• العنف والجهاد: هل الجهاد عنفٌ؟ وهل يصحّ تسميته عنفًا؟

الجهادُ شـريعةٌ من شـرائع الله ﷻ جاء بها دين الإسلام، كما كانت مشـروعة في شـرائع بعض الأنبياء السابقين كموسـى ومَن بعده من أنبياء بني إسـرائيل، كيوشع بن نون وداود وسليمان، وغيرهم.

قال بعض العلماء: إن بدءَ تشـريع الجهاد كان في شـريعة موسـى عليه السلام بعد هلاك فرعون، واستنبطوه من قوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِمَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣﴾ ، وقوله في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩﴾، وذلك بعد ذكر إهلاك الأمم المكذبة في الموضعين.

قال ابن كثيرٍ: «يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشـركين»٥٩٤تفسير ابن كثير (6 / 239). اهـ، قال الشـيخ السعدي: «مر عليَّ منذ زمان طويل كلامٌ لبعض العلماء لا يحضـرني الآن اسمه، وهو أنه بعد بعث موسـى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب الاستئصال، وشـرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه؛ فلما تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه أرسل موسـى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على هذا إهلاكُ فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة القصص فهي صريحة جدا؛ فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِمَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣﴾ فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة يونس من قولة: ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ أي: من بعد نوح ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٧٤ ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ﴾ الآيات، والله أعلم» ٥٩٥تيسير الكريم الرحمن (ص 552). اهـ.

ص 757

وقال عند آيات القصص: «﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ وهو التوراة ﴿مِنۢ بَعۡدِمَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ الذين كان خاتمتهم في الإهلاك العام؛ فرعون وجنوده، وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، وشـرع جهاد الكفار بالسـيف»٥٩٦تيسير الكريم الرحمن (ص 616). اهـ.

وفي «نظم الدرر» للبقاعي: «ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمانَ الآتي أدخل الجار فقال: ﴿مِنۢ بَعۡدِمَا﴾ إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في مدة من الزمان ثم ينسخها سبحانه بما يشاء من أمره ﴿أَهۡلَكۡنَآ﴾أي بعظمتنا ﴿ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي من قوم نوح إلى قوم فرعون، ووقَّتَها بالهلاك إشارةً إلى أنه لا يعم أمةً من الأمم بالهلاك بعد إنزالها تشـريفًا لها ولمن أنزلت عليه وأوصلت إليه» ٥٩٧نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (14 / 301). اهـ.

وهذا الانتزاع دقيقٌ لطيف، بيد أن الذي شجع عليه وساعدَ أمران:

الأول: أنه معروفٌ وثابتٌ تاريخيًا بشهادة القرآن العظيم والسنة النبوية الشـريفة أن الجهاد كان مشـروعًا في شـرائع بعض أنبياء بني إسـرائيل من بعدِ موسى؛ ففي القرآن مثلا قصة ﴿ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة: 246] الآيات، وفي السنة ذكرُ قتالِ يوشع بن نون وداود وسليمان.

والثاني معنويٌّ، وهو: أن الجهادَ لأعداء الله الصادّين عن دعوته المكذبين لرسله؛ هو كالبدَلِ لعذابِ الاستئصال الذي كان يأخذ الله ﷻ به الأمم المكذبة قبل ذلك، وهو الذي إليه الإشارة بقوله ﴿مِنۢ بَعۡدِمَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ كما فهمه العلماءُ، والله أعلم.

ثم المعروف المشهور تاريخيًا أيضًا أنه لم تعذَّبْ أمةٌ بعدَ موسـى عذابَ استئصالٍ وبسَنَةٍ عامّةٍ.! كما قال ابن كثير في تفسـيره في سورة ياسـين: «وقد ذكر أبو سعيد الخدري h وغير واحد من السلف أن الله سبحانه وتعالى بعد إنزاله التوراة، لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم»٥٩٨تفسير القرآن العظيم (6 / 573). اهـ، وإن نَظَرَ فيه القاسميّ في محاسن التأويل فقال: «وما ذكره ابن كثير من وقوف عذاب الاستئصال بعد نزول التوراة يحتاج إلى قاطع، وإلا فقد خربت كثير من البلاد الأثيمة بعدها وتدمرت بتسليط الله من شاء عليها»٥٩٩محاسن التأويل (8 / 181). اهـ، ففي كلامه نظرٌ، والذي ذكره السلف وابن كثير أوجَهُ ولسنا نحتاجُ إلى قاطع بل المقام مقامُ غلبة الظنّ، وخراب كثير من البلاد الأثيمة ودمارها بتسليط الله من شاء من خلقه على مَن شاء ليس مما نحن فيه في الغالب.

ص 758

وبعض خصوم المجاهدين، وأعداءُ الجهاد من منافقي وزنادقة هذه الأمة وأولياؤهم الكفار الأصليون يسمّون الجهاد عنفًا، وينبزون المجاهدين بالعنف والتشدد كما هو معروف مشهور، وهذا من ظلمهم وجهلهم وعنادهم للحق وطغيانهم؛ فإن الجهاد شـريعة شـرعها الله وعظّم قدرها، فالله يحبها ويأمر بها ويفرح بها وبأهلها ويرضـى عنهم ويرفع درجتهم في أعلى الدرجات، والله هو الرب الرحيم الرؤوف البرّ الكريم الحنّان المنان أرحم الراحمين وخير الراحمين، وهو أيضا العزيز الجبار المتكبر القوي المتين والقهار القاهر فوق عباده المنتقم من الظالمين، له الأسماء الحسنى والصفات العلا سبحانه وبحمده لا نحصـي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه ﷻ؛ وبالتالي فالجهاد، حيث كان جهادًا حقًّا، فهو من جملة الرحمة، وهو خير للخلق، وصلاح وإصلاح في الأرض، وليسَ فسادًا.

هذا لا شك فيه ولا ريب، ومن يرتاب في هذا فإن كان من الكفار فلا غرابة فيه، فإن الكافر عن الفهم لدين الله بمعزِلٍ، وإن كان ممن ينتسب إلى الإسلام ففيه نفاق وشكّ، فعليه أن يبادر بالتوبة وتصحيح إيمانه، ومداواة نفسه المريضة بالعلم النافع والهدى والنور الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، وليصدق مع الله، وليخلص في طلب الهداية والبحث عن الحق؛ فإن فعل فإن الله يهديه ويوفقه ويشـرح صدره؛ فالجهادُ فريضةٌ من فرائض الله تعالى، وفرائض الله تعالى وشـرائعه كلها حقٌّ وعدلٌ ورحمةٌ وصلاحٌ وإحسانٌ، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ﴾ [الأنعام: 115].

ولا شك أن الجهادَ عنفٌ وشدة وغلظةٌ في محلّه للمستحقين من الكفرة وأمثالهم ممن يُجاهَدون، فهو إذن عنفٌ محمودٌ مأمورٌ به من قبل ربنا وخالقنا ﷻ الذي له الحكمة التامة والرحمة التامّة والكمال والجمال والجلال سبحانه، وهو إذنْ مما ذكرنا من وضع الرحمة والرفق واللين في محله، والشدة والغلظة والعنف في محله، وهو مقتضـى العدل ومقتضـى الحكمة -والحمد لله رب العالمين- وإن شئتَ فقل: هو عنفٌ شـرعه الله وأحبّه ورضيه وأمر به، فالعنف والشدّة ليس مذمومًا بإطلاق، في كل حين وفي كل موضع، كما كررنا، بل إنما يذمّ حين يكون في غير محلّه، وحيث يمكن تحصيل المقصود بالرفق واللين.

ص 760

لكن قد أشـرنا فيما مرّ أن لفظ «العنفِ» في عرف اللغة واستعمال الشـرع خُصّ بما كان منه مذمومًا وهو الموضوع في غير محلّه أو الزائد على قدر الحاجة والصلاح، فالوصفُ بـ«العنف» يتضمّنُ تلميحًا إلى ذم موصوفه، ولهذا لا يجوز تسمية الجهاد عنفًا إلا على سبيل التبيين والتوضيح للمعاني وأصولها على نحو ما كتبنا في هذه الأسطر مثلا، وأما الذين ينعتون الجهاد الحقَّ المشـروعَ بالعنف من أعداء الجهادِ وخصومِه ومن ضُلّال ومنحرفي هذه الأمة والمهزومين ممن يسمّون بالمفكرين والمثقفين أو العلماء.. فهؤلاء في أحسنِ أحوالهم قومٌ لا يعلمون، وفي بعضها هم قومٌ مسـرفون، وهم على خطرٍ عظيم.!!

وبالجملة.. فالذين يسمّون الجهاد عنفًا ما أبعدهم عن حقيقة الدين، لكنْ علينا أن نكون حذرين في الحكم على هؤلاء المسمّين للجهاد عنفًا من أهل ملتنا؛ فإن بعضهم قد يتظاهر بذلك أمام الناس من باب السـياسة والديبلوماسـية، وظروفه تضطره لبعض ذلك، أو بتعبير أدق هو يرى أن ظروفه تضطره إلى بعض ذلك، وبعضهم قد يكون معذورًا فعلًا نتيجةً للخوف الذي يعيشه والاضطهاد في ظل الأنظمة البوليسـية التي تحكم بلادنا الإسلامية، ولا نريد أن نظلم أحدًا، فنحن نعرف أعذار الناس في الجملة، وقد نعرف بعض المعذورين على التفصيل ونعرف حالهم.. إنما هنا نحن نتكلم عن الأفكار، وكل امرئ حسـيب نفسه، وكل نفس بما كسبت رهينة، والإنسان على نفسه بصيرة، والذي يحاول خداع الناس قد يخدعهم، ولكنه لا يخدع الله.!

ونكمِلُ الصورةَ: فالجهاد شـرع للحاجة الضـرورية لحفظ الدين وصلاح الاجتماع البشـري وهي سنة التدافع المعبر عنها في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة: 251].

وقد يصح أن يقال: إن الجهاد هو مشـروع من باب الضـرورة، بمعنى أنه لو أسلم الناس فلا حاجة إلى الجهاد، ولو لم يكن هناك من يصد عن الدعوة لما شـرع الجهاد.. فنقول: لا بأس، فليكن، لكن لمَّا كانت هذه الضـرورة لازمةً دائمةً ولا ينفك عنها الاجتماع الإنساني، كانت فرضية الجهاد بهذه المنزلة في الشـريعة: فرضيةً دائمةً مستمرة مرغّبًا في القيام بها أيما ترغيب وممدوحة أيما مدح، فكأنها لم تكن عن ضـرورة، وإنما هي تصرّف أصليّ، إذ لا يُتصوّر أن يُسلم الناسُ كلهم ويخضعوا للعلم والهدى والدين، ولا أن تخلو الأرض من أهل الصد عن سبيل الله، ولله الحجة البالغة؛ ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣﴾ [البقرة].

ص 761

توضيحه: أن الجهاد حقيقته القتال والقتل، وقتل النفوس ليس مقصودًا بالقصد الأول (القصد الأصلي الأساسـي) لبعثة الرسل وإنزال الكتب من الله تعالى؛ فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب لهداية الخلق لا لقتلهم؛ نعم هذا صحيح باعتبار القصد الأول، وإنما لما كان في علم اللطيف الخبير أن بعض النفوس لا ينفع معها هذا، ولا ترفع رأسًا بالرسل ولا بالكتب، بل تقف ضدًا لها وحربًا عليها، وأنها لا يمكن صلاحها بالكلمة الهادية وبالدلالةِ لعدم القابلية، وأن في إزالتها صلاحَ النوع البشـري وصلاح الأرض، شـرع الجهاد (القتال والقتل) وأمر به، وابتلى به خلقه مؤمنهم وكافرهم، وجعله من أعظم دلائل محبته، وفرقانًا بين أوليائه وأعدائه، ومن أعظم ما يجازي عليه الجزاءَ الحسن، لما فيه من المعاني الباهرة التي خلاصتها بذل أغلى ما يملك الإنسان وهو وجودُهُ ومهجتُهُ ودمُه وروحُه في سبيل ربه ﷻ، أي من أجل دينه، فقتل تلك النفوس (مستحقي القتل من الكفار) هو بمنزلة قطع العضو المريضِ التالف الذي لا يرجى بُرْؤه من جسم الإنسان، والذي لو تُرِك ولم يقطع لأفسد بقية الجسم وأتى الفسادُ عليه كله.

وكذلك وقوع القتل في المجاهدين المؤمنين هو -إن شئتَ بالنظر إلى الأصل- من نوعِ «فسادٍ شُـرعَ لمنعِ وقوعِ فسادٍ أعظمَ منه»، فهو إذن من باب: «ارتكاب أدنى المفسدتين» اللَّتَين لا بد من وقوع إحداهما (متعارضتان)، وبعبارة أخرى: «ارتكاب أخف الضـررين»، فهذه هي قاعدة الجهاد في الإسلام؛ وحينئذٍ فلا يسمّى القتل للنفوس (في الجهاد) فسادًا، معاذَ الله! وإنما عبّرنا عنه بذلك باعتبار الأصل، وللشـرح وتقريب المسألة للفهم، فإنه حينما أمر الله به كان صلاحًا وخيرًا، لأن فعل المفسدة حينئذٍ (أي لمنع وقوع المفسدة الكبرى) لا يكون فسادًا بل يصير هو عين الصلاح والإصلاح، والله ﷻ يأمُرُ بالعدل والإحسان والخيرِ والصلاح والإصلاح ولا يأمر بالفحشاء، ولا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، عز وجل وتقدّس، والحمد لله رب العالمين.