من عبق المراسلات مع الشيخ عطية رحمه الله قراءةٌ في رسالة عِتاب شديدة بخطِّ الشيخ

[رسالة نشرها الأخ «أبو عامر الناجي»، في مجلة «أمة واحدة، العدد 1» بخط الشيخ عطية رحمه الله تضمَّنت عتابا شديدا لأحد الإخوة لما تجناه وافتراه، وفيها ذبٌّ عن عرض الشيخ مصطفى أبي اليزيد رحمه الله، وقد علق عليها الناشر تعليقًا حسنا متضمنا بعض سيرة الشيخ، فنذكر الرسالة أولا، مع وضع صورها بخط الشيخ كما نُشرت في «المجلة» ثمَّ نذكر تعليق الأخ «الناجي» عليها]

الأخ المكرم.... وفقه الله؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

للمرَّة الثانية أيها الأخ المكرَّم ترسل رسالة سيئةً، وكنتُ ظننتُ أنك ارعويتَ بعد رسالتك الأخيرة التي اعتذرتَ فيها عن الرسالة التي قبلَها، فأسأل الله أن يربط على قلبي وقلبك ويهدينا جميعاً للخير والصلاح.

أنصحك أن تترك العجلة؛ فإنها من الشيطان، وأن تقول الكلمة الطيبة، فرسالتك جاءت في وقتٍ نحن جميعًا فيه في حالٍ صعبٍ وكربٍ، وإخواننا يُقتلون بالجملة، والمصائب تتوالى!

وسأبين لك بعض الأمور في نقاط:

(1) الالتقاء فيما بيننا في هذه الظروف صعبٌ، والأفضل تركه، وسبيل التواصل هو المراسلة.

(2) بالنسبة لطلبك الماليِّ وما ذكرت من دينٍ عليك فسأكلمك عنه بعدُ.

ص 2392

(3) قولك عن أخينا الشيخ حافظ سلطان «مصطفى أبي اليزيد» رحمه الله: «إنه كان كذابًا!»، فهذه أعدَّ لها جوابًا بين يدي الله يوم لقائه! وأما أنا فأقول: أستغفر الله! والله ما علمت الشيخ سعيد «حافظ سلطان» رحمه الله إلا من أهل الصدق التام، والتقوى والورع، والأمانة والصلاح، قانتًا لله؛ هذه شهادتي، وقد عرفتُه حُسن المعرفة من أول هجرتنا إلى آخر حياته على تقطعٍ في المدة، تعاشرنا في أول الهجرة، ثم في وسطها، ثم في آخر حياته قرابة الثلاث سنين، وكنتُ فيها نائبًا له في العمل، ودائم التعامل معه والصحبة؛ فأنا أبرأ إلى الله مما رميتَه به، وأدعوك إلى التوبة من ذلك والرجوع عنه.

ثم زدتَّ فقلت: «والكل يشهد بذلك!» فلا أدري من هم الكل؟ وما هذه الحكاية المتعجِّلة الظالمة، بل والله إنَّ عامَّة من عرفوه شهدوا له بما شهدنا، وهم أفضل المجاهدين، وأعدلهم وأعلمهم، ويكفينا مثل شهادة الشيخ أسامة له بالصدق وحسن العهد (عندي شهادة الشيخ أسامة للشيخ سعيد)، وشهادة الدكتور أيمن، وشهادة الشيخ أبي يحيى، وغيرهم ممن يَشُقُّ حصرهم؛ فسامحك الله وهداك.

(4) قلتَ: «والآن أنتم تُهدون لأنفسكم ألف دولار» فأقول لك: أعدَّ لكل هذا جوابًا بين يدي الله تعالى، وأنا أشكوكَ إليه سبحانه فقط، لكن لكي أبرِّئَ نفسي من تُهمتك -إن كان يُجدي- فإنني أشهدك وأُشهد الله تعالى أني لم أهدِ لنفسي شيئًا، ولا أخذتُ من بيت المال مقدار دولار ولا معشارَه، والحمد لله، إلا ما أصابني من فضلِ الله أسوةَ إخواني من الكفالة والإكرامية التي هي شهرٌ زائد، لا غير.. وكيف أستجيزُ أن أُهديَ إلى نفسي، ولو أَهدى لي غيري ما قبلتُ أو أجعلها في المال العامِّ بعد قَبولها من الأخ خوف انكسار نفسه، هذا في سائر الهدايا العينية، أما المال فلا أصلا، وشأنه أعظم!

