• تنافس الصحابة رضي الله عنهم وتسابقهم إلى الخير والفضل والدرجات العالية:
قوله: «فبات الناس» أي أصحاب النبي ﷺ، حينما سمعوا منه تلك الكلمة التي فيها منقبة لمن يكون صاحبها، «باتوا يدوكون» أي يخوضون ويتحدثون في هذا الأمر يا ترى من يكون صاحب هذه المنقبة العالية؟، ومن هو صاحب الحظ الطيب الوافر من الفضل الذي أخبر النبي ﷺ أنه يحب اللهَ ورسوله ويحبُّه اللهُ ورسوله؟.
قال علماؤنا: ومما يبيّن لك فضيلة الصحابة رضي الله عنهم أنهم باتوا منشغلين في معرفة صاحب هذه الفضيلة يرجو كلٌ منهم أن ينالها، حتى إذا أصبحوا غدوا إلى رسول الله ﷺ كل واحدٍ منهم يرجو أن ينالها، وتطاولوا لها واستشـرفوا -رغم بُعدهم عن الحرص على الإمارة- حتى غفلوا عن البشارة بالفتح (فتح خيبر) انشغالًا منهم واهتماما بفضيلة محبة الله ورسوله!.
فقوله: «يدوكون»؛ أي يخوضون ويتحدثون ويختلفون في هذا الأمر، وقوله: «ليلَتَهم»؛ بالنصبِ على الظرفية، فهو ظرفٌ للدَّوكِ؛ المعنى: باتوا يدوكونَ طَوالَ ليلتهم، وقوله: «أيُّهم يُعطاها» جملةٌ حاليّة؛ فموضعُها نصبٌ، كأنه قال: باتوا يتحدثون طوال ليلتهم يتساءلون ويحزرون ويستظهرون: مَنْ يُعطى الراية؟!
قوله: «فلما أصبح الناسُ غدَوْا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها»؛ غدوا: أي ذهبوا إليه صباحًا، وفيه إشارة إلى المبادرة والتبكير، وفيه دلالة على قوة الحرص على الخير والمسابقة إليه وقوة الاهتمام به كما تقدم، وكذا قوله: «كلهم يرجو أن يُعطاها» أي كل الصحابة، ولعله من العموم المراد به الخصوص، والمقصود والله أعلم: كل من تأهل في الجملة لنيل هذه المرتبة، وهم جماعة مقدمي الصحابة المقربين، والسادة السابقون من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، ومنهم عمر h، قال: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ؛ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها» رواه مسلم وغيره٤٩٣صحيح مسلم (2405).، ومنهم بريدة بن الحصيب الأسلمي h، قال: «وأنا فيمن تطاول لها» رواه أحمد وغيره٤٩٤مسند أحمد (22993) وقال الأرنؤوط: حديث صحيح..
وفيه كما تقدم حرص الصحابة على الفضيلة ومحبتهم للخير، رغم عدم حرصهم على الإمارة إلا أنهم هنا كان دافعهم الحرص على هذه الفضيلة والمنقبة العظيمة.