۞ الحضارة الإسلامية

السلام عليكم ورحمة الله..

ألم تلاحظوا معي أنكم تتكلمون عن شيء لم تتفقوا بعد على تعريفه، والظنّ عندي -وسيتضح لو سألناكم منفردين- أنكم غير متفقين في بعض تصوره..

ولا يخفاكم أن تعريف «الحضارة» لم يتحدد بشكل متفق عليه عند المفكرين والمؤرخين، ولم تحسم هذه المسألة منذ زمن قديم.. ومثلها «الثقافة» وأمثلة أخرى.!

ولكن، حيث لم يمكن وضع تعريف لها على طريقة «الحد» وهو الجامع المانع؛ فإن تصورها عن طريق «الرسم» وما يقاربه ممكن.

وعلينا أن ننتبه إلى أن الحضارة لفظ فيه إجمال وفضفضة، وأن التعامل معه يكون على هذا الأساس.. كما تتعامل مع الألفاظ المجملة، وفقهُ ذلك معروف.

أضف إلى ذلك أنه لفظ حادث بالنسبة لنا نحن المسلمين في علومنا الإسلامية!!

وحتى من الناحية اللغوية هو لفظ مولّدٌ.

نعم.. فلم تعرفه قروننا الأولى التي هي قرون حضارتنا التي نفاخر بها ونقتدي، وهذه من المفارقات من جهة، ومن جهةٍ أخرى هي علامة على أن هذه المسألة ليست أساسية ولا ذات كبير أهمية عندنا نحن المسلمين!! بالمعنى الإيجابي لا السلبي، وهذا يحتاج إلى إيضاح.

فنحن المسلمين (أهل الإسلام الحق، ولا أتكلم عن عموم أهل القبلة) ليس من أولوياتنا ولا من مهمّات أمورنا التعمّق في مثل هذه الفلسفات والتعريفات والأوصاف أو الاعتناء بها، ولا أن نسأل: ما هي الحضارة وما حضارتنا وحضارات الآخرين ونحو ذلك.. فذلك كله ليس مقصودا لنا، ولك أن تقول: ليس مقصودًا بالقصد الأول، وإنما هو مما دخل علينا، أو اضطررنا إليه.. ففي الأصل نحن لا نهتم بهذا ولا ديننا يأمرنا بالاهتمام به؛ بل أكثر من ذلك في ديننا ما يشير إلى التنفير من ذلك وأنه ليس بمحمود وأنه من الترف الفكري والانشغال بما لا يفيد..! وسرد أدلة ذلك يطول.

ص 1320

لكن مع اختلاط الشعوب والأمم والثقافات و«الحضارات» صار دخول هذه المناقشات له حكم آخر قد يرقى لدرجة الاستحباب والوجوب الكفائي باعتبار حاجتنا إلى التصدي للعولمة والغزو الثقافي والفكري والحضاري من الأمم الأخرى الكافرة، لا سيّما مع ضعفنا السياسي الذي يزيد من قابليتنا للتعرض للمرض والانهزام.. وهنا -حيث يكون هذا هو الدافع والمقصود- يكون الاهتمام بهذه الفلسفة أو القضايا الكلامية مشروعا وعملًا صالحًا إن شاء الله، ومطلوبًا نوعَ طلبٍ، والقائم به مأجور حيث قصد نصر الدين والدعوة إلى الله والذبّ عن دين الله والردّ عنه.

فنحن أمة إسلامية، محور اجتماعها وكينونتها هو الدين وهو «الإسلام»؛ فلا وجود لهذه الأمة بدون الإسلام، لأنه قبل الإسلام وبعده -حين تتركه- تتحول كما هو مشاهد إلى أمم أخرى: أمة عربية، أمة تركية، أمة باكستانية، أمة كذا وأمة كذا..

وأفضل تجلٍّ لهذه الأمة بالاتفاق هو عصرها الأول، وهو جيل الصحابة؛ الجيل الفريد الذي ربّاه الرسول ﷺ وصنعه بيده.. ولو أردنا تحديدًا دقيقا لقلنا إنه فترة العهد النبوي المدني وعهد خلافة الخلفاء الراشدين، وهناك فترات أخرى مقاربة لها بعد ذلك متقطعة.

هذا شيء مهم إذا اتفقنا عليه، فإنه يحلّ لنا كثيرا من المسائل.

أما من لا يعتقد ذلك؛ فالنقاش معه سيكون فيه أولًا.

هذا الجيل أو تلك الأجيال لم يعرفوا هذه الفلسفات حول الحضارة والفكر والثقافة والفنون والآداب -بمعناها المعروف عند المؤرخين- وما شابه ذلك!!

وإنما عرفوا فقط: الدين ولا شيء غير الدين، وأن هذه الدنيا دار ممر وفناء، وزينة زائلة ومتاع، وهي دار اختبار وامتحان، ومطلوب من العبد أن يتجافى عنها -في الجملة، وللمسألة تفاصيل- وأن يكون فيها كعابر سبيل، وأن يكون كراكب استظل تحت شجرة يوشك أن يتركها ويرتحل، ومطلوب منه فيها أن يعبد الله كما أمره الله، وخلاصته اتباع رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا.

