[سبب دفاع كثير من «المنتسبين للدعوة» عن الطواغيت!]
لماذا يا شـيخ نجد هذا الكم الكبير من المنتسبيـن للدعوة يدافعون عن الطواغيت؟
[السائل: أبو أويس]
الجواب:
حسبنا الله ونعم الوكيل.. إلى الله المشتكى وحده لا شـريك له عز وجل..
هذه فتنة من جملة الفتن التي يبتلي الله ﷻ بها عموم الناس، أن يبتليَـهم بفساد بعض العلماء وأهل العبادة، فعلى العبد المسلم أن يلجأ إلى الله سبحانه ويستعيـن به ويجتهد في تحقيق الحق، ويكثر من الدعاء والعبادة، والله كافيه، قال الله تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠﴾ [الروم]، وقال: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١﴾ [النور].
إنها يا أخي الكريم أزمان الفتن التي أخبر عنها رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة؛ (فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنا ويمسـي كافرًا يبيع ديـنه بعرضٍ من الدنيا قليل)٢٢٩صحيح مسلم (118).، فتن تتوالى وتتابع يرقّـق بعضُـها بعضًا أي يُصـيره ويظهِـرُه رقيقًا؛ لأن التي تأتي هي أكبر من أختها فتبدو أختها السابقة صغيرة بالنسبة إليها، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من مضلات الفتن..
والفتنة بالسلاطيـن والأمراء والحكام والملوك هي من أشد أنواع الفتن التي تفسد العلماء وتذهب بديـنهم، ولهذا ورد في الشـريعة التحذير منها، وجاء عن السلف من الصحابة والتابعيـن رضي الله عنهم جميعا في ذلك شـيء كثير، وقد جمع السـيوطي رحمه الله ما ورد في ذلك في رسالته التي أشـرنا إليها في جواب سابق٢٣٠يعني رسالته رحمه الله المسمّـاة: «ما رواه الأساطيـن في فتنة من أتى أبواب السلاطيـن»..
ولو فرض أنه لم يرد في ذلك شـيء صحيح عن النبي ﷺ، فإنه لا شك في تحريم القول على الله بغير علم والكذب على الله ورسوله، وكتمان العلم، والقول بالباطل والحكم به، والسكوت عن الحق المتعيـن بيانه، ومعاونة الفجرة والظالميـن والمحدِثيـن في الديـن، بلهَ الكافريـن الزنادقة المرتديـن، ومعلومٌ يقيـنًا أن قرب السلاطيـن أهل الدنيا، وطرق أبوابهم، وغشـيان مجالسهم، ومخالطتهم، والجلوس على موائدهم وقبول مننهم، أنه وسـيلة مؤكدة إلى تلك المحرمات الموبقات؛ فعُــلِــم بذلك النهي والزجر الأكيد عنها، وتحريمها بلا تردد.!
وهذا هو الذي فهمه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم؛ فحذروا من قربان السلاطيـن أشد التحذير، مع أن السلاطيـن كانوا في زمانهم سلاطيـن الإسلام وأئمة المسلميـن الذيـن يحكمون بشـريعة الإسلام، ويسـيرون جيوش الإسلام لفتح البلاد وبسط كلمة الله على العباد، ورفع رايته فوق كل سهل وجبل.
وأما هؤلاء الحكام اليوم ممن ابتليـنا بهم.. فإن مقاربتهم هي والله السمُّ الزعاف الذي لا يكاد يُرجي لصاحبه بُـرء، نسأل الله أن يعافيـنا وكل أحبابنا ومشايخنا.. آميـن؛ فإذا تأملت ذلك وعرفت ضعف الإنسان وقلة صبر أكثر الخلق وتمكّـن الشهوات من النفوس، لم تستغرب من كثرة الهالكيـن، وإنما الغرابة حقًا في الناجيـن السالكيـن.! وكما قال بعض السلف: ليس العجب فيمن هلك كيف هلك، إنما العجب فيمن نجا كيف نجا..!
