سيرة الشيخ رحمه الله

هوَ الشـيخُ العالـمُ المجاهدُ الـمرابطُ المهاجرُ القائدُ الأميرُ الحليمُ الخلوقُ الحكيمُ المربِّي المؤلفُ للقلوبِ المجمعُ للصفوفِ رفيعُ الأخلاقِ طيبُ الشمائلِ الصادعُ بالحقِّ والمنتصـر للإسلامِ، المحققُ المنصفُ؛ فضيلةُ الشـيخِ: أبو عبدِ الرحمنِ جمالُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ اشْتِيوي المِصْرَاتِي الليبيِّ، الشهيرِ بـ «عطيةِ اللهِ الليبيِّ»، جزاهُ اللهُ عنِ الإسلامِ وأهلهِ خيرا، وأتمَّ لهُ مَثوبتهُ على هجرتهِ وجهادهِ ورباطهِ وثباتهِ وطلبهِ للعلمِ وبذلهِ لهُ ونشـرهِ، وتقبلهُ الله سبحانه في عدادِ الشهداءِ، ورفعَ ذكرهُ في الدنيا والآخرةِ، وألحقنا بهِ مقبلينَ غيرَ مدبرينَ.. آمينَ.

عطية الله.. أشهرُ منْ علمٍ على رأسه نارٌ؛ سبقَ اسمُهُ رسمَهُ، وعملُهُ علمَهُ، وباتت سـيرته الزكيةُ العطرةُ ذائعةً في كلّ الـميادينِ، ومعلنةً في شتى ساحاتِ المجاهدينَ -التي أمضـى جلَّ حياته فيها-؛ جمع له المولى ﷻ بينَ العلمِ والحكمةِ، والحلمِ وحسنِ القيادةِ، والصبرِ وإتقانِ الإدارةِ، معَ ما يتميز به رحمه الله من صفاتٍ جليلةٍ أخرى كالصمتِ والتفكر العميقِ في الأمور، وحبِّ التأني وعدم التعجلِ، إضافةً إلى كونه خبيرا وبارعا في إدارةِ الشؤونِ الجهاديةِ والمسؤولياتِ الـموكلةِ لهُ في ساحاتِ القتالِ في سبيلِ اللهِ ﷻ، معَ إشـرافهِ على الشؤونِ الخاصة بالساحات الجهادية الأخرى -حيثُ كانَ مسؤولا عنِ التواصلِ معَ أفرعِ «جماعةِ قاعدةِ الجهادِ» حتى مقتلهِ رحمه الله-، وكذلك فقد حباه الله ﷻ بالفراسة؛ مما يجعل المرءَ يعجبُ أشدَّ العجبِ من ذلكَ، ولا غروَ؛ فتاريخُ الرجلِ الطويلُ في الجهادِ معَ تعددِ الساحاتِ التي شاركَ فيها؛ جعلتهُ يكتسبُ خبرةً عظيمةً في هذهِ الأمورِ بالإضافةِ إلى كونهِ رحمه الله طالبَ علمٍ شـرعيٍّ متمكنٍ، معَ حفظهِ لكثيرٍ منَ الأدلةِ الشرعيةِ؛ منَ القرآنِ والسنةِ وآثارِ سلفِ الأمةِ.

ص 37

فكمْ لهذا الشيخِ الجليلِ منَ المواقف؛ التي نصرَ فيها الحقَّ ولمْ يكنْ بالخائفِ؟ وكمْ أخرجَ للناسِ علما، لمْ يكنْ لهُ يوما كاتما، ولا يعني هذا عصمةَ الشيخِ منَ الخطأِ؛ فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمه الله: «لا يسلمُ العالمُ منَ الخطأِ، فمنْ أخطأَ قليلا وأصابَ كثيرا فهوَ عالمٌ، ومنْ أصابَ قليلا وأخطأَ كثيرا فهوَ جاهلٌ»٩جامع بيان العلم وفضله (2/ 280).، وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله: «لوْ قدرَ أنَّ العالمَ الكثيرَ الفتاوى أخطأَ في مئة مسألةٍ لمْ يكنْ ذلكَ عيبا وكلُّ منْ سوى الرسولِ ﷺ يصيبُ ويخطئُ، ومنْ منعَ عالما منْ الإفتاءِ مطلقا وحكمَ بحبسهِ لكونهِ أخطأَ في مسائلَ؛ كانَ ذلكَ باطلا بالإجماعِ»١٠مجموع الفتاوى (6/ 258).، ورحم اللهُ الإمامَ سعيدَ بنَ الـمسيبِ الذي قالَ: «ليسَ منْ شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي سلطانٍ إلا وفيهِ عيبٌ؛ لا بدَّ، ولكنْ منَ الناسِ منْ لا تذكرُ عيوبهُ، منْ كانَ فضلهُ أكثرَ منْ نقصهِ وهبَ نقصهُ لفضلهِ» ١١الكفاية في علم الرواية (ص 79)..

ولمْ يُعرَف اسمُ الشيخِ الحقيقيُّ إلاَّ قبلَ فترةٍ منَ استشهادهِ -أثناءَ الثورةِ الليبيةِ- إذْ كانَ يُعرفُ رحمه الله بعدة ألقابٍ مستعارةٍ وأسماءَ اقتضاها الحالُ لـمناسبةِ الظروفِ الأمنيةِ التي كانَ يمرُّ بها الـمجاهدونَ؛ فمنْ ذلك: أبو أسامةَ الليبيِّ -وهوَ أقدمُ أسمائهِ الذي عرفَ بهِ في الجهادِ الأفغانيِّ الأولِ، ويَعرفهُ بهِ قدامى الإخوةِ-، ومنْ ألقابهِ: محمودُ الحسن، محمود، أبو عبدِ الرحمنِ، عبدُ الكريمِ الليبي.

ودونك مقتطفاتٍ من سيرتهِ العطرةِ، وجوانبَ منْ حياته تقبلهُ اللهُ: