• الموازنة بين الشدة واللين من أصول تربية الخلق:
ولا شكّ أن الموازنة بين الشدة واللين والعنف والرفق والترغيب والترهيب أصلٌ من أهم أصول تربية المكلَّفين، سواء على مستوى النفس أو على مستوى الاجتماع، ومن رام التربية بمجرد الرفق واللين مطلقًا ودائما وأبدًا وأنكر استعمال بعضِ الشدة في محلها، وكذا مَن رام الإصلاح بالرفق واللين وحده مطلقًا ودائما وأبدًا وأنكر عن استعمال الشدة والعنف في محلهما؛ فإنه عَرَف شـيئًا وغابتْ عنه أشـياءُ، وهو حرِيٌّ بوصف الجهلِ والنقص.!
وأما الزنادقة الواصفون للشـريعة بالعنف استهزاءً واحتقارًا وازدراءً، لأنها تأمُرُ بقطع يد السارق بشـروطه، وتقتل القاتل قصاصًا، وترجم الزاني المحصَن وتجلد الزاني غير المحصَنِ، ولنحو ذلك من الحدود؛ فإنهم سفلةٌ متمردون على الله تعالى، ولسنا نطيل هنا بالكلام عليهم، فقد تجاوزهم التيار، والحمدُ لله، ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١﴾ [الإسـراء].
[البحر: الكامل]
[البحر: الكامل]
فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَن يَكُ حَازِمًا | فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَن يَرْحَمُ٥٩٠ينظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص 1121، حاشية 1). |
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
إِذا قِيلَ: حِلْمٌ؛ قُلْ: فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ | وَحِلْمُ الْفَتَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ»٥٩١أضواء البيان (1 / 415، 416). |
وفي «التحرير والتنوير»: «ومعنى اتّباع محمدٍ ملّةَ إبراهيم الواقعِ في كثيرٍ من آيات القرآن أن دينَ الإسلام بُني على أصولِ ملّة إبراهيم، وهي أصول الفطرة والتوسّط بين الشدّة واللّين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ﴾ [الحج: 78]» ٥٩٢التحرير والتنوير (14 / 206). اهـ.
وسورةُ النور في القرآن مثالٌ لمن أراد أن يتأمّل هذا الأصل في التربية: «والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود، وترقى إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة، التي تصلُ القلبَ بنور الله وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة، والهدفُ واحدٌ في الشدة واللين، هو تربية الضمائر، واستجاشة المشاعر، ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة، حتى تشف وترف، وتتصل بنور الله، وتتداخل الآداب النفسـية الفردية، وآداب البيت والأسـرة، وآداب الجماعة والقيادة، بوصفها نابعةً كلها من معين واحد هو العقيدة في الله، متصلة كلها بنور واحد هو نور الله، وهي في صميمها نور وشفافية، وإشـراق وطهارة، تربية عناصرها من مصدر النور الأول في السماوات والأرض، نور الله الذي أشـرقت به الظلمات، في السماوات والأرض، والقلوب والضمائر، والنفوس والأرواح»٥٩٣في ظلال القرآن (4 / 2486). [المؤلف، عدا العزو] اهـ، والحمد لله رب العالمين.