[قتال الأنظمة المرتدة، جماعة «التوحيد والجهاد» في المغرب الأقصى، مشروع توحيد الجماعات الجهادية المعاصرة، مسألة الأولى بالقتال: العدو القريب أم البعيد]

أولا: هل من الحكمة في ظل الهجمة الصليبية أن تفتح الحركات الجهادية المعاصـرة في هذا الوقت النار على أنظمتها المرتدة؟ أم أن الحكمة تقتضـي الصـراع مع جبهة واحدة الآن؟

ص 148

ثانيا: في المغرب الأقصـى.. سمعنا بظهور جماعة اسمها «التوحيد والجهاد»؛ هل هي من ضمن الحركات الجهادية المعاصـرة؟ وماهي فرصها في النجاح إذا ما كررت التجربة الجزائرية؟

ثالثا: هل هناك تنسـيق أو مشـروع توحيد للحركات الجهادية المعاصـرة من العراق إلى أفغانستان والصومال وفلسطيـن والجزائر والمغرب؟

[السائل: ابن الختار]

الجواب:

(أولا): هذا فيه تفصـيل، ويختلف بحسب الأحوال؛ فقد توجد في بلدٍ ما فرصة للدخول في حربٍ مع العدوّ المحليّ المرتد؛ بحيث تتوفر مقومات نجاح هذا المشـروع الجهادي من وجود أنصار (شعب، وجمهور، وبيئة مهيئة مساعدة) ووجود ظرف سـياسـي خادم ومساعد، وظرف اجتماعي واقتصادي، ومن حيث قوة الحركة الإسلامية واستعدادها، وغير ذلك؛ فعندئذ فليتوكلوا على الله.

لأن الأصل هو المشـروعية؛ بل وجوب الخروج على نظام حكم الردة، ومنابذته ومحاربته لإزالته وتغييره، هذا لا إشكال فيه ولا نطيل به؛ لكن ننظر في القدرة على ذلك..

وفي إمكان أن يكون خروجنا موفقًا ناجحا مسددا أو غير ذلك، ولنا بعض السعة ولله الحمد والمنة في اختيار الوقت المناسب والظرف، المهم أن النية معقودة والعمل جارٍ والسعي ماضٍ دائما؛ فمن وجدوا فرصة مناسبة فلا نمنعهم، بل نشجّعهم وننصـرهم.

وأما غير ذلك أي ما لم توجد الفرصة المناسبة والإمكانيات الجيدة للنجاح والاستعداد الجيد؛ فنرى أن يتوجه الشباب للجهاد في الساحات المفتوحة ويـنصـروا إخوانهم فيها، وليعلموا أنهم بذلك قاموا بالواجب وعملوا لبلادهم وشعبهم وأهلهم؛ لأن نصـر المجاهديـن في أي مكان هو نصـر لهم، وتقوية وإعداد.

والآن صارَ المجاهدون عالميًا ومحليا أكثر ارتباطا وتلاحمًا وتناصـرًا، ومعركتهم تكاد تكون واحدة، وأي أناس يجاهدون في أرضهم وبلدهم عدوًا مرتدا محليًا؛ فإنهم سـيجدون أنفسهم لا محالة في مواجهة القوى الصهيوصليبية العالمية بقيادة أمريكا، واعتبر بالجزائر والصحراء، والصومال الآن، والله الموفق، لا إله غيره ولا ربَّ سواه.

ص 149

وهنا أحب التنبيه إلى مسألة: وهي أن بعض الإخوة يستدلون بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] على وجوب البدء بالعدوّ المحليّ المرتدّ، وعدم جواز الانتقال إلى غيره الأبعد منه مطلقا، قالوا: لأن العدو المحليّ هو الأقرب وهو معنى ﴿ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم﴾.. وهذا الاستدلال غير سديد..! لأن المراد من الآية على ما يظهر -والله أعلم بمراده ﷻ- الأمر بالجهاد لفتح البلاد ونشـر ديـن الإسلام والسعي لإدخال الناس فيه؛ ففي حال الاستواء (استواء البدء بهذا أو ذاك) وهو الأصل؛ فإن المأمور به هو قتال الأقرب فالأقرب، والسـير على هذا المنوال لفتح البلدان ونشـر ديـن الله تعالى، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وليس في الآية تعرّضٌ لما إذا كانت الحاجة قاضـية بالبدء بقتال عدوّ قبل غيره.! بل الآية مسوقة لأمر المسلميـن بأن يقاتل كلُّ قوم في ناحيتهم مَنْ يليهم من الكفار، ليـنشـروا ديـن الله تعالى.