وأنت إذا بحثت عن موقع العمارة والمدنية والترف والبناء والغنى وجمع الأموال والآداب والفنون، وتصنيف هذه الأشياء وتحريرها وتدقيقها والغوص في بحارها والاعتناء بها، والثقافات والمقارنة بينها وو.. مما يعتني به العالَمون اليوم، لم تجد له مكانًا عندهم وفي اهتمامهم وسعيهم ولا اعتبار له إلا بقدرٍ عرضيّ إن وُجِد، ينتظمونه انتظامًا وهم سائرون في طريقهم إلى الله تعالى..

ص 1321

وهم قد فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ولم ينقضِ عصر الصحابة حتى دمّروا أعظم حضارتين في ذلك الزمان وأعظم دولتين: الفرس والروم، وملكوا أرضهما أو معظمها وحازوا كنوزها وظهروا عليهما أيما ظهور، ومع ذلك لم يهتموا بحضارةٍ كانت لهم أو ثقافةٍ أو مدنيةٍ، ولم يرفعوا إليها أبصارهم ولا وجّهوا لها عناية.. بل قالوا بلسان حالهم وقولهم بما لا غموض فيه: إنهم قد أغناهم الله عن معظم ذلك، وأن الله قد أكرمهم بما هو أتم وأكمل من كل تلك الحضارات، وبما هو أرفع وأعزّ وأكرم وبما لا يحتاج معه صاحبه إلى غيره في الجميلة.

وهذا لم يمنعهم من أخذ ما رأوه نافعًا من صناعة أو عمارةٍ وتدبيرٍ وفكرةٍ.

فلم يتعارض عندهم ما تقدم سرده مع مشروعية الاستفادة مما عند الكفار والأمم المغلوبة لهم من أمور الحياة الدنيا التي يستوى فيها الخلق، ويأخذها اللاحق عن السابق، بشرط واحدٍ وواحدٍ فقط وهو كل شيء في المسألة وهو: أن يكون كل ذلك تحت هيمنة الدين وفي حدود ما يسمح به، ولا يتعارض معه، فإن كان بعد ذلك مما يعين عليه أي على القيام بالدين وعلى تقويته (كإتقان صناعة السلاح وتدبير وسائل الجند ونحوها مما يعين على الجهاد)؛ فهو مما يتخطى مطلق المشروعية بل يطلب أخذه وجوبًا أو استحبابًا.

ونرجع إلى بعض النقاش السابق، في نقاط:

❖ الغالب أن تعريف الحضارة هي مجموع ما عند أمةٍ من الأمم من العلوم والمعارف والفنون الثقافات والعمارة والمدينة.. الخ وملاحظة الفضفضة!!

❖ كل من يتحدث عن الحضارة الإسلامية سيخطر بباله لأول وهلة: العمارة الإسلامية والطُّرز المعمارية الإسلامية الأموية والعباسية والأندلسية للمساجد والقصور والحمامات وغيرها وما فيها من ألوان وفسيفساء وو.. الخ.

❖ القول بأن الدين والقيم والمبادئ والأصول والشريعة ونحوها يمكن أن تكون في الكتب ولكن الحضارة لا تكون كذلك، وأن الحضارة تمثُّلٌ واقعيّ!!

هذا فيه ما فيه، فإن الدين أيضا تمثّل واقعي، وأنت تعرف أن الدين محفوظ في الكتاب والسنة، لكن أين هو في واقع الناس؟ فقل مثله في الحضارة، ولمه؟

❖ ليس هناك شعب ولا أمة من الأمم بل ولا أي تجمع بشريّ مهما قلّ يعيش فترة من الزمن تطول نسبيًا (عقودًا فضلًا عن القرون) إلا ويكون لهم حضارة.. لأن الحضارة ما هي إلا كما قدّمنا مجموع ما عندهم من العمارة والثقافة والتدابير والمعارف والعلوم والفنون والآداب والحكايات والتجارب وو.. كل ذلك بغضّ النظر عن كونها سيئة أو حسنة، محمودة في ميزاننا وديننا دين الحق أو مذمومة باطلة.

❖ فقولك أخي: «ضعفت الحضارة الإسلامية في القرون الأخيرة.. ضعف وجودها في المجتمعات الإسلامية.. في الفرد المسلم.. وبدأت في القرنين الأخيرين تتسرب الحضارة الغربية إلى عقول وقلوب المسلمين، وبدأت في الظهور أكثر في هذه الأيام» اهـ.

ص 1322

تتفق معي طبعا أن مردّ ذلك كله إلى غياب الدين، ولا تقل لي: هناك أشياء أخرى غير الدين مثل الفكر والعلم التجريبي وغير ذلك.. كلنا نعرف أهمية ذلك، لكن هي كلها تساوي لا شيء بدون الدين، وحيث لا دين لا أمة إسلامية أصلًا، ولا مجال لمناقشة موضوع اسمه «الحضارة الإسلامية» حينئذٍ!!

