• تساؤل جريء:

سأل بعضُ الناسِ: نلاحظ أن المجاهدين أو «التيار الجهادي» في الأمة وفي شباب الصحوة وفي الحركة الإسلامية فيهم ميلٌ إلى العنف أكثر من غيرهم من الطوائف الإسلامية والتيارات الأخرى، نلاحظ عندهم قسوة وشدة وتشددًا زائدًا وأكثر مما عند غيرهم! وقد يتمادى بهم هذا الخلق وهذا الوصف إلى أن يفضِّلوا ويختاروا الخيارات القاسـية والعنيفة كثيرا، ويتصرفوا تصرفات لا إنسانية أحيانًا وبعيدة عن الرحمة! فما تقولون في هذا؟

ص 762

والجواب: أما كون أهل الجهاد و«التيار الجهادي» كما سميتَهُ، أميلَ إلى العنف من غيرهم من الطوائف الإسلامية والتيارات الأخرى في الحركة الإسلامية فهذا -إن كان- فينبغي أن يكون عاديًّا مفهومًا و«طبيعيًّا» كما يقالُ؛ فإنهم يمارسون أشـياء من جنس العنف والغلظة وهي الحربُ والقتالُ والقتل والذبح وإطارةُ الرؤوس وإراقة الدماء ونثر الأشلاء والتفجيرُ والتدميرُ، ويُعالجون الشدة والقسوةَ في مواجهة الأعداء، فلا عجبَ أن يراهم غيرُهم لا سيما ممّن لم يعرِف الخشونة من أهل الرقّة والنعومةِ وممن نُشّئوا في الحِلية والترف وغلب عليهم حب السلامة وطغى عليهم الوَهْنُ وهو حبُّ الدنيا وكراهية القتال، يراهم عنيفين ذوي غلظةٍ، وهم في الحقيقةِ وفي نفس الأمر ربما كانوا أرقّ قلوبًا منه وأرحمَ وأشفق وأحنَّ على الضعيف..!

والحاصل أن هذا الحكم غيرُ موضوعيّ على الأغلبِ، فإن سُلّم أن فيه شـيئًا من الصحة فهو من مضاعفات هذه الممارسة أحيانًا، التي قد تقع لبعض الناسِ وليست للجميع وليستْ غالبة، فإن الجهادَ كلما كان على الشـريعة حقًا وصدقًا وكان أهلُهُ منضبطين بالشـرع ذوي دينٍ متين وتقوى وفقهٍ، جامعين بين العلم والجهاد، وتقودُهم قيادةٌ رشـيدةٌ؛ فإن أخلاقهم وأمزجتهم تكون من أعدل الأخلاق والأمزجة وخيرِها، ولا مقارنة بينهم وبين غيرهم ألبته.!

ولذلك فإن ما ذكره السائلُ من أنه «قد يتمادى بهم هذا الخلق وهذا الوصف إلى أن يفضِّلوا ويختاروا الخيارات القاسـية والعنيفة كثيرا، ويتصرفوا تصرفات لا إنسانية أحيانًا وبعيدة عن الرحمة!» اهـ؛ فإنه يشـير إلى حالاتٍ وقع فيها الخللُ والانحرافُ، فهذه لها أسبابٌ متعددة، ليس منها ممارسةُ الجهادِ، وهذا يحصُل لأهل الجهاد ولغيرهم؛ فإن من طوائف الناس من الحركة الإسلامية وعوامّ أهل القبلة مَن هو عنيفٌ جدًا وقاسٍ وشديدٌ بل وعُتُلٌ جبّار، دون أن يكون من أهل الحرب والقتال ولا انتمى إلى جهادٍ، وقد يقتصـر عنفه على اللفظ في مواطن لا يقدر فيها على غيره، وعلى صورٍ من عنف المعاملة والأخلاق وتبلّد الإحساس وقلة الرحمة أو انعدامها وغلبة الأنانية والشحّ، فلمَ تظلم الجهادَ وأهلَهُ يا فتى؟!

وبكل حالٍ.. فالحقُّ يقبَل حيثُ هو، والباطل يُرَدُّ ويُنكر ممن كان، فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

[الحلقة الثامنة مجلة طلائع خراسان، العدد الثامن عشـر، ربيع الآخر 1432]