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسـيره: «كان جميع بلاد العرب خلَص للإسلام قبل حجة الوداع؛ فكانت تخوم بلاد الإسلام مجاورة لبلاد الشام مقرّ نصارى العرب، وكانوا تحت حكم الروم؛ فكانت غزوة تبوك أول غزوة للإسلام تجاوزت بلاد العرب إلى مشارف الشام ولم يكن فيها قتال ولكن وُضعت الجزية على أيْلَةَ وبُصـرى، وكانت تلك الغزوة إرهابًا للنصارى، ونزلت سورة براءة عقبها؛ فكانت هذه الآية كالوصـية بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام بحيث كلَّما استقر بلد للإسلام وكان تُجاوره بلاد كفر كان حقًا على المسلميـن غزو البلاد المجاورة، ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ثم العراق ثم فارس ثم انثنوا إلى مصـر ثم إلى إفريقية ثم الأندلس؛ فالجملةُ مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا تكملة للأمر بما يتعيـن على المسلميـن في ذيول غزوة تبوك» ٥٧التحرير والتنوير (11 / 62، 63). اهــ

أو نقول: ما في الآية هو الأصل، وهو حال الاختيار، وإن شئت فقل: حال استواء الأمر في البدء بهذا أو بهذا، فإذا وُجِـد مرجّح للبدء بأيهما فيعمَل به، وبعبارة أخرى فـ﴿ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم﴾ عمومٌ قابل للتخصـيص بما تدلّ الأدلة على اعتباره من تقديم أو تأخير أو مانعٍ، والله أعلم

فإذا كانت حاجة المسلميـن بحسب ما يعطيه النظر للإسلام والمسلميـن (للمصلحة الديـنية والأخروية أولا، ثم الدنيوية) داعيةً إلى البدء بالعدوّ الفلاني لأنه الأسهل؛ فنقدر عليه ونتقوى بأخذه، ويكون عونًا لنا على ما بعده، وإلى غير ذلك من الأسباب، وتأخيرِ غيره لأنه قويّ ربما أنهكنا البدء به ولأن أسباب الغلبة عليه ليس متوافرة كما هي في الأول؛ فإننا نبدأ بذلك الأول المذكور وهو الأبعد، وليس في القرآن والسنة ما يمنع ذلك.

ص 150

بل هذا هو مقتضـى السـياسـية الشـرعية التي مبناها على تحقيق المصالح الشـرعية الأخروية والدنيوية ما أمكن، ودفع المفاسد ما أمكن، بشـرط كون ذلك كله في حدود ما أذن الله فيه، بمعنى ألا يخالف شـرعه ولا يتعدى الحدود التي وضعها ﷻ.

قال ابن قدامة في المغني: «مسألة قال: ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو، الأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ﴾، ولأن الأقرب أكثر ضـررا وفي قتاله دفع ضـرره عن المقابل له وعمن وراءه، والاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلميـن لاشتغالهم عنه. قيل لأحمد: يحكون عن ابن المبارك أنه قيل له: تركت قتال العدو عندك وجئت إلى هاهنا؟ قال: هؤلاء أهل الكتاب، فقال أبو عبد الله [يعني الإمام أحمد]: سبحان الله ما أدري ما هذا القول! يترك العدو عنده ويجيء إلى هاهنا؟! أفيكون هذا أو يستقيم هذا؟ وقد قال الله تعالى ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ﴾ ولو أن أهل خراسان كلهم عملوا على هذا لم يجاهد الترك أحد.

وهذا والله أعلم إنما فعله ابن المبارك لكونه متبرعًا بالجهاد، والكفايةُ حاصلة بغيره من أهل الديوان وأجناد المسلميـن، والمتبرع له ترك الجهاد بالكلية، فكان له أن يجاهد حيث شاء ومع من شاء.

إذا ثبت هذا.. فإن كان له عذرٌ في البداية بالأبعد لكونه أخوفَ، أو لمصلحة في البداية به لقربه وإمكان الفرصة منه، أو لكون الأقرب مهادنا، أو يمنع من قتاله مانع؛ فلا بأس بالبداية بالأبعد لكونه موضع حاجة»٥٨المغني (9 / 202). اهـ، وبالله التوفيق.

•••