الأمان ولهم الإكرام(!!) وهم مع ذلك رافضون أن يعطوا الدنيّة في دينهم ولسان حالهم يقول: ﴿رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ﴾ [يوسف: 33].. فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر.. منهم من تخطّفته أيدي الحثالة من بني جلدتنا فسلّمته للصليب، فهو يلبس البرتقالي في الأقفاص، ومنهم من وجد ظهر سابحٍ فهو يقارع أهل الصليب ومواليهم إلى أن يحكم الله، ومنهم دون ذلك.!

هؤلاء مبدعون ولا مثنوية!

بمثل هؤلاء المبدعين تحيا الأمم، وترقى وتبذّ الأمم، وبمثلهم ففاخر وإلا فدعْ.

•••