وعلى كلٍّ؛ آسفني وفاجأني سوء ظنك بنا -أنا وإخواني- وهذا شيءٌ مفسدٌ للارتباط الجماعي جدًّا، ولله الأمر، وكنتُ أظنك أعقل من هكذا، لا بأس أن تطلب من الجماعة مساعدةً لإصلاح بيتٍ أو قضاء دينٍ أو نحوها، والجماعة -ممثلة في مسؤوليها- يُقدِّرون الحال، ويجتهدون في إصابة الخير؛ فإما أعطوك كل ما تطلب أو بعضَه أو منعوك؛ فهذه مسؤوليتهم، وأمانتهم، ويختلف القرار باختلاف حال الجماعة يُسرًا وعُسرًا، وتقديرها لحسن تصرف الأخ الطالب، ولفضله أيضًا، وغير ذلك، وليس بمجرد التشهي والهوى!

أما هذه الظنون والاتهامات فهي خطيئتُكَ، وإني ناصحٌ لك أن تتوبَ من سوء الظن بالمسلمين -لا سيما إخوانك المجاهدين معك..- فإن سوء الظن بالمسلم من كبائر ذنوب الباطن.

وأما ما أشرتَ إليه من الإهداء والعطاء لبعض الإخوة في الجماعة؛ فنعم قد أعطينا لبعض الإخوة الكبار في السن، والصالحين، ومن أهل السابقة والبلاء الحسن تكريمًا وعونًا لهم، وأنا قرَّرتُ هذا بحمد الله، وأتحمل مسؤوليته، وقد شاورتُ فيه جماعةً من الإخوة، وكل من دخل معي في هذه المشورة لم يُعطَ شيئًا تكميلًا لجانب النزاهة، فوالله ما أخذ العبد الفقير ولا أبو يحيى ولا الحاجي محمد ولا داود رحمهما الله، وكان في نفسي أن أكرمَ داود والحاجي محمد؛ لكن لما أدخلتهما معي، والشيخ أبا يحيى في المشاورة؛ لم أعطهما شيئًا لِما ذكرتُ من تكميلِ مقام النزاهة والأمانة والعفة وصحة المشورة، فهذا لك وللتاريخ، ولعلك تتأسَّى، والحمد لله رب العالمين.

وهذا التصرف بحمد الله جائزٌ شرعا للأمير، ويَدخل في أبواب من الشريعة وحسن التدبير.

(5) وبقيت مسألة ما طلبتَه من المال؛ فهي في الورقة المرفقة، وأسأل الله أن يصلحَ حالي وحالك.

(6) وبالنسبةِ لما كلمتكَ فيه من التدريب؛ فهو شبه متوقف الآن، فلعلَّ الله ييسره بمنِّه وكرمه، ونراجعك؛ فلا تقلق، ولا بأس بل الذي ينبغي الآن هو الاختفاء وترك الحركة، والصبر والثبات، وإن شاء الله الفرج والنصر قريب بمِنَّة الله وكرمه.

والسلام عليكم

كتبه: محمود الحسن

19 شوال 1431 هـ

[تعليق الأخ أبي عامر الناجي:

تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن مسائل، وأهمها: التحذير من سفك الدماء المحرمة، لا سيما دماء المسلمين والمجاهدين، وفي هذه الحلقة حديثنا عن التحذير من الولوغ في أعراض المسلمين؛ أيدينا رسالة ذهبية بخط الحكيم حبيب القلب عطية الله الليبي رحمه الله وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى، كتبها في شوال عام 1431هـ، جوابًا على رسالة ملؤها الطعن بخيار الأمة والتشكيك في نزاهتهم وتقواهم من غير دليل ولا برهان سوى كلام مرسل لا يزن في ميزان الحق جناح بعوضة.

حلقة اليوم من سلسلة «من عبق المراسلات»، سنتحدث عنها من جانبين؛ الجانب الأول: التحذير من سوء الظن بالمسلمين، والثاني: التعامل مع المخالف، ثم سنتحدث قليلا عن شيء من سيرة الشيخ عطية الله العطرة في موضوع له علاقة بالرسالة.

أخي المسلم وصاحبي المجاهد؛ رسالة الشيخ عطية الله تقول لك: إياك إياك والوقوع في أعراض المسلمين، لا سيما أهل الصلاح والعلم والفضل والسابقة منهم؛ فرب كلمة تخرج منك فيهم لا تعرف بأي وادٍ سحيق سترديك؟ ولأي تهلكة سترميك؟

فقد صدق من قال: إن لحوم العلماء مسمومة، ومادة السم فيها الخذلان وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنهم من أولياء الله، ومن عادى وآذى وليا من أولياء الله فقد آذنه الله بالحرب، ومن حاربه الله فبئس ما ينتظره من عاقبة السوء.

إن من المؤسف أن تولغ القنوات والتجمعات في الانترنت في أعراض أهل السبق والفضل والنصرة للإسلام والمسلمين، ثم تجد العشرات ممن يعيد تغريدها وتوجيهها، وإني والله لمشفق على من يتزعم هذه المنابر وعلى من يروج لها مما سيصيبه من الخذلان.

كما أصاب صاحب الرسالة التي أرسلها للشيخ عطية الله، الذي ما زاد عن التحدث فيها وسط مجموعة من رفقائه؛ فكيف بمن تصل قراءات منشوراته إلى آلاف المشاهدات؟ فإياك إياك أخي المجاهد أن تكون لهم ناصرا وعضيدا أو أن يرتضي قلبك ما تراه من تعرض مذموم بغيض لأهل العلم لمجرد الاختلاف في الآراء.

لقد افترى صاحب الرسالة على شيخين جليلين من أهل العلم والفضل والسبق في الجهاد وطعن في دينهما، وهما: الشيخ مصطفى أبو اليزيد والشيخ عطية الله الليبي رحمهما الله رحمة واسعة، وكلاهما نحسب أنهما من أولياء الله تعالى والله حسيبهما؛ كما رأيناهم وعرفناهم، ثم لما حصلت فتنة الخارجي البغدادي التحق كاتب الرسالة بصفوفهم وقاتل معهم ثم قتل في صفوفهم فكانت خاتمة السوء أن يقتل في صفوف جماعة ولغت في دماء المسلمين وأعراضهم وساهمت في تشويه صورة الجهاد والمجاهدين، وما أرى ذلك إلا من الخذلان الذي أصابه جراء سوء ظنه بالمسلمين وتماديه في هذا ودعوة من مظلوم أصابته، فقد قال له الشيخ عطية: «وأنا أشكوك إليه سبحانه فقط».

فيا أخي المجاهد؛ كم من مسلم يبيت وهو يشكو إلى الله تعالى ما يصيبه من طعن الطاعنين وافتراء الوالغين في الأعراض؛ فنعوذ بالله سبحانه وتعالى أن يشكينا إلى الله مسلم، فضلا عن صاحب علم وسبق وفضل ونصرة وبلاء في سبيل الله.