نعم.. أولئك الغرباء أهل غربة الديـن الذيـن أخبر عنهم النبيّ ﷺ بقوله: (بدأ الإسلام غريبا وسـيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء)٢٣١صحيح مسلم (145) لكن بلفظ: (وسيعود كما بدأ غريبا..)، ورواه بهذا اللفظ جماعة كُثر.، ولما سئل عنهم أخبر بأنهم: (الذيـن يصلحون ما أفسد الناس)٢٣٢سنن الترمذي (2630)قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الألباني: ضعيف جدا.، و(يَـصلُـحون إذا فسد الناسُ)٢٣٣أخرجه باسم المفعول: الإبانة الكبرى لابن بطة (531، 532)، وصححه الألباني في: السلسلة الصحيحة (1273).، وأخبر أيضًا أنهم (النزاع من القبائل)٢٣٤سنن ابن ماجه (3988) وصححه الألباني، مسند أحمد (3784) وصحح إسناده أحمد شاكر، والأرنؤوط وقال: «على شرط مسلم».، وأنهم (اجتمعوا على كلمة الله تعالى ونصـرة ديـنه على غير أرحام بيـنهم)٢٣٥لم أجده بهذا اللفظ ألبتة، ولكن جاء في: سنن أبي داود (3527) من حديث عمر بن الخطاب: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ، قَالَ: (هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ..)، وصححه الألباني.، وأنهم (يُحيون سنته ﷺ عند فساد أمته)٢٣٦جاء بلفظ: (الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله)، في: مسند الشهاب (1053)، جامع بيان العلم (1902)، وفيه: كثير بن عبد الله؛ ضعيف، ومنهم من نسبه إلى الكذب. وقد صح بعض هذه الزيادات دون البعض الآخر!، كما يتحصل من مجموع الأحاديث.
فهؤلاء «طوبى» لهم، أي الخير الكثير لهم من الله تعالى عندما يُجازى الخلق على أفعالهم، و«طوبى» أيضا شجرة في الجنة يسـير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها كما جاء في الخبر الصحيح، أولئك هم الناجون المفلحون.. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
ولذلك يتعيـن على العبد في أزمان الفتن هذه أن يتحرّى في أخذ ديـنه عن المنتسبيـن إلى العلم المتسميـن بالعلماء، وأن يبحث عن الحق، ويـنظر فيما أخبر عنه النبي ﷺ من الواجبات في هذه الأحوال وعن صفات الغرباء والناجيـن والطائفة الظاهرة المنصورة ويجتهد في الكون معهم ومنهم، فإن فعل ذلك واستعان بالله تعالى واعتصم به، فإنه مفلح لا محالة.
روى البخاري ومسلم عن حذيفة h قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثيـن قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر؛ حدثنا أن (الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: (يـنام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرُها مثلَ الوكت، ثم يـنام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المَـجْـل؛ كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شـيء، ثم أخذ حصـى فدحرجه على رجله، فيصبح الناسُ يتبايعون لا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانة، حتى يقال إن في بني فلان رجلا أميـنا، حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليّ زمانٌ وما أبالي أيكم بايعتُ، لئن كان مسلما ليردّنه علىّ ديـنـه، ولئن كان نصـرانيا أو يهوديا ليردنه علىّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا) هذا لفظ مسلم٢٣٧صحيح البخاري (7086، 7276)، صحيح مسلم (143). و(الوكت) هو الأثر اليسير، وقيل: هو سواد يسير، (المجل) بإسكان الجيم وفتحها لغتان والمشهور الإسكان، وهو التنفط الذي يصير في اليد من العمل بفأس أو نحوها ويصير كالقبة فيه ماء قليل، (فنفط) يقال نفطت يده نفطا من باب تعب ونفيطا إذا صار بين الجلد واللحم ماء، (ومنتبرا) مرتفعا... وبالله التوفيق والعصمة.
•••