فالذي ضعف في المجتمع المسلم وفي الفرد المسلم هو الدين، والذي بدأ يتسرّب إلى عقول وقلوب المسلمين هو دين الغرب وهو حضارته وفكره وكفره فسوقه وعصيانه وتمرّده وقيمه المصادمة للإسلام ومفاهيمه البهيمية وتصوراته عن كل شيء وأخلاقه السبعية والحيوانية، وانحطاطه الأدبي المفعم بالغرور في نفس الوقت وو.. الخ.

طيب، هذه هي جلّ الحضارة وأساسها، وإلا ما هي الحضارة: صفّ الحجارة وكيفية صناعة السيارات؟!!

❖ وقولك أيضا: «والحضارة أفرق بينها وبين الدين.. الدين الإسلامي دين الحق، وهو باق إلى يوم القيامة.. لكن الحضارة الإسلامية، ليست دينا، وليست واجبة بذاتها وبمظاهرها وبمواصفاتها.. فقد تذهب الحضارة وتأتي غيرها» اهـ.

فما هي الحضارة، لم نفهم شيئًا..! اللباس مثلًا، طريقة بناء المنازل، استخدام الأشياء ووسائل العيش المباحة بطرق وأوجه مختلفة.. الخ أو غير ذلك، ما هي بالضبط؟؟!

المسلم العربي في الخليج يلبس دِشْداشَ وغترةً، وفي حضرموت يلبس إزارًا، وفي باكستان وأفغانستان يلبس لباسهم المميز في تفصيله، هذه حضارة وثقافة، كلها تدور في باب المباح ولا تخرج عنه، ومندرجة تحت «البَس ما شيتَ» ما لم تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعتها الشريعة.

فإذن؛ ما الغرض من البحث عن الحضارة؟ لأننا نستطيع أن نقول: للمسلمين بعامةٍ حضارة، ولكل طوائف المسلمين وأجناسهم حضاراتٌ مندرجة تحت الحضارة الإسلامية العامة؛ الترك والفرس والهند والسند والماليزيون والأندونيسيون غيرهم، وأهل المغرب الإسلامي.. لهم ما يميّزهم عن المشارقة وهكذا.. لا بأس، سمّه حضارة أو ثقافة لا مانع!

وكل له ما يميّزه نوعَ تميّزٍ قلّ أو كثر ضاق أو اتّسع، مع اشتراكهم في الإسلام وفي معظم ما يسمى حضارة وثقافة لأن محورها وأصلها وجامعها هو الدين.. وما اختلفوا فيه مما يميّز بعضهم عن بعض هو راجع إلى اختلاف الأقاليم والأمزجة والألسنة ونحو ذلك فهو اختلاف ضروري عند أهل النظر وما كان كذلك فلا ضرر فيه ولا تعارضه الشريعة كما هو معلوم وواضح.

لكن يبقى السؤال: ما الغرض من بحثنا في الحضارة؟ هذا هو أهم شيء..

والذي عندي أنه إن لم يكن من العلوم الفاسدة غير النافعة؛ فقد يكون من الترف والاستجمام ومن مُلَحِ العلم والمعرفة، ومما يباح من الانشغالات، وقصاراه إن ارتقى درجة على ما تقدّم أن يكون مما يستحب للتصدّي للأمم الأخرى ومحاورتها والظهور أمامها بما يناسب من المستوى المعرفي ونحو ذلك من المقاصد السياسية والدعوية.

وأعلى من كل ذلك درجةً أن يكون الباحث في ذلك يريد به -كما سبق القول- الذبّ عن الدين والرد عنه والدعوة إليه بواسطة الوقوف على دقائق معارف الأمم الغربية مثلًا وفهمها ومن ثَمَّ الدخول إلى عقولها وقلوبها ومخاطبتها بما يناسبها مما تسمح به الشريعة.

وقد لاحظتم معي أن لفظ «الحضارة» لفظ فضفاض، ومن أجل ذلك كان السؤال فضفاضًا أيضًا، وبناء عليه كذلك لا بدّ أن يكون الجواب فضفاضًا ويحتاج إلى تفصيل طويل، وقد أشرت إلى ما رأيته أصولًا مهمة في المسألة.

فبإمكان المجيب أن يقول: نعم هناك حضارة إسلامية، وتفصيله كذا وكذا وهناك الكثير ليذكره.

كما بإمكانه أن يقول: لا، لا وجود للحضارة الإسلامية بمعناها الكامل النقي والمتميّز لأنه لا وجود كاملًا للأمة وللدولة الإسلامية كما يريدها الإسلام.. الخ

ونحن نختار التفصيل في كل ما يماثل هذه المسائل، ونحاول أن نعطي لكل ذي حقّ حقه، والحضارة بالنسبة لنا نحن المسلمين تبع للدين، فوجودها بقدر وجود الدين أعني في الواقع.

والله أعلم وأحكم، وهو وحده وليّ التوفيق.

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 4/ 12/ 2004م]

•••

ص 1323