أما الجانب الآخر من المستفاد في هذه الرسالة، فهي طريقة مشايخنا وقادتنا في تعاملهم مع المخالف الظالم؛ فهذا الرجل قد آذى الشيخ عطية في هذه الرسالة وطعن في دين قيادة الجماعة، ومع ذلك لم يزد الشيخ عطية من أن يدعوه للتوبة وأن يعد الجواب أمام الله تعالى، وأن يشكوه إلى الله تعالى، وقد كان من السهل جدا على الشيخ أن يسير له مجموعة من الأمنيين ليعتقلوه ويسجنوه، وكان سهلا أن يُشهِّر فيه بين الناس، أو أن يسلط عليه ألسنة بعض الناس، وكان من الممكن أن يفصله من الجماعة أو أن يقطع عنه الكفالة المالية، ولكن حاشا لله ما كانت هذه طريقة مشايخنا في تعاملهم مع من يخالفهم، فما رأوا أنفسهم يوما معيارا للولاء وللبراء، ولم تكن حظوظ أنفسهم حاضرة في مثل هذه الأمور، بل كانوا من أهل الشفقة والرحمة على المسلمين يلتمسون الأعذار ويقيلون العثرات، وقد شهدت لهم حوادث كثيرة مشابهة فما كان حالهم إلا كمثل هذا الحال.

أما ما نختم به في هذه الحلقة، فهي شهادة لله تعالى على ما ذكره الشيخ في رسالته هذه حول عدم أخذه من بيت المال؛ فقد كان الشيخ من أورع الناس وأكثرهم تجنبا للشبه المتعلقة بالمال ولا أدل على هذا إلا ما ذكره الشيخ في الرسالة من أنه لما أعطوا أهل الصلاح والسابقة في الجماعة لم يكن اسمه ولا اسم من شاورهم في هذه القسمة الذين هم بأمس الحاجة لها؛ فقد كان يتحرز جدا من «هدايا العمال» ويتعامل معها بحكمة كي لا يكسر قلب من يهديه:

فمرة من المرات جلس مع بعض الإخوة للحديث عن بعض الأمور الإدارية، وكان مع الشيخ أولاده، وبعد الجلسة كان أحد الإخوة الحاضرين قد اشترى بعضا من العصائر والكيك لأبناء الشيخ وأعطاهم إياه في كيس، وقيمتها لا تتجاوز الدولارين، فلما ذهب الإخوة أعطاني هذا الكيس فقلت له: هو لأولادك ولا حاجة لي به، فقال: أخشى أن يكون من هدايا العمال فلا يجوز لي أخذه، فعرفت أن هذه سيرته دائما في مثل هذه المسألة فهو يقبل الهدية لكي لا يحزن إخوانه ثم يتصرف بها إما لبيت المال أو لأشخاص آخرين.

بل إن ابنه كان يحدثني أنه مرة احتاج إلى قلم من أبيه وقد كانت معه عدة أقلام لبيت المال؛ فلم يعطه الشيخ القلم الذي طلبه، فقال له ابنه: أنا أدفع قيمته لبيت المال، فقال له: حتى وإن دفعت، اذهب للشراء من أي مكان آخر.

كانت هذه عفة الشيخ في أموال المسلمين، رغم أنه من أفقر الإخوة وأكثرهم حاجة ولا يأتيه شيء إلا الكفالة الزهيدة التي تدفع له شانه كشأن أصغر وأجدد جندي في الجماعة.

وقد وصلنا مرة مبلغ من أحد أهل الخير، وقال: هذا المبلغ خاص للشيخ عطية، فحينها فرحت فرحا عظيما لأني كنت أتألم لما أراه من حاجة الشيخ مع قلة ذات اليد وعدم قبوله للهدايا، فأرسلت للشيخ رسالة وأخبرته بالخبر، فرد عليَّ قائلا: «أدخل هذا المبلغ في بيت المال؛ فالأخ الذي أرسل المبلغ ليس بيني وبينه علاقة سابقة قبل أن أستلم المسؤولية فلا أستطيع قبولها»، ثم بعدها بمدة جاء مبلغ آخر مخصص للشيخ عطية، فأرسلت له بالخبر فقال لي: «أدخله في بيت المال وفي المستقبل أدخل أي مبلغ مشابه في بيت المال من غير أن تخبرني».

فرحم الله الشيخ عطية الله، ورحم الله الشيخ مصطفى أبو اليزيد، وحفظ الله علماءنا ومشايخنا، وكفاهم تحريش المحرشين.

والحمد لله رب العالمين]

•••

ص 2393

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب:

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا