۞ العلماء والدعاة والشورى المطلوبة.. قضية للتأمّل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله صحبه ومن والاه:
الشورى خلق إسلامي أصيل رفيع، وسنة كريمة من سنن المصطفى ﷺ، أمر الله بها رسوله تعليما لأمته وتنبيها لمكانها وفضيلتها، واتفق عقلاء الأمم قديمها وحديثها على أهميتها والحث عليها والعمل بها لا سيما للملوك والقادة وأولي أمور الناس..
ويكفي في بيان فضلها ما ورد في كتاب الله من جعلها صفة للمؤمنين في قوله تعالى في السورة الكريمة المسماة بها «الشورى» -وهذه التسمية هي أيضا منبهة لشرفها-: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٣٦ وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧ وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨﴾ [الشورى] الآيات؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ﴾ جملة اسمية جارية صفةً للذين آمنوا، والوصف بالجملة الاسمية يفيد أن هذه الصفة ثابتة لهم لا تنفك عنهم، والمراد هنا ما ينبغي أن يكون، وقوله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: 159].
وفي السنة من فعله وقوله ﷺ الكثير مما هو معروف مشهور، بل كانت الشورى في حياته صفة مميزة واضحة لايخطِئُها الملاحظ.. وعلى هذا مضت الأجيال الفاضلة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
ومعلوم أن للشورى أحكاما وآدابا بحثها العلماء والفقهاء والحكماء في كتبهم ودواوينهم، وسجلوا فيها كل ما يتعلق بهذه الفضيلة من الفوائد والتجارب والمآثر.
والغرض هنا أن أطرح -للتأمل والتنبيه- مسألة أهمية التحلي بهذه الصفة الفضيلة (الشورى) بين علمائنا وطلبة العلم والدعاة إلى الله والمربين من أهل الخير والصلاح والجهاد..
فباعتبار أن العلماء والدعاة إلى الله تعالى هم القادة الحقيقيون للأمة، (أو المفروض كذلك):
هل يتحلّى علماؤنا بهذه الصفة ويمارسونها بشكل ثابت ومستمر فيما بينهم؟
وكذلك الدعاة وطلبة العلم ممن هم دون العلماء الكبار لكن يشاركون في التوجيه والترشيد لمسيرة أمتنا ونهضة جيلنا؟ على مستوى الفتوى، وعلى مستوى الأفكار العملية والعمل الدعوى والعمل السياسي، وعلى مستوى البحث العلمي، وغير ذلك، أفرادًا وجماعاتٍ. كم رأينا من عالمٍ من العلماء يبحث في تخريج حديث مثلًا ثم يقول: لم أجده، أو لم أعرفه.. وهذه عبارة حديثيّة معروفة عند العلماء ولها معناها الدقيق.
نعم، ولكن هل كان بإمكان هذا العالم أن يرفع سمّاعة الهاتف ويتصل بأخيه العالم الآخر الموجود بالهند أو السند أو موريتانيا أو المغرب أو غيرها من بلاد المسلمين، فيستشيره ويستعين به لعل أخاه قد عثر على الحديث وعرفه لا سيما إن كان الحديث مما ينبني عليه عمل مهم من العبادات أو المعاملات؟!
وماذا نقول الآن في عصر الإنترنت وتقنية المعلومات المتقدمة، وهي نعمة إن أحسنا استغلالها.
وفي مجال الفتوى، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمة العامة والقضايا المصيرية أعني السياسية الاجتماعية منها بشكل أخصّ.. هل للشورى بيننا مكانها الواجب..؟ وخذ مسألة الغزو الأمريكي المزمع للعراق مثالا.
وعلى مستوى الحركات الجهادية مثلًا: عندما أفتى بعض الشيوخ الفضلاء بجواز قتل نساء عساكر الطواغيت المرتدين وأطفالهم في الجزائر باجتهاد ارتآه، هل بذل جهده قبل ذلك في التشاور مع مَنْ أمكنه من إخوانه من العلماء والمشايخ وطلبة العلم والجماعات التي لها مؤسسات للبحث الشرعي والفتوى، وعرض عليهم رأيه قبل أن ينشره للعامة ويعلنه للعالَمِ؟ ومعلوم خطر هذه المسألة وعظم شأنها؟ وقس على ذلك. وهكذا عندما يساند علماؤنا ودعاتنا موقفا، وعندما يتبنون حركة ويدعمونها، وقس عليه.
بالتأكيد أنا لا أقصد بالشورى هنا المؤسسات كمراكز البحوث ونحوها وهي وسائل مهمة لتطبيق الشورى وتفعليها بين أهل العلم متى تخلّصت من تعقيدات الروتينية المفرطة وغيرها من العيوب، ومتى صَفَتْ لأهل الخير والصلاح والجهاد، وخلتْ عن مخالطة أهل الزيغ والضلال والبدع والأهواء وعملاء الطواغيت.. وهو ما يصعب أن يتم لأهل الخير في كثير من البلاد اليوم..
ولكن الذي أقصده هنا أن تكون الشورى صفةً ملازمة لنا في كل أمورنا، يتشاور العالم والداعية مع من أمكنه وقاربه من إخوانه وليكثروا التدارس في مسائل الأمة التي هي من الأمور الجامعة التي لا يصلح فيها التفرّدُ ولا يحصل الاطمئنان بإيكالها إلى عقل واجتهاد الفرد في الغالب، وليعتمد الداعية والعالم أنه متى عنّ له رأيٌ أو اجتهاد في مسألة أن يعرضه على من أمكن من إخوانه من أهل العلم والتقوى والصلاح ويتشاور معهم فيه قبل إبرازه للناس.
وفق الله علماءنا ودعاتنا وقاداتنا إلى ما فيه الخير والصلاح.. ونسأل الله أن يعفو عنا وعن سائر المسلمين.. وأن يفرّج عنا وعن أمة محمد ﷺ فرجا عاما قريبا.. إنه وليّ حميد.
والحمد لله أولا وآخرًا